Indexed OCR Text
Pages 81-100
قال غيره : ومن الدليل على أن النبي - عليه السلام - ربما قال الشيء أو فعله وليس بالأفضل عنده ؛ لما يريد من تنكيل الناس وعقوبتهم ، أنه عليه السلام نهاهم عن الوصال فلم ينتهوا ؛ فواصل يومًا ثم يومًا حتى رأوا الهلال وقال: ((لو تأخر لزدتكم))، كالمنكل بهم حين أبوا أن ينتهوا ، ومثله قوله يوم الطائف: (( إنا قافلون غداً إن شاء الله . فقال الناس : قبل أن نفتحها ؟ قال : فاغدوا على القتال ، فغدوا فأصيبوا بجراحات ، فقال عليه السلام : إنا قافلون غدًا إن شاء الله ، فسروا بذلك )). وفيه أن النبي كان إذا أراد أن يعاقب في أمر يكون تأديبًا لمن عاقبه عليه ، خطب الناس قائما ؛ ليكون أثبت في قلوبهم وأردع لمن أراد مثل ذلك . وفيه دليل أن المكاتب عبد ما لم يؤد وما بقي عليه درهم ، روي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن المسيب والقاسم وسالم وعطاء ، وهو قول مالك والثوري و[الكوفيين والأوزاعي ] (١) والشافعي وأحمد وإسحاق . قال مالك : وكل من أدركنا من أهل العلم ببلدنا يقولون ذلك . وفيها قول آخر روي عن علي بن أبي طالب أنه إذا أدى نصف كتابته عتق . قال ابن مسعود : لو كانت الكتابة مائتي دينار، وقيمة العبد مائة دينار ، فأدى العبد المائة التي من قيمته عتق . وهو قول النخعي ، وعن ابن مسعود : إن أدى ثلث الكتابة عتق . وهو قول شريح . وحجة الجماعة أن النبي - عليه السلام - أجاز بيع المكاتب بقوله : (١) من (( هـ))، وفي (( الأصل)): الكوفيون. - ٨١ - ((اشتريها وأعتقيها)). فبان بذلك أن عقد الكتابة لا يوجب لها عتقًا. حتى تؤدي ما انعقد عليه ، وأن عتقها يتعلق بشرط الأداء. قال ابن القصار : ولا تخلو الكتابة أن تجري مجرى العتق بالصفة، [ أو مجرى البيع، أو الرهن، وإن كانت تجري مجرى العتق بالصفة](١) فيجب ألا يعتق إلا بعد أداء جميع الكتابة ، كما لو قال [له] (١) : أنت حر إن دخلت الدار ، فلا يعتق إلا بعد دخولها، وإن كان يجري مجرى البيع فيجب ألا يعتق أيضًا إلا بعد الأداء ، كما لو باع عبدًا فإنه لا يلزمه تسليم المبيع إلا بقبض جميع الثمن ، وإن جرت [٢/ ١٠٠- ب] مجرى الرهن فكذلك؛ [ لأنه ] (١) لا يستحق أخذ الرهن / حتى يؤدي جميع ما عليه . وقوله : باب إذا قال : اشترني وأعتقني ، فاشتراه لذلك ، فاختلف فيه العلماء فقال الأوزاعي : لا يباع المكاتب إلا للعتق ، ويكره أن يباع قبل عجزه . وهو قول أحمد وإسحاق، وقال الكوفيون: لا يجوز بيعه حتى يعجز . وقال الداودي : اختلف قول مالك في فسخ الكتابة بالبيع للعتق ، فقال بعض أصحابه : كانت بريرة عجزت . و[ هذه ] (٢) دعوى من قائله وتحكم ، والحديث يدل على خلافه . قال ابن المنذر : واختلف عن الشافعي في هذه [ المسألة] (١) (فقال) (٣): ولا أعلم حجة لمن قال : ليس له بيع المكاتب ، إلا أن يقول : لعل بريرة عجزت . فقال الشافعي : و( أظهر معانيه أن لمالك ) (٤) المكاتب بيعه . قال ابن المنذر والداودي : وفي ترك الرسول سؤال بريرة: هل (١) من ( هـ)). (٣) في (( هـ)): قال الشافعي. (٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): هذا. (٤) في ((هـ)): إن ظهر مدعيه أن مال . - ٨٢ - عجزت أم لا ؟ دليل على أن المكاتب يباع للعتق عجز أم لم يعجز . قال ابن المنذر : وإذا لم يختلف أهل العلم أن للرجل أن يبيع عبده قبل أن يكاتبه ، فعقده الكتابة غير مبطل ما كان له من بيعه، كما هو غير مبطل ( ما كان له ) (١) من عتقه ، ولو لم يكن له بيعه ما كان له عتقه؛ لأن بيعه إياه إزالة ملكه عنه ، كما عتقه سواء . ودل خبر عائشة في قصة بريرة أنها بيعت بعلم النبي - عليه السلام- فلم ينكره ، ومن قول عوام أهل العلم : أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم ، فلم يمنع الرجل من بيع عبده الذي لو شاء أعتقه . وخبر عائشة مستغنى به عن قول كل أحد . قال الطبري : وفي قوله عليه السلام لعائشة: (( اشتريها وأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق)) أوضح دليل على أن بريرة إذ ( عتقت لم تعتق)(٢) عند عائشة بالتحرير الذي كان من مواليها لها (عند) (٣) عقد الكتابة ، ولكنها عتقت بعتق كان من عائشة لها بعد ابتياعها ، فلذلك [ كان ] (٤) ولاؤها لعائشة دون مواليها ( البائعين ) (٥) لها . وفي ذلك أبين البيان أن عقد الكتابة الذي كان عقد لها مواليها انفسخ بابتياع عائشة لها ، وهذا يرد قول من زعم أن عائشة أرادت أن تشتري منهم الولاء بعد عقدهم الكتابة ، وتؤدي إليهم الثمن ليكون لها الولاء، ولو كان هذا صحيحًا لكان النكير على عائشة دون موالي بريرة؛ لأنها أرادت أن تشتري الولاء الذي نهى النبي عنه ، وليس الأمر كذلك ، وإنما كان الإنكار على موالي بريرة ؛ لأن الولاء لا يباع ولا يكون إلا للمعتق . (١) تكررت في ((الأصل)). (٣) في (( هـ)): عن . (٥) في (( هـ)): قبل العقد . (٢) فى (( هـ)): علقت العتق. (٤) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): جاز . - ٨٣ - وفيه من الفقه : أن كتابة الأمة ذات الزوج جائزة دون زوجها ، وفي ذلك دليل أنه ليس لزوجها من الكتابة ، وإن كان ذلك يؤول إلى فراقها إياه بغير إذنه إذا خيرت واختارت نفسها ، ولما كان للسيد عتق [ الأمة تحت ] (١) العبد وإن أدى ذلك إلى بطلان نكاحه ، وله أن يبيع أمته من زوجها الحر ، وإن كان في ذلك بطلان زوجيتها ، كان هذا المعنى يجيز كتابتها على رغم زوجها . : وفيه حجة لقول مالك أن للمرأة أن تتجر بمالها من غير علم زوجها. ؛ لأن عائشة اشترت بريرة و[ أنها ] (١) إنما استأمرت رسول الله في أمر الولاء خاصة . وفيه أن للمرأة أن تعتق بغير إذن زوجها ، وقد أكثر الناس في تخريج الوجوه في حديث بريرة حتى بلغوها نحو مائة وجه ، وللناس [ في ذلك] (١) أوضاع ، وسيأتي في كتاب النكاح كثير من معانيه - إن شاء الله . (١) من ((هـ). - ٨٤ - كتاب : الهبة وفضلها والتحريض عليها فيه : أبو هريرة ، قال النبي - عليه السلام -: ((يا نساء (المؤمنات)(١)، لا تحقرن جارة جارتها ولو فرسن شاة ». وفيه: عائشة، قالت لعروة: (( ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ، ثلاثة أهلة في شهرین ، وما أوقدت في أبیات رسول الله نار ، فقلت : يا خالة ، وما كان يعيشكم ؟ قالت : الأسودان : التمر والماء ، إلا أنه قد كان لرسول الله جيران من الأنصار كانت لهم منائح ، وكانوا يمنحون رسول الله من ( ألبانها ) (٢) فيسقيناه)). قال المهلب : فيه الحض / على التهادي والمتاحفة ولو باليسير ؛ لا (٣/ ٥ ١٠١-١) فيه من استجلاب المودة ، وإذهاب الشحناء ، واصطفاء الجيرة ، ولما فيه من التعاون على أمر العيشة المقيمة للإرماق ، وأيضًا فإن الهدية إذا كانت يسيرة فهي أدل على المودة ، وأسقط للمئونة ، وأسهل على المهدي لإطراح التكليف . وفي حديث عائشة ما كان [ النبي - عليه السلام - ] (٣) عليه من الزهد في الدنيا ، والصبر على التقلل ، وأخذ البلغة من العيش ، وإيثار الآخرة على الدنيا ؛ لأنه ( حمد حين ) (٤) خير بين الدنيا والآخرة ، فاختار الآخرة ، وأن يكون نبيًا عبدًا ولا يكون نبيًا ملكًا ، فهذه سُنَّه وطريقته . وفي هذا من الفقه فضل التقلل والكفاف على التنعم والترفه ، وفيه (١) في (( هـ)): المؤمنين. (٣) من ( هـ ). (٢) فى (( هـ) : ألبانهم . (٤) في (( هـ)): قد . - ٨٥ - حجة لمن آثر الفقر على الغنى ، وفيه أن من السَّنَّة مشاركة الواجد المعدم ، وأن يكون الناس يشتركون فيما بأيديهم بالتفضل من الواجد . قوله: (( يا نساء المؤمنات)) على غير الإضافة ، تقديره : يا أيها النساء المؤمنات ، ومثله : يا رجال الكرام ، فالمنادى هاهنا محذوف وهو أيها ، والنساء في تقدير النعت لأيها ، والمؤمنات نعت [للنساء](١). وحكى سيبويه : يا فاسق الخبيث ، ومذهبه [ فيه ] (٢) : أن فاسق وشبهه معرف بياء ، کتعریف زيد بياء في النداء ، وكذلك يا نساء هنا مخرج على مذهبه أن يجوز نصب نعته ، كما جاز يا زيد العاقلَ ، [فنصب العاقل] (٢)، فيجوز على هذا يا نساء المؤمنات. وأما من روى: (( يا نساءَ المؤمنات)) على الإضافة ونصب النساء، [فيستحيل] (٣) أن تكون المؤمنات هاهنا من صفات النساء ؛ لأن الشيء. لا يضاف إلى نفسه ، وإنما يضاف إلى غيره مما يبينه به ويضمه إليه ، ومحال أن يبينه بنفسه أو يضمه إليها ، هذا مذهب البصريين . وقد أجاز الكوفيون إضافة الشيء إلى نفسه ، واحتجوا بآيات من القرآن تتخرج معانيها على غير تأويلهم ، منها قوله تعالى : ﴿ ولدار الآخرة﴾ (٤)، و﴿ دين القيمة﴾ (٥) . وقال الزجاج وغيره : معناه : دار الحال الآخرة ؛ [ لأن ] (٦) للناس حالين : حال الدنيا ، وحال الآخرة ، ومثله : صلاة الأولى ، والمراد صلاة الفريضة الأولى ، والسعة الأولى ؛ لأنها أول ما فرض (١) من (هـ))، وفي ((الأصل)): النساء. (٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)) : يستحيل. (٤) يوسف : ١٠٩، النجل : ٣٠. (٦) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): أن. (٢) من ( هـ)). (٥) البينة : ٥ . - ٨٦ - من الصلوات ، ومعنى قوله تعالى : ﴿ دين القيمة﴾ (١) دين الملة القيمة ، ولهذا وقع التأنيث ، لكنه يخرج (( يا نساء المؤمنات )) على تقدير بعيد ، وهو أن تجعل المؤمنات نعتًا لشيء محذوف غير النساء ، كأنه قال : يا نساء الأنفس المؤمنات ، والمراد بالأنفس الرجال ، وفيه بُعْدٌ لفساد المعنى ؛ لأن النبي إنما خاطب النساء بذلك على وجه الفضيلة لهن والتخصيص ، وعلى هذا الوجه ، لا فضيلة لهن في ذلك ، إلا أن يراد بالأنفس الرجال والنساء معًا ، فيكون تقديره : يا نساء من الأنفس المؤمنات ، على تقدير إضافة البعض إلى الكل ، كما تقول : أخذت دراهم مال زيد ، ومال واقع على الدراهم وغيرها . وقوله : (( ولو فرسن شاة)) أصل الفرسن للإبل ، وهو موضع الحافر من الفرس ، ويقال لموضع ذلك من البقر والغنم : الظلف ، وقال الأصمعي : الفرسن : ما دون الرسغ من يدي البعير ، وهي مؤنثة ، والجمع : الفراسن . وقال ابن السكيت : إنما الفرسن للبعير، فاستعير للشاة ، وأنشد في مثله : تربط بالحبل أكيرعاتي أشكو إلى مولاي من مولاتي فاستعار الأكارع للإنسان ، كما استعار الفرسن للشاة . باب : القليل من الهدية فيه: أبو هريرة، قال عليه السلام: (( لو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت ، ولو أهدي إليَّ ذراع أو / كراع لقبلت)). [٣/ق١٠١-ب] هذا حض منه لأمته على المهاداة والصلة والتأليف والتحاب ، وإنما (١) البينة : ٥ . - ٨٧ - أخبر أنه لا يحقر شيئًا مما يُهدى إليه أو يدعى إليه ؛ لئلا يمتنع الباعث من المهاداة لاحتقار المهدى ، وإنما أشار بالكراع وفرسن الشاة إلى: المبالغة في قبول القليل من الهدية ، لا إلى إعطاء الكراع والفرسن ومهاداته ؛ لأن أحداً لا يفعل ذلك . باب : من استوهب من أصحابه شيئًا وقال أبو سعيد: قال رسول الله: ((اضربوا لي معكم سهمًا)). وفيه: سهل، قال النبي للمرأة الأنصارية: (( مري غلامك النجار يعمل لي أعواد المنبر ... )) الحديث . وفيه : أبو قتادة قال: (( فناولته العضد ، فأكلها حتى نفذها وهو محرم)) . استيهاب الصديق الملاطف حسن إذا علم أن ما يستوهبه تطيب به نفسه ، ويسر بهبته ، ويبين هذا أنه قد جاء في حديث آخر أن المرأة الأنصارية كانت تطوعت للنبي وسألته أن تصنع له المنبر ، وكانت وعدته بذلك ، وإنما قال عليه السلام: (( اضربوا لي معكم سهمًا )). في الغنم التي أخذوا في الرَّقية بفاتحة الكتاب ، وقال في لحم الصيد : (( هل معكم منه شيء )) ليؤنسهم لما تحرجوا من أكله بأن يريهم حله عيانًا بأكلة منه . ومن هذا الحديث ، قال بعض الفقهاء : إن المآكل إذا وردت على قوم دون مجالسيهم أنهم مندوبون إلى مشاركتهم . - ٨٨ - باب : من استسقى وقال سهل: قال لي النبي: (( اسقني)). فیه : أنس قال : « أتانا النبي - عليه السلام - في دارنا هذه فاستسقی ، فحلبنا شاة لنا ، ثم شَبْتُهَ من ماء بترنا هذه ، فأعطيته ، وأبو بكر عن يساره، وعمر تجاهه ، وأعرابي عن يمينه ، فلما فرغ قال عمر : هذا أبو بكر، فأعطى الأعرابي فضله، ثم قال : الأيمنون ( الأيمنون) (١) ، ألا فيمنوا. قال أنس : فهي سنة - ثلاثًا )) . هذا مثل الباب الذي قبله ، لا بأس بطلب ما يتعارف الناس بطلب مثله ، من شُرْب الماء واللبن ، وما تطيب به النفس ، ولا يتشاح فيه، ولا سيما أن زمن النبي زمن مكارمة ومشاركة ، وقد وصفهم الله أنهم كانوا يؤثرون على أنفسهم ، وإنما أعطى الأعرابي ولم يستأذنه كما استأذن الغلام ؛ ليتألفه بذلك لقرب عهده بالإسلام . وفيه : أن السنة لمن استسقي أن يسقي من على يمينه ، وإن كان [من](٢) على يساره أفضل ممن جلس على يمينه ، ألا ترى قول أنس: فهي سُنَّة ثلاث مرات . وذلك يدل على تأكيدها. وقد تقدم بيان هذا المعنى في كتاب الأشربة . باب : قبول هدية الصيد ، وقبل النبي من أبي قتادة عضد الصيد وفيه: أنس: (( أنفَجْنَا أرنباً بمر الظهران ، فسعى القوم فلغبوا ، فأدركتها فأخذتها ، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها ، وبعث إلى النبي بوركها - أو فخذيها ، قال : فخذيها لا شك فيه - فقبله ، قلت : وأکل منه ؟ قال: وأكل منه، ثم قال بعد [ قبله] (٣))) . (١) في ((هـ)): فالأيمنون. (٢) من (( هـ)). (٣) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): قتله . - ٨٩ - وفيه : ابن عباس عن الصعب بن جثامة: (( أنه أهدى لرسول الله حماراً وحشيًا و[هو ] (١) بالأبواء - أو بودّان - فرد عليه ، فلما رأى ما في وجهه قال : أما إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم )) . قول شعبة : [ قوله ] (٢): (( فخذيها لا شك فيه )» دليل أنه شك في الفخذين أولا ثم استيقن ، وكذلك شك ( آخرا ) (٣) في الأكل ، فأوقف حديثه على القبول ، وقبول هدية الصيد وغيره هي السّنّة ، لقوله عليه السلام: (( لو أهدي إليّ كراع أو ذراع لقبلته » . وفي رد النبي الحمار على الصعب بن جثامة وهو محرم دليل على [٣/ق١٠٢-١) أنه لا يجوز قبول / ما لا يحل من الهدية ؛ لأن النبي إنما ردّه عليه لأنه لا يحل له قتل الصيد وهو محرم ، وكان الحمار حيًا ؛ فدل هذا أن المهدي إذا كان معروفًا بكسب الحرام ، أو بالغصب والظلم فإنه لا يجوز قبول هديته . وفيه الاعتذار إلى الصديق ، وإذهاب ما يخشى أن يقع بنفسه من الوحشة وسوء الظن ، وقد تقدم هذا الحديث في كتاب الحج وما للعلماء فيه ، وكذلك تقدم حديث أنس في كتاب الصيد ، وتفسير. أنفَجْنَا . باب : قبول الهدية فیه : عائشة : « أن الناس کانوا یتحرون بهدایاهم يوم عائشة ، يبتغون بذلك مرضاة رسول الله )) . وفيه : ابن عباس: (( أهدت أم حفيد - خالة ابن عباس - إلى النبي (١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): هم. (٣) في (( هـ)): آخر. (٢) من (( هـ)). - ٩٠ - عليه السلام - أقطًّا وسمنًا و( ضبًا) (١) ، فأكل النبي من الأقط والسمن، وترك ( الضب ) (٢) تقذراً، قال ابن عباس : فأكل على مائدة رسول الله ، ولو كان حرامًا ما أكل على مائدة رسول الله )) . وفيه : أبو هريرة : (( كان النبي - عليه السلام - إذا أتي بطعام سأل عنه: أهدية أم صدقة ؟ فإن قيل : صدقة. قال لأصحابه : كلوا ، ولم يأكل ، وإن قيل : هدية . ضرب بيده فأكل معهم )) . وفيه: أنس: (( أتي النبي بلحم ، فقيل : تصدق به على بريرة ، فقال : هو لها صدقة ، ولنا هدية )) . وفيه: أم عطية: ((دخل النبي على عائشة ( فقال ) (٣): (عندكم) (٤) شيء ؟ قالت : لا ، إلا شيء بعثت به أم عطية من الشاة التي بعثت إليها من الصدقة ، قال : إنها قد بلغت محلها )) . قد روي عن مالك في حديث الضب أن النبي - عليه السلام - أمر ابن عباس وخالد بن الوليد بأكل الضب في بيت ميمونة ، فقالا له : (ألا) (٥) تأكل يا رسول الله؟ فقال: ((إني يحضرني من الله حاضرة - يعني الملائكة الذين يناجيهم - ورائحة الضب ثقيلة )) فلذلك تقذره عليه السلام خشية أن يؤذي الملائكة بريحه . في هذا من الفقه ، أنه يجوز للإنسان أن يتقذر ما ليس بحرام عليه لقلة عادته [ بأكله](٦)، ( ولذمه ) (٧)، وإنما كان النبي لا يأكل الصدقة ؛ لأنها أوساخ الناس، وأخذ الصدقة منزلة ضعة؛ لقوله عليه السلام: ((اليد العليا (١) في (( هـ)): أضبًا. (٣) في (( هـ)): وقال . (٥) في (( هـ)): ولا . (٧) في (( هـ)): أو لوهمه . (٢) في (( هـ )) : الأضب. (٤) في (( هـ)): أعندكم. (٦) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): لأكله. - ٩١ - خير من اليد السفلى)). والأنبياء منزهون عن [ منازل ] (١) الضعة والذلة ، وأيضًا فلا تحل الصدقة للأغنياء ، وقد عدد الله على نبيه أنه وجده عائلا فأغناه ، فلهذا كله حرمت عليه الصدقة . وقوله في لحم بريرة: ((هو لها صدقة، ولنا هدية))، وقوله : ((قد بلغت محلها )» فإن الصدقة يجوز فيها تصرف الفقير بالبيع والهدية وغير ذلك ؛ لصحة ملكه لها ، فلما أهدتها بريرة إلى بيت مولاتها عائشة حلت لها وللنبي ، وتحولت عن معنى الصدقة لملك المتصدّق عليه بها ، ولذلك قال عليه السلام: (( وهي لنا من قبلها هدية وقد بلغت محلها)) أي: [ قد ] (٢) صارت حلالا [ بانتقالها ] (٣) من باب الصدقة إلى باب الهدية ؛ لأن الهدية جائز أن يثيب عليها بمثلها وأضعافها على المعهود منه عليه السلام ، وليس ذلك شأن الصدقة وقد تقدمت هذه المعاني في ( موضع آخر ) (٤) . باب: من [ أهدى ] (٥) إلى صاحبه ، وتحرى بعض نسائه [ دون بعض ] (٢) فيه: عائشة: ((كان الناس يتحرون بهداياهم يومي ، وكان نساء النبي حزبين : حزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة ، والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء النبي - عليه السلام - وكان ( المسلمون ) (٦) قد علموا حب رسول الله ( عائشة ) (٧)، ( فإذا كان عند أحدهم هدية يريد (١) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): مواضع. (٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)) : بأنها لها. (٤) في (( هـ )) : مواضع أخرى . (٦) في (( هـ) : الناس . (٢) من (( هـ )). (٥) من (( هـ))، وفي (( الأصل)) : يهدي . (٧) في ((هـ)): لعائشة . - ٩٢ - أن يهديها إلى رسول الله أخرها حتى إذا كان رسول الله في بيت عائشة بعث / صاحب الهدية بها إلى رسول الله إلى بيت ) (١) عائشة ، فكلم [٣/ ١٠٢٥ -ب) حزب أم سلمة فقلن لها : ( كلمي ) (٢) رسول الله يكلم الناس يقول : [من ](٣) أراد أن يهدي إلى رسول الله هدیة فليهدها إلیه حیث کان من نسائه، فكلمته أم سلمة ( بما قلن) (٤)، فلم يقل لها شيئًا [ ثلاثًا] (٣)، ( فسألنها ، قالت : ما قال لي شيئًا . فقلن لها : کلمیه . فكلمته حین دار إليها أيضًا ، فقال) (٥) لها : لا تؤذيني في عائشة ، فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة ، قالت : فقلت : أتوب إلى الله من [أذاك](٦) يا رسول الله. ثم إنهن دعون فاطمة ( بنت ) (٧) رسول الله، [فأرسلت ] (٨) إلى رسول الله تقول : إن نساءك (ينشدنك) (٩) العدل في ابنة أبي بكر ، فقال: يا بنية ، ألا تحبين ( ما) (١٠) أُحب ؟ فقالت : بلى . فرجعت إليهن فأخبرتهن ، فقلن لها : ارجعي إليه . فأبت أن ترجع، فأرسلن زينب بنت جحش ، [ فأتته ](٣) فأغلظت ، وقالت : إن نساءك ( ينشدنك ) (٩) العدل في ( بنت ابن ) (٧) أبي قحافة ، (فرفعت)(١١) صوتها ( حتى تناولت عائشة وهي قاعدة فسبتها ، حتى أن رسول الله ينظر ) (١٢) إلى عائشة هل تكلم ، قال: فتكلمت عائشة (١) في ((هـ)): فيتحرون بهداياهم يوم . (٢) فى (( هـ)): كلم . (٤) في (( هـ)) : بذلك . (٣) من (( هـ)). (٥) في (( هـ )): ثم قال . (٦) من (( هـ)، وفي ((الأصل)): ذلك. (٧) في (( هـ)): ابنة . (٨) في (( الأصل)): فأرسلن وفي ((هـ)): وأرسلن والمثبت من ((ن)) والفتح. (٩) في (( هـ )) : ينشدك . (١٠) في (( هـ)): من . (١١) في ((هـ)): ورفعت. (١٢) في (( هـ) : وسبت عائشة وهي قاعدة فنظر النبي. - ٩٣ - حتى أسكتتها ، ( قال) (١): فنظر النبي إلى عائشة و[قال] (١): إنها بنت أبي بكر )) . قال المهلب : في هذا الحديث من الفقه : أنه ليس على الرجل حرج في إيثار بعض نسائه بالتحف والطرف من المأكل ، وإنما يلزمه العدل في المبيت والمقام معهن ، وإقامة نفقاتهن وما لا بد منه من القوت والكسوة ، وأما غير ذلك فلا ، وفيه تحري الناس بالهدايا أوقات المسَرّة ومواضعها من المهداة إليه ؛ ليزيد بذلك في سروره ، وفيه أن الرجل يسعه السكوت بين نسائه إذا تناظرن ، ولا يميل مع بعضهن على بعض ، كما سكت النبي حين تناظرت زينب وعائشة ، ولكن قال [ آخرّاً] (٢): ((إنها بنت أبي بكر)). ففي هذا إشارة إلى: التفضيل بالشرف والفهم . باب : ما لا يرد من الهدية فيه: أنس: (([ كان لا يرد الطيب، وزعم أن النبي ◌َلو كان لا يرده](٣)» . قال المهلب : إنما كان النبي لا يرد الطيب من أجل أنه كان يلازمه i. لمناجاته الملائكة ، ولذلك كان لا يأكل الثوم وما شاكله ، وفي هذا الحديث [ دليل] (٤) أن [ من ] (٤) الهدايا ما يرد لعلة، إذا كان. لذلك وجهٌ ، وأن الطيب لا وجه لرده ؛ لأنه من المباحات (١) في (( هان)): قالت (٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): اجتزاء. (٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): قال النبي: لا يرد الطيب. (٤) من (( هـ )). - ٩٤ - المستحسنات ، وقد قال عليه السلام: (( حُبُّبَ إليّ من الأشياء النساء والطيب)). باب : من رأى الهبة الغائبة جائزة فيه : مروان والمسور: (( أن النبي حين جاءه وفد هوازن قام في الناس فقال : إن إخوانكم جاءونا تائبين ، وإني رأيت أن أرد إليهم سبيهم ، فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل ، ومن أحب أن يكون على حظه ... )) الحديث . قال المهلب : هبة الشيء الغائب جائزة عند العلماء ، ولا أعلم في ذلك خلافًا ، وفيه أن للسلطان أن يرفع أملاك قوم إذا كان في ذلك مصلحة واستئلاف . باب : المكافأة في الهدية فيه: عائشة: (( كان النبي يقبل الهدية ويثيب عليها)). قال المهلب : الهدية على ضربين : فهدية للمكافأة ، وهدية للصلة والجوار . فما كان للمكافأة كان على سبيل البيع وطريقه ، ففيه العوض ، ويجبر المهدى إليه على سبيل العوض ، وما كان لله أو للصلة فلا يلزم عليه مكافأة ، وإن فعل فقد أحسن . وقد اختلف الفقهاء فيمن وهب هبةً ثم طلب ثوابها، / وقال: [٣/ ١٠٣٥-١) إنما أردت الثواب . فقال مالك : ينظر فيه ، فإن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له فله ذلك ، مثل الفقير للغني ، وهبة الغلام لصاحبه، وهبة الرجل لأميره، [ و] (١) من [ هو ] (١) فوقه . وهو (١) من (( هـ)). - ٩٥ - أحد قولي الشافعي. وقال أبو حنيفة : لا يكون له ثواب إذا لم يشترطه، وهو قول الشافعي الثاني ، قال : والهبة للثواب باطل لا تنعقد ؛ لأنها بيع بثمن مجهول . واحتج ( الكوفي) (١) بأن موضع الهبة التبرع ، فلو أوجبنا فيها العوض لبطل معنى التبرع ، وصار في معنى المعاوضات ، والعرب قد فرقت بين لفظ البيع ولفظ الهبة ، فجعلت لفظ البيع واقعًا على ما يستحق فيه العوض ، والهبة بخلاف ذلك . قال ابن القصار : والحجة لمالك أن النبي - عليه السلام - كان يقبل الهدية ويثيب عليها ، والاقتداء به واجب لقوله تعالى : ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (٢). وروي أن أعرابيًا أهدى إلى: النبي بعيرًا فأثابه عليه فأبى ، فزاده فأبى ، فقال له عليه السلام: ((لقد هممت ألا أتهب إلا من قرشي أو دوسي)» . فدل أن الهبة تقتضي الثواب وإن لم يشترطه ؛ لأن النبي أثابه وزاده في الثواب حتى بلغ رضا الأعرابي ، ولو لم يكن واجبًا لم يثبه ولم يزده ، ولو [أثاب](٣) تطوعًا لم تلزمه الزيادة ، وكان ينكر على الأعرابي طلبه للثواب حتى يحصل علمه [ هذا ] (٤) عند الناس . وأما ( قوله ) (٥) : إن الهبة موضوعة للتبرع ، ومخالفة للفظ البيع، فالجواب : أن الهبة لو لم [ تقتض ] (٦) العوض أصلا لكانت بمنزلة الصدقة ، يقصدُ بها ثواب الآخرة . والفرق بين الهبة والصدقة : أن الواهب يقصد المكافأة في الأغلب، (١) في (( هـ)»: الكوفيون. (٢) الأحزاب : ٢١ . .(٤) من (( هـ)). (٣) من (( هـ)، وفي (( الأصل )): ثاب." (٦) من ((هـ))، وفى ((الأصل)): تقتضي. (٥) في (( هـ )) : قولهم . - ٩٦ - و[ليست] (١) الصدقة كذلك، والفقير إذا وهب للغني ينبغي أن يكون بمطلقه يقتضي الثواب ؛ وإن كان الثواب مجهولا ، كقطعة الحمام والشارب والملاح ، وقد جرى العرف بذلك ، [ وأيضًا فإن الواهب دخل على ] (٢) أخذ العوض ، وإن لم يذكره ، فصار كأنه عقد معاوضة ، ولنا أن نستدل بقوله تعالى : ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ (٣) فهو عام في كل هدية وهبة ، فلو أهدى له مما يتحيا [ به ] (٤) من مسموم وغيره ، وطلب الثواب كان ذلك له، ووجب على المحيا أن يحيي بأحسن منها ، أو يردها بأمر الله له بذلك . فإن قيل : هذا ندب ، والوجوب لا يتعلق بعوض زائد. فالجواب: أنه ندب إلى أحسن منها ، وإلا فالرد واجب لفعل الرسول . وقد روي عن عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب أنهما قالا : إذا وهب الرجل هبة ولم يثب منها فهو أحق بها ، ولا مخالف لهما [ في الصحابة ] (٥) . باب : الهبة للولد وإذا أعطى بعض ولده شيئًا لم يجز حتى یعدل بينهم ویعطي الآخرین مثله ، ولا یشهد علیه وقال الرسول: (( اعدلوا بين أولادكم في العطية))، وهل للوالد أن يرجع في عطيته ، وما يأكل من مال ولده بالمعروف ولا يتعدى و((اشترى (١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): ليس. (٢) من (( هـ))، وفي (( الأصل)): و. (٤) في ((هـ))، وفي (( الأصل)) : له . (٣) النساء : ٨٦ . (٥) من ( هـ ). - ٩٧ - النبي - عليه السلام - من عُمر بعيرًا ثم أعطاه ابن عمر [وقال](١) اصنع به ما شئت )) . فيه: النعمان: (( أن أباه أتى به النبي - عليه السلام - فقال : إني نحلت ابني هذا غلامًا ، فقال : أكل ولدك نحلت مثله ؟ قال : لا . قال : فارجعه)). وقد [ ذكره ](٢) البخاري في كتاب الشهادات وقال فيه : «لا أشهد علی جور )). اختلف العلماء في الرجل ينحل بعض ولده دون بعض ، فكرهه طاوس [وقال ] (٣): لا يجوز ذلك، ولا [ رغيف ] (٤) محرق. وهو قول عروة ومجاهد ، وبه قال أحمد وإسحاق ، قال إسحاق : فإن فعل فالعطية باطلة ، وإن مات الناحل فهو ميراث بينهم . واحتجوا بأن النبي - عليه السلام - رد عطية النعمان وقال له : ((اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم))، وبقوله: ((لا أشهد على جور)). وأجاز ذلك مالك في الأشهر عنه ، وهو قول الكوفيين والشافعي ، [٥/٣ ١٠٣ -ب) وإن كانوا يستحبون أن يسوي / [ بينهم ] (٥) ذكرانًا كانوا أو إناثًا . وقال عطاء وطاوس : يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، كما قسم الله بعد موته . وهو قول الثوري ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق، وقال سحنون : إذا تصدق بجل ماله ولم يكن فيما استبقى ما يكفيه ؛ ردت صدقته ، وإن أبقى من ذلك ما يكفيه جازت صدقته . (١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): فقال. (٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): ذكر. (٣) من ((هـ)، وفي ((الأصل)): فقال. (٤) من ((هـ))، وفي (( الأصل)): رغيفًا. (٥) من (( هـ). - ٩٨ - ٠ وقد قال مالك : لم يكن ( لبشير ) (١) [مال غير] (٢) الغلام الذي نحله ابنه . ومن حجة الذين أبطلوا ذلك أن إعطاء بعضهم دون بعض يؤدي إلى قطع الرحم والعقوق ، فيجب أن يكون محرماً ممنوعًا منه ؛ لأنه لا يجوز عليه صلى الله عليه أن يحث على صلة الرحم ويجيز ما يؤدي إلى قطعها ، قالوا : وقد كان النعمان وقت ما نحله أبوه صغيرًا ، وكان أبوه قابضًا له لصغره عن القبض ، فلما قال [ له ] (٣) عليه السلام: [ اردده ] (٣) ، بعد ما كان في حكم ما قبض ؛ دل على أن النحل لبعض ولده لا ينعقد ولا يملكه المنحول . قال الطحاوي : ومن حجة الذين أجازوا التفضيل أن حديث النعمان لا دليل فيه على أنه كان حينئذ صغيرًا ، ولعله كان كبيراً لم يكن قبضه . وقد روي الحديث على غير هذا المعنى ، [ روى داود بن أبي هند عن الشعبي ] (٣) ، عن النعمان : أن النبي - عليه السلام - قال : ((أكُلَّ ولدك نحلته مثل هذا ؟ قال : لا ، قال : أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء ؟ قال : بلى ، قال : فأشهد على هذا غيري)) . فهذا خلاف ما في الحديث الأول، وهذا القول لا يدل على فساد العقد الذي عقد للنعمان ؛ لأن النبي قد يتوقى في الشهادة على ماله أن يشهد عليه . وقوله: ((أشهد على هذا غيري)» دليل على صحة العقد ، وقد أمر النبي بالتسوية بينهم ليستووا جميعًا في البر ، وليس في شيء من هذا فساد العقد على التفضيل ، فكان كلام النبي إياه على طريق المشورة ، وعلى ما ينبغي أن يفعل عليه [ الشيء ] (٣) إن آثر فعله . (١) في (( هـ)): لبشر. (٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): غير مال. (٣) من ( هـ)). - ٩٩ - وكان عليه السلام إذا قسم شيئًا بين أهله سوّى بينهم جميعًا ، وأعطى المملوك كما يعطي الخر . ليس ذلك على أنه واجب ، لكنه أحسن من غيره ، وقد روى معمر عن الزهري ، عن أنس قال: (( كان مع رسول [ الله ] (١) رجل فجاء ابن له فقبله وأجلسه على فخذه ، ثم جاءت ابنة له فأجلسها إلى جنبه ، قال : فهلا عدلت بينهما)). أفلا ترى رسول الله أراد منه التعديل بين البنت والابن ، وألا يفضل أحدهما على الآخر . فإن قيل: فقوله عليه السلام: (( لا أشهد على جور )) يدل [على](١) أن إعطاء بعضهم لا يجوز . قيل : ليس قوله ذلك بأشد من قوله: ((فارجعه)) .. وهذا يدل [ على ] (١) أن العطية قد لزمت وخرجت عن يده ، ولو لم تكن صحيحة لم يكن له أن يرتجع ؛ لأنها ما مضت ولا صحت فيرتجمع ، فأمره بذلك ؛ لأن المستحب والمسنون التسوية . ولما أجمعوا على أنه مالك لماله ، و[ أن له أن ](٢) يعطيه من شاء من [ الناس، كذلك يجوز أن يعطيه من شاء من ] (١) ولده ، والدليل على جواز ذلك أن أبا بكر الصِّدِّيق نحل ابنته عائشة دون سائر ولده ، ونحل عمر ابنه عاصمًا دون سائر ولده ، ونحل عبد الرحمن ابن عوف ابنته أم كلثوم ولم ينحل [ غيرها ] (١) . وأبو بكر وعمر إمامان وعبد الرحمن ومحله ، ولم يكن في الصحابة من أنكر ذلك . والحجة على من قال: نجعل حظ الذكر مثل حظ الأنثيين كالفرائض. قوله عليه السلام: (( أكل ولدك نحلت مثل هذا)) ، ولم يقل له : [هل] (١) فضلت الذكر على الأنثى؟ ولو كان ذلك [مستحباً ] (٣) (١) من ( هـ)). (٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): أنه .. (٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): مستحيلا. - ١٠٠ -