Indexed OCR Text

Pages 481-500

وبه قال أحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وقال الشافعي : لا تجوز إلا
في النخل والكرم خاصةً ؛ لأن المساقاة [ عنده ] (١) لا تجوز إلا فيما
يجوز فيه الخرص للزكاة ، وذلك النخل والكرم ، [ قال ] (٢): لأن
ثمرها بائن من شجره، [و] (٢) لا حائل دونه يمنع إحاطة النظر إليه ،
وغيرهما متفرق بين أضعاف ورق شجره ، لا يحاط بالنظر إليه .
وحجة القول الأول أن المساقاة إنما جازت في النخل ؛ لأنها أصول
ثابتة لا يمكن بيع ثمرها ، ولا إجارتها قبل وجودها ، فجاز أن يساقى
عليها بجزء من ثمرها ، كما جاز في القراض أن يدفع المال بجزء من
ريحه لحاجة الناس إلى ذلك ، وضرورتهم إليه في أمر معاشهم ،
فجازت في كل أصل ثابت يبقى كالزيتون ، والتين ، والرمان ،
والفرسك ، والورد ، والياسمين ونحوه ؛ لأن النبي ساقى أهل خيبر
على نصف الثمر ، وهذا عام في جميع الأشجار .
ومن قال : [ إنما ] (٣) تجوز المساقاة فيما فيه الزكاة، فيلزمه أن
يجيز المساقاة في الزرع وغيره من الحبوب التي فيها الزكاة ، فلما لم
يجزها علم أن المساقاة لم تجب من أجل وجوب الزكاة ، وإنما جازت
للضرورة إليه وأن مالكها لا يقدر على عملها بنفسه .
قال الطحاوي: [ ويلزم ] (٢) الشافعي أن يجيز المساقاة في
الزيتون، والتين ، والكمثرى ، والأجاص ، والرمان وكل شيء يظهر
من شجره ؛ لأن ذلك يحاط بالنظر إليه .
وقال أبو عبد الله بن أبي صفرة قوله: ((وكانت الأرض لما ظهر
عليها لله ولرسوله وللمسلمين)) يريد حين ظهر عليها كل الظهور ،
حين صالحوه بالخروج عن أموالهم على أن يحقن دماءهم ، فكانت
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): عندهم.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)) : إنها .
(٢) من (١ هـ)).
- ٤٨١ -

خيبر لله وللرسول وللمسلمين بما أخذ منهم في الصلح وخمس ما أخذ
عنوةً؛ لأن المسلمين أخذوا سهامهم من العنوة .
ولا يعارض ما روي في كتاب الخمس ((وكانت الأرض لما ظهر
عليها لليهود وللرسول وللمسلمين)) وهذا معناه حين ظهر ( عليها)(١)
في العنوة قبل القسمة كانت لله ولرسوله ، وكانت [ عين ] (٢) العنوة
لليهود قبل أن يصالحوه، فلما صالحوه كانت بعد الصلح وقبل قسمة
العنوة لله ولرسوله ، ثم لما قسم العنوة كانت لله ولرسوله الصلح
وخمس العنوة ، وللمسلمين أربعة أخماس العنوة .
وقوله : (( لما ظهر عليهم في الطريق الذي فيه لله ولرسوله ولليهود»
أي ظهر في الرجاء ؛ لأنه كان أخذ ( أعظمها ) (٣) حصنًا، فاستولى
عليها رجاء ، ألا ترى أنهم لجئوا إلى مصالحته لما رأوا من ظهوره ،
فتركوا الأرض وسلموها لحقن دمائهم ، فكان حكم ذلك الصلح ،
وما انجلى عنه أهله بالرعب حكم الفيء لم يجز فيه خمس ، وإنما
استخلص منه رسول الله لنفسه ، وكان [ باقيه ] (٤) لنوائب المسلمين
وما يحتاجون إليه .
باب : ما كان أصحاب النبي يواسي بعضهم بعضًا
في ( الزراعة ) (٥) والثمر
فيه : رافع عن عمه قال: (( لقد نهانا النبي - عليه السلام - عن أمر كان
بنا رافقًا ، قلت : ما قال رسول الله فهو حق ، قال : دعاني رسول الله ،
فقال : ما تصنعون بمحاقلكم ؟ قلت : نؤاجرها على الربع ، وعلى
(١) فى ((هـ): عليهم
(٣) في (( هـ)) : معظمها .
(٥) فى ((هـ)) : المزارعة.
(٢) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): غير.
(٤) من (هـ)) وفي ((الأصل)): بواقيه.
- ٤٨٢ -

الأوسق من التمر والشعير، قال: لا تفعلوا، ازرعوها أو [أزرعوها](١)،
أو أمسكوها ، قال رافع: قلت: سمعا وطاعةٌ )).
وفيه: جابر قال: / « كانوا (يزارعونها) (٢) بالثلث والربع والنصف، [٦٢٥/٢ -١]
فقال عليه السلام : من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها ، فإن لم
يفعل فلیمسك أرضه » .
وروى أبو هريرة مثل حديث جابر ، وقال عمرو : [ ذكرته ] (٣)
لطاوس، [ فقال] (٤): يزرع، قال ابن عباس: ((إن النبي - عليه
السلام - لم ينه عنه ، ولكن قال : أن يمنح أحدكم أخاه خير له
[من](٥) أن يأخذ شيئًا معلومًا )).
وفيه : ابن عمر: (( أنه كان يكري مزارعه على عهد النبي - عليه
السلام - وأبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وصدرًاً من إمارة معاوية ،
ثم حدث عن رافع بن خديج أن النبي نهى عن كراء المزارع ، فذهب
ابن عمر إلى رافع فذهبت معه فسأله ، فقال : نهانا النبي - عليه
السلام - عن كراء المزارع . فقال ابن عمر : قد علمت أنا كنا نكري
مزارعنا على عهد رسول الله بما على الأربعاء وشيء من التبن ، ثم
خشي عبد الله أن يكون النبي - عليه السلام - قد أحدث في ذلك
شيئًا لم يكن يعلمه ، فترك كراء الأرض)).
احتج من منع [ المزارعة ] (٦) بحديث رافع عن عمه [ قال ] (٥):
((لقد نهانا النبي عن أمر كان بنا رافقًا ... )) وبحديث جابر ، وبترك
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): زرعوها.
(٢) في (( هـ )) : يزرعونها.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): ذكر .
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): قال .
(٦) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): الزراعة .
(٥) من ( هـ).
- ٤٨٣ -

ابن عمر ( كراء ) (١) الأرض [ من أجل حديث رافع ] (٢)، واحتج
الذين أجازوا المزارعة بحديث ابن عمر أن النبي - عليه السلام - عامل
أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر على ما تقدم ذكره .
وقال ابن المنذر : اختلفت ألفاظ أحاديث رافع ، واختلفت فيها
العلل التي من أجلها نهي عن كراء الأرض وعن المخابرة ، فأحد تلك
العلل : اشتراطهم أن لرب الأرض ناحيةً منها . وعلة ثانية : وهو
اشتراطهم الأكار أن ما سقى الماذيان والرّبيع فهو لنا ، وما سقت
الجداول فهو لكم . وعلة ثالثة : وهي إعطاؤهم الأرض على الثلث
والربع والنصف . وعلة رابعة : وهو أنهم كانوا يكرونا بالطعام المسمّى
[ والأوسق] (٢) من الثمر. و[علة خامسة] (٣): وهي أن نهيه عن
ذلك عليه السلام كان لخصومة وقتال كان بينهم .
وروي عن عروة بن الزبير ، عن زيد بن ثابت قال: (( يغفر الله
لرافع ، أنا والله أعلمُ بالحديث منه ، إنما أتى رجلان من الأنصار قد
اقتتلا ، فقال رسول الله : إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع ،
فسمع قوله : لا تكروا المزارع)) . وعلة سادسة: احتج بها من جعل
نهيه عليه السلام عن ذلك نهي تأديب ، وذلك قول ابن عباس: (( أن
النبي - عليه السلام - لم ينه عنه: يعني: لم يحرمه )). وروى
شعبة عن عمرو بن دينار ، عن طاوس، عن ابن عباس (( أن النبي -
عليه السلام - لم يحرم المزارعة ، وإنما أراد أن ( يرزق ) (٤) بعضهم
( بعضاً ) (٥) )).
قال ابن المنذر : فإِذا كان سبيل أخبار رافع ما ذكرنا وجب الوقوف
(١) في ((هـ )) : كري.
(٣) من ((هـ)) وفي ( الأصل)): على ناحية.
(٤) في (( هـ)): يرفق .
(٢) من ( هـ )
(٥) في (( هـ )» : لبعض
- ٤٨٤ -

عن [ استعمالها ] (١)؛ لكثرة عللها ، ووجب القول بحديث ابن
عمر، وهو خبر ثابت لا علة فيه ، وكذلك قال سالم بن عبد الله :
أكثر رافع ، ولو كانت لي مزارع [ لأكريتها ] (٢). وقال أحمد بن
حنبل : أحاديث رافع مضطربة ، وأحسنها حديث يعلى بن حكيم عن
سليمان بن يسار .
وأما قوله في حديث رافع: ((فنؤاجرها على الأوسق من التمر
والشعير)). فإن العلماء اختلفوا في كراء الأرض بالطعام ، فقال أبو
حنيفة ، والأوزاعي ، والثوري ، والشافعي ، وأبو ثور : يجوز أن
تكرى الأرض بالطعام كله إذا كان معلومًا في ذمة المكتري ، قالوا :
وكل ما جاز أن يكون ثمنًا لشيء جاز أن تكرى به الأرض ما لم يكن
مجهولا أو غررًا .
وروي ذلك عن النخعي ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والحجة
لهم حديث الأوزاعي عن ربيعة ، [ عن ] (٣) حنظلة ابن قيس قال :
(« سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق ، فقال :
لا بأس به ، إنما كان الناس على عهد رسول الله يؤاجرون الأرض بما
على الماذيانات وإقبال الجداول ، فيهلك هذا ، ويسلم هذا ، فزجر عنه
رسول الله ، فأما شيء معلوم مضمون فلا )» قالوا : فقد أخبر رافع
بالعلة التي لها نهى رسول الله عن ذلك ، وهو جهل البدل ، وأخبر
أن كراها جائز بكل شيء معلوم .
قال / ابن المنذر : إن أكراها بطعام معلوم يكون في ذمة المكتري ، [٣/ ١٢ -ب]
أو [ بطعام ] (٤) حاضر يقبضه ، فذلك جائز، وأما إن أكراها بجزء
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): استعماله.
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): أكريتها .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)) : بن.
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): طعام .
- ٤٨٥ -

مما يخرج منها فذلك غرر ؛ لأنها قد تخرج و[ قد ] (١) لا تخرج
وهذا عند الشافعي المزارعة المنهي عنها ، وقال مالك : لا يجوز أن
يكري الأرض بشيء مما يخرج منها أكل أو لم يؤكل ، ولا بشيء من
ما يؤكل ويشرب ، خرج منها أم لا .
واختلف أصحابه في ذلك ، فقال ابن كنانة : لا تكرى الأرض
بشيء إذا أعيد فيها نبت ، ولا بأس أن تكرى بما سوى ذلك من
الطعام وغيره . وقال ابن نافع : جائز كراء الأرض بكل شيء من
الطعام والإدام غير الحنطة والسلت والشعير، فإنها محاقلة .
والحجة لمالك ما رواه شعبة عن يعلى بن حكيم ، عن سليمان بن
يسار، عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله: ((من كانت له
أرض فليزرعها ، أو يُزرعها ، ولا يكريها بثلث ولا بربع ، ولا بطعام
مسمّى )) وهذا عموم في كل ما يخصه اسم طعام ، سواء أنبتته الأرض
أم لا ، وإذا أكراها بطعام فهو في معنى المخابرة المنهي عنها ؛ لأنه
يصير [ طعامًا ] (٢) بطعام متأخر أو [ طعامًا ] (٢) بطعام متفاضلا،
وذلك محرم .
الربيع : الجدول ، والماذيانات : جداول الماء ، وما نبت على
حافتي مسيل الماء .
باب : كراء الأرض بالذهب والفضة
وقال ابن عباس : إن أمثل ما أنتم [ صانعون ] (٣) أن تستأجروا
الأرض البيضاء من السنة إلى السنة .
(١) من (( هـ ) .
(٢) في ((الأصل)): طعام. والمثبت من (( ها)).
(٣) من ((هـ )، وبياض في ((الأصل)).
- ٤٨٦ -

فيه : رافع قال: (( حدثني عماي أنهم كانوا [ يكرون ] (١) الأرض
على عهد النبي - عليه السلام - بما ينبت على الأربعاء أو بشيء يستثنيه
صاحب الأرض ، ( فنهانا ) (٢) النبي - عليه السلام - عن ذلك ، فقلت
الرافع : فكيف [ هي ] (٣) ( بالدينار والدرهم ) (٤)؟ فقال رافع: ليس
بها بأس ( بالدينار والدرهم ) (٤) )) قال الليث : وكان الذي نهى
[عن](٥) ذلك ما لو نظر فيه ذو الفهم بالحلال والحرام لم [ يجزه ] (٦)
لما فيه من المخاطرة .
اتفق العلماء [على ] (٣) أنه يجوز كراء الأرض بالذهب والفضة ،
قال ابن المنذر : وهذا إجماع الصحابة ، وذهب ربيعة إلى أنه لا يجوز
أن يكرى بشيء غير الذهب والفضة . وقال طاوس : لا تكرى
بالذهب ولا بالفضة ، وتكرى بالثلث والربع . وقال الحسن البصري:
لا يجوز أن تكرى الأرض بشيء لا بذهب وفضة ولا بغيرهما .
والحجة لقول الحسن ما روي عن رافع بن خديج (( أن الرسول نهى
عن ( كري ) (٧) الأرض مطلقًا)) وقال: إذا [ استأجرها ] (٨) وحرث
فيها لعله أن يحترق زرعه ، فيردها وقد زادت بحرثه لها ، فينتفع رب
الأرض بتلك الزيادة دون المستأجر ، وهذا ليس بشيء ؛ لأن سائر
البيوع لا تخلو [ من شيء ] (٣) من الغرر ، والسلامة فيها
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يكترون.
(٢) في (( هـ) : فنهاها .
(٣) من (( هـ)).
(٤) في (( هـ)): بالدنانير والدراهم.
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): من .
(٦) في ((الأصل)): يجيزه، وفي (( هـ ) : يجيزوه.
(٧) في (( هـ )): كراء .
(٨) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): استؤجرت.
- ٤٨٧ -

أكثر ، ولو روعي في البيوع ما يجوز أن يحدث لم يصح بيع
[لأحد](١) ؛ لأجل خشية ما يحدث من عند الله تعالى.
وقد ثبت عن رافع في هذا الباب أن كراء الأرض بالذهب والفضة
جائز ، وذلك مضاف إلى رسول الله ، وهو خاص يقضي على العام
الذي جاء فيه النهي عن كراء الأرض بغير استثناء ذهب ولا فضة ،
والزائد من الأخبار أولى أن يؤخذ به ؛ لئلا تتعارض الأخبار ويسقط
شيء منها .
والأربعاء : جداول الماء ، واحدها : ربيع ، عن صاحب العين .
#
#
باب : [ السقي ] (٢)
فيه : أبو هريرة: (( أن النبي - عليه السلام - كان [ يومًا ] (٢) يحدث
وعنده رجل من أهل البادية ، أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في
الزرع ، فقال له : ألست فيما شئت ؟ قال : بلى ، ولكني أحب أن أزرع،
[٣/ ٥ ٦٣-١] قال: فبذر / فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده ، فكان أمثال
الجبال، [فيقول الله - عز وجل - ](٣): دونك يا ابن آدم، فإنه
لا يشبعك شيء . فقال الأعرابي: والله لا نجده إلا قرشيًا أو أنصاريًا
فإنهم أصحاب زرع، ( وأما ) (٤) نحن فلسنا ( بأصحاب ) (٥) زرع.
فضحك النبي ◌َلي)).
قال المهلب : [ في ] (٦) هذا الحديث أن كل ما اشتهي في الجنة
(١) من ( هـ)) وفي ((الأصل)): ولا وجد .
(٣) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): فقال.
(٤) في ((هـ )) : فأما .!
(٦) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): و.
(٢) من ((هـ).
(٥) في (( هـ)) : أصحاب.
- ٤٨٨ -

من أعمال الدنيا ولذاتها فممكن فيها ؛ لقوله تعالى : ﴿ وفيها ما
تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ﴾ (١).
قال المؤلف : وفيه الحكم بالدليل ، ووصف الناس بغالب عادتهم
وأحوالهم ؛ لقول الأعرابي: (( والله لا نجده إلا قرشيا أو أنصاريا
فإنهم أصحاب زرع ، فضحك النبي )) فدل ضحكه على إصابة
الأعرابي للحق [ في ] (٢) استدلاله ، ففي ذلك من الفقه أنه من لزم
طريقةً وحالة من [ خير ] (٣) أو شر أنه يجوز وصفه بها ، ولا حرج
على واصفه بالشر إن لزم طريقته ، وفيه ما جبل الله [ عليه نفوس](٤)
بني آدم من حب الاستكثار ، والرغبة في متاع الدنيا ؛ لأن الله قد
أغنى (٥) أهل الجنة عن [ نصب] (٦) الدنيا ومتاعها ، فقال تعالى:
وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ (٧).
وقوله : (( دونك يا ابن آدم ، لا يشبعك شيء )) يدل على فضل
القناعة ، والاقتصار على البلغة ، وذم الشره والرغبة .
*
باب : ما جاء في الزرع
فيه : سهل بن سعد: (( كنا نفرح بيوم الجمعة ، كانت لنا عجوز تأخذ
من أصول سلق لنا كنا نغرسه في أربعائنا فتجعله في قدر لها ، ( فتجعل
فيه ) (٨) حبات من شعير - لا أعلم إلا أنه قال : - ليس فيه شحم
ولا ودك ، فإذا صلينا الجمعة زرناها ( فقدمته ) (٩) إلينا ، فكنا نفرح
(٢) من (( هـ )) وفي (( الأصل)): و.
(١) الزخرف : ٧١ .
(٣) من ((هـ )، وفي ((الأصل)): الخير.
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): لنفوس .
(٥) جاء في (( الأصل)) : عن ، وهي زيادة مقحمة .
(٦) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): نصيب. (٧) فاطر: ٣٤.
(٨) في ( هـ )) : مع .
(٩) في (( هـ )) : فقربته .
- ٤٨٩ -

بيوم الجمعة [ من أجل ذلك ] (١)، وما كنا نتغدى ونقيل إلا بعد
الجمعة )) .
وفيه : أبو هريرة: (( يقولون : أكثر أبو هريرة والله الموعد ، ويقولون :
ما المهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل حديثه ، وإن إخوتي من
المهاجرين كانت يشغلهم الصفق بالأسواق ، وإن إخوتي من الأنصار
كان يشغلهم عمل أموالهم ، وكنت امرأً مسكينًا ألزم رسول الله على
ملء بطني ، وأحضر حين يغيبون ، وأعي حين ينسون ، وقال عليه
السلام يومًا : إن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ، ثم
يجمعه إلى صدره فلا ينسى من مقالتي شيئًا أبدًا ... )) الحديث ...
:١٠
في هذا الحديث عمل الصحابة في الحرث والزرع بأيديهم ، وخدمة
ذلك بأنفسهم ، ألا ترى قول أبي هريرة: ((وإن إخواني من الأنصار
كان يشغلهم عمل أموالهم)) . وكذلك المرأة العجوز كانت تغرس
السلق للنبي - عليه السلام - وأصحابه ففي هذا أن الامتهان في طلب
المعاش للرجال والنساء من فعل الصالحين ، وأنه لا عار فيه ولا نقيصة
على أهل الفضل .
قال المهلب : وفيه إجابة المرأة الصالحة إلى الطعام . وفيه دليل على
التهجير بالجمعة والمبادرة إليها عند أول الزوال ، وإنما كانوا يشتغلون
بالغسل ، ومراعاة التهجير عن قائلتهم المعروفة في سائر الأيام ، فلا
يجدون السبيل إليها إلا بعد الصلاة ، لا أنهم كانوا يصلونها قبل زوال
الشمس ، كما ظن بعض الناس وخالف كتاب الله في قوله : ﴿أقم
الصلاة لدلوك الشمس ﴾ (٢) وقد تقدم هذا في كتاب الجمعة .
(١) من ((هـ))، وبياض في ((الأصل)).
(٢) الإسراء : ٧٨ .
- ٤٩٠ -

كتاب المياه
[ باب ](١) : ما جاء في الشرب
وقول الله : ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون﴾ (٢)
وقوله تعالى : ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون ﴾ إلى قوله :
﴿ تشكرون﴾ (٣)
وقال عثمان عن النبي - عليه السلام -: (( من يشتري بئر رومة فيكون
دلوه فيها كدلاء المسلمین ، فاشتراها عثمان )) .
معنى قوله تعالى : ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ (٢) أراد به
حياة جميع الحيوان الذي يعيش بالماء ، وقيل : عنى بالماء هاهنا :
النطفة خاصة .
/ ومن قرأ: ((وجعلنا من الماء كل شيء حيا)) يدخل فيه الحيوان [٣/ ٦٣٥ -ب]
والجماد ؛ لأن الزرع والشجر لها موت إذا جفت ويبست ، فحياتها
خضرتها ونضرتها ، والمزن : السحاب ، والأجاج : المالح .
عدد الله على عباده نعمته في خلقه لهم الماء عذبًا يتلذذون بشربه ،
وتنموا به ثمارهم ، ولو شاء لجعله مالحًا فلا يشربون منه، ولا ينتفعون
به في زرعهم وثمارهم ﴿ فلولا تشكرون ﴾ (٣) أي: فهلا تشكرون
الله على ما فعل بكم .
وأما بئر رومة فإنها كانت ليهودي ، وكان يضرب عليها القفل
ويغيب ، فيأتي المسلمون [ ليشربوا ] (٤) منها الماء فلا يجدونه حاضرًا؛
(١) من (( هـ)).
(٣) الواقعة : ٦٨ .
(٢) الأنبياء : ٣٠ .
(٤) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): فيشربون .
- ٤٩١ -

فيرجعون بغير ماء ، فشكا المسلمون ذلك ، فقال عليه السلام: (( من
يشتري بئر رومة [ و](١) یبیحها للمسلمین، ویکون نصيبه فیھا کنصيب
أحدهم وله الجنة ، فاشتراها عثمان)) . وهذا الحديث حجة لمالك
ومن وافقه في قولهم : إنه لا بأس ببيع الآبار والعيون في الحضر إذا
احتفرها لنفسه ولم يحتفرها للصدقة ، فلا بأس ببيع مائها ، وكره بيع
ماء حفر من الآبار في الصحاري من غير أن يحرمه .
وأما قوله: (( فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين )) يعني: يجعلها
حبسًا لله ، ويكون حظه منها كحظ غيره ممن لم يحبسها ، ولا يكون
له فيها مزية على غيره ، فإن قيل : إذا شرط أن يكون دلوه فيها كدلاء
المسلمين ؛ ففيه من الفقه أنه يجوز للمحبس أن ينتفع بما يحبسه إذا
شرط ذلك .
قيل : هذا ينقسم قسمين : [ فأما ] (٢) من حبس بئرًاً وجعلها
للسقاة فلا بأس أن يشرب منها وإن لم يشترط ذلك ؛ لأنه داخل في
جملة السقاة . ومن حبس عقارًا فلا يجوز له أن ينتفع بشيء منها إلا
أن يشترط أن يكون نصيبه فيه كنصيب أحد المسلمين ، فإذا لم يشترط
ذلك فلا يجوز له الانتفاع بشيء منه ؛ لأنه أخرجه لله - تعالى -
ولا يجوز الرجوع فيه .
فإن قيل : فما الفرق بين وقف البئر ووقف العقار ؟ قيل : الفرق
بينهما أن سائر الغلات تنقطع في أوقات ما ، وإذا أخذ منها المحبس
فقد حرم ذلك الشيء أهل الحاجة وانفرد به .
و[ ماء] (٣) الآيار لا ينقطع أبدًا، لأنها نابعة فلا يحرم [ أحد
(١) من (( هـ)).
: (٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): وأما .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)»: أما.
- ٤٩٢ -

من ] (١) أهل الحاجة ما أخذ منها [ محبسها ] (٢) وسيأتي ما يجوز
انتفاع المحبس به من حبسه في باب : هل ينتفع الواقف بوقفه في كتاب
الأوقاف - إن شاء الله .
باب : من رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة
مقسومًا كان أو غير مقسوم
وقال عثمان : قال النبي - عليه السلام - : (( من يشتري بئر رومة
فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين ، فاشتراها عثمان)).
فيه : سهل : (( أتي النبي - عليه السلام - بقدح فشرب منه وعن يمينه
غلام أصغر القوم ، والأشياخ عن يساره ، فقال : يا غلام ، أتأذن لي أن
أعطيه الأشياخ ؟ فقال : ما كنت لأوثر بفضلي منك [أحدًا ] (٣) يا
رسول الله ، فأعطاه إياه )» .
وفيه : أنس: (( حُلبت لرسول الله شاة داجن . وهو في دار أنس ،
(فشبت) (٤) لبنها بماء من البئر التي في دار أنس بن مالك فأعطى
رسول الله القدح فشرب منه، حتى إذا [ نزع ] (٥) القدح من فيه وعلى
يساره أبو بكر و( على ) (٦) يمينه أعرابي، فقال [ له ] (١) عمر - وخاف
أن يعطيه الأعرابي -: أعط أبا بكر يا رسول الله عندك، [ فأعطاه ] (٧)
الأعرابي الذي عن يمينه، ثم قال: الأيمن فالأيمن)).
جميع ما يوهب للجماعة من الأشياء كلها هم فيها متشاركون ،
وحقوقهم فيها متساوية ، لا فضل لأحد منهم على صاحبه ، وإنما
(١) من (( هـ)).
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): محبساً.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): أحد. (٤) في (( هـ )): وشبت.
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فرغ. (٦) في (( هـ ) : عن .
(٧) في (( هـ): فأعطى .
- ٤٩٣ -

جازت هبة الماء واللبن غير مقسومين لقلة التشاح فيهما ، ولأن العادة
قد جرت من الجماعة إذا أكلت أو شربت معًا أنها تجري في ذلك على
المكارمة ، ولا ينقضي بعضهم على بعض ؛ لأن ذلك إنما يوضع للناس
على قدر نهمتهم ، فمنهم من يكفيه اليسير ، ومنهم من يكفيه أكثر
[٣/ق٦٤-١] منه، إلا أن من استعمل أدب المؤاكلة / والمشاربة أولى، وأن لا يستأثر
أحدهم بأكثر من نصيب صاحبه .
ألا ترى أن مالكًا قد قال : لا ( يقرن ) (١) أحد بين تمرتين إلا أن
يستأذن أصحابه في ذلك ، لما كان التمر مما يتشاح فيه أكثر من التشاح
في الماء واللبن .
وقال المهلب : إنما استأذن النبي - عليه السلام - الغلام في حديث
سهل ، ولم يستأذن ( الأعرابي ) (٢) في حديث أنس ؛ لأن الأعرابي
الذي كان عن يمين النبي - عليه السلام - [ كان ] (٣) من [السادة
و](٣) المشيخة وكان طري الهجرة لا علم له بالشرائع ، فأعطاه النبي-
عليه السلام - ولم [ يستأذن أبا بكر ] (٤) استثلافًا منه للأعرابي ،
وتطييبًا لنفسه ، وتشريفًا له ، ولم يجعل للغلام تلك المنزلة ؛ لأنه
[كان] (٣) من قرابته ، وسنه دون سن الأشياخ الذين كانوا على يساره
فاستأذنه في أن يعطيهم [ بادئًا ] (٥) عليهم ، ولئلا يوحشهم بإعطاء
ابن عمه وهو صبي ويقدمه عليهم حتى أعلمهم أن ذلك يجب له
بالتيامن في الجلوس ، وقيل : إن الغلام : الفضل بن عباس ، وقد
تقدم في كتاب الأشربة زيادة في هذا المعنى .
(١) في (( هـ)): يفرق.
(٢) فى (( هـ)): أبا بكر.
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يستأذنه .
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): تأديًا.
(٣) من (( هـ )).
- ٤٩٤ -

باب : من قال : إن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروي
لقول الرسول: ((لا يمنع فضل الماء [ ليمنع به الكلأ] (١)))
فيه : أبو هريرة ، أن النبي - عليه السلام - قال: (( لا يمنع فضل الماء
ليمنع به الكلأ)). وقال مرة: ((فضل الكلأ)).
لا خلاف بين العلماء أن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروي ؛ لأن
النبي - عليه السلام - إنما نهى عن منع فضل الماء ، فأما من لا يفضل
له ماء فلا يدخل في هذا النهي ؛ لأن صاحب الشيء أولى به ،
وتأويل قوله عليه السلام: ((لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ)) عند
مالك في الآبار التي يحتفرها الرجل في الصحاري والفلوات التي
ليست لأحد ، إنما هي مرعى للماشية ، فيريد أن يمنع ماشية غيره أن
تسقى من تلك البئر .
ففيها قال عليه السلام ذلك ، يقول : إذا منع حافرها فضل مائها
(لغير ) (٢) [ماشيته ] (٣) [فقد منع حافرها فضل مائها ] (١) فقد منع
الكلأ الذي حول البئر وانفرد به دون غيره ؛ لأن أحدًا لا يرعى فيه إذا
لم يكن للماشية ما تشربه ، فأما البئر التي يحتفرها الرجل في أرضه
فيجوز له عند مالك أن يمنع ماءها .
وكره مالك منع ما عمل من ذلك في الصحاري من غير أن يحرمه،
قال : ويكون أحق بمائها حتى يروي ، ويكون للناس ما فضل إلا من
مر بهم شفاههم ودوابهم فإنهم لا يمنعون كما يمنع من سواهم .
وقال الكوفيون : له أن يمنع من دخول أرضه وأخذ مائه إلا أن يكون
الشفاههم وحيوانهم ماء [ فيسقيهم ] (٤) وليس عليه سقي زرعهم .
(١) من (( هـ)).
(٢) في ((هـ )) : لعذر .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): ماشية.
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)) : يسقيهم.
- ٤٩٥ -

وقال عيسى بن دينار في تفسير قوله عليه السلام: ((لا يمنع [فضل](١)
بئر )" يقول : من كان له جار انقطع ماؤه وله عليه زرع أو أصل فلم
يجد ما يسقي به زرعه أو حائطه ، وله بئر فيها فضل عن سقي زرعه
أو حائطه ؛ فلا يمنع جاره أن يسقي بفضل مائه ، ( قلنا : فنحكم)(٢)
عليه بذلك ؟ قال : لا ، ولكن يؤمر بذلك عليه ، فإن أبى منه لم
يقض [ عليه ] (٣) .
قال أصبغ : وقال ابن القاسم : يقضى (ذلك) (٤) لجاره بالثمن .
وفي المدونة قلت لابن القاسم : يقضى عليه بثمن أو بغير ثمن ؟
قال: قال مالك : يقضى بغير ثمن . قال ابن مزين : قلت لعيسى :
فإن باع فضله ، أترى جاره الذي انقطع ماؤه أولى به بالثمن ؟ قال :
نعم .
وفي قوله عليه السلام: (( لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ)) من
الفقه المنع من الذرائع ؛ وذلك لأنه نهى أن يمنع الماء ؛ لئلا يتذرع
بذلك إلى منع الكلأ ، وقال الكوفيون : لا تجوز إجارة المراعي
[٣/ ق٦٤- ب] ولا بيعها ، ولا (يملك) (٥) الكلأ صاحب الأرض حتى / يأخذه
فيحوزه. وهو قول الشافعي ، وقال مالك : لا بأس أن [ يبيع ] (٦)
مراعي أرضه سنة واحدة ، ولا يبيعها سنتين ولا ثلاثًا ، ولا يبيعها
حتى تطيب ويبلغ الخصب أن يرعى . وقال الثوري : لا بأس أن
يحمي الكلأ للبيع ، والشجر للحطب أو البيع .
(١) من ((هـ )) وفي ((الأصل)): نفع.
(٢) في ((هـ)) : قلت أفتحكم.
(٣) من ( هـ)).
(٤) في (( هـ )» : بذلك عليه .
(٥) في ((هـ)): يمنع.
(٦) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يمنع.
- ٤٩٦ -

باب : من حفر بئرًاً في ملكه لم يضمن
فيه : أبو هريرة قال : قال النبي - عليه السلام -: (( المعدن جبار ،
والبئر جبار، والعجماء جبار، وفي الركاز الخمس )) .
اختلف العلماء في هذه المسألة ، فقال مالك فيمن حفر بئرًاً أو
[أوقف] (١) دابة في موضع يجوز له أن يصنع ذلك فيه ، فسقط أحد
في البئر ، أو ضربت الدابة أحدًا أنه لا ضمان عليه ولا دية ، وإنما
يضمن من ذلك ما حفره في طريق المسلمين ، أو صنع من ذلك ما لا
يجوز له أن يصنعه فيه ، فهذا بمنزلة الإمام إذا حد أحدًا فمات المحدود
فلا شيء على الإمام ؛ لأنه فعل ما يجوز له ، وإنما يلزمه الضمان إذا
تعدى في [ الحد ] (٢)، وبمثله كله قال الشافعي . وقال أبو حنيفة
وأصحابه : من حفر بئرًاً أو أوقف دابة في موضع يجوز له ذلك فيه
فليس يبرئه من الضمان [ ما ] (٣) أجاز إحداثه له .
واختلفوا في رجل حفر في داره بئرًاً لسارق يرصده ، أو وضع
حبالات له فعطب به السارق أو غيره ، فقال مالك : هو ضامن .
وقال الليث: لا ضمان عليه. وحجته قول الرسول: ((البئر جبار)).
وحجة مالك أنه لا يجوز له أن يقصد بذلك الفعل أن يهلك به أحدًا؛
لأنه متعد بهذا القصد ، وقد يمكنه التحرز بغيره . [ قال ] (٤): فإن
حفر [ الحفيرة ] (٥) في حائطه للسباع فعطب به إنسان فلا ضمان عليه
عند مالك ؛ لأنه فعل ما يجوز له [ فعله ] (٤) ، ولا غنى به عنه ،
(١) من ((هـ ) وفي ((الأصل)): وقَّف.
(٢) من ((هـ )) وفي (( الأصل)): الحفر .
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): من .
(٥) من (( هـ)) وفي (( الأصل)) : الحفير.
(٤) من (١ هـ ) .
- ٤٩٧ -

ولم يقصد بالحفر تلف إنسان فيكون متعديًا ، وسيأتي معنى قوله :
(العجماء جبار)) في كتاب الديات - إن شاء الله .
باب : الخصومة في البئر والقضاء فيها
فيه : عبد الله بن مسعود عن النبي - عليه السلام -: (( من حلف على
يمين يقتطع بها مال امرئ هو ( فيها ) (١) فاجر ؛ لقي الله وهو عليه.
غضبان ، فأنزل الله: ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا
قليلا﴾(٢) الآية، فجاء الأشعث فقال: ما يحدثكم أبو عبدالرحمن فيّ
أنزلت هذه الآية ، كانت لي [ بئر ](٣) في أرض ابن [ عم لي ] (٤) فقال
لي : ( شهود ذلك ) (٥)، قلت : ما لي شهود ، قال : فیمینه ، قلت: يا
رسول الله، إذًّا يحلف ، فذكر النبي - عليه السلام - هذا الحديث ، فأنزل
الله ذلك تصدیقًا له )) .
قال المهلب : هذا الوعيد يخشى إنفاذه على كل يمين غموس تقتطع
بها مال أحد بغير حق ، وفيه الترجمة ، وفيه أن البينة على المدعي ،
واليمين على من أنكر ، وفيه جواز تولى الخصوم بعضهم بعضًا بما
عرف من أحوالهم؛ لقوله: ((إذًا يحلف ويذهب بحقي)) لأنه كان
معلومًا بقلة التقوى ، وقد قيل : إنه كان يهوديًا ، فإن كان كذلك
فليس بين المسلم والذمي قصاص ولا حد ، وإن كان غير ذمي فلأنه
كان معلومًا بالمجاهرة بالباطل .
والدليل على صحة هذا القول نزول الآية مصدقة لقول النبي -
(١) في ((هـ)): عليها .
(٢) آل عمران : ٧٧ .
(٣) من ((هـ )) وفي ((الأصل)): بئراً.
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): عمر.
(٥) في (( هـ)): شهودك .
- ٤٩٨ -

عليه السلام - وليس بمعلوم بالأحوال [الدينية] (١) من الحرمة ما
لصالح المسلمين .
باب : إثم من منع ابن السبيل من الماء
فيه : أبو هريرة قال: قال النبي - عليه السلام -: (( ثلاثة لا ينظر الله
إليهم يوم القيامة / ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : رجل كان له فضل (٣/ق٦٥-١]
ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل ، ورجل بابع إمامًا لا يبايعه إلا لدنيا ،
فإن أعطاه منها رضي ، وإن لم يعطه منها سخط ، ورجل أقام
[سلعته](٢) بعد العصر فقال : والله الذي لا إله إلا هو لقد أعطيت بها
كذا وكذا فصدقه رجل ثم قرأ هذه الآية : ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله
وأيمانهم ثمنا قليلا﴾ (٣) الآية .
قال المهلب : وهذا وعيد على المسلمين أيضًا ، وكل وعيد يتوجه
إلى المسلمين فهو موكول إلى مشيئة الله ، وهو فيه بالخيار إن شاء عفا
عنه ، وإن شاء أنفذه [ فإن أنفذه على المسلم ] (٤) فلا يكون فيه خلود؛
لأن الخلود في الذنوب قد رفع عن أهل التوحيد .
وقوله : (( منع فضل الماء )) يدل أن صاحب البئر أولى من ابن
السبيل عند الحاجة ، فإذا أخذ صاحب البئر حاجته لم يجز له منع ابن
السبيل، وقوله: ((بايع إمامًا)) هو في معنى قوله عليه السلام: ((من
كانت هجرته لدنيا يصيبها ... )) الحديث، وأن الله - تعالى - لا يقبل
في الهجرة والمبايعة والأعمال إلا ما أريد به وجهه ، وما لا يريد به
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): الدنية .
(٢) من ((هـ )) وفي (( الأصل)) : سلعه .
(٣) آل عمران : ٧٧ .
(٤) من ( هـ )).
- ٤٩٩ -

وجهه فلا يرضى به ، وله أن يعاقب عليه، وقوله: (( بعد العصر )).
يدل أنه وقت تعظم فيه المعاصي لارتفاع الملائكة بأعمال الناس إلى
الله، فيعظم أن يرتفعوا عن العبد بالمعصية إلى الله ويكون أجر عمله
المرفوع، وفيه أن خواتم الأعمال هي المرجوة والمحتسبة .
باب : سكر الأنهار
فيه: ابن الزبير أنه حدثه (( أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند
النبي - عليه السلام - في شراج الحرة التي يسقون بها النخل ، فقال
الأنصاري: سرح الماء . يمر فأبى عليه ، فاختصما عند النبي - عليه
السلام - فقال رسول الله للزبير : اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك،
فغضب الأنصاري فقال : أن كان ابن عمتك ، فتلون وجه رسول الله ثم
قال : اسق يا زبير ( ثم ) (١) احبس الماء حتى ( يرجع ) (٢) إلى الجدر ،
فقال الزبير : والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فلا وربك لا
يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴾ (٣) .
وترجم له [ باب شرب الأعلى قبل الأسفل ، وترجم له ] (٤)
شرب الأعلى إلى الكعبين إلى: (( حتى يرتفع إلى الجدر واستوعى له
حقه ... )) الحديث .
قال ابن شهاب : فقدرت الأنصار والناس قول النبي - عليه السلام -:
(سق ثم احبس حتى يرتفع إلى الجدر)) فكان ذلك إلى الكعبين.
اختلف أصحاب مالك في صفة إرسال [ الماء ] (٤) الأعلى إلى
(١) في (( هـ )): و .
(٣) النساء : ٦٥.
(٢) في (( هـ )) : يرتفع .
(٤) من (( هـ ) .
- ٥٠٠ -