Indexed OCR Text

Pages 461-480

قال غيره : فإن وجد في بعض طرق هذا الحديث مقدار الشركة بين
المهاجرين والأنصار في الثمرة صير إليه ، وإلا فظاهر اللفظ يقتضي
عملهم على نصف ما تخرج الثمرة ؛ لأن الشركة إذا أبهمت ولم يذكر
فيها حد معلوم حملت على المساقاة .
وروي عن مالك في رجلين اشتريا سلعة فأشركا فيها ثالثًا ولم يسميا
له جزءًا، أن السلعة بينهم أثلاثًا ، فهذا يدل من قوله أنه لو كان
المشرك واحدًا كانت [ بيتهما ] (١) نصفين .
واختلف أهل العلم في الرجل يدفع المال قراضًا على أن للعامل
شركاً في الربح ، فقال الكوفيون : له في ذلك أجر مثله ، والربح
والوضيعة على رب المال، وهو قول أحمد وإسحاق و[ أبي ] (٢)
ثور، وقال ابن القاسم : يرد في ذلك إلى قراض مثله . وقال الحسن
البصري وابن سيرين : له [ نصف الربح ] (٣). وهو قول الأوزاعي
وبعض أصحاب مالك .
وحديث أبي هريرة في هذا الباب يدل على صحة قول الحسن ومن
وافقه ؛ لأن من رد القراض في ذلك إلى أجر مثله ، أو [ إلى ] (٤)
قراض مثله فعلته أنه فاسد إذا لم يعلم مقدار الشركة في الربح، [و](٤)
لو كان كما قالوا لكانت مساقاة المهاجرين للأنصار فاسدة حين لم
يسموا لهم مقدار ما يعملون عليه ، والقراض عند أهل العلم أشبه
شيء بالمساقاة ، ومحال أن تكون مساقاة المهاجرين للأنصار عن أمر
النبي ◌َ* ورأيه الموفّق فاسدة.
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بينهم.
(٣) من ((هـ)) وفي (( الأصل)»: أبو وهو خطأ.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)»: النصف.
(٤) من ( هـ).
- ٤٦١ -

باب : قطع الشجر والنخيل
وقال أنس: (( أمر النبي - عليه السلام - بالنخل فقطع)).
فيه : ابن عمر: (( أن النبي - عليه السلام - [ حرق ] (١) نخل بني
النضير وقطع ، وهي البويرة ، ولها يقول حسان :
وهان على سراة بني لؤي
حريق بالبويرة مستطير
فيه: رافع: (( كنا أكثر أهل المدينة مزدرعًا، كنا نكري الأرض بالناحية
منها مسمى لسيد الأرض ، [ قال ] (٢) : فمما يصاب ذلك وتسلم
الأرض ، ومما تصاب الأرض ويسلم ذلك ، فنهينا ، فأما الذهب والورق
فلم یکن یومئذ » .
قال المهلب : يجوز قطع الشجر والنخل لخشب يتخذ منه، [أو] (٣)
ليخلى مكانها لزرع أو غيره مما هو أنفع منه ، يعود على المسلمين من
نفعه أكثر مما يعود من بقاء الشجر ؛ لأن النبي قطع النخل بالمدينة ،
وبنى في موضعه مسجده الذي كان منزل الوحي ، ومحل الإيمان ،
(٥٨٥/٣-١) وقد تقدم قطع شجر المشركين / وتخريب بلادهم في كتاب الجهاد ،
ونذكر منه طرقًا في هذا الباب .
احتج من أجاز قطع شجر المشركين وكرومهم بقطع الرسول نخل
بني النضير ، وذهبت طائفة من العلماء إلى أنه إذا رجي أن يصير البلد
للمسلمين ، فلا بأس أن يترك ثمارهم ، والوجهان جائزان ؛ لأن أبا
بكر الصديق أمر ألا يقطع شجر مثمر ، ولم يجهل ما فعل النبي بنخل
بني النضير ، وما اعتل به من قال : إذا رجي أن يصير البلد للمسلمين
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): قطع.
(٣) من (( هـ )) وفي (( الأصل: و.
(٢) من ( هـ )).
- ٤٦٢ -

فلا يقطع ، ليس بصحيح ؛ لأن النبي - عليه السلام - كان قد أعلمه
الله أنه سيفتح عليه تلك البلاد وغيرها ، وبشر أمته بذلك ثم قطعها ؛
فدل ذلك على إباحة الوجهين ، [ و] في (١) قطعها خزي للمشركين
ومضرة لهم ، وأما حديث رافع ، فلا أعلم وجهه في هذا الباب ،
ولعل الناسخ غلط فكتبه في غير موضعه .
وفي رواية النسفي قبله باب فصل بينه وبين حديث ابن عمر ،
وسيأتي الكلام فيه في موضعه بعد هذا - إن شاء الله - وسألت
المهلب عنه فقلت له : حديث رافع لا أعلم له وجهًا في هذا الباب ،
فقال لي : قد يمكن أن يكون له فيه وجه ، وهو أن من اكترى أرضًا
لسنين فله أن يزرع فيها ما شاء ، ويغرس فيها ( الشجر ) (٢) وغيرها
. مما لا يضر بها ، فإذا تمت الوجيبة قال صاحب الأرض : احصد
زرعك ، واقلع شجزك عن أرضي، فذلك لازم [ لمكتريها ] (٣) حتى
يخلي له أرضه مما شغلها به ؛ لقوله عليه السلام: (( ليس لعرق ظالم
حق )) . فهو من باب إباحة قطع الشجر .
باب : المزارعة بالشطر ونحوه
قال قيس بن مسلم عن أبي جعفر : ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا
يزرعون على الثلث والربع ، وزارع علي ، وسعد بن مالك ، وعبد الله
ابن مسعود ، وعمر بن عبد العزيز ، والقاسم ، وعروة ، وآل أبي بكر ،
وآل عمر ، وآل علي ، وابن سيرين ، وقال عبد الرحمن بن الأسود :
كنت أشارك عبد الرحمن بن ( يزيد ) (٤) في الزرع . وعامل عمر
(١) من (( هـ ).
(٢) في (( هـ)): شجر التين والموز.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): لمكريها. (٤) في ((هـ)): زيد .
- ٤٦٣ -

الناس على إن جاء عمر بالبذر فله الشطر، وإن جاءوا [ هم ](١) بالبذر
فلهم كذا [ وكذا] (١) . وقال الحسن : لا بأس أن تكون الأرض
لأحدهما [ فينفقان] (٢) جميعًا [ فما ] (٣) يخرج فهو بينهما. ورأى
ذلك الزهري .
وقال الحسن : لا بأس أن يجتني القطن على النصف . وقال إبراهيم،
وابن سيرين ، وعطاء ، والحكم، والزهري ، وقتادة : لا بأس أن يعطي
الثور بالثلث والربع ونحوه .
وقال معمر: لا يأس أن يكري الماشية على الثلث والربع إلى أجل مسمى.
فيه : ابن عمر: (( أن النبي - عليه السلام - عامل أهل خيير بشطر ما
يخرج منها من زرع أو ثمر ، [ فكان ] (٤) يعطي أزواجه مائة وسق :
ثمانون وسق تمر ، وعشرون وسق شعير ، وقسم عمر خيبر ، فخير أزواج
النبي أن [ يقطع ] (٥) لهن من الماء والأرض، أو يمضي لهن، فمنهن من اختار
الأرض، ومنهن من اختار الوسق، وكانت عائشة اختارت الأرض)).
اختلف العلماء في كراء الأرض بالشطر والثلث والربع ، فأجاز
ذلك عليّ بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وسعد ، والزبير ، وأسامة،
وابن عمر ، ومعاذ ، وخباب ، وهو قول سعيد بن المسيب وطاوس
وابن أبي ليلى .
قال ابن المنذر: وروينا عن أبي جعفر قال: ((عامل رسول الله
أهل خيبر بالشطر ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، ثم أهلوهم إلى
اليوم يعطون بالثلث والربع)) وهو قول الأوزاعي والثوري
(١) من (( هـ.)).
(٢) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): فيتفقان.
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): قيماً .
(٤) من (هـ)) وفي (( الأصل)): وكان.
(٥) من (هـ )) وفي (( الأصل)): يعطي.
- ٤٦٤ -

و[ أبي ] (١) يوسف ومحمد وأحمد، هؤلاء أجازوا المزارعة
والمساقاة، وكرهت ذلك طائفة ، روي عن ابن عباس ، وابن عمر ،
وعكرمة ، والنخعي ، وهو قول مالك وأبي حنيفة ، والليث ،
والشافعي ، وأبي ثور أنه لا تجوز المزارعة ، وهي كراء الأرض بجزء
منها ، وتجوز عندهم المساقاة .
وقال / أبو حنيفة وزفر : لا تجوز المزارعة ولا المساقاة بوجه من (٥٨٥/٣-ب]
الوجوه ، وقالوا : المزارعة منسوخة بالنهي عن كراء الأرض بما يخرج
منها ، وهي إجارة مجهولة ؛ لأنه قد لا تخرج الأرض شيئًا ، وادعوا
أن المساقاة منسوخة بالنهي عن المزابنة .
وحجة أهل المقالة الأولى حديث ابن عمر (( أن النبي - عليه
السلام- ساقى يهود خيبر على شطر ما يخرج من الأرض والثمر
جميعًا)) قالوا : والأرض أصل مال فيجوز أن يعطيها لمن يعمل فيها
كالثمن سواء وكالقراض ، واحتج الذين منعوا المزارعة بأنها كراء
الأرض بما يخرج منها ، وهو من باب الطعام بالطعام نسيئة ، وقد
نهى رسول الله عن المخابرة ، والمحاقلة ، وهي كراء الأرض بما يخرج
منها ، وقالوا : لا حجة لكم في مساقاة النبي - عليه السلام - لأهلى
خيبر ، لأن خلافنا أنكم إنما هو [ إذا ] (٢) لم يكن في الأرض شجر
وكانت الأرض مفردة ، والنبي - عليه السلام - إنما عامل أهل خيبر
على النخل والشجر وكانت الأرض تبعًا للثمرة ، وهذا يجوز عندنا ،
وأما إذا كانت الأرض مفردة فلا يجوز ؛ لأنه يمكن إجارتها، ولا تدعو
إلى مزارعتها ضرورة كما تدعو إلى مساقاة الثمر ، ألا ترى أن بيع
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): أبو ، وهو خطأ.
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): إذ .
- ٤٦٥ -

الثمر الذي لم يبد صلاحه مع أصل النخل جائز وإن لم يشترط فيه
القطع ؛ لأنه تبع للنّخل ، ولا يجوز بيعها مفردة من غير شرط
القطع؛ لأنها لا تكون تبعًا لغيرها بل تكون مقصودة بالبيع ، فلم يكن
حكمها مفردًا كحكمه إذا كان مضافًا ، وأما قياسهم المزارعة على
القراض والمساقاة فالجواب عنه : أن رأس المال في ذلك لا تجوز
إجارته، ولا يتوصل إلى منفعته إلا بالعمل [ عليه ] (١) ، فجاز أن:
يعطيه لمن يعمل فيه وتكون المنفعة بينهما ، وليس كذلك الأرض ؛ لأنه
يمكن إجارتها .
واحتج الذين منعوا المساقاة ( بأن ) (٢) النبي - عليه السلام - لما
فتح خيبر أقرهم في أرضهم ملكًا لهم ، وشرط عليهم نصف الثمرة
جزية ، فكان ذلك يؤخذ منهم بحق الجزية لا بحق المساقاة . فقال.
لهم مخالفوهم : هذا باطل من وجوه :
أحدها : ما روى عبد العزيز ابن صهيب عن أنس ((أن النبي - عليه
السلام - افتتح خيبر عنوة)) وقال ابن شهاب عن ابن المسيب :
((خمس رسول الله خيبر، ولا يخمس إلا ما أخذ عنوة)).
والوجه الثاني : أن النبي - عليه السلام - قسم الأرض بين
الغانمين، فأعطى الزبير سهمه، وأعطى [عمر] (٣) سهمه من خيبر ،
[فوقف ] (٤) عمر سهمه .
والوجه الثالث : أن عمر أجلاهم من خيبر إلى الشام لما فدغوا
ابنه، ولو أقرهم النبي -عليه السلام- على الأرض ولم يملكها عليهم؛
لم يكن لمن بعده أن يجليهم وأن يفارق بينهم وبين أرضهم . وجواب
(١) من (( هـ)).
(٢) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): لأن.
(٣) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): غيره .
(٤) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): ووقف.
- ٤٦٦ -

آخر: وهو أن عائشة قالت: ((إن رسول الله بعث ابن رواحة إلى
خيبر ليخرصها ، ويعلم مقدار الزكاة في مال المسلمين)) [ فأخبرت
عائشة أن ذلك مال المسلمين ] (١) ، وأن الزكاة كانت تجب فيه ، فبطل
قولهم : إن ذلك جزية ؛ لأن الجزية لا تجب فيها زكاة ، قاله ابن
القصار .
وأما قول البخاري : وعامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر فله
الشطر ، [ فإن ] (٢) الذين أجازوا المزارعة بالثلث والربع اختلفوا فيمن
يخرج البذر ، فروي عن ابن مسعود ، وسعد بن أبي وقاص ، وابن
عمر أنهم قالوا : يكون البذر من عند العامل . وروي عن بعض أهل
الحديث أنه قال : من أخرج البذر [ منهما ] (٣) فهو جائز؛ لأن النبي
- عليه السلام - دفع خيبر معاملة ، وفي تركه اشتراط البذر من عند
أحدهما دليل على أن ذلك يجوز من عند أيهما كان . وقال أحمد
وإسحاق : البذر يكون من عند صاحب الأرض، والعمل من الداخل.
وقال محمد بن الحسن وأصحابه : المزارعة على أربعة أوجه :
ثلاثة منها جائزة ، ووجه رابع لا يجوز ، فأما الذي يجوز : فأن
يكون البذر من قبل رب الأرض ، والعمل من قبل المزارع ، فهذا
وجه. والوجه الثاني : أن يكون البذر والآلة كلها من قبل رب
الأرض، [والعمل من قبل المزارع ] (١)، فهذا وجه . والثالث : أن
يكون البذر من قبل المزارع ، والعمل والآلة كلها من قبله ، فهذا
وجه. والوجه / الذي لا يجوز : أن يكون البذر من قبل المزارع
والعمل والآلة من قبل رب الأرض .
[٣/ ق١/٥٩]
قال المفسر : وأما وجه إجازتهم هذه الثلاثة الوجوه فإنما قاسوها
(١) من (( هـ ).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): وإن .
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): بينهما.
- ٤٦٧ -

على القراض ؛ لأن العامل فيه يعمل بجزء من الربح معلوم ،
[وإن](١) كان لا يدري كم يكون مبلغ الربح فكذلك يجوز أن
[يكري](٢) الأرض بجزء معلوم وإن لم يعلم مقدار ما تخرجه
الأرض، وهذا أصله عندهم قصة خيبر .
وأما قولهم : لا يجوز أن يكون البذر من قبل المزارع ، والعمل
والآلة كلها من قبل رب الأرض ، فإنه لما كان المزارع لم يخرج إلا
البذر خاصة [ فكأنه ] (٣) باع البذر من رب الأرض بمجهول من
الطعام نسيئة ، وهذا الوجه لا يجوز عند جميع العلماء .
وذهب مالك إلى أنه لا يجوز أن يكون البذر إلا من عندهما
جميعًا، وتكون الأرض من عند أجدهما ، والعمل من الآخر ،
ويكون فيه العمل يوازي قيمة كراء الأرض . والعلماء متفقون على
جواز هذا الوجه ؛ لأن أحدهما لا يفضل صاحبه بشيء ، وإن كان
البذر من عند أحدهما والأرض من الآخر فلا يجوز عند مالك ؛ لأنه
كأنه أكراه نصف أرضه بنصف بذره ، ولا يجوز عنده كراء الأرض
بشيء من الطعام ، ويجوز عنده وجه آخر من المزارعة أن يكريا
الأرض جميعًا ، ويخرج أحدهما البذر ، ويخرج الآخر البقر وجميع
العمل ، وتكون قيمة العمل والبقر مثل قيمة البذر فلا بأس بذلك ؛
لأنهما سلما من كراء الأرض بالطعام وتكافئا في سائر ذلك .
وأما تخيير عمر أزواج النبي - عليه السلام - بين الأوسق أو
الأرض، [ من خيبر ] (٤) فمعنى ذلك أن أرض خيبر لم تكن للنبي
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)": فإن.
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يكون.
(٣) من (هـ)) وفي (الأصل)): كأنه.
(٤) من (( هـ ).
- ٤٦٨ -

ملكًا ورثت بعده؛ لأنه قال ( عليه السلام ) (١): « لا نورث ما تركنا
صدقة)) وإنما خيرهن بين أخذ الأوسق أو بين أن يقطعن من الأرض من
غير تمليك ما يحد منه مثل تلك الأوسق ؛ لأن الرطب قد تشتهى أيضًا
كما يشتهى التمر ، فاختارت ذلك عائشة لتأكله رطبًا وتمرًا، فإذا ماتت
عادت الأرض والنخل على أصلها وقفًا مسبلة فيما سيل فيه الفيء.
وأما اجتناء القطن والعصفر و[لقاط] (٢) الزيتون والحصاد كل
ذلك بجزء معلوم ، فأجازه جماعة من التابعين ، وهو قول أحمد بن
حنبل قاسوه على القراض ؛ لأنه يعمل بالمال على جزء منه معلوم ، لا
يدري مبلغه ، وكذلك إعطاء الثوب للنساج [بجزء منه معلوم ،
وإعطاء الثور ] (١) والغنم للراعي عند من أجازها، { قاسها ] (١)
على القراض ، ومنع ذلك كله مالك ، والكوفيون والشافعي ؛ لأنها
عندهم إجارة بثمن مجهول لا يعرف ، وأجاز عطاء ، وابن سيرين ،
والزهري ، وقتادة أن يدفع الثوب إلى النساج يتسجه بالثلث والربع ،
واحتج أحمد بن حنبل بإعطاء النبي خيبر على الشطر .
باب : إذا لم يشترط السنين في المزارعة
فيه: ابن عمر: ((عامل النبي ◌َ# أهل خيبر [ بشطر](٣) ما يخرج منها
من ثمر أو زرع )) .
وقال عمرو: قلت لطاوس: ((لو تركت المخابرة ، فإنهم يزعمون
أن النبي نهى عنه قال ( ابن عمر ) (٤): وإني أعطيهم وأعينهم ، فإن
(١) من (( هـ)).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)) : لفاظ.
(٣) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): بشرط.
(٤) في (( هـ )) : أي عمرو .
- ٤٦٩ -

أعلمهم أخبرني - يعني ابن عباس - أن النبي - عليه السلام - لم ينه
عنه ، ولكن قال : إن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليه
خرجًا معلومًا » . ..
وترجم لحديث ابن عمر باب ((مزارعة اليهود)) وقال فيه: ((إن
النبي - عليه السلام - أعطى خيبر اليهود على أن يعملوها ويزرعوها
و[ لهم شطر] (١) ما خرج منها)).
اختلف العلماء في المزارعة من غير أجل ، فكرهها مالك ،
والثوري ، والشافعي ، وأبو ثور ( حتى يسمي أجلا معلومًا ) (٢).
قال ابن المنذر : وقال أبو ثور : إذا لم يسم سنين معلومةً فهو على
سنة واحدة ، وحكي عن بعض الناس أنه قال : أجيز ذلك استحسانًا،
وأدع القياس .
[٣/ ٥ ٥٩- ب] وقال ابن المنذر : قال / بعض أصحابنا : ذلك جائز واحتج بقوله
عليه السلام: (( نقركم ما شئنا))، وفي ذلك دليل على إجازة دفع
النخل مساقاة والأرض مزارعة من غير ذكر سنين معلومة ، فيكون
لصاحب الأرض والنخل أن يخرج المساقي والزارع من الأرض والنخل
متى شاء ، وفي ذلك دلالة أن المزارعة بخلاف الكراء ، ولا يجوز في
الكراء أن يقول : أخرجك عن أرضي متى شئت . ولا خلاف بين
أهل العلم أن الكراء في الدور والأرضين لا يجوز إلا وقتًا معلومًا ،
وقول أبي ثور حسن ؛ لأن معاملته - عليه السلام - اليهود [بشطر](٣)
ما يخرج منها يقتضي سنة واحدة حتى يبين أكثر منها ، فلم تقع المدة
إلا معلومة ، وسأزيد في الكلام في هذه المسألة في باب (( إذا قال رب
الأرض : أقرك، ما أقرك الله))، بعد هذا - إن شاء الله.
(١) من (هـ)) وفي ((الأصل)): لم يشطر.
(٢) تكررت في ((الأصل)).
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بشرط
- ٤٧٠ -

باب : ما يكره من الشروط في المزارعة
فيه: رافع قال: (( كنا أكثر أهل المدينة حقلا ، وكان أحدنا يكري
أرضه فيقول : هذه القطعة لي وهذه لك ، فربما أخرجت ذه ، ولم تخرج
ذه ، فنهاهم النبي - عليه السلام)) .
هذا الوجه المنهي عنه في هذا الحديث لا خلاف بين العلماء أنه
لا يجوز ؛ لأن ذلك غرر [ و] (١) مجهول ، وهذه المزارعة المنهي
عنها ، وإنما اختلفوا في المزارعة بالثلث والربع مما تخرج الأرض على
ما تقدم قبل هذا .
وقال ابن المنذر : جاء في هذا الحديث العلة التي نهى النبي من
أجلها عن كراء الأرض ، وعن المخابرة ، وهي اشتراطهم أن لرب
الأرض ناحيةً منها ، وقد جاء في حديث [ رافع ] (٢) أيضًا علل أخر
سأذكرها في موضعها - إن شاء الله - وقد تقدم مذاهب العلماء في
المزارعة ، وما يجوز منها وما لا يجوز ، فأغنى عن إعادته .
ومما لا يجوز في المزارعة عند مالك أن يجتمع [ معنيان في جهة] (٣)
واحدة ، وهو أن يخرج صاحب الأرض البذر ، فيجتمع له أرضه
وبذره فلا يجوز ، فيكون للعامل أجرة عمله و[ زرعه ] (٤) ، ويكون
الزرع لصاحب الأرض والبذر ، وكذلك لو اجتمع للعامل البذر
والعمل كانت المزارعة فاسدة ، وكان عليه كراء الأرض لصاحب
الأرض و( الزرع ) (٥) كله للعامل .
(١) من (( هـ)).
(٢) من ((هـ )، وفي (( الأصل)): نافع.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): معنان في جملة.
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): زوجه. (٥) في (( هـ)): الرفع.
- ٤٧١ -

باب: إذا زرع بمال قوم بغير إذنهم
وكان في ذلك صلاح لهم
فيه : ابن عمر ، قال النبي - عليه السلام -: ((بينما ثلاثة نفر يمشون
أخذهم المطر، فأووا إلى غار ... )) الحديث ((فقال الثالث: [اللهم](١)
إني استأجرت أجيرًا بفرق أرز ، فلما قضى عمله قال : أعطني حقي ،
فعرضت عليه ، فرغب عنه ، فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرًا
وراعيها، فجاءني فقال: اتق الله، [ فقلت ](٢): اذهب إلى ذلك البقر
وراعيها فخذ، قال : اتق الله ولا تستهزئ بي ، فقلت: إني لا أستهزئ
بك فخذه ، فأخذه كله ... )) الحديث .
قال المهلب : لا تصح هذه الترجمة إلا أن يكون الزارع متطوعًا إذ
لا خسارة على صاحب المال ؛ لأنه لو هلك الزرع أو ما ابتاع له بغير
إذنه كان الهلاك من الزارع، وإنما يصح [ هذا ] (٩) على سبيل
التفضل بالربح وضمان رأس المال ، لا على أن من تعدى في ماله
غيره، فاشترى منه بغير إذنه أو زرع به أنه يلزم صاحبه فعله ؛ لأن ما
في ذمته من الدين لا يتغير إلا بقبض الأجير له ، أو برضاه بعمله فيه ، .
وقد تقدم في كتاب الإجارة حكم من تجر في مال غيره بغير إذنه
فربح، ومذاهب العلماء في ذلك .
(١) من (( هـ)).
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): قلت ..
- ٤٧٢ -

.[٣/ ق .٦-١]
باب : أوقاف أصحاب رسول / الله
وأرض الخراج ومزارعتهم ومعاملتهم
وقال النبي لعمر : تصدق بأصله، لا يباع ثمره ، ولكن ينفق ثمره ،
(فتصدق) (١) به .
وفيه: عمر [ قال] (٢): ((لولا آخر المسلمين ما فتحت قريةً إلا
قسمتها بين أهلها كما قسم النبي خيبر)) .
قال إسماعيل بن إسحاق : كانت خيبر جماعة حصون ، فافتتح
بعضها يقتال ، وبعضها أسلمها أهلها على أن تحقن دماؤهم ، هذا
قول ابن إسحاق عن الزهري ، فكان حكم خيبر كلها حكم العنوة،
ومعنى هذه الترجمة - والله أعلم - أن الصحابة كانوا يزارعون
ويساقون أوقاف النبي - عليه السلام - بعد وفاته على ما كان عامل
عليه النبي يهود خيبر ، فإن العمل جرى بالمزارعة والمساقاة في أوقاف
النبي - عليه السلام - وأرض خراج المسلمين ، ولم يرو عن أبي بكر
ولا عمر ولا غيرهما أنهم غيروا حكم رسول الله في هذا ، فهي سنة
ثابتة معمول بها ، وقد تقدم في كتاب الجهاد في باب (( الغنيمة لمن
شهد الوقعة)) الكلام في حكم الأرض العنوة إذا غنمها المسلمون في
حديث عمر هذا .
باب: في إحياء الموات من أحيا أرضًاً مواتًا
ورأى ذلك علي في أرض الخراب بالكوفة ، وقال عمر : من أحيا
أرضًا عينةً فهي له. ويروى عن عمر وابن عوف ، عن النبي - عليه
(٣) من ( هـ)).
(١) في (( هـ)): فيتصدق.
- ٤٧٣ -

:
السلام - وقال في ( حق غير ) (١) مسلم : (( وليس لعرق ظالم حق ))
ويروى فيه عن جابر، عن النبي - عليه السلام .
فيه : عائشة عن النبي - عليه السلام - قال: (( من أعمر أرضًا ليست
لأحد فهو أحق )) . قال عروة : قضى به عمر في خلافته .
وقوله عليه السلام: (( من أحيا أرضًا ميتةً فهي له ، وليس لعرق
ظالم حق )) وهذا حديث حسن السند .
اختلف العلماء في إحياء الموات ، فقال مالك : من أحيا أرضًا ميتةً
فيما قرب من العمران ، فلابد في ذلك من إذن الإمام ، وإن كانت في
فيافي المسلمين والصحاري وحيث لا يتشاح الناس فيه ، فهي له بغير
إذن الإمام .
وقال أبو يوسف ، ومحمد ، والشافعي : من أحيا أرضًا ميتةً فهي
له ، ولا يحتاج إلى إذن الإمام فيما قرب كما لا يحتاج فيما بعد . قال
أشهب وأصبغ : إن أحيا فيما قرب بغير إذنه أمضيت ولم (يعنف)(٢).
وقال مطرف وابن الماجشون : الإمام مخير بين أربعة أوجه : إن
رأى أن يقره له فعل ، أو يقره للمسلمين ويعطيه قيمته منقوضًا ، أو
يأمره بقلعه ، أو يعطيه غيره فيكون للأول قيمته منقوضًا ، والبعيد ما
كان خارجًا عما يحتاجه أهل ذلك العمران من محتطب ومرعى ، مما
العادة أن الرعاء يبلغونه ثم يبيتون في منازلهم ، ويحتطب المحتطب ثم
يعود إلى موضعه ، وما كان من الأحياء في المحتطب والمرعى فهو
القريب من العمران فيمنع .
وقال أبو حنيفة: ليس لأحد أن يحيي موائًا إلا بإذن الإمام فيما
بَعُد وقرب . قال الطحاوي : الحجة لأبي يوسف ومحمد قوله
(١) في ((ن)) : غير حق .
(٢) في (( هـ )) : يتعقب .
. - ٤٧٤ -

عليه السلام: (( من أحيا أرضًا ميتةً فهي له)) . فقد جعل إحياء ذلك
إلى من أحبّ بلا أمر الإمام في ذلك ، قال : وقد دلت على ذلك
شواهد من النظر ، منها أن الماء الذي في البحار والأنهار ، من أخذ
منه شيئًا ملكه بأخذه إياه ، وإن لم يأمره الإمام بذلك ، وكذلك الصيد
[ هو ] (١) لمن صاده، ولا يحتاج إلى تمليك من الإمام ؛ لأن الإمام
وسائر الناس في ذلك سواء ، فكذلك الأرض التي لا ملك لأحد
عليها هي كالصيد الذي ليس بمملوك والماء المباح .
والحجة لأبي حنيفة أن قوله: ((من أحيا أرضًا ميتةً فهي له )) إنما
معناه من أحياها على شرائط الأحياء فهي [ له ] (١)، وذلك [أن] (١)
يحظرها وأذن الإمام له فيها ، والدليل على صحة / هذا التأويل قوله (٣/ ق٦٠-ب)
عليه السلام : (( لا حمى إلا لله ولرسوله)) والحمى ما حمي من
الأرض ، فدل أن حكم الأرضين إلى الأئمة لا إلى غيرهم ، وأن
حكم ذلك غير حكم الصيد والماء .
والفرق بينهما أنا رأينا ماء الأنهار لا يجوز للإمام تمليك ذلك أحدًا،
ورأينا لو ملك رجلا أرضًا ميتةً ملكها بذلك ، ولو احتاج الإمام إلى
بيعها في نائبة للمسلمين جاز بيعه لها ، ولا يجوز ذلك في ماء نهر
ولا صيد برّ ولا بحر ، وأنه ليس للإمام بيعهما ولا تمليكهما أحدًا ،
وأن الإمام فيهما كسائر الناس ، فكان ملكهما يجب بأخذهما دون
الإمام ، فثبت بذلك ما ذهب إليه أبو حنيفة.
والحجة لمالك أن النبي - عليه السلام - : (( أقطع لبلال بن الحارث
معادن القبلية [ جَلْسِيَّها وغَوْرِيَّها ] (٢) وحيث يصلح الزرع)) (٣) ولم
يقطعه حق مسلم ، وهذا فيما قرب ، فوجب استعمال الحديثين
(١) من (( هـ )).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): حسيسها وعروسها .
(٣) انظر: المعجم الكبير للطبراني (١/ ٣٧٠ رقم ١١٤١).
- ٤٧٥ -

جميعًا ، فما وقع فيه التشاح والتنافس لم يكن لأحد عمارته بغير إذن
الإمام ، وما تباعد من العمارة ولم يتشاح فيه جاز أن يعمر بغير إذن
الإمام ؛ لأن النبي قال: ((من أحيا أرضًاً ميتةً فهي له)). وهذا
[الإذن](١) من النبي إقطاع. قال سحنون: وقد أقطع عمر العقيق
وهو قرب المدينة ، قال : ومسافة يوم عن العمارة بعيد .
فإن قال أبو حنيفة : إن إحياء الموات من مصالح المسلمين ؛ لأن
الأرض مغلوب عليها ؛ فوجب ألا تملك إلا بإذن الإمام كالغنيمة .
قيل: الموات في القيافي من المباح كالصيد وطلب الركاز والمعادن ،
لا يفتقر شيء منها إلى إذن الإمام وإن كانت في الأرض التي عليها يد
الإمام ، فكذلك الموات . وإحياء الموات عند مالك إجراء العيون ،
وحفر الآبار ، والبنيان ، والحرث ، وغرس الأشجار ، وهو قول
الشافعي .
وقال ابن القاسم : ولا يعرف مالك التحجير إحياء . والحجة له ما
روى الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر قال : كان الناس يتحجرون
على [ عهد عمر ](٢) في الأرض التي ليست لأحد ، فقال عمر : من
أحيا أرضًا ميتةً فهي له . وهذا يدل أن التحجير غير الإحياء.
قال ابن حبيب : وبلغني عن ربيعة أنه قال : العرق الظالم عرقان :
عرق ظاهر ، وعرق باطن ، فالباطن ما احتفره الرجل من الآيلر أو
غرس. قال ربيعة في كتاب ابن حبيب : العروق أربعة : عرقان فوق
الأرض، وهما الغرس والنبات ، وعرقان في جوفها : المياه والمعادن،
وفي كتاب ابن سفيان : العروق أربعة : عرقان ظاهران ، وعرقان.
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): الآن.
(٢) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): عهدهم .
- ٤٧٦ -

باطنان ، فالظاهران : البناء والغرس ، والباطنان : الآبار والعيون،
والعرق الظاهر ما بنى في أرض غيره .
قال ابن حبيب : فالحكم فيه أن يكون صاحب الأرض [ مخيراً ](١)
على الظالم ، إن شاء حبس ذلك في أرضه بقيمته مقلوعًا ، وإن شاء
نزعه من أرضه. وقال غيره : ومعنى قوله: ((وليس لعرق ظالم
حق)) يريد ليس له حق كحق من غرس أو بنى بشبهة، [ فإذا غرس أو
بنى بشبهة ] (٢) فله حق إن شاء رب الأرض أن يدفع إليه قيمته قائمًا
[فعل] (٢)، وإن أبى قيل للذي بنى أو غرس ادفع إليه قيمة أرضه
براحًا ، فإن أبى كانا شريكين في الأرض والعمارة ، هذا بقيمة أرضه
[ براحًا] (٢) وهذا بقدر قيمة العمارة.
قال ابن حبيب: لا خيار للذي بنى [ أو ] (٣) غرس إذا أبى ربُ
الأرض [ أن يدفع إليه قيمة ما بنى أو غرس بأن يخرج رب الأرض من
أرضه ] (٢)، ولكن [ إذا أبى رب الأرض من دفع قيمة ما بنى أو
غرس] (٢) نشرك فيها بينهما مكانه، هذا بقيمة أرضه براحًا، والآخر
بقيمة عمارته قائمة ، [ أخبرني ابن الماجشون والمغيرة عن مالك ] (٤):
وتفسير اشتراكهما أن تقوم الأرض اليوم براحًا ، ثم تقوم بعمارتها،
فما زادت قيمتها بالعمارة على قيمتها براحًا ؛ كان العامر شريكًا لرب
الأرض فيها إن أحيا قسمًا أو حبسًا . قال ابن الجهم : فإذا دفع رب
الأرض قيمة العمارة وأخذ أرضه كان له كرهًا فيما مضى من السنين.
ووقع في الأمهات : من أعمر أرضًا . ولم أجد ذلك في [ كتب
اللغة](٥) ، وذكر صاحب العين : أعمرت الأرض : وجدتها عامرة.
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): مخير .
(٢) من (( هـ )).
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): و.
(٤) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): قال ابن الماجشون ..
(٥) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): كتاب الله.
- ٤٧٧ -

وليس هذا المعنى بمراد من هذا الحديث ، وفي كتاب الأفعال : عمر
:
المكان وعمرته عمارةً ، فهو عامر ومعمور ، وفي القرآن ﴿ وعمروها
[٦١/٣-١] أكثر مما عمروها﴾ (١) فجاء عمرت الأرض، / ولم يجئ أعمرت
الأرض، ويمكن أن يكون من اعتمر أرضًا وسقطت التاء من الأمر ،
والله أعلم .
باب
فيه: [ ابن عمر] (٢): ((أن النبي - عليه السلام - أري وهو في
معرسه ( من ذي ) (٣) الحليفة في بطن الوادي فقيل له : إنك ببطحاء
مباركة ، فقال موسى: وقد أناخ بنا سالم بالمناخ الذي كان ( عبد الله) (٤)
ينيخ به ، يتحرى معرس رسول الله وهو أسفل من المسجد الذي ببطن
الوادي بينه وبين الطزيق وسط من ذلك )) .
وفيه : ابن عباس ، عن عمر، عن النبي - عليه السلام - قال: (( الليلة.
أتاني آت من ربي وهو بالعقيق، أن [ صَلّ ](٥) في هذا الوادي المبارك
و[قل ] (٦): عمرة في حجة)).
قال المهلب : هذا المعنى [ الذي ] (٧) حاول البخاري من أنه جعل
موضع معرس النبي وصلاته موقوفًا له ، ومتملكًا له لصلاته وتعريسه
فيه لا يقوم على ساق ؛ لأنه عليه السلام قد قال: (( جعلت لي
الأرض مسجدًا وطهوراً )) وقد يصلي في أرض متملكة ، فلم تكن
(١) الروم : ٩.
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): عمر .
(٤) في (( هـ)): رسول الله وَله.
(٣) في (( هـ)) : وهو بذي .
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): صلي.
(٦) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): قال.
(٧) من (( هـ)).
- ٤٧٨ -

صلاته [ فيها بمبيحة ] (١) للصلاة فيها للناس إلى يوم القيامة ، وقد
صلى في دار أبي طلحة ودار عتبان ، فلم يبح ذلك للناس أن يتخذوا
ذلك الموضع مسجدًا ، وإنما أدخله البخاري من أجل أنه نسب المعرس
إلى رسول الله .
باب : إذا قال رب الأرض : أقرك ما أقرك الله
ولم يذكر أجلا معلومًا فهما على تراضيهما
فيه : ابن عمر: (( أن عمر أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز ،
وكان عليه السلام لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها ، وكانت
الأرض حين ظهر عليها لله ولرسوله وللمسلمين ، وأراد إخراج اليهود
منها ، فسألت اليهود [ رسول الله ( #)] (٢) ليقرهم بها على أن يكفوا
عملها ولهم نصف الثمر ، [ فقال ] (٣) لهم رسول الله : نقركم بها على
ذلك ما شئنا، فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء)).
اعتل من دفع المساقاة بأنها كانت من النبي - عليه السلام - إلى غير
أجل معلوم ؛ لقوله عليه السلام [ لليهود ] (٢): ((أقركم ما أقركم
الله)) وكل من أجاز المساقاة فإنما أجازها إلى أجل معلوم ، إلا ما ذكر
ابن المنذر عن بعض أصحابه أنه تأول في قوله عليه السلام لليهود :
((أقركم ما أقركم الله)) جواز المساقاة بغير أجل ، وقد تقدم ذكره في
باب (( إذا لم يشترط السنين في المزارعة .
والذي عليه أئمة الفتوى أنها لا تجوز إلا بأجل معلوم ، قال مالك:
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فيه بمسجد.
(٣) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): وقال .
(٢) من ٥ هـ ) .
- ٤٧٩ -

الأمر عندنا في النخل أنها تساقى السنتين والثلاث والأربع و[ أقل
وأكثر](١) . وأجازها أصحاب مالك في عشر سنين فما دونها ، وقال
محمد بن الحسن : إذا ساقاه ولم يسم سنين معلومة كان ذلك على
سنة واحدة . وهو قول أبي ثور ، وهو يشبه قول ابن الماجشون فيمن
اكترى دارًا مشاهرةً أنه يلزمه شهر واحد ؛ لأن النبي - عليه السلام -
أقر اليهود على أن لهم النصف ، وهذا يقتضي سنة واحدة حتى يتبين
أكثر منها .
ولا حجة لمن دفع المساقاة في قوله عليه السلام لليهود : (( أقركم ما
أقركم الله)) ولم يذكر أجلا ؛ لأنه عليه السلام كان يرجو أن يحقق الله
رغبته في إبعاد اليهود من جواره ؛ لأنه امتحن معهم في شأن القبلة
فكان مرتقبًا للوحي فيهم، فقال لهم: ((أقركم ما أفركم الله)) منتظرًا
للقضاء فيهم ، فلم يوح إليه شيء في ذلك حتى حضرته الوفاة فقال :
((لا يبقين دينان بأرض العرب)).
فقوله عليه السلام : ((أقركم ما أقركم الله)) لا يوجب فساد عقد
النبي - عليه السلام - ويوجب فساد عقد غيره بعده ؛ لأنه عليه السلام
[٣/ق٦١-ب] كان ينزل عليه الوحي / بتقرير الأحكام ونسخها ، فكان بقاء حكمه
موقوفًا على تقرير الله له، وكان [بقاؤه ما أقره ] (٢) الله، وزواله إذا
نسخه من مقتضى العقد ، فإذا شرط ذلك في عقده لم يوجب فساده ،
وليس كذلك صورته من غيره ؛ لأن الأحكام قد ثبتت وتقررت .
ومساقاة رسول الله اليهود على نصف الثمر يقتضي عموم جميع
الثمر ، ففيه حجة لمن أجاز المساقاة في الأصول كلها ، وهو قول ابن
أبي ليلى، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأبي يوسف، ومحمد،
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): الأقل والأكثر.
(٢) من ((هـ)) وقي ((الأصل)): استثناؤه ما أقرهم.
- ٤٨٠ -