Indexed OCR Text

Pages 121-140

باب: قول الرجل ( لعمر ) (١) الله
قال ابن عباس : لعمرك : لعيشك.
فيه: عائشة ((حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فيرأها الله، فقام النبي -
عليه السلام - [ فاستعذر](٢) من عبد الله بن أبيّ ، فقام أسيد بن حضير
فقال لسعد بن عبادة: [ لعمر ](١) الله لنقتلنه)).
قال أبو القاسم الزجاجي: (([ لعمر ] (١) الله )) كأنه حلف ببقائه
تعالى ، وقوله : لعمرك ، مرفوع بالابتداء ، والخبر مقمر ،
والتقدير: لعمرك ما أُقْسِمُ به، وكذلك (( [ لعمر ] (١) الله)).
واختلف الفقهاء في قول الرجل: [لعمر ] (١) الله ، فقال مالك
والکوفیون : هي یمین .
وقال الشافعي : إن لم يرد بها اليمين فليست بيمين ، وهو قول
إسحاق .
والحجة لمالك والكوفيين أن أهل اللغة قالوا : إنها بمعنى بقاء الله ،
وبقاؤه صفة ذاته ، فهي لفظة موضوعة لليمين فوجب فيها كفارة .
وأما قولهم: ((لعمري)) فقال الحسن / البصري: عليه كفارة إذا [٢/ ق ٢٥٠-١)
حنث فيها ، وسائر الفقهاء لا يرون فيها كفارة ؛ لأنها ليست بيمين
عندهم .
قال ابن المنذر : وأما قوله تعالى: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم
يعمهون﴾ (٣) فإن الله يقسم بما شاء من خلقه، وقد نهى النبي عن
الحلف بغير الله
(١) في (( الأصلى )): لعمرو. والمثبت من ((هـ )).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فاستعار.
(٣) الحجر : ٧٢ .
- ١٢١ -

باب : ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ... ﴾ (١) الآية
فيه : عائشة ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ (١) قالت: أنزلت
في قوله : لا والله ، ویلی والله )) .
اختلف العلماء في لغو اليمين ، فذهب إلى قول عائشة : ابن
عمر، وابن عباس - في رواية - وروي ذلك عن القاسم ، وعطاء ،
وعكرمة ، والحكم ، وطاوس ، والحسن ، والنخعي .
وروى حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي قلابة قال : لا والله ،
وبلى ( والله ) (٢) لغة من لغات العرب لا يراد بها اليمين ، وهي من
صلة الكلام . وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والشافعي ، إلا أن أبا
حنيفة قال : اللغو قول الرجل : لا والله ، وبلى والله ، فيما يظن أنه
صادق فيه على الماضي ، وعند الشافعي سواء كانت في الماضي أو
المستقبل .
وفيها قول ثان روي عن ابن عباس أنه قال : لغو اليمين أن يحلف
الرجل على الشيء يعتقد أنه كما حلف عليه ، ثم يوجد على غير
ذلك. وروي هذا القول أيضًا عن عائشة ، ذكره ابن وهب عن عمر
ابن قيس ، عن عطاء ، عن عائشة . وروى مثله أيضًا إسماعيل
القاضي [عن] (٣) النخعي، والحسن ، وقتادة ، وهو قول ربيعة ،
ومكحول ، ومالك ، والليث ، والأوزاعي .
وقال أحمد بن حنبل : اللغو : الوجهان جميعًا .
وجعل مالك لا والله ، وبلى والله موضوعة لليمين ، ورأى فيها
الكفارة إلا ألا يراد بها اليمين .
(١) البقرة : ٢٢٥، المائدة : ٨٩ .
(٣) من ((هـ )) وفي (( الأصل)): و .
(٢) تكررت في (( الأصل )
- ١٢٢ -

وجعلها الشافعي ومن لم ير فيها الكفارة موضوعة لغير اليمين إلا
أن يراد بها اليمين ، ورأى الشافعي في اللغو الذي عند مالك الكفارة؛
لأن حقيقة اللغو عند الشافعي ما لم يقصد له الحالف لكن سبق
لسانه، كأنه يريد أن يتكلم بشيء فتبدر منه اليمين .
قال إسماعيل : وأعلى الرواية و( أمثلها ) (١) [ في ] (٢) تأويل
الآية أن ما جاء في قول الرجل : لا والله ، وبلى والله ، وهو لا يريد
اليمين فلم يكن عليه يمين ؛ لأنه لم ينوها ، وقال رسول الله :
((الأعمال بالنيات)) وما جرى على لسان الرجل من قول لم يقصده
ولا نواه سقطت عنه الكفارة ؛ إذ جعل بمنزلة من لم يحلف ، ألا ترى
قول أبي قلابة في قوله : لا والله، وبلى و (٣) الله، أنهما من لغة
العرب ليست بيمين .
وقال غيره : في اللغو ثلاثة أقوال غير هذين .
أحدهما : ما رواه طاوس عن ابن عباس قال : اللغو أن يحلف
الرجل وهو غضبان .
والثاني : قال الشعبي : اللغو في اليمين كل يمين على معصية فليس
لها كفارة ، ثم قال : لمن يُكفِّر ، للشيطان ؟!
والثالث : قول سعيد بن جبير : هو تحريم الحلال ، كقول الرجل:
هذا الطعام عليّ حرام فيأكله ، فلا كفارة عليه .
قال إسماعيل بن إسحاق : وقول سعيد بن جبير ليس على مجرى
ما ذهب إليه أهل العلم في ذلك . ولا حجة له ، وإنما يرجع معنى
(١) في (( هـ)) : أكبرها .
(٢) من ((هـ) وفي ((الأصل)): و .
(٣) جاء في ((الأصل)» : لا . وهي زيادة مقحمة.
- ١٢٣ -

قوله إلى معنى الحديث الذي فيه : (( فليأت الذي هو خير ، وليكفر
عن يمينه )) لأن من خلف ألا يأكل طعامًا ، أو لا يدخل على أخيه ؛
فقد حرم على نفسه ما أحل الله له .
قال غيره : وأمّا قول ابن عباس : اللغو يمين الغضبان ، فإنما يشبه
الغاضب بمن لم يقصد إلى اليمين ولا أراده ، وكأنه غلبه الغضب ،
[٢/ ق ٢٥٠- ب)فهو كمن لم ينو اليمين فلا كفارة عليه / وهذا معنى ضعيف ؛ لأن
جمهور الفقهاء على أن الغاضب عندهم قاصد إلى أفعاله ، والغضب
يزيده [ تأكيداً ] (١) وقوة في قصده ، وستأتي مذاهب العلماء فيمن
حلف على معصية أو نذرها في باب النذر فيما لا يملك ، ولا نذر في
معصية بعد هذا - إن شاء الله .
باب : إذا حتث ناسيًا وقوله تعالى : ﴿ لیس علیکم جناح فيما
أخطأتم به ﴾ (٣) وقال: ﴿لا تؤاخذني بما نسيت﴾ (٣)
فيه : أبو هريرة يرفعه قال: (( إن الله تجاوز لأمتي ( ما ) (٤) وسوست -
أو حدثت - به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم )» .
وفيه: عبد الله بن عمرو: (( أن النبي - عليه السلام - بينما هو (يخطينا
فقام) (٥) إليه رجل فقال : كنت أحسب كذا قبل كذا، ثم قام إليه آخر
فقال: [ يا رسول الله] (٧) كنت أحسب كذا ، فقال عليه السلام: افعل
ولا حرج ... )) الحديث .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): تأكيد.
(٣) الكهف : ٧٣ .
(٢) الأحزاب : ٥ ..
(٤) في (( هـ)): عما.
(٥) في (( هـ)) : يخطب يوم النحر إذ قام .
(٦) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فقام.
(٧) من ((هـ)).
- ١٢٤ -

وفيه : ابن عباس مثله .
وفيه: أبو هريرة (( أن رجلا دخل المسجد يصلي ، والنبي في ناحية
المسجد، فجاء فسلم عليه ، فقال : ارجع فصل فإنك لم تصل . فصلى ،
ثم سلم، فقال: [ وعليك ] (١) ارجع فصل فإنك لم تصل . فقال في
الثالثة : علمني . فقال : إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ، ثم
استقبل القبلة وكبر ، واقرأ بما تيسر معك من القرآن ، ثم اركع حتى
تطمئن راکعاً ، ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائماً ، ثم اسجد حتى تطمئن
ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها )).
وفيه: عائشة: «هزم المشركون يوم أحد هزيمةً تعرف فيهم ، فصرخ
إبليس : أي عباد الله ، أخراكم ، فرجعت أولاهم ، فاجتلدت هي
وأخراهم، فنظر حذيفة بن اليمان فإذا هو بأبيه، فقال : أبي أبي ، قالت :
فوالله ما لنحجزوا حتى قتلوه، قال حذيفة : غفر الله لكم . قال عروة:
فو الله ما زالت في حذيفة منها بقية خير حتى لقي الله)).
وفيه: أبو هريرة، قال عليه السلام: (( من أكل ناسيًا وهو صائم فليتم
صوعه، فإنما أطعمه الله وسقاه)).
وفيه: ابن بحينة: « صلى بنا النبي - عليه السلام - فقام في الركعتين
الأوليين قبل أن يجلس ، فمضى في صلاته، فلما قضى صلاته لتنظر
الناس تسليمه كبر وسجد قبل أن يسلم، ثم رفع رأسه، [ ثم ] (٢) كبر
وسجد ، ثم رفع رأسه وسلم).
وفيه : ابن مسعود (( أن النبي - عليه السلام - صلى بهم صلاة الظهر
(١) من (( هـ ).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): لما .
- ١٢٥ -

فزاد أو نقص منها ، فقيل : يا رسول الله ، أقصرت الصلاة أم نسيت ؟
قال : وما ذاك ؟ قالوا: صليت كذا وكذا . قال : فسجد [ بهم ] (١)
سجدتين [ ثم قال ](٢): هاتان السجدتان لمن لم يدر زاد في صلاته أو
نقص ، فيتحرى الصواب فيتم ما بقي ، ثم يسجد سجدتين )) .
--
وفيه : أُبي بن كعب: (( أنه سمع النبي - عليه السلام - قال :
﴿لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً﴾ (٣) قال: كانت
الأولى من موسى نسيانًا )).
وفيه : البراء : (( كان عندهم ضيف ، فأمر أهله أن يذبحوا قبل أن
يرجع ليأكل ضيفهم ، فذبحوا قبل الصلاة ، فذكروا ذلك للنبي - عليه
السلام - فأمره أن يعيد الذبح ) .
وفيه : جندب : « شهدت النبي - عليه السلام - صلى يوم عيد ، ثم
خطب فقال : من ذبح فلیعد مکانها أخری ، ومن لم یکن ذبح فليذبح
باسم الله )» .
اختلف العلماء فيمن حنث ناسيًا ، هل تجب عليه كفارة أم لا ؟
فقال عطاء وعمرو بن دينار في الرجل يحلف بالطلاق على أمر لا يفعله
ففعله ناسيًا : لا شيء عليه . وبه قال إسحاق .
----
وأوجبت طائفة الكفارة عليه في كل شيء ، هذا قول سعيد بن
جبير، وقتادة ، والزهري ، وربيعة ، وبه قال مالك والكوفيون !
واختلف قول الشافعي ، فمرةً قال : لا يحنث ، ومرة قال :
يحنث. وقاله أحمد بن حنبل في الطلاق خاصة .
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): فقال.
(١) من (( هـ)).
(٣) الكهف : ٧٣ .
- ١٢٦ -

[٢/ ق٢٥١-٢]
/ واحتج من أسقط الكفارة بقوله تعالى: ﴿ ليس عليكم جناح
فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم ﴾ (١) فبين أنه لا جناح علينا
إلا فيما تعمدت قلوبنا ، واحتجوا بقوله عليه السلام: (( رُفع عن أمتي
الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) فوجب أن يكون مرفوعًا من كل
وجه إلا أن يقوم دليل، قالوا : ووجدنا النسيان لا حكم له في
الشرع، مثل كلام الناسي في الصلاة، فوجب أن [ يُحمل ] (٢) عليه
كلامه إذا حنث ناسيًا . فعارضهم من أوجب الكفارة فقال : قوله
تعالى: ﴿[ وليس عليكم جناح] (٣) فيما أخطأتم به﴾ لا ينفي وجوب
الكفارة ؛ لأنه قد أوقع الحنث ، فلا يكون عليه جناح والكفارة تجب ،
وإنما أراد برفع الجناح الضيق والإثم ، ألا ترى أن الكفارة تجب في
قتل الخطأ مع رفع الجناح والإثم .
قال المهلب : وهذه الأحاديث التي أدخل البخاري في هذا الباب
إنما حاول فيها إثبات العذر بالجهل والنسيان وإسقاط الكفارة ، وجعلها
كلها في معنىّ واحد عند الله ، واستدل بأفعال النبي وأقواله ، وما
بسطه من عذر مَنْ جَهلَ أو [ تأوَّل ] (٤) فأخطأ ، وبما حكم به في
النسيان في الصلاة وغيرها ، والذي يوافق تبويبه قوله عليه السلام :
(إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها)) وحديث أبي هريرة (( من
أكل ناسيًا فليتم صومه )) ولم يأمره بالإعادة ، وحديث ابن بحينة فيما
نسيه النبي - عليه السلام - من الجلوس في الصلاة فلم يعده عليه
السلام على حسب ما نسيه ، ولا قضاه ، وكذلك نسيان موسى لم
(١) الأحزاب : ٥ .
(٢) في ((الأصل)): يجعل والمثبت من ((هـ)).
(٣) في ((الأصل)) و((هـ)): ولا جناح عليكم . وهو سبق قلم ، وما أثبتناه هو
الصواب ، والآية في سورة الأحزاب رقم ٥ .
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): تأويل.
- ١٢٧ -

:
لم يطالبه به الخضر بعد أن كان شرط عليه ألا يسأله عن شيء ، فلما.
سمح له الخضر وهو عبد من عباد الله ؛ كان الله أولى بالعفو عن مثل
ذلك ، فصدّر به البخاري على سبيل قوة الرجاء في عفو الله،
وكذلك قوله : ﴿ ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به﴾ (١) يعني في
قضية التبني الذي قد كان لصق بقلوب العرب ، وغلب عليهم من نسبة
المتبنَيْن إلى من تبناهم لا لآبائهم، فعذرهم الله بغلبة العادة [ و](٢)
آخذهم بما تعمدوه من ذلك .
وأمّا غير ذلك مما ذكره من المعاني في هذا الباب فإنما هي على
التشبيه، فأمّا قوله: (( لا حرج)) فيما قدم من النسك، فإنما عدوهم
بالجهالة لحدود ما أنزل الله في كتابه ، وكان فرض الحج لم تنتشر
كيفيته عند العرب حتى كان عليه السلام هو تولى [بيانه ] (٣) عملا
بنفسه ، فلم يوجب على المخطئ في التقديم والتأخير فدية لغلبة الجهالة.
فإن قيل : فإن في الأحاديث التي ذكرها البخاري في هذا الباب ما
يدل على سقوط الكفارة في النسيان ، ومنها ما يدل على إثباتها، فلمّا
ما يدل على إثباتها فقوله عليه السلام: ((ارجع فصل فإنك لم تصل))
ومنها حديث ابن مسعود [ أنه ] (٤) عليه السلام قال: ((من لم يدر
ما صلى فليتحر الصواب فيتم ما بقي ثم يسجد سجدتين )) ومنها
حديث ابن نيار في إعادة الأضحية .
قيل : أما قوله عليه السلام: ((ارجع فصل فإنك لم تصل)) فإنه
قد كان تقدم العلم بحدود الصلاة من النبي [ عيانًا} (٥)، فلم يعذر
(١) الأحزاب : ٥.
(٣) من ((هـ) وفى ((الأصل)): بناية .
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فإنه .
(٢) تكررت في (( الأصل)).
(٥) من (( هـ)).
- ١٢٨ -

الناقص منها ، فأمره بالإعادة [ لصلاته تلك ] (١) ثم أوسعه لما حلف
له أنه لا يعرف غير هذا ما أوسع أهل الجهالة من أن لم يأمره بعد يمينه
بالإعادة [ لصلاته تلك ولا ] (١) لما سلف [ من صلاته ] (١) قبلها.
وأما ما ذكره [ لحديثي السهو فمعناهما] (٢) مختلف؛ (لأن) (٣)
المتروك من السنن نسيانًا لا يرجع إليه ، بل يجبره بغيره من السنن ،
كما جبر الجلسة المتروكة بالسجدتين المسنونتين ، وأمّا ما ترك من
الفرائض فلا بد من الإتيان به ، وإرغام أنف الشيطان بالسجود لله
الذي بتركه خلده [ الله ] (١) في الجحيم ، وذلك لتقدم المعرفة بهيئة
الصلاة سننًا و[فرائض ] (٤).
وأمّا إعادة الأضحية فعذر النبي ابن نيار بما توهمه [ جائزًا له ] (١)
من [ أجل ] (١) إكرام الضيف وإطعام [ جاعة ] (١) الجيران ، فجوز
عنه ما لا يجزئ عن أحد بعده ، وأوجب عليه الإعادة لتقدم المعرفة
بالسنن ، وقطع الذريعة إلى الاشتغال بالأكل عن الصلاة الفاضلة التي
أمر عليه السلام بإخراج ذوات الخدور والحيض من النساء إليها ، لما في
شهودها من الخير وبركة / دعوة المسلمين، وأما حديث حذيفة فإنه [٢/ ٥ ٢٥١ - ب]
أسقط الدية عن قاتلي أبيه ، وعذرهم بالجهالة ؛ لأن دية الخطأ كانت
عليهم بنص القرآن ، وبقيت الكفارة عليهم فيما بينهم وبين ربهم .
وقد يدخل البخاري نصوص الأحاديث المختلفة الألفاظ ؛ لاختلاف
الناس فيها ، وينشرها لأهل النظر والفقه ، وليستنبط كل واحد منهم
[ما يوافق ] (١) مذهبه ، كحديث جابر في بيع الجمل فيه لفظ اشتراط
(١) من (( هـ )).
(٢) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): لحديث السهو فمعناه.
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)) : فرائضًا.
(٣) في (( هـ)): في .
- ١٢٩ -

ظهره ، ولفظ [ إفقار ] (١) ظهره، والإفقار تفضل ، والاشتراط كراء
[ وكحديثه فيما دون الحدّ ] (٢) من العقوبات ، فكذلك أدخل في هذا
الباب أحاديث في ظاهرها ما [ يتعارض ] (٣) لينظر الناظر ويتدبر
[المستبحر] (٤) فالله أعلم . وإنما يصح معنى الحديث في نسيان اليمين
إذا فات بالموت ، فحينئذ يمكن أن يعذر بالنسيان ، و[ يُرجى له تجاوز
الله وعفوه ، وأمّا متى ذكره فالكفارة تلزمه فيه ] (٥) والله الموفق .
باب : اليمين الغموس وقول الله : ﴿ولا تتخذوا أيمانكم
دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها ﴾ الآية (٦)
دخلا : مکراً وخيانةً .
فيه : عبد الله بن [عمرو ] (٧) قال النبي - عليه السلام -: (( الكبائر:
الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وقتل النفس ، واليمين الغموس )) .
اليمين الغموس هو أن يحلف الرجل على الشيء وهو يعلم أنه
كاذب ؛ ليرضي بذلك أحدًاً ، أو يقتطع بها مالا ، وهي أعظم من أن
يكفر ، وجمهور [العلماء ] (٨) لا يرى فيها الكفارة ، وهو قول
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فقار .
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): لحديثه فيما روي.
(٣) من ((هـ )) وفي (( الأصل)): تعارض.
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): المستحبر.
(٥) من ((هـ)) وفي ( الأصل)): يلزمه.
(٦) النحل : ٩٢ ..
(٧) في ((الأصل)): عمر. وهو خطأ. والمثبت من ((هـ)) وتحفة الأشراف
(٣٤٦/٦ رقم ٨٨٣٥) .
(٨) من (( هـ)).
- ١٣٠ -

النخعي والحسن البصري ومالك ومن تبعه من أهل المدينة ، والأوزاعي
في أهل الشام ، والثوري وسائر أهل الكوفة ، وأحمد وإسحاق وأبي
ثور وأبي عبيد وأصحاب الحديث .
وفيها قول ثان روي عن الحكم بن عتيبة وعطاء : أن اليمين
الغموس فيها كفارة . قال عطاء : ولا يريد بالكفارة إلا خيراً . وهو
قول الشافعي ، واحتج الشافعي بأن قال : جاءت السنة فيمن حلف
ثم رأى خيرًا مما حلف عليه أن يُحنث نفسه ثم يكفر ، وهذا قد تعمد
الحنث وأمر بالكفارة ، فقيل له : النبي أمره أن يحنث فعلم أن ذلك
طاعة [ فينبغي أن يُجوز للحالف باليمين الغموس أن يحلف ويكون
ذلك طاعة ] (١) فلما كان عاصيًا والحانث مطيعًا؛ افترق حكمهما .
قال ابن المنذر : وقوله عليه السلام: (( من حلف على يمين فرأى
غيرها خيراً منها ، فليأت الذي هو خير ويكفر )) يدل أن الكفارة إنما
تجب فيمن حلف على فعل يفعله فيما يستقبل [ فلا يفعله ، أو على
فعل لا يفعله فيما يستقبل ] (١) ففعله ، وليس هذا المعنى في اليمين
الغموس ، ألا ترى أن الرجل إذا حلف على المستقبل أو قاله من غير
أن يحلف عليه ، فإنما عقد شيئًا قد يكون وقد لا يكون ، فخرج من
باب الكذب .
قال إسماعيل : وينبغي للشافعي ألا يسمي من تعمد الحلف على
الكذب آئمًا إذا كفر يمينه ؛ لأن الله جعل الكفارة في تكفير اليمين ،
وقد قال تعالى : ﴿ويحلفون على الكذب وهم يعلمون * أعد الله لهم
عذابًا شديدًا إنهم ساء﴾ (٢) الآية. وقال ابن مسعود : كنا نعد الذنب
الذي لا كفارة له اليمين الغموس أن يحلف الرجل على مال أخيه
(٢) المجادلة : ١٤ - ١٥ .
(١) من ( هـ).
- ١٣١ -

كاذبًا ليقتطعه - ولا مخالف له من الصحابة ، فصار كالإجماع ، وقد
أخبر عليه السلام أن من فعل ذلك فقد حرم الله عليه الجنة ، وأوجب
له النار .
قال ابن المنذر: وأمّا قوله: ﴿وإنهم ليقولون منكرًا من القول
وزوراً ﴾ (١) فلا يجوز أن يقاس ذلك على اليمين الغموس؛ لأنه لا يقاس
أصل على أصل ، ولو جاز قياس أحدهما على الآخر لكان أحدهما
فرعًا ، وللزم أن يكون على الحالف بهذه اليمين التي شبهت بالظهار
كفارة الظهار ، وليس لأحد أن يوجب كفارة إلا حيث أوجبها الله
ورسوله .
ومن الحجة في إسقاط الكفارة حديث عبد الله بن [ عمرو ] (٢)
وقد أجمعت [ الأمة ] (٣) أن الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل
[٢/ ٥ ٢٥٢-١٠] النفس لا كفارة فيها، وإنما كفارتها تركها والتوبة منها / فكذلك
اليمين الغموس حكمها حكم ما ذكر معها في الحديث في سقوط
الكفارة .
والدليل على أن الحالف بها لا يسمى عاقدًا ليمينه قوله تعالى :
﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾(٤)
!
والعقد في اللغة عبارة عن الإلزام والتوثق ، يقال : عقدت على نفسي
أن أفعل أي : التزمت ، فمن قال : لقيت زيدًا . وما لقيه ، فلم يلزم
نفسه شيئًا، ولا [ ألزم ] (٥) غيره أمرًا يجب الامتناع منه [ أو ] (٦)
(١) المجادلة : ٢ .
(٢) في ((الأصل)): عمر. والمثبت من ((هـ)) وتحفة الأشراف ، وقد تقدم التنبيه
عليه في أول الباب.
(٣) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): الأئمة. (٤) المائدة : ٨٩.
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): التزم .. (٦) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): و.
- ١٣٢ -

الإقدام عليه ، فلا يسمّى عاقدًا ، ومعنى الاستيثاق : هو أن يستوثق
بالعقد حتى لا يواقع المحلوف عليه ، وهذا معنىً لا يحصل في اليمين
الغموس ؛ لأنها منحلة بوجود الحنث معها ، فلا يسمى عقدًا ، ألا
ترى أن اللغو لما لم يكن يمينًا معقودة لم تجب فيها كفارة ، كذلك
[اليمين ] (١) الغموس ، عن ابن القصار .
*
باب : قوله تعالى : ﴿إن الذين يشترون بعهد الله ﴾ (٢) الآية
وقوله : ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ﴾ (٣) وقوله : ﴿ ولا
تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا ... ﴾ إلى ﴿ كفيلا﴾ (٤)
فيه : عبد الله قال: قال رسول الله: (( من حلف على يمين صبر يقتطع
بها مال امرئ مسلم ؛ لقي الله وهو عليه غضبان فأنزل الله تصديق ذلك :
﴿ إن الذين يشترون بعهد الله ﴾ الآية )) وذكر الحديث .
وبهذه الآيات والحديث احتج جمهور العلماء في أن اليمين الغموس
لا كفارة فيها ؛ لأنه عليه السلام ذكر في هذه اليمين المقصود بها الحنث
والعصيان العقوبة والإثم ولم يذكر هاهنا كفارة ، ولو كان هاهنا كفارة
لذكرها كما ذكر في اليمين [ المعقودة] (٥) فقال: ((فليكفر عن يمينه
وليأت الذي هو خير)) و[يقوي ] (٦) هذا المعنى قوله عليه السلام في
المتلاعنين بعد تكرار أيمانهما: ((الله يعلم أن أحدكما كاذب ، فهل
منكما تائب ؟)) ولم يوجب كفارة ، ولو وجبت لذكرها كما قال :
((هل منكما تائب؟)).
(١) من (( هـ)).
(٢) آل عمران : ٧٧ ..
(٣) البقرة : ٢٢٤ .
(٤) النحل : ٩٥ .
(٥) في ((الأصل)): العقوبة والمثبت من ( هـ)).
(٦) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): ليقوي ..
- ١٣٣ -

:
قال ابن المنذر : والأخبار دالة على أن اليمين التي يحلف بها الرجل
يقتطع بها مالا حرامًا هي أعظم أن يكفرها ما يكفر اليمين ، ولا نعلم
سنةً تدل على قول من أوجب فيها الكفارة ، بل هي دالة على قول
من لم يوجبها ، قال تعالى : ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا
وتتقوا وتصلحوا بين الناس ﴾ (١) قال ابن عباس: هو الرجل يحلف
ألا يصل قرابته ، فجعل الله له مخرجًا في التكفير ، وأمره ألا يعتل
بالله ، ويكفر يمينه ويبر .
ويمين الصبر هو أن يحبس السلطان الرجل على اليمين حتى يحلف
بها ، ويقال : صبرت يمينه أي : حلفته بالله .
باب : اليمين فيما لا يملك وفي المعصية وفي الغضب
فيه : أبو موسى : (( أرسلني أصحابي إلى النبي أسأله الحملان ، فقال :
والله لا أحملكم على شيء ، ووافقته وهو غضبان ، فلما أتيته قال :
انطلق إلى أصحابك فقل : إن الله - أو إن رسول الله - يحملكم)) .
وفيه : عائشة: (( حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله ، وكان أبو
بكر ينفق على مسطح لقرابته منه ، فقال : والله لا أنفق على مسطح شيئًا
أبدًا بعد الذي قال لعائشة ، فأنزل الله : ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم
والسعة أن يؤتوا ... ﴾ (٢) [ قال أبو بكر: بلى والله ، إني لأحب أن يغفر
الله لي ] (٣) فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال : والله
لا أنزعها ( منه ) (٤) أبدًا)) .
وفيه: أبو موسى: (( أتيت النبي - عليه السلام - في نفر من
(١) البقرة : ٢٢٤ .
(٣) من (( هـ).
(٢) النور : ٢٢ .
(٤) فى (( هـ)): عنه .
- ١٣٤ -

الأشعريين فوافقته وهو غضبان ، فاستحملناه فحلف أن لا يحملنا ،
[ثم قال] (١): والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها
إلا أتيت الذي هو خير / وتحللتها )) .
[٢/ق٢٥٢-ب]
واليمين فيما لا يملك في حديث الأشعريين معناه أن النبي حلف ألا
يحملهم ، فكان ظاهر هذه اليمين الإطلاق والعموم ، ثم آنسهم
بقوله: ((وما عندي ما أحملكم عليه)) ومثال هذا [ أن ] (٢) يحلف
رجل ألا يهب ولا يتصدق ولا يعتق ، وهو في حال يمينه لا يملك ،
ثم يطرأ له بعد ذلك مال ، فيهب أو يتصدق أو يعتق ؛ فعند جماعة
الفقهاء تلزمه الكفارة إن فعل شيئًا من ذلك، كما ( فعل )(٣) عليه السلام
بالأشعريين ، أنه تحلل من يمينه ، وأتى الذي هو خير ، ولو حلف ألا
يهب ولا يتصدق ما دام معدمًا ، وجعل العدم علة لامتناعه من ذلك ،
ثم طرأ له بعد ذلك مال ؛ لم يلزمه عند الفقهاء كفارة إن وهب أو
تصدق أو أعتق ؛ لأنه إنما أوقع يمينه على حالة العدم لا على حالة
الوجود، هذا ما في حديث أبي موسى من معنى اليمين فيما لا يملك.
[ واختلفوا من هذا المعنى إذا حلف الرجل يعتق ما لا يملك ] (٤) إن
ملكه في المستأنف ، فقال مالك : إن عيَّن أحدًا أو قبيلة أو جنسًا لزمه
العتق ، وإن قال : كل مملوك أملكه أبدًا حر ، لم يلزمه عتق ،
وكذلك في الطلاق إن عيَّن قبيلة أو بلدة أو صفة ما ؛ لزمه الحنث ،
وإن لم يعين لم يلزمه .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : يلزمه الطلاق والعتق سواء عم أو
خص. وقال الشافعي : لا يلزمه ما خص ولا ما عم .
(١) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): فقال.
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): ألا.
(٣) في (( هـ)): قال .
(٤) من (( هـ ).
- ١٣٥ -

وحجة مالك أن الله نهى عباده أن يحرموا ما أحل لهم، ومن استثنى
موضع نكاح أو عتق ، فلم يحرم على نفسه كل ما أحل الله له .
وحجة الكوفيين أنها طاعة لله يلزمه الوفاء بها إن قدر عليها ،
ومخرجها مخرج النذر كما يقول مالك في الأيمان .
وحجة الشافعي قوله عليه السلام : (( لا نذر في معصية ، ولا فيما
لم يملك ابن آدم)). وإذا لم يلزمه النذر فيما لا يملك فاليمين أولى
[ألا] (١) تلزمه، وأمّا الطلاق فإن الله - تعالى - إنما جعله في كتابه
بعد النكاح ، فقال تعالى : ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن﴾(٢)
و(( ثم)) لا توجب غير التعقيب.
وأجمعوا إذا حلف بعتق عبيد غيره ، أنه لا يلزمه شيء من ذلك ،
إلا ابن أبي ليلى فإنه كان يقول : إن كان موسرًا بأثمانهم لزمه عتقهم.
ثم رجع عن ذلك .
وإن حلف على غيره مثل : أن يحلف على امرأته النصرانية أن
تسلم، أو حلفه على رجل لَيُسْلفنه مالا ، أو حلف على غريمه لَيَقْضِينَّه
حقه ، فإن ضرب لذلك أجلا وكان الدين إلى أجل أُخْر إلى الأجل
وإن لم يقض ، وإلا تلوم له على قدر ما يراه . هذا قول ابن
القاسم عن مالك [ قال مالك ] (٣): وإن لم يضرب لذلك أجلا ،
فلا [ يكون ] (٤) من امرأته موليًا إن حلف بالطلاق ، ولكن يتلوم له
على قدر الطلبة إلى المحلوف عليه بفعل ما حلف عليه .
وروى ابن الماجشون عن مالك وغيره من علماء المدينة : إن حلف
:
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): لا.
(٢) الأحزاب : ٤٩ .
(٣) من (( هـ ).
(٤) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): يكن.
- ١٣٦ -

بالطلاق ( أو بالعتاق على فعل غيره مثل حلفه على فعل نفسه في
جميع وجوه ذلك ، ويدخل عليه الإيلاء في حلفه بالطلاق ) (١) .
وأمّا حديث عائشة في [ يمين ] (٢) أبي بكر ألا ينفق على مسطح ،
فإنما هي يمين في ترك طاعة وفضيلة في حال غضبه ، ولا خلاف بين
علماء المدينة في وجوب الكفارة على من حلف أن يمتنع من فعل الطاعة
إذا رأى غير ما حلف عليه، وكذلك فعل أبو بكر كفر عن يمينه .
وجمهور الفقهاء يلزمون الغاضب الكفارة ، ويجعلون غضبه مؤكدًا
ليمينه ، وقد روي عن ابن عباس أن الغضبان يمينه لغو ، ولا كفارة
فيها .
وروي عن مسروق ، والشعبي ، وجماعة أن الغضبان لا يلزمه يمين
ولا طلاق ولا عتق، واحتجوا بقوله عليه السلام: (( لا طلاق في
إغلاق ، ولا عتق قبل ملك )) وفي حديث الأشعريين رد لهذه
المقالة؛ لأن النبي - عليه السلام - حلف وهو غاضب ثم قال : ((والله
لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير
وتحللتها)) وهذه حجة قاطعة ، وكذلك فَعَلَ أبو بكر .
وأمّا الحديث (( لا طلاق في إغلاق)) فليس بثابت ، ولا مما يعارض
به مثل هذه الأحاديث الثابتة ، وتأول المدنيون والكوفيون معنى هذا
الحديث ((لا طلاق في إغلاق)) / يعني لا طلاق في إكراه، هذا [٢/ ٢٥٣٥- ١]
معنى [ الحديث ] (٣) عندهم.
وأمّا اليمين في المعصية فليس هذا الباب موضعه ، وسيأتي عند قوله
عليه السلام: (( من نذر أن يعصي الله فلا يعصه)) إن شاء الله .
(١) تكررت في (( الأصل)).
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): حديث .
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): اليمين .
- ١٣٧ -

باب : إذا قال والله لا أتكلم اليوم فصلى أو قرأ
أو سبح أو كبر أو حمد أو هلل فهو على نيته
وقال عليه السلام : أفضل الكلام أربعة : سبحان الله والحمد لله
ولا إله إلا الله والله أكبر . وقال أبو سفيان كتب النبي إلى هرقل :
﴿تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ﴾ (١) قال مجاهد: كلمة التوحيد :
لا إله إلا الله .
فيه: سعيد بن المسيب عن أبيه قال: (( لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه
النبي ، فقال: قل : لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله)).
وفيه : أبو هريرة، قال عليه السلام: (( كلمتان خفيفتان على اللسان ،
ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله وبحمده ، سبحان
الله العظيم)) .
وفيه : عبد الله: (( قال النبي عليه السلام كلمة ، وقلت أخرى ، قال :
من مات يجعل لله ندا أُدخل النار ، وقلت أخرى : من مات لا يجعل الله
ندا أدخل الجنة )) .
أما قول البخاري: فهو على نيته . فالمعنى عند العلماء في الحالف
ألا يتكلم اليوم أنه محمول على كلام الناس لا على التلاوة والتسبيح ،
وقد أجمعوا أن الكلام محرم في الصلاة ، وأن تلاوة القرآن فيها من
القربات إلى الله - تعالى - وقال زيد بن أرقم : لما نزلت : ﴿وقوموا
لله قانتين ﴾ (٢) أمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام ، فتراه نهى عن
القراءة ؟!
وقال عليه السلام: (( إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام
(١) آل عمران : ٦٤ .
(٢) البقرة : ٢٣٨
- ١٣٨ -

الناس ، إنما هو التهليل والتحميد وتلاوة القرآن )) فَحَكَم للذكر كله
والتلاوة بغير حكم كلام الناس ، والحالف إذا حلف ألا يتكلم ، فإنما
هو محمول عند العلماء على كلام الناس ، لا على الذكر والتلاوة
[وهذا] (١) لا أعلم فيه خلافًا، إلا أنه إذا نوى ألا يقرأ ولا يذكر الله
فهو على نيته كما قال البخاري .
وأجمعوا أنه إذا حلف ألا يتكلم وتكلم بالفارسية أو بأي لغة تكلم
أنه حانث، ويشبه [معنى ] (١) هذا الباب إذا حلف ألا يكلم رجلا
فكتب إليه أو أرسل إليه رسولا ، فقال مالك : يحنث فيهما جميعًا إلا
أن تكون له نية على المشافهة ، ثم ذكر أنه رجع بعد ذلك فقال :
لا ينوي في الكتاب ، وأراه حائثًا إلا أن يرتجع الكتاب قبل وصوله فلا
يحنث . وحكى ابن أبي أويس أنه قال : الرسول أهون من الكتاب ؛
لأن الكتاب سر لا يعلمه إلا هو وصاحبه ، وإذا أرسل إليه رسولا علم
ذلك الرسول .
وقال الكوفيون والليث والشافعي : لا يحنث فيهما . وهو قول ابن
أبي ليلى ، وقال أبو ثور : لا يحنث في الكتاب .
واختلفوا إذا أشار إليه بالسلام ، فقال مالك : يحنث .
واحتج ابن حبيب في أن الإشارة بالسلام كلام بقوله تعالى لزكريا:
{ ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً﴾ (٢).
وقال عيسى عن ابن القاسم : ما أرى الإشارة بالسلام كلامًا .
وقال محمد بن عبد الحكم : لا يحنث في الإشارة بالسلام ، ولا في
الرسول ، ولا في الكتاب ؛ لأنه لم يكلمه في ذلك كله .
(١) من ( هـ)).
(٢) آل عمران : ٤١
- ١٣٩ -

واحتج أبو عبيد فقال : الكلام غير الخط والإشارة ، وأصل هذا -
قال - : أن الله قال لزكريا : ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا
رمزًا﴾ (١) . وقال في موضع آخر: ﴿فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة
وعشيا﴾ (٢). والرمز: الإشارة بالعين والحاجب . والوحي: الخط
والإشارة، ويقال : [ كتب ] (٣) إليهم وأشار إليهم [ و] (٤) في قصة
[٢/ ٢٥٣ - بـ] مريم : ﴿إني نذرت / للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ (٥) ثم
قال: ﴿فأشارت إليه﴾ (٦) فصار الإيماء والخط [ خارجين] (٤) من
معنى النطق .
واختلفوا لو سلم على قوم هو فيهم ، فقال مالك والكوفيون : قد
حنث ، قال [ ابن القاسم عن مالك ] (٧) : علم أنه فيهم أو لم
(يعلم) (٨) إلا أن يحاشيه . وقال الشافعي : لا يحنث إلا أن ينويه
بالسلام .
واحتج [ أبو عبيد لقول ] (٤) مالك و[ الكوفيين فقال ] (٩): ومما
يبين أن السلام [ كلام] (١٠) أن إمامًا لو سلم بين ركعتين متعمدًا كان
قاطعًا للصلاة ، كما يقطعها المتكلم ، وقد نهى النبي عن الهجرة وأمر
بإفشاء السلام ، فبان بأمره بهذا ونهيه عن هذا أنهما متضادان ، وأن
الْمُسَلّم على صاحبه ليس [ بهاجر] (١١) له .
(١) آل عمران: ٤١ .
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): تجيب.
(٥) مريم : ٢٦ .
(٢) مريم : ١١ .
(٤) من ( هـ )) .
(٦) مريم : ٢٩ .
(٧) من ((هـ)) وفي (( الأصل): مالك عن ابن القاسم.
(٨) في ((هـ)): يعلموا.
(٩) من ((هـ)) وفي (الأصل )»: الكوفيون فقالوا .
(١٠) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): كلامًا.
(١١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بمهاجر.
- ١٤٠ -