Indexed OCR Text

Pages 381-400

سعد لأبي رافع احتجاجه بالحديث ولا استدلاله به ، ولقال له سعد :
ليس معنى الحديث كما تأولته ، وإنما الجار المراد به غير الشريك .
فلما لم يرد عليه تأويله ، ولا أنكره المسور ، وهم الفصحاء أهل
اللسان المرجوع إليهم ؛ علم أن معنى الحديث ما تأوله أبو رافع ، وأن
الجار فيه يراد به الشريك ، وأما بيع أبي رافع للبيتين من سعد بأقل مما
أعطاه غيره ، فإنما كان على وجه التطوع منه ؛ لأنه لا خلاف بين
العلماء أنه لا يجب على الشريك أن يعطي شريكه الشقص الذي يريد
بيعه بأقل من ثمنه ، وكل من قارب بدنه بدن صاحبه قيل له : جار في
لسان العرب ، ولذلك قالوا لامرأة الرجل : جارة ؛ لما بينهما من
الاختلاط بالزوجية ، وقد جاء في حديث دية الجنين : (( أن حمل بن
مالك قال : كنت بين جاريتين لي )» يريد امرأتيه ، ومنه قول الأعشى
لامرأته :
أجارتنا بيني فإنك طالقة
فكذلك الشريك يسمى جارًا لما بينهما من الاختلاط بالشركة ،
وتأويل قوله عليه السلام : (( الجار أحق بصقبه )) عند أهل الحجاز على
وجهين :
أحدهما : أن يراد به الشريك ، ويكون حقه الأخذ بالشفعة دون
غيره ، وهو أولى الوجهين لما تقدم من الدلائل .
والوجه الثاني : يحتمل أن يراد به الجار غير الشريك ، ويكون حقه
غير الشفعة ، فيكون جار [ الرحبة ] (١) يريد الارتفاق بها ، ويريد
مثل ذلك غير الجار ، فيكون الجار أحق بصقبه ، فإن لم يكن هذا
فيكون ذلك فيما يجب للجيران بعضهم على بعض من حق الجوار
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): لرحبة.
- ٣٨١ -

و[ ما للأجنبيين] (١) من الكرامة والبر وسائر الحقوق الذي إذا اجتمع
فيها الجار ومن ليس بجار ؛ وجب إيثار الجار على من ليس بجار من
طريق مكارم الأخلاق وحسن الجوار ، لا من طريق الفرض (٢)
اللازم، فقد أوصى الله - تعالى - بالجار فقال : ﴿ والجار ذي القربى
والجار الجنب﴾ (٣) وقال (عليه السلام] (٤): (( ما زال جبريل
يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه )) ذكره ابن المنذر عن الشافعي .
وإذا احتمل هذا كله الحديث المجمل ، ثم فسره حديث آخر بقوله :
((فإذا وقعت الحدود فلا شفعة)) كان المفسر أولى من المجمل .
والصقب : القرب ، يقال : قد أصقب فلان فلانًا ، إذا قربه منه ،
[٣/ ٤٣٥ - ب) فهو يصقبه / ، وقد تصاقبا : إذا تقاربا .
*
باب : أي الجوار أقرب
فيه: عائشة قالت: (( يا رسول الله، إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟
قال : إلى أقربهما منك بابًا )).
لا حجة في هذا الحديث لمن أوجب الشفعة بالجوار ؛ لأن عائشة
إنما سألت النبي عمن تبدأ به من جيرانها في الهدية ، فأخبرها أنه من
قَرُبَ بابه أولى بها من غيره ، فدل بهذا أنه أولى [ بجميع حقوق ] (٥)
الجوار وكرم العشرة والبرّ ممن هو أبعد منه بابًا .
قال ابن المنذر : وهذا الحديث يدل أن اسم الجار يقع على غير
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): مما الا حسن.
(٢) زاد في ((الأصل)): لا من طريق ، وهي زيادة مقحمة .
(٣) النساء : ٣٦ .
(٤) من ((هـ ).
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)) : بحقوق .
- ٣٨٢ -

اللزيق ؛ لأنه قد يكون له جارًاً لزيقًا وبابه من سكة غير سكته ، وله
جار بينه وبين بابه قدر ذراعين وليس بلزيق [ له ] (١)، وهو أدناهما
بابًا ، وقد خرج أبو حنيفة عن ظاهر هذا الحديث فقال : إن الجار
اللزيق إذا ترك الشفعة ، وطلبها الذي يليه وليس له حد إلى الدار ولا
طريق ، ألا شفعة له .
وعوام العلماء يقولون : إذا أوصى الرجل لجيرانه [ بمال ] (١) أُعطي
اللزيق وغيره ، إلا أبا حنيفة فإنه فارق عوام العلماء وقال : لا يعطى
إلا اللزيق وحده .
وكان الأوزاعي يقول : الجار أربعين دارًاً من كل ناحية . وقاله ابن
شهاب ، وقال علي بن أبي طالب : من سمع النداء فهو جار .
قال المهلب : وإنما أمر عليه السلام بالهدية إلى من قرب بابه؛ لأنه
ينظر إلى ما يدخل دار جاره وما يخرج منها ، فإذا رأى ذلك أحب أن
يشاركه فيه ، وأنه أسرع إجابة لجاره عند ما ينوبه من حاجة إليه في
أوقات الغفلة والغرة ؛ فلذلك بدأ به على من بعد بابه ، وإن كانت
داره أقرب .
(١) من (( هـ)).
- ٣٨٣ -

كتاب الإجارات (١)
باب : استئجار الرجل الصالح
وقوله تعالى : ﴿ إن خير من استأجرت القوي الأمين ﴾
(٢)
والخازن الأمين، ( ومن لم يستعمل من أراده) (٣)
فيه : أبو موسى، قال النبي - عليه السلام -: (( الخازن الأمين الذي
يؤدي ما أمر به [ طيبةً] (٤) نفسه [ أحد ] (٥) المتصدقين).
وقال أيضًا: «أَقْبَلْتُ إلى النبي - عليه السلام - ومعي رجلان من
الأشعريين ، فقلت : ما علمت أنهما يطلبان العمل ، فقال: لن - أولا -
نستعمل على عملنا من أراده )).
ذكر أهل التفسير أن شعيبًا كان غيورًا ، فلما قالت له ابنته : [يا
أبت ] (٦) استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ، قال لها :
وما يدريك ما قوته وأمانته ؟ قالت : أما قوته فما رأيت منه حين
استقى ، لم أر رجلاً أقوى في السقاء منه ، قال مجاهد : وقيل : إنه
استقى بدلو لم يكن يرفعها إلا جملة من الناس ، وقيل : إنه رفع عن
البئر حجرًاً لا يرفعه إلا [ فئام ] (٧) من الناس ، وأما أمانته فإنه نظر
(١) في ((هـ)): الإجارة.
(٢) القصص: ٢٦ .
(٣) في (( هـ )) : ومن لم يستأجر من أراد العمل .
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): طيباً.
(٥) في (( الأصل)): أجر. وهو تحريف، والمثبت من ((هـ)).
(٦) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بانه، وهو تحريف ولعل الصواب يا أبة.
(٧) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): قيام.
- ٣٨٤ -

إليّ حين أقبلت إليه ، فلما علم أني امرأة صوبٌ رأسه فلم يرفعه ،
ولم ينظر إليّ حين بلغته رسالتك ، وقيل : إنها مشت بين يديه تدله
على الطريق فضربتها الريح ، فنظر إلى عجيزتها فقال لها : امشي
خلفي ودليني على الطريق [ فَسُرِّيَ عنه وصدقها ] (١).
فمعنى قولها: (( استأجره )) أي : لرعي غنمك والقيام عليها. ((إن
خير من استأجرت القوي)) على ( حرز ) (٢) ماشيتك وإصلاحها ،
((الأمين )) عليها ، فلا تخاف منه فيها خيانةً .
قال المهلب : لما كان طلب العمالة (دلالة ) (٣) على الحرص
وجب أن ( يحترز ) (٤) من الحريص عليها، وقد أخبر [ عليه السلام
أنه ] (٥) لا يعان من طلب العمل على ما يطلبه ، وإنما يعان عليه من
طلب به ، وإذا كان هذا في علم الله معروفًا وعلى لسان نبيه عليه
السلام ، وجب ألا يستعمل من علم أنه لا يعان عليه ممن طلبه ،
[ووجب] (٦) على العاقل ألا يدخل في ذلك إلا بضم السلطان له إليه
[ إذا ] (٧) علم أنه سيطلع به ، وإنما أدخل في هذا الباب حديث
((الخازن الأمين [ أحد ] (٨) المتصدقين)) لأن من استؤجر على شيء
فهو فيه أمين ، وليس عليه في شيء منه ضمان إن فسد أو تلف إلا أن
يضيع تضييعًا معلومًا فعليه الضمان، وقال مالك: لا يضمن المستأجر ما
(١) في ((الأصل)): فسيرى عنه وصرفها، والمثبت من (( هـ)).
(٣) في (( هـ)): دليلاً .
(٢) في (( هـ )) : حفظ .
(٤) في ( هـ : يحترس.
(٥) من (( هـ)) وفي ((الأصل): أنه عليه السلام.
(٦) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فوجب .
(٧) من ((هـ)) وفي ((الأصل)»: إذ.
(٨) من (( هـ)) وفي ((الأصل)) : أجر.
- ٣٨٥ -

[٣/ ق٤٤-١] ما يعاب عليه ، والقول / قوله في ذلك مع يمينه ، وروى أشهب عنه :
فيمن استأجر جفنةً أنه لها ضامن ، إلا أن يقيم بينةً على الضياع .
باب : رعي الغنم على قراريط
فيه : أبو هريرة ، قال النبي - عليه السلام -: (( ما بعث الله نبيا إلا رعى
الغنم . فقال أصحابه : وأنت ؟ قال : نعم ، كنت أرعاها على قراريط
لأهل مكة )» .
معنى قوله عليه السلام: (( ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم)) - والله
أعلم - أن ذلك توطئةً وتقدمةً في تعريفه سياسة العباد ، واعتبارًا
بأحوال ( رعاة ) (١) الغنم ، وما يجب على راعيها من اختيار الكلأ
لها ، وإيرادها أفضل مواردها ، واختيار المسرح والمراح لها ، وجبر
كسيرها ، والرفق بضعيفها ، ومعرفة أعيانها وحسن تعهدها ، فإذا
وقف على هذه الأمور كانت مثالاً لرعاية العباد ، وهذه حكمة بالغة .
وأجمع العلماء أنه جائز أن يُستأجر [ الراعي ] (٢) شهورًا معلومة
بأجرة معلومة .
قال مالك : وليس على الراعي ضمان ، وهو مصدق فيما هلك أو
سُرق ؛ لأنه أمين كالوكيل ، إلا أن يُفَرِّط أو يتعدى .
باب : استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد
أهل الإسلام، وعامل النبي - عليه السلام - ( يهود ) (٣) خيبر.
فيه: عائشة: (( استأجر النبي - عليه السلام - وأبو بكر رجلاً من
(١) فى ((هـ): رعاية
(٣) فى (( هـ): أهل.
بـ ٠.
(٢) من ( هـ ).
.- ٣٨٦ -

بني الديل ، ثم من بني عبد بن عدي هاديًا - الماهر بالهداية - قد غمس
يمين حلف [ في آل ] (١) العاص بن وائل وهو على دين كفار قريش،
فأمناه، فدفعا إلیه راحلتيهما ، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال ، فأتاهما
براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث ، فارتحلا وانطلق معهما عامر بن فهيرة
والدليل الديلي، فأخذ بهم [ أسفل مكة ] (٢) وهو طريق الساحل)).
استئجار المشركين عند الضرورة وغيرها جائز حسن ؛ لأن ذلك ذلة
وصغار لهم ، وإنما قال البخاري في ترجمته : إذا لم يوجد أهل
الإسلام ، من أجل أن النبي - عليه السلام - إنما عامل أهل خيبر
على العمل في أرضها ( إذ ) (٣) لم يوجد من المسلمين من ينوب
منابهم في عمل الأرض ، حتى قوي الإسلام واستغني عنهم وأجلاهم
عمر بن الخطاب ، وعامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة
وغيرها .
قال المهلب : وفيه من الفقه ائتمان أهل الشرك على السر والمال إذا
علم منهم وفاءً ومروءة ، كما استأمن النبي - عليه السلام - هذا
الدليل المشرك ، وهو من الكفار الأعداء ( المطالبين ) (٤) له ، لكنه
علم منه مروءةً ووفاءً ائتمنه [ من أجلهما ] (٥) على سره في الخروج
من مكة ، وعلى الناقتين اللتين دفعهما إليه ليوافيهما بهما بعد ثلاث
في غار ثور .
وقال ابن المنذر : فيه استئجار المسلمُ الكافرَ على هداية الطريق ،
وفيه استئجار الرجلين الرجل الواحد على عمل واحد لهما .
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): قول، وهو تحريف.
(٢) سقط من ((الأصل))، والمثبت من (( ن)) والفتح (٤/ ٥١٧).
(٣) في (( هـ)): إذا .
(٤) في ((هـ)) : الطالبين.
(٥) من ((هـ))، وفي ((الأصل)) : لأجلها .
- ٣٨٧ -

وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق ، ويقال : إنه من العرب ،
استرق وهو غلام فاشتراه أبو بكر فأعتقه ، ويقال : إنه من الأزد ،
وكان ممن يعذب بمكة في الله ، شهد بدراً وأحدًا ، وقتل يوم بئر
[معونة] (١) سنة أربع من الهجرة ، وهو الذي حكت عائشة عنه أنه
[كان] (٢) إذا أخذته الحمّى يقول :
إن الجبان حتفه من فوقه
قد رأيت الموت قبل ذوقه
وقال مالك في العتبية : كان اسم الدليل رقيط . وقال ابن
إسحاق: اسمه عبد الله
باب : إذا استأجر أجيرًا ليعمل له بعد ثلاثة أيام أو بعد شهر أو بعد
سنة جاز، وهما على شرطهما الذي اشترطاه إذا جاء الأجل
[٣/ قى٤٤ - ب] / فيه: عائشة: ((استأجر النبي - عليه السلام - وأبو بكر رجلاً من بني
الدیل هادیًا خریتًا ، وهو على دين كفار قريش ، فدفعا إليه راحلتيهما
وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتیھما صبح ثلاث » .
قال ابن المنذر : وهذا الخبر دال على إباحة أن يستأجر الرجل
[الرجل](٣) على أن يدخل في العمل بعد أيام معلومة ، يصح عقد
الإجارة قبل وقت العمل ، وقياس هذا أن يجوز أن يستأجر منزلاً
معلومًا سنةً معلومةً قبل مجيء السنة بأيام ، وأجاز مالك وأصحابه
استئجار الأجير على أن يعمل بعد يوم أو يومين أو ما قرب ، هذا إذا
نقده [ الأجرة ] (٤)
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)) : معوية.
(٢) من ( هـ ))
(٣) في ((الأصل: للرجل، والمثبت من (( هـ).
(٤) من ((هـ))، وفى ((الأصل)): الإجارة .
- ٣٨٨ -

واختلفوا إذا استأجره ليعمل له بعد شهر أو سنة ولم ينقده ، فأجازه
مالك وابن القاسم ، وقال أشهب : لا يجوز . وهذا عندهم في
الأجير المعين والراحلة المعينة ، وأما إذا كان كراءً مضمونًا فيجوز فيه
ضرب الأجل البعيد وتقديم رأس المال ، ولا يجوز أن يتأخر رأس المال
إلا اليومين و[الثلاثة ] (١) ؛ لأنه إذا تأخر كان من باب الدين
[بالدين] (٢)، وتفسير الكراء المضمون أن يستأجره على حمولة بعينها
على غير دابة معينة ، والإجارة المضمونة أن يستأجر على بناء بيت ،
ولا يشترط عليه عمل يده ، ويصف له طوله وعرضه وجميع آلته ،
على أن المؤنة فيه كله على العامل مضمونًا عليه حتى يتمه ، فإن مات
قبل تمامه كان ذلك في ماله ولا يضره بُعد الأجل [ فيه ] (٣) ، ووجه
قول أشهب أنه لا يدري أيعيش المستأجر أو الدابة ، وهو من باب منع
التصرف في الراحلة والأجير .
والخريت : الدليل الحاذق . من كتاب العين .
باب : الأجير في الغزو
وفيه : يعلى بن أمية قال: (( غزوت مع النبي - عليه السلام - جيش
العسرة ، فكان من أوثق أعمالي في نفسي ، فكان لي أجير ، فقاتل
إنسانًا فعض أحدهما إصبع صاحبه ، فانتزع إصبعه ، [ فأندر ] (٤) ثنيته
فسقطت ، فانطلق إلى النبي - عليه السلام - ... )) الحديث .
استئجار الأجير للخدمة وكفاية مؤنة العمل في الغزو وغيره سواء .
-
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): الثلاث.
(٢) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): في الدين.
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)) : فأنذر .
(٣) من (( هـ)).
- ٣٨٩ -

٠٠
قال المهلب : وأما القتال فلا يستأجر عليه ؛ لأن على كل مسلم أن
يقاتل حتى تكون كلمة الله هي العليا . قال غيره : وإنما ذكر هذا
الباب ؛ لأن عمل الجهاد كله عمل بر ، ومن أهل العلم من كره أن
يؤاجر نفسه في شيء من أعمال البر ، لكنه لما كان الجهاد فرضًا على
الكفاية ولم يتعين ؛ جاز للرجل أن يؤاجر نفسه في سبب منه أو مما
يتعلق به ، وقد تقدم في كتاب الجهاد : هل يسهم للأجير أم لا ؟
#
باب : من استأجر أجيراً فبين له الأجر ولم يبين العمل
لقوله تعالى: ﴿ إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ..... ﴾ إلى
﴿ و کیل﴾ (١)
قال المهلب : ليس كما ترجم ؛ لأن العمل عندهم معلوم من سقي
وحرث ورعي واحتطاب ، وما شاكل أعمال البادية ومهنة أهلها ، فهذا
متعارف وإن لم يبين له أشخاص الأعمال ولا مقاديرها ، مثل أن يقول
له : إنك تحرث كذا من السنة ، وترعى كذا من السنة . فهذا إنما هو
على المعهود من خدمة البادية ، والذي عليه المدار في هذا أنه قد عرفه
بالمدة وسماها له ، وإنما الذي لا يجوز عند الجميع أن تكون المدة
مجهولة والعمل مجهول غير المعهود ، لا يجوز حتى يعلم .
قال المهلب : والنكاح على أعمال البدن لا يجوز عند أهل المدينة ؛
لأنه غرر ، وما وقع من النكاح على مثل هذا الصداق لا نأمر به
اليوم؛ لظهور الغرر في طول المدة، وهو خصوص لموسى عند أكثر العلماء؛
لأنه قد قال : إحدى ابنتي ، ولم يعينها ، وهذا لا يجوز إلا بالتعيين،
(١) القصص : ٢٧ .
- ٣٩٠ -
٠٠

وأما مذاهب العلماء في ذلك ، فقال مالك : إذا تزوّجها على أن
يؤاجرها نفسه سنةً أو أكثر يفسخ النكاح إن لم يكن دخل بها ، وإن
كان / دخل بها ثبت النكاح بصداق المثل .
[٣/ ق٤٥-٦]
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : إن كان حرا فلها مهر مثلها ، وإن
كان عبداً فلها خدمة سنة .
وقال الشافعي : النكاح جائز على خدمته إذا كان [وقتها ] (١)
معلوماً .
وقال بعض أصحاب مالك : إنما كره مالك النكاح على الخدمة ؛
لأنه لم يبلغه أن أحدًا من السلف فعل ذلك ، والنكاح موضوع على
الاتباع والاقتداء .
وقوله : ﴿أيما الأجلين قضيت [ فلا عدوان علي﴾ (٢) أي: ذلك
واجب لك عليّ في تزويجي إحدى ابنتيك، فما قضيت ] (٣) من
هذين الأجلين ، فليس لك عليّ مطالبة بأكثر منه ، والله على ما أوجبه
كل واحد منا على نفسه شهيد وحفيظ .
وروي عن ابن عباس أن النبي - عليه السلام - قال: ((سألت
جبريل : أي الأجلين قضى موسى ؟ قال : أتمهما وأكملهما - يعني
عشر سنين .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): وقتًا .
(٢) القصص : ٢٨ .
(٣) من (( هـ)).
- ٣٩١ -

;
باب : إذا استأجر أجيرًا على أن يقيم حائطًا
یرید أن ينقض جاز
فيه : ابن عباس عن أَبيّ (( قال رسول الله فانطلقا فوجدا جداراً يريد
أن ينقض ، قال : فرفع يده فاستقام ، قال : لو شئت لتخذت عليه
أجرًا» .
قال المهلب : إنما جاز الاستئجار عليه لقول موسى : لو شئت
لتخذت عليه أجرًا . والأجر لا يتخذ إلا على عمل معلوم ، وإنما كان
يكون له الأجر لو عامله عليه قبل عمله ، وأما بعد أن أقامه بغير إذن
صاحبه فلا يُجْبَرُ صاحبه على غرم شيء وقال ابن المنذر : في قصة
موسى والخضر جواز الإجارة على البناء .
وفي قوله: (( حملونا بغير قول)» ، فيه جواز أخذ الأجرة من
الركبان في البحر .
باب : الإجارة إلى نصف النهار
فيه : ابن عمر قال : قال النبي - عليه السلام -: (( مثلكم ومثل أهل
الكتابين كمثل رجل استأجر أجيراً ، فقال : من يعمل لي من غدوة إلى
نصف النهار على قيراط ؟ فعملت اليهود، ثم قال : من يعمل من نصف
النهار إلى صلاة العصر على قيراط ؟ فعملت النصارى ، ثم قال : من
يعمل من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين ؟ فأنتم هم ،
فغضبت اليهود والنصارى ، قالوا: ما لنا أكثر عملاً وأقل عطاءً؟! قال:
هل نقصتم من حقكم ؟ قالوا : لا . قال : فذلك فضلي أوتيته من
أشاء)).
- ٣٩٢ -

وترجم له باب ((الإجارة إلى صلاة العصر))، وترجم له باب (( الإجارة
من العصر إلى الليل)) ، وذكر فيه حديث أبى موسى عن النبي - عليه
السلام - قال: (( مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر
قومًا يعملون له عملاً يومًا إلى الليل على أجر معلوم ، فعملوا إلى
نصف النهار ، فقالوا : لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا ، وما
عملنا باطل ، فقال لهم : لا تفعلوا ، أكملوا بقية يومكم وخذوا أجركم
كاملاً . فأبوا وتركوا ، واستأجر آخرين بعدهم ، فقال : أكملوا بقية
يومكم هذا، ولكم الذي شرطت [ لهم ] (١) من الأجر ، فعملوا حتى
إذا كان صلاة العصر قالوا : لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت
لنا . [فقال: أكملوا] (٢) بقية يومكم، فإنما بقي من النهار شيء يسير،
فأبوا ؛ فأستأجر قومًا أن يعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس ،
(فأكملوا) (٣) أجر الفريقين كلاهما ، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من
هذا النور )) .
قال ابن المنذر : في حديث ابن عمر ذكر الإجارة الصحيحة بالأجر
المعلوم إلى الوقت المعلوم ، ولولا أن ذلك جائز ما ضرب بها عليه
السلام المثل .
وقال المهلب : إنما هذا مثل ضربه النبي للناس [ الذين ] (٤) خلقهم
الله لعبادته ، فشرع لهم دين موسى ليعملوا الدهر كله بما يأمرهم به
وينهاهم عنه ، فعملوا على دين موسى إلى أن بعث الله عيسى ،
فأمرهم بأن يتبعوه على شريعته ، فأبوا وتبرءوا مما جاء به / عيسى ، [٣/ ق٤٥ -ب]
وعمل آخرون بما جاء به عيسى على أن يعملوا باقي الدهر بما يؤمرون
(١) في ((الأصل)): لكم، والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): فأكملوا .
(٣) في (( هـ ، ن )): فأستكملوا .
(٤) في ((الأصل)): الذي، والمثبت من ( هـ)).
- ٣٩٣ -

به وينهون عنه ، فعملوا حتى بعث الله محمدًا فدعاهم إلى العمل بما
جاء به ، فعصوا وأبوا وقطعوا العمل ، فعمل المسلمون بما جاء به ،
ويعملون به إلى يوم القيامة ، فلهم أجر من عمل الدهر كله ؛ [لأنهم
أتموا الدهر ] (١) بعبادة الله كإتمام النهار الذي كان استؤجر عليه كله
أول طبقة .
وقوله في حديث ابن عمر: (( من يعمل لي من غدوة إلى نصف
النهار )) قدر لهم مدة أعمال اليهود ولهم أجرهم عليه إلى أن نسخ الله
شريعتهم بعيسى ، وقال عند مبعث عيسى : من يعمل في مدة هذا
الشرع وله أجر قيراط ؟ فعملت النصارى إلى أن نسخ الله دين عيسى
بمحمد ، ثم قال متفضلاً على المسلمين : من يعمل بقية النهار إلى
الليل وله قيراطان ؟ فقال المسلمون : نحن نعمل إلى انقطاع الدهر
بشريعة محمد ، فهذا الحديث وجهه العمل بمدد الشرائع ، والحديث
الثاني وجهه العمل الدهر كله ، فبقي أن من عمل من اليهود إلى أن
نسخ دين موسى ، ثم انتقل وآمن بعيسى وعمل بشريعته أن له أجره
مرتين ، كما كان للمسلمين أجرهم مرتين [ يعني ] (١) كأجر اليهود
والنصارى قبلهم ؛ لأنهم أعطوا قيراطين على آخر النهار كما أعطي
اليهود والنصارى قيراطين على أكثره ، وإنما ذلك من أجل إيمان
المسلمين بموسى وعيسى وإن [ كانوا ] (١) لم يعملوا بشريعتهما ؛ لأن
التصديق عمل .
فإن قيل: فما معنى قول اليهود والنصارى: (( نحن أكثر عملاً
وأقل عطاءً )) وبين نصف النهار والعصر ثلاث ساعات ، كما بين
العصر إلى الليل ثلاث ساعات ، وإنما كان يكون معنى الحديث
(١) من ((هـ)).
- ٣٩٤ -

[ ظاهرًا] (١) لو قال ذلك اليهود خاصةٌ ؛ لأنهم عملوا نصف النهار
على قيراط وذلك ست ساعات ، وعملت النصارى ثلاث ساعات
على قيراط .
قيل : يحتمل معان من التأويل : أحدها : أن يكون قوله : (( نحن
أكثر عملاً وأقل عطاءً)) من قول اليهود خاصةً ؛ لأنهم عملوا ست
ساعات بقيراط ، ويكون من قول النصارى: (( نحن أقل عطاءً)).
وإن كانوا متقاربين مع المسلمين في العمل ، فيكون الحديث على
العموم في اليهود ، وعلى الخصوص في النصارى ، وقد يأتي الكلام
إخبار عن جملة والمراد بعضها ، كقوله تعالى : ﴿ يخرج منهما اللؤلؤ
والمرجان﴾ (٢) وإنما يخرج من أحدهما من الملح لا من العذب،
ومثله ﴿ فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما ﴾ (٣) والناسي كان يوشع
وحده ، يدل على ذلك قوله لموسى : إني نسيت الحوت .
وفيه تأويل آخر على العموم فيهما ، على أن كل طائفة منهما أكثر
عملاً وأقل عطاءً، [وذلك قوله] (٤): ((فعملت النصارى إلى
صلاة العصر )) وليس فيه أنه إلى أول وقت العصر ، فنحمله أنها
عملت إلى آخر وقت [ صلاة ] (٤) العصر ، قاله ابن القصار.
وفيه وجه آخر : وذلك أن نصف النهار وقت زوال الشمس ،
و[الزوال] (٥) في آخر الساعة السادسة ، والعصر في أول العاشرة بعد
مضي شيء يسير منها ، فزادت المدة التي بين الظهر إلى العصر على
المدة التي بين العصر إلى الليل بمقدار ما بين آخر الساعة التاسعة وأول
(١) في ((الأصل)): ظاهر، والمثبت من (( هـ)).
(٢) الرحمن : ٢٢.
(٤) من ( هـ ).
(٣) الكهف : ٦١ .
(٥) في ((الأصل)): زوال، والمثبت من (( هـ)).
- ٣٩٥ -

العاشرة ، وإن كان ذلك القدر لا يتبينه كثير من الناس ، فهي زيادة
معلومة [ بالعقل ] (١) والله أعلم .
باب : من استأجر أجيرا فترك الأجير أجره فعمل فيه
المستأجر فزاد، ومن عمل في مال غيره فاستفضل
فيه : ابن عمر قال النبي - عليه السلام -: (( انطلق ثلاثة نفر ممن كان
قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه ، فانحدرت صخرة من الجبل
فسدت عليهم الغار ، فقالوا : لا ينجيكم منها إلا أن تدعوا الله بصالح
أعمالكم . فقال رجل منهم : اللهم إني استأجرت أجراء ، فأعطيتهم
[٤٦٥/٣-١] أجرهم ؛ غير رجل واحد ترك الذي له / وذهب ، فثمرت أجره حتى
كثرت منه [الأموال] (٢) ، فجاءني بعد حين فقال لي : يا عبد الله، أدّ
إليّ أجري فقلت له : كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق.
فقال : أنستهزئ بي ؟ قلت : لا . فأخذه كله فاستاقه ... )) الحديث .
قال المهلب : تجره في أجر أجيره على التفضل والتبرع والإحسان
منه، وإنما كان عليه مقدار العمل [ خاصة ] (٢)، فلما أنماه له.
وقَبِلَ ذلك الأجير ، راعى الله له جق تفضله فعجل له المكافأة في
الدنيا بأن خلصه بذلك من هلكة الغار ، والله تعالى يأجره على ذلك
في الآخرة .
قال المؤلف : وأما من تجر في مال غيره ، فقالت طائفة : يطيب له
الربح إذا ردّ رأس المال إلى صاحبه ، وسواء كان غاصبًا للمال أو
(١) في ((الأصل)): بالعمل، وهو تحريف والمثبت من ((هـ)).
(٢) من (( هـ، ن)).
- ٣٩٦ -

وديعة عنده متعديًا فيه . هذا قول عطاء [ وربيعة ] (١) ومالك والليث
والثوري والأوزاعي و[أبي ] (٢) يوسف، واستحب مالك والثوري
والأوزاعي تنزهه عنه ، ويتصدق به .
وقالت طائفة : يرد المال ويتصدق بالربح كله ، ولا يطيب له منه
شيء . هذا قول أبي حنيفة وزفر ومحمد بن الحسن ، وقالت طائفة :
الربح لرب المال ، وهو ضامن لما تعدى فيه . هذا قول ابن عمر وأبي
قلابة ، وبه قال أحمد وإسحاق ، وقال الشافعي : إن اشترى السلعة
بالمال بعينه فالربح ورأس المال لرب المال ، وإن اشتراها بمال بغير عينه
[ مثل ] (٣) أن يستوجبها منه بثمن معروف المقدار غير معروف العين ،
ثم نقد المال المغصوب أو الوديعة [ بغير إذن ربها ] (١) فالربح له ،
وهو ضامن لما استهلك من مال غيره .
وأصح هذه الأقوال قول من رأي أن الربح للغاصب والمتعدي ،
والحجة له أن العين قد صار في ذمته ، وهو وغيره من ماله سواء ، إذ
لا غرض للناس في أعيان الدنانير والدراهم ، وإنما غرضهم في
تصرفهم فيها ، ولو غصبها من رجل ثم أراد أن يدفع إليه غيرها مثلها
وهي قائمة بيده ، لكان له ذلك على أصل قول مالك ، فإذا كان له أن
يدفع إليه غيرها فربحها له ، وحديث هذا البابُ حجة لذلك ، ألا
ترى أن الأجير حين قال له من أجره: (( كل ما ترى من الإبل والبقر
والغنم والرقيق من أجرك ، قال له : أتستهزئ بي ؟)) فدل هذا أن
السنة كانت عندهم أن الربح للمتعدي العامل ، وأنه لا حق فيه لربّ
رأس المال ، وأخبر بذلك النبي فأقره ولم ینسخه ، وقد روي عن عمر
(١) من ((هـ).
(٢) في ((الأصل)): أبو، والمثبت من ((هـ).
(٣) في (( الأصل)): قبل، والمثبت من (( هـ).
- ٣٩٧ -

ابن الخطاب ما يدل على أن الربح [ له ] (١) بالضمان ، روى مالك
في الموطأ: (( أن أبا موسى أسلف عبد الله وعبيد الله ابني عمر من
بيت المال ، فاشتريا به [ متاعًا ] (٢) وحملاه إلى المدينة ، فربحا فيه،
فقال عمر : أديا المال وربحه . فقال عبيد الله : ما ينبغي لك هذا ،
لو هلك المال أو نقص ضمنَّه ، فقال رجل : لو جعلته قراضًا يا أمير
المؤمنين . [ قال: نعم ] (١) ، فأخذ منهما نصف الربح ، فلم ينكر
عمر قول ابنه : لو هلك المال أو نقص ضمنَّاه ، فلذلك طاب له
ربحه، ولا أنكره أحد من الصحابة بحضرته ، وقد تقدم في كتاب
البيوع في حديث ابن عمر من زرع طعامًا مغصوبًا في باب ((إذا
اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه فرضي)) ومذاهب العلماء في ذلك.
والاغتباق والغبوق : شرب العشي ، واسم الشراب : الغبوق،
وقال صاحب الأفعال : غبقت الرجل ، ولا يقال : أغبقته .
وقوله: ((ألمت بها سنَة )) يعني : أتت عليها سنة شديدة أحوجتها.
باب : إثم من منع ( الأجير أجره ) (٣)
فيه: أبو هريرة: ((عن النبي - عليه السلام - قال الله - تعالى - : ثلاثة
أنا خصمهم يوم القيامة : رجل أعطي بي ثم غدر ، ورجل باغ حرا ،
ورجل استأجر أجیرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره » ..
وروى ابن المنذر في هذا الحديث : (( ومن كنت خصمه خصمته )).
وقال المهلب : هذا الحديث مصداقه في كتاب الله قال الله -
(١) من ( هـ).
(٢) في ((الأصل)): مالاً، والمثبت من (( هـ)).
(٣) في (( هـ، ن)) : أجر الأجير.
- ٣٩٨ -

تعالى - : ﴿ومن نكث فإنما ينكث على نفسه﴾ (١) وقد وبخ الله من
عاهده ثم نكث / ، ومن باع حرا فقد ألزمه الذلة والصغار ، ومنعه [٣/ ٤٦٥ -ب].
التصرف فيما أباح الله له ، وهذا ذنب عظيم ينازع الله به في عباده ،
ومن منع أجيراً حقه فقد ظلمه حين استخدمه واستحل عَرَقَه بغير أجر،
وخالف ( بصيرة ) (٢) الله في عباده ؛ لأنه استعملهم ووعدهم على
عبادته جزيل الثواب وعظيم الأجر وهو خالقهم [ ورازقهم ] (٣).
باب : من آجر نفسه ( للحمل ) (٤) على ظهره
ثم تصدق [ به ](٥) وأجر الحمال
فيه : أبو مسعود قال: ((كان النبي إذا أمرنا بالصدقة انطلق أحدنا إلى
السوق فيحامل ، فنصيب المد ، وإن لبعضهم لمائة ألف قال : ما
(يراد)(٦) إلا نفسه )).
قال المهلب : إنما هذا على الترغيب في الصدقة ، [ ورجاء أجرها
عند الله ، وقد أثنى الله - تعالى - على أهل هذه الصفة ] (٣) بقوله
تعالى : ﴿ويطعمون الطعام على حبه ... ﴾ (٧) الآية. وقوله :
ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ (٨).
وفيه ما كان عليه سلف هذه الأمة من الحرص على اتباع أوامر النبي-
عليه السلام - والمبادرة إلى ما ندب إليه وحض عليه من الطاعة ، وما
كانوا عليه من التواضع والمهنة لأنفسهم في الأعمال الشاقة عليهم؛
(١) الفتح : ١٠.
(٣) من (( هـ )).
(٢) في (( هـ)): سيرة .
(٤) في (( هـ، ن)): ليحمل. (٥) في (( هـ)): منه .
(٦) في (( هـ)): نراه، وفي ((ن)): تراه.
(٧) الإنسان : ٨ .
(٨) الحشر : ٩
- ٣٩٩ -

لينالوا بذلك رضى ربهم ، ولذلك وصفهم الله بأنهم خير أمة أخرجت
للناس ، وكل هذا كان في أول الإسلام قبل أن يفتح الله عليهم خزائن
البلاد ، وكان إذْ حدَّث أبو مسعود هذا الحديث قد وسع الله عليهم
لقوله: ((وإن لبعضهم لمائة ألف)) فأدرك الحالتين معًا ، وقد ظن
المحدث أن أبا مسعود أراد بذلك نفسه ، وقد جاء هذا [ الحديث ] (١)
في كتاب الزكاة وفيه: (( وإن لبعضهم اليوم لمائة ألف)» .
باب : أجر السمسرة
ولم ير ابن سيرين وعطاء [وإبراهيم ] (١) والحسن [بأجر] (٢)
السمسرة بأسًا .
وقال ابن عباس : لا بأس أن يقول بع هذا الثوب فما زاد على كذا
و كذا فهو لك .
--
وقال ابن سيرين : إذا قال : بعه بكذا [ وكذا](١) فما كان من ربح فهو
لك، أو قال : بيني وبينك فلا بأس .
وقال النبي - عليه السلام -: ((المسلمون عند شروطهم)).
فیه : ابن عباس : ( نهى النبي أن يتلقى الركبان ، ولا يبيع حاضر لباد ،
قلت : يا ابن عباس ، ما [ قوله ](٣) : لا يبيع حاضر لباد ؟ قال : لا
تکون له سمساراً » .
اختلف العلماء في أجر السمسار ، فأجازه غير من ذكرهم
(١) من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): بأخذ، والمثبت من ((هـ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): هو، والمثبت من (( هـ، ن)).
- ٤٠٠ -