Indexed OCR Text

Pages 301-320

خيبر ما لم يفتتح بقتال مما قد انجلى عنه أهله بالرعب فصار فيئًا ؛ لأنه
لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، وبعض خيبر كانت هكذا .
وقال آخرون : إنما أعطى من خيبر لأهل الحديبية خاصة ، رواه
حماد بن سلمة ، عن علي بن [ زيد ] (١) ، عن عمار بن أبي عمار،
عن أبي هريرة قال : ما شهدت مغنمًا مع رسول الله إلا قسم لي إلا
خيبر؛ فإنها كانت لأهل الحديبية خاصة شهدوها أو لم يشهدوها ؛ لأن
الله كان وعدهم بها لقوله تعالى : ﴿وأخرى لم تقدروا عليها﴾ (٢)
بعد قوله : ﴿وعدكم الله مغانم كثيرة ﴾ (٣).
وقال آخرون : إنما أعطاهم من خيبر من الخمس الذي حكمه حكم
الفيء ، وله أن يضعه باجتهاده حيث شاء ، ويمكن أن يذهب البخاري
إلى هذا القول ، والله أعلم .
وحديث جابر يحتمل أن يكون من الخمس أو من الفيء وكذلك
حديث جابر ، إذْ قال الرجل للنبي : اعدل ، يحتمل أن يكون من
الخمس ؛ لأنه إنما أنكر الأعرابي الجاهل ما رأى من التفضيل ، وذلك
لا يكون في أربعة أخماس الغنيمة ، وإنما يكون في الخمس الذي هو
موكول إلى اجتهاده عليه السلام .
قال إسماعيل بن إسحاق : هذا مما لا يعلم أنه من الخمس ، وقد
قسمه رسول الله بغير وزن ، حدثنا بذلك ابن أبي أويس ، حدثنا أبي،
حدثنا يحيى بن سعيد ، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول : بصر
عيني وسمع أذني رسول الله بالجعرانة وفي ثوب بلال فضة يقبضها
للناس يعطيهم فقال له رجل : اعدل ... الحديث .
وقال أبوعبد الله بن أبي صفرة : فعل الرسول في سبي هوازن يدل
أن الغنائم على حكم الإمام إن رأى أن يصرفها إلى ما هو أوكد وأعظم
(١) هو ابن جدعان ، كما يعلم من ترجمته ، وترجمة شيخه والراوي عنه ، وفي
(الأصل)): يزيد ، وهو خطأ .
(٢) الفتح: ٢١ .
(٣) الفتح: ٢٠ .
- ٣٠١ -

مصلحة للمسلمين من قسمتها على الغانمين صرفها ولم يعط الغانمين
شيئًا ، كما فعل بمكة فتحها عنوة ومَنَّ عليهم ، ولم يعط أصحابه منها
شيئًا ، بل أبقاها للرحم التي كانت بينه وبينهم ، وكذلك أراد أن يفعل
بهوازن للرضاعة فيهم حين استأنى بالغنائم ، فلما أبطئوا قسم ، ثم لما
جاءوا رد بعضًا وأبقى للغانمين بعضًا عن طيب أنفسهم ، ولم يستطب
أنفسهم بمكة ؛ لأنه لم يملكهم ، واستطاب أنفسهم بهوازن ؛ لأنه قد
كان قسم لهم وملكهم ، فصح بهذا أنه لا شيء لهم إلا أن يملكوا،
ولذلك قال مالك (١) : يحد الزاني ، ويقطع السارق وإن كان له في
الغنيمة سهم ، إذا فعل ذلك قبل القسمة ، فلو كان له فيها شبهة لدرا
الحد بها؛ لقوله عليه السلام: ((ادرءوا الحدود بالشبهات)). فدل أنه لا
شبهة لهم فيها إلا أن يملكوها بالقسمة .
وحكى الطبري هذه المقالة عن بعض أهل العلم قالوا : حكم
المغانم كلها لرسول الله في مغازيه كلها ، وله أن يصرفها إلى من
شاء، ويحرمها على من حضر القتال ، ومن لم يحضر ، واعتلوا
بقوله تعالى : ﴿قل الأنفال الله والرسول﴾ (٢) وبفعله عليه السلام في
هوازن، ولم يسم القائلين بذلك .
١
وقال آخرون : أربعة أخماس الغنيمة حق للغانمين لا شيء فيه
للإمام، وإنما هو عليه السلام كبعض من حضر الوقعة إلا ما كان خصه
الله به من الفيء وخمس الخمس، وأما غير ذلك فلم يكن له فيه شيء.
قالوا : والذي أعطى عليه السلام يوم حنين المؤلفة قلوبهم إنما كان
من نصيبه وحقه من الغنيمة .
(١) كتب في الحاشية بخط مغاير: مطلب : من وطئ جارية من المغنم أو
سرق ... سياق مذهب مالك .
(٢) الأنفال : ١ .
- ٣٠٢ -

وقوله تعالى : ﴿ قل الأنفال الله والرسول ﴾ (١) معناه : له وضعها
مواضعها التي أمره الله بوضعها فيها، لا أنه ملكها ليعمل فيها ما شاء.
قالوا : وكيف يجوز أن يكون معنى قوله / ﴿ والرسول﴾ (٢) ملكًا (١٩٥٥/٢-١]
له ، وهو عليه السلام يعزل يوم صدر من حنين ، فتناول وبرة من
الأرض وقال: (( ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس ، وهو مردود
فیکم )) .
قالوا : فتبين بهذا الحديث أن ما أعطى النبي المؤلفة ومن لم يشهد
الوقعة إنما كان من نصيبه وحقه من الغنيمة خاصة .
قال أبو عبيد : مكة لاتشبه شيئًا من البلاد ، وذلك أن النبي - عليه
السلام - سن بمكة سنًا لم يسنها في سائر البلاد .
روي عن عائشة أنها قالت: (( يا رسول الله ، ألا تبني لك بيتًا
يظلك من الشمس بمكة ؟ قال : لا ، إنما هي مناخ من سبق )) رواه
عن ابن مهدي ، عن إسرائيل ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن
[يوسف] (٢) بن ماهك، عن [ أمه ] (٣) ، عن عائشة ، وقال عبد
الله بن عمرو: من أكل من أجور بيوت مكة، فإنما يأكل في بطنه نار جهنم .
وكره أهل العلم كراء بيوتها .
وقال ابن عباس وابن عمر : الحرم كله مسجد .
وقال مجاهد : مكة مناخ لا تُباع رباعها ، ولا تؤخذ أجور بيوتها،
ولا تحل ضالتها إلا لمنشد .
قال أبو عبيد : فإذا كان حكم مكة أنها مناخ لمن سبق ، وأنها
(١) الأنفال : ١ .
(٢) في ((الأصل)): يونس، وهو خطأ، والمثبت من كتاب (( الأموال، لأبي عبيد
(٧١/١)، وانظر تهذيب الكمال (٤٥١/٣٢).
(٣) من كتاب ((الأموال)) (٧١/١)، وفي ((الأصل)): أمامة، وهو خطأ.
- ٣٠٣ -

مسجد لجماعة المسلمين ، ولا تباع رباعها ، ولا يطيب كراء بيوتها ،
فكيف يقاس غيرها عليها ؟
باب : المن على الأسارى من غير أن يخمسوا
فیه : جبیر أن النبي - عليه السلام - قال في أساری بدر : لو كان
المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء (السبي) (١) لتركتهم)).
هذا الحديث حجة في جواز المن على الأسارى ، وإطلاقهم بغير
فداء ، خلاف قول بعض التابعين ؛ لأن النبي لا يجوز في صفته أن
يخبر عن شيء لو وقع لفعله وهو غير جائز .
قال المهلب : وفيه جواز التشفيع للمذنبين الشريف على سبيل
الاستئلاف ، والانتفاع بإشفاعه في رد عادته المشرکین بأکثر ما يخشى
من ضد المطلقين لطاعتهم لسيدهم المشفع بهم ، وهو نظر من
الرسول، وأن الانتفاخ بالمن عليهم أكثر من قتلهم أو استرقاقهم .
قال المؤلف (٢): وقوله باب: ((المن على الأسارى من غير أن
يخمسوا)) فيه حجة لما ذكره ابن القصار عن مالك وأبي حنيفة أن
الغنائم لا يستقر ملك الغانمين عليها بنفس الغنيمة إلا بعد قسمة الإمام
لها ..
وحكي عن الشافعي أنهم يملكون بنفس الغنيمة .
(١) في الفتح: ((النّْنَى)) بنونين مفتوحتين بينهما ساكنة، مقصور: جمع نتن أو
نتين كزمن وزمنى أو جريح وجرحى. قاله الحافظ (٦/ ٢٨٠) ثم قال: ((وروى
بمهملة فموحدة ساكنة - يعنى كما وقع هنا - قال : وهو تصحيف ، وأبعد من
جعله هو الصواب ) .
(٢) كتب في الحاشية بخط مغاير كأنه عنوان لما يأتي: ((تملك الغنيمة بنفس
الاستيلاء عليها ( أو ) بعد القسمة وثمرة الخلاف)) .
- ٣٠٤ -

قال المؤلف : والحجة للقول الأول هذا الحديث ، وذلك أنه عليه
السلام لو مَنَّ على الأسارى سقط سهم من له الخمس كما سقط سهم
الغانمين .
وقوله عليه السلام: (( لتركتهم له )) يقضي ترك جميعهم لا ترك
بعضهم .
واحتج ابن القصار فقال : لو ملكوا بنفس الغنيمة لكان من له أبٌ
أو ولدٌ ممن يعتق عليه إذا ملكه يجب أن يعتق عليه بنفس الغنيمة ،
ويحاسب به من سهمه ، وكان يجب لو تأخرت القسمة في العين
والورق ثم قسمت أن يكون حول الزكاة على الغانمين يوم غنموا .
وفي اتفاقهم أنه لا يعتق عليهم من يلزمهم عتقه إلا بعد القسمة ،
ولا يكون حول الزكاة إلا من يوم حاز نصيبه بالقسمة أنه لا يملك بنفس
الغنيمة ، ولو ملك بنفس الغنيمة لم يجب عليه الحد إذا وطئ جارية
من المغنم قبل القسمة .
واحتج أصحاب الشافعي فقالوا : لو ترك السبي لمطعم بن عدي
كان يستطيب أنفس أصحابه الغانمين ، كما فعل في سبي هوازن ؛ لأن
الله أوجب لهم ملك الغنائم إذا غنموها بقوله : ﴿واعلموا أنما غنمتم
من شيء ﴾ (١) فأضافها إليهم .
وأما قولهم : لو ملكوا بنفس الغنيمة ، فكان من له أبٌ أو ولد
يعتق بنفس الغنيمة ، ولا حجة فيه ؛ لأن السنة إنما وردت فيمن أعتق
شقصًا له في عبد معين قد ملكه وعرفه بعينه ، فأما ما لا يعرف بعينه
فلا يشبه عتق الشريك .
(١) الأنفال : ٤١ .
- ٣٠٥ -

ألا ترى أن الشريك له أن يعتق كما يعتق صاحبه ، وفي إجماعهم
أنه يعتق على الشريك الموسر في المعتق ، وإجماعهم أنه لا يعتق عليه.
[١٩٥/٢- ب] في / شركته في الغنيمة دليل واضح على الفرق بينهما .
وأما قوله أنه يجب أن يكون حول الزكاة من وقت الغنيمة لو كان
ملكًا فخطأ بيِّن على مذهب المالكيين وغيرهم ؛ لأن العوائد لا يراعى
حولها عندهم إلا من يوم يصير بيد صاحبه ، وأما اعتلالهم بوجوب
الحد على من وطئ من المغنم قبل القسمة فلا معنى له ؛ لأن الحدود
تدرأ بالشبهات ، ولا خلاف بين العلماء أنه لو وطئ جارية معينة بينه
وبين غيره لم يُحَدَّ ، فكيف ما لا يتعين ؟
باب : ومن الدليل على أن الخمس للإمام
وأنه يعطي بعض قرابته دون بعض ما قسم النبي - عليه السلام -
لبني المطلب وبني هاشم من خمس خییر
قال عمر بن عبد العزیز : لم یعمھم بذلك ، ولم يخص قريبًا دون من
هو أحوج إليه ، وإن كان الذي أعطى لما شكوا إليه من الحاجة ولما مسهم
في جنبه من قومهم وحلفائهم .
فيه: جبير بن مطعم: (( مشيت أنا وعثمان إلى النبي - عليه السلام -
فقلنا : يا رسول الله أعطيت بني المطلب وتركتنا ، ونحن وهم منك بمنزلة
واحدة؟ فقال رسول الله : إنما بنو عبد المطلب وبنو هاشم شيء واحد)).
قال الخطابي : سي (١) أي مثل .
قال جبير: (( ولم يقسم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل)).
(١) بكسر المهملة، وتشديد التحتانية ، أي مثل سواء يقال : هم سيان أي مثلان .
انظر ((غريب الحديث)) للخطابي (٢٣٧/٣)، ومعالم السنن له (٢٢٠/٤)
ومشارق الأنوار للقاضي عياض (٢٦١/٢)، والفتح (٢٨٢/٦).
-٣٠٦ -

قال ابن إسحاق : وعبد شمس وهاشم والمطلب إخوة لأم ، وأمهم
عاتكة بنت مرة ، وكان نوفل أخاهم لأبيهم .
قال المؤلف : هذا الباب رد لقول الشافعي أيضًا أن سهم ذي
القربى خمس الخمس يقسم بينهم لا يفضل فقير على غني .
قال إسماعيل بن إسحاق : وليس في هذا الباب أنه عليه السلام
قسم بينهم خمس الخمس ، وقد يجوز أن يقسم بينهم أكثر وأقل ؛ لأنه
لم يخص في الحديث مبلغ سهمهم كم هو ، وإنما قصد في الحديث
الفرق بين بني هاشم وبني المطلب ، وبين سائر بني عبد مناف .
وهذا الحديث يرد قول ابن عباس حين كتب إليه نجدة (١) يسأله عن
سهم ذي القربى ومن هم ؟ قال : هم قرابة الرسول ، ولكن أبى
علينا قومنا فصبرنا ، ألا ترى أن ابن عباس لم يظلم من أبى ذلك
عليه، فدل أن ما أريد به مع ذلك بقرابة رسول الله بعضهم دون بعض،
وجعل الرأي في ذلك إلى رسول الله يضعه فيمن شاء منهم ، وهم
أهل الفقر والحاجة خاصة ، وكذلك قال عمر بن الخطاب : إنما جعل
الخمس لأصناف سماهم ، فأسعدهم فيه حظا أشدهم فاقة وأكثرهم
عددًا .
وذكر الطحاوي بإسناده عن الحسن بن محمد بن علي قال : اختلف
الناس بعد وفاة النبي - عليه السلام - في سهم ذي القربى ، فقال
قوم: هو لقرابة الخليفة ، وقال قوم : سهم النبي - عليه السلام - هو
للخليفة من بعده ثم أجمع رأيهم أن يجعلوا هذين السهمين في العدة
والخيل في سبيل الله ، فكان ذلك إمارة أبي بكر وعمر .
(١) هو نجدة بن عامر صاحب اليمامة .
- ٣٠٧ -

قال الطحاوي : أفلا ترى أن ذلك مما قد أجمع عليه الصحابة ،
ولو كان ذلك لقرابة رسول الله لما منعوا منه ، ولَمَا صُرْف إلى
غيرهم، ولا خفي ذلك عن الحسن بن محمد مع علمه وتقدمه .
وهذا يرد قول من زعم أن لذي القربى سهمًا مفروضًا من الخمس،
وقد تقدم هذا المعنى في باب (( درع النبي وعصاه وسيفه )) .
وزعم الشافعي أنه يعطى الرجل من ذوي القربى سهمين والمرأة
سهماً .
وخالفه أصحابه المزني ، وأبو ثور ، وجميع الناس وقالوا :
الذكر والأنثى في ذلك سواء . وهذا هو الصحيح ؛ لأنهم إنما أعطوا
بالقرابة ، وذلك لا يوجب التفضيل ، كما لو أوصى الرجل لقرابته
بوصية ، لم يعط الذكر مثل حظ الأنثيين ؛ لأنهم إنما أعطوا باللفظ
الذي أوجب لهم ذلك ، فأما المواريث فإن الله - تعالى - قسمها بين
أهلها على أمور مختلفة ، جعل للوالدين في حال شيئًا وفي حالٍ غيره
[٢/ ٥ ١٩٦-) والأولاد إذا كانوا ذكوراً وإناثًا / شيئًا، وإذا كنَّ إناثًا غير ذلك ،
وكذلك الإخوة والأخوات .
وهذا الحديث حجة للشافعي أن [ ذا ] (١) القربى الذي يسهم لهم
من الخمس هم بنو هاشم وبنو المطلب أخي هاشم خاصة دون سائر
قرابته عليه السلام ، وبه قال أبو ثور ، وقال ابن الحنفية : سهم ذي
القربى هو لنا أهل البيت .
وروى عمر بن عبد العزيز أنهم بنو هاشم خاصة . وقال أصبغ بن
الفرج : اختلف في ذلك ، فقيل : هم قرابة الرسول ، وقيل : قريش
(١) في ((الأصل)) : ذي.
- ٣٠٨ -

.كلها. قال : ووجدت معاني الآثار أنهم آل محمدٌ . وقد تقدم في
كتاب الزكاة اختلافهم في آل محمد الذين لا تحل لهم الصدقة .
باب : من لم يخمس الأسلاب ومن قتل قتيلا
فله سلبه من غير الخمس وحكم الإمام [ فيه ] (١)
فيه : عبد الرحمن بن عوف: (( بينا أنا واقف في الصف يوم بدر نظرت
عن يميني وشمالي ، فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما ، تمنيت
أن أکون بین أصلح - بین أضلع - منهما . فغمزني أحدهما فقال : يا
عم، هل تعرف أبا جهل ؟ قلت : نعم ، ما حاجتك إليه يا ابن أخي ؟
قال : أخبرت أنه يسب رسول الله ، والذي نفسي بيده، لئن رأيته لا يفارق
سوادي سواده حتى يموت الأعجل منّا . فتعجبت لذلك ، فغمزني
الآخر، فقال لي مثلها ، فلم أنشب أن نظرتُ أبا جهل يجول في الناس،
فقلت : ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتما عنه . فابتدراه بسيفيهما
فضرباه حتى قتلاه ، ثم انصرفا إلى رسول الله فأخبراه ، فقال : أيكما
قتله. قال كل واحد منهما : أنا قتلته . قال : هل مسحتما سيفيكما ؟
قالا: لا . فنظر في السيفين ، فقال : كلاكما قتله ، سلبه لمعاذ بن عمرو
ابن الجموح . و[ كانا ](٢) معاذ بن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح)).
وفيه : أبو قتادة : (( خرجنا مع النبي - عليه السلام - عام حنين ، فلما
التقيا كانت للمسلمين جولة ، فرأيت رجلا من المشركين علا رجلا من.
المسلمین ، فاستدرت حتی أتیته من ورائه حتى ضربته بالسيف على حبل
عاتقه فأقبل عَلَيّ فضمني ضمة حتى وجدتَ منها ربح الموت ، ثم أدركه
(١) زيادة من الصحيح المطبوع مع الفتح (٢٨٣/٦) ليست في ((الأصل))، وكأن
الناسخ انتقل بصره لما بعدها .
(٢) من المطبوع، وفي ((الأصل)): كان.
- ٣٠٩ -

الموت ، فأرسلني ، فلحقت عمر بن الخطاب فقلت : ما بال الناس ؟
فقال: أَمْرُ الله . ثم إن الناس رجعوا، وجلس النبي - عليه السلام -
فقال : من قتل قتيلا ، له عليه بيّنَة ، فله سلبه . فقمت فقلت : من يشهد
لي ، ثم جلست ، ثم قال الثالثة مثلها . فقال رجل : صدق یا رسول الله ،
وسلبه عندي فَأَرْضِهِ عني. فقال أبو بكر الصديق : لا ها الله إذًا لا يعمد
إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله يعطيك سلبه . فقال النبي :
صدق . فأعطاه ، فبعت الدرع فابتعت به مخرفًا في بني سلمة ، وإنه
لأول مال تأثلته في الإسلام » .
ووقع هذا الحديث في غزوة حنين من حديث الليث ، عن يحيى بن
سعيد (( كلا لا نعطيه أضيبع من قريش، وندع أسدًا من أسد الله ... )
الحديث .
اختلف الفقهاء في السلب ، هل يخمس ؟ فقال الشافعي : كل
شيء من الغنيمة يخمس إلا السلب ؛ فإنه لا يخمس . وهو قول
أحمد بن حنبل وجماعة من أهل الحديث . وذكر ابن خواز بنداذ عن
مالك أن الإمام مخير فيه ، إن شاء خمسه على الاجتهاد كما فعل عمر
في سلب البراء بن مالك ، وإن شاء لم يخمسه ، واختاره إسماعيل
ابن إسحاق ، وقال إسحاق بن راهويه : إذا كثرت الأسلاب ،
خمست كما فعل عمر بن الخطاب .
وقال مكحول والثوري : السلب مغنم ويخمس . وفي مختصر
(الوقار ) (١) عن مالك أنه يخمس السلب . وهو قول ابن عباس ،
روى الزهري، عن القاسم بن محمد ، عن ابن عباس قال : السلب
من النفل والنفل يخمس .
وحجة من رأى تخميسها قوله تعالى : ﴿واعلموا أنما غنمتم من
(١) هكذا في (( الأصل)) ولم أعرفه .
- ٣١٠ -

شيء فأن لله خمسه﴾ (١) ولم يستثن سلبًا ولا غيره ، وحجة من قال :
لا يخمس حديث معاذ بن عمرو ، وحديث أبي قتادة ، وليس في
واحد منهما تخميس الأسلاب . وعموم قوله عليه السلام: (( من قتل
قتيلا فله سلبه )) فملكه السلب ولم يستثن شيئًا منه . وإلى هذا ذهب
البخاري .
وحجة من رأى تخميسها / على الاجتهاد إذا كثرت ما رواه سفيان، (١٩٦٥/٢ -ب]
عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أنس بن مالك (( أن البراء بن مالك
بارز مرزبان الزاره فقتله ، فقوم سلبه ثلاثين ألفًا ، فلما صلينا الصبح
غدا علينا عمر بن الخطاب فقال لأبي طلحة : إنَّا كنا لا نخمس
الأسلاب وإن سلب البراء بلغ مالا ، ولا أرانا إلا خامسه ، فقومنا
ثلاثين ألفًا فدفعنا إلى عمر ستة آلاف ، فكان أول سلب خمس في
الإسلام)) فدل فعل عمر أن لهم أن يخمسوا إذا رأى الإمام ذلك .
واختلف العلماء في حكم السلب ، فقال مالك : لا يستحق القاتل
سلب قتيله إلا أن يرى ذلك الإمام بحضرة القتال فينادي ليحرض الناس
على القتال ، أو يجعله مخصوصًا لإنسان إذا كان جهده . وبه قال أبو
حنيفة والثوري . واحتج مالك بأن رسول الله إنما قال: (( من قتل
قتيلا فله سلبه )) بعد أن برد القتال يوم حنين ولم يحفظ ذلك عنه في
غير يوم حنين ، ولا بلغني ذلك عن الخليفتين . فليس السلب للقاتل
إلا أن يقول ذلك الإمام ، وإلا فالسلب غنيمة ، وحكمه حكم
الغنائم؛ لأن الأربعة الأخماس للغانمين والنفل زيادة على الواجب ،
فلا تكون تلك الزيادة من الواجب بل من غيره وهو الخمس .
وقال الأوزاعي والليث والشافعي وأبو ثور : السلب للقاتل على
(١) الأنفال : ٤١ .
- ٣١١ -

كل حال سواء قال ذلك الإمام أو لم يقله ؛ لأنها قضية قضاها رسول الله
في مواطن شتى لا يحتاج إلى إذن الإمام فيها . وقد أعطى رسول الله
سلب أبي جهل يوم بدر لمعاذ بن عمرو ، فثبت أن ذلك كان قبل يوم
حنين ، خلاف قول مالك .
واحتج أصحاب الشافعي بحديث معاذ بن عمرو أن النبي - عليه
السلام - كان أعطاه السلب ؛ لأنه كان أثخنه ومعاذ بن عفراء
(أجاز)(١) عليه . قالوا : وعندنا أنه إذا أثخن أحدهم المشرك بالضرب
وذبحه الآخر ، كان السلب للمثخن لا الذابح .
قال المهلب : ونظره عليه السلام إلى سيفيهما واستدلاله منهما على
أيهما قتله ، دليل أنه لم يعط السلب إلا لمن أثخنه ، وله مزية في
قتله، وموضع الاستدلال منه أنه رأى في سيفيهما مبلغ الدم من جانبي
السيفين ، ومقدار عمق دخولهما في جسم أبي جهل، ولذلك سألهما
هل مسحاهما ؛ لأنه لو مسحاهما لتغير مقدار ولُوجهما في جسمه .
وقوله: (( كلاكما قتله)) فلو كان السلب مستحقًا بالقتل لكان يجعله
بينهما ؛ لأنهما اشتركا في قتله ، ولا ينتزعه من أحدهما . فلما قال
لهما : (( كلاكما قتله )) ثم قضى بالسلب لأحدهما دون الآخر ، دل
ذلك على ما قلناه ؛ ألا ترى أن الإمام لو قال: (( من قتل قتيلا فله
سلبه)) فقتل رجلان قتيلا أن سلبه بينهما نصفين وأنه ليس للإمام أن
يحرمهُ أحدهما ويدفعه للآخر لأن كل واحد منهما له فيه من الحق مثل
ما لصاحبه ، وهما أولى به من الإمام ، فلما كان للنبي في سلب أبي
جهل أن يجعله لأحد قاتليه دلَّ أنه كان أولى به منهما ؛ لأنه لم يكن
قال يومئذ: (( من قتل قتيلا فله سلبه )) قاله الطحاوي .
وقال ابن القصار : لما خَصَّ به عليه السلام أحدهما علم أنه غير
(١) هكذا في ((الأصل)، ولم أَرَ لهذا معنى هنا، والظاهر أن الصواب: أجهز، يقال:
أجهز على الجريح: أسرع في قتله وتمم عليه. ( المعجم الوسيط: ١٤٣/١).
- ٣١٢ -

مستحق إلا بعطية الإمام ؛ لأن عطاء الإمام عندنا من الخمس ، فيكون
معنى قوله : (( من قتل قتيلا فله سلبه )) يعني : من الخمس لا من مال
الغانمين .
واحتج أصحاب الشافعي فقالوا : إنما أعطى السلب لأحدهما وإن
كان قال: (( كلاكما قتله )) لأنه استطاب نفس صاحبه ، ولم ينقل
ذلك، ويشهد لصحة هذا ما ثبت عنه عليه السلام أنه جعل السلب
للقاتل يوم بدر وغيره ، روي ذلك من حديث عبد الرحمن بن
عوف، وحديث عوف بن مالك ، وحديث أبي قتادة ، وحديث ابن
عباس، قالوا : لأنه محال أن يقول: (( كلاكما قتله)) ويقول: (( من
قتل قتيلا فله سلبه )) ثم يعطي أحدهما إلا عن إذن صاحبه ، كما فعل
في غنائم هوازن .
وبهذا التأويل تسلم الأحاديث من التعارض والاختلاف . قالوا :
وحديث أبي قتادة ، يدل أن السلب من رأس الغنيمة لا من الخمس ؛
لأن الرسول أعطى أبا قتادة سلب قتيله قبل قسمة الغنيمة / لأنه نفله [٢/ ١٩٧٥-١)
حين برد القتال ، ولم يقسم الغنيمة إلا بعد أيام كثيرة بالجعرانة .
فأجابهم أصحاب مالك [ والكوفيون ] (١) فقالوا : هذا حجة لنا ؛
وذلك أن النبي - عليه السلام - إنما قال ذلك في حديث أبي قتادة بعد
تقضي الحرب وقد حيزت الغنائم وهذه حالة قد سبق فيها مقدار حق
الغانمين وهو الأربعة الأخماس على ما فرضها الله لهم ؛ فينبغي أن
يكون من الخمس ، وإذا تقرر أنه صلى الله عليه ابتدأ فأعطى القاتل
السلب بعد أن قال: (( ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس وهو مردود
فيكم )) علم أن عطية ذلك وغيره من الخمس المضاف إليه ، ولا يكون
الخمس إلا بعد حصول الأربعة الأخماس للغانمين .
(١) في ((الأصل)): الكوفيين.
- ٣١٣ -

وما رأى الإمام أن يعطيه من أَبْلَى واجتهد في نكاية العدو ، فهو
ابتداء عطية منه ؛ فينبغي ألا يكون من حق الغانمين ، وأن يكون مما إليه
صرفه على وجه الاجتهاد وهو الخمس ، كما ينفل من الخمس ، لا
من حقوق الغانمين .
واختلفوا في الرجل يدعي أنه قتل رجلا بعينه ، ويدعي سلبه ،
فقالت طائفة : يكلف على ذلك البيئة ، فإن جاء بشاهدين أخذه ،
وإن جاء بشاهد واحد حلق معه وكان له سلبه ، واحتجوا بحديث أبي
قتادة وبأنه حق يستحق مثله بشاهد ويمين ، وهو قول الليث والشافعي،
وجماعة من أهل الحديث .
وقال الأوزاعي : يعطاه إذا قال إنه قتله ولا يسأل على ذلك بينة .
وقال ابن القصار وغيره : إن النبي شرط البينة ، وأعطى أبا قتادة سلبه
على بينة ، وذلك بشهادة رجل واحد دون يمين ؛ فعلم أنه لم يعطه لأنه
استحقه بالقتل لأن المغانم له أن يُعطي منها مما يبقى لمن شاء ، ويمنع
من شاء؛ لقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه ... ﴾ (١) الآية
. والمغانم خلاف الحقوق التي لا تستحق إلا بإقرار أو شاهدين .
وقال أصحاب الشافعي : إن النبي لم يعطه أبا قتادة إلا ببينةٍ ؛ لأنه
أقر له به من كان جازه لنفسه في القتال ، فصدَّق أبا قتادة ، وقال أبو
بكر الصديق ما قال ، وأضاف السلب إليه ؛ فحصل شاهدان له .
وأيضًا فإن كل من في يده شيء فإقراره به لغيره يقوم مقام البينة .
قال المهلب : في حديث أبي قتادة من الفقه جواز كلام الوزير ورد
سائر الأمر قبل أن يعلم جواب الأمير ، كما فعل أبو بكر حين قال :
لا ها الله ، وقال ثابت في ((غريب الحديث)): قال أبو عثمان المازني :
(١) الحشر : ٧ .
- ٣١٤ -

من قال: ((لا ها الله إذًّا)) فقد أخطأ، إنما هو: لا ها الله ذا . أي:
ذا يميني وذا قسمي . وقال أبو زيد: يقال: ( لا ها الله ذا) (١) ،
و((ذا)) صلة في الكلام وليس من كلامهم: لا ها الله إذًا . وقال
غيره: هو مثل قول زهير :
تعلمتها لعمر الله ذا قسمًا
وقوله : فابتعت به مخرفًا . قال أبو حنيفة اللغوي : إذا اشترى
الرجل نخلتين وثلاثًا إلى العشر يأكلهن قيل : قد اشترى مخرفًا جيدًا،
والخرائف للنخل التي يخترفن ، واحدها خروفة وخريفة والمخرف -
بكسر الميم - الزنبيل الذي يخترف فيه ، والخارف : اللاقط والحافظ
للنخل . وقوله في حديث عبد الرحمن بن عوف: (( تمنيت أن أكون
بين أصلح منهما )) هكذا رواه مسدد ، عن يوسف بن الماجشون ،
ورواه إبراهيم بن حمزة الزبيري ، وموسى بن إسماعيل، و[عفان](٢)
عن يوسف بن الماجشون (( تمنيت أن أكون بين أضلع منهما )) وهو
أشبه بالمعنى . ورواية [ ثلاثة] (٣) حفاظ أولى من رواية واحد
خالفهم .
وأما حديث إبراهيم بن حمزة فرواه الطحاوي عن أبي داود عنه .
وحديث موسى بن إسماعيل رواه ابن سنجر عنه ، وحديث عفان رواه
ابن [ أبي ] (٤) شيبة عنه . وأما رواية الليث في حديث أبي قتادة ((كلا
لا نعطيه أضيبع من قريش )) فيمكن أن يكون معناها - والله أعلم - ما
ذكره الخطابي أن عتبة بن ربيعة نهى يوم بدر عن القتال وقال : يا قوم
(١) كرر في ((الأصل)).
(٢) هو ابن مسلم ، راجع فتح الباري (٢٨٦/٦) وسيأتي هكذا على الصواب بعد
قليل ، ووقع هنا في (( الأصل)) : عثمان . وهو خطأ .
(٣) في (( الأصل)): ثلاث.
(٤) سقط من (( الأصل)).
- ٣١٥ -

[١٩٧٥/٢ -ب) اعصبوها / برأسي وقولوا : جبن عتبة ، وقد تعلمون أني لست
بأجبنكم. فقال أبو بكر: والله لو غيرك قالها لأعضضته ، قد ملئ
جوفه رعبًا . فقال عتبة : أولي تعني يا مصفر استه ، ستعلم أينا اليوم
أجبن ... )) في حديث طويل.
قال الخطابي: قوله: (( يا مصفر استه)) قيل : إنه نسبه إلى
التوضيع والتأنيث ، وقيل : إنه لم يرد به ذلك ، وإنما هي كلمة تقال
للرجل المترف الذي يؤثر الراحة ويميل إلى التنعيم .
قال المؤلف : قال لي بعض أهل اللغة : إنما سمى أضيبع ؛ لأنه
كان له شامة يصبغها .
باب : ما كان النبي - عليه السلام -
يعطي المؤلفة قلوبهم من الخمس ونحوه
رواه عبد الله بن زيد عن النبي - عليه السلام .
فیه : حکیم قال: (( سألت رسول الله فأعطاني ، ثم سألته فأعطاني ، ثم
قال لي : يا حكيم ، إن هذا المال خضر حلو ، فمن أخذه بسخاوة نفس
بورك له فیه ، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وکان کالذي
يأكل ولا يشبع ، واليد العليا خير من اليد السفلى . قال حكيم : فقلت
يا رسول الله ، والذي بعثك بالحق لا أَرْزاً أحدا بعدك شيئا حتى أفارق
الدنيا . فكان أبو بكر [ يدعو ] (١) حكيمًا ليعطيه العطاء ؛ فيأبى أن يقبل
منه شيئًا . ثم إن عمر دعاه ليعطيه ؛ فأبي أن يقبل . فقال : يا معشر
المسلمين ، إني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له من هذا الفيء فيأبى أن
يأخذه. فلم يرزا حكيم أحدًا من الناس بعد النبي حتى توفي » ..
(١) من الصحيح المطبوع وهو الصواب، وفي (( الأصل)): يدعي.
- ٣١٦ -

وفيه : ابن عمر (( أن عمر قال : يا رسول الله ، إنه كان عليّ اعتكاف يوم
في الجاهلية ؛ فأمره أن يفي ، وأصاب عمر جاريتين من سبي حنين
فوضعهما في بعض بيوت مكة ، قال : فمر رسول الله بسبي حنين فجعلوا
يسعون في السكك قال عمر : يا عبد الله ، انظر ما هذا ؟ قال فقال : مر
رسول الله على السبي ، قال : اذهب ، فأرسل الجاريتين . وزاد جرير بن
حازم عن أيوب ، عن نافع، عن ابن عمر قال : من الخمس )) .
وفيه : عمرو بن تغلب (« أعطى النبي قومًا ومنع آخرين ، [ فكأنهم
عتبوا عليه ، فقال: إني أعطي قومًا أخاف ظَلَعَهُم وجزعهم] (١)،
وأَكلُ أقوامًا إلى ما جعل الله في نفوسهم من الخير والغَنَاء ، منهم عمرو
ابن تغلب . قال عمرو : ما أحب أن لي بكلمة رسول الله حمر النعم )» .
وفيه : أنس قال عليه السلام : (( إني أعطي قريشًا أتألفهم ؛ لأنهم
حديث عهد بجاهلية )) .
وفيه: أنس: (( أن ناسًا من الأنصار قالوا للنبي - عليه السلام - حين
أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء ، فطفق يعطي رجالا من
قريش المائة من الإبل ، فقالوا : يغفر الله لرسول الله ، يعطي قريشًاً وبدعنا
وسيوفنا تقطر من دمائهم ! فحدث بمقالتهم ؛ فأرسل إلى الأنصار
فجمعهم في قبة من أدم ، ولم يَدْعُ معهم أحدًا غيرهم ، فلما اجتمعوا
جاءهم رسول الله ، فقال : ما كان حديث بلغني عنكم ؟ فقال له
فقهاؤهم: أما ذوو رأينا يا رسول الله ، فلم يقولوا شيئًا ، وأما أناس منا
حديثة أسنانهم فقالوا : يغفر الله لرسول الله ، يعطي قريشًا ويترك الأنصار
وسيوفنا تقطر من دمائهم ! فقال رسول الله : إني أعطي رجالا حديثي
عهدهم بكفر ؛ أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال ، وترجعون
(١) من الصحيح المطبوع مع الفتح (٢٨٨/٦)، وكأنه سقط من الناسخ في
((الأصل))؛ إذ السياق بدونه غير مستقيم.
- ٣١٧ -

إلى رحالكم برسول الله ؟ فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به . قالوا :
بلى يا رسول الله ، قد رضينا . فقال لهم : إنكم سترون بعدي أثرة :
شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض . قال أنس : فلم
يصبروا )».
وفيه : جبير بن مطعم : « بينا هو مع النبي ومعه أناس مقفله من جنین
علقت برسول الله الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سَمرة ؛ فخطفت
رداءه ، فوقف رسول الله فقال : أعطوني ردائي ، فلو کان عدد هذه
العضاة نَعَمًا لقسمته بینکم ، ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانًا » .
وفيه: أنس : (( كنت أمشي مع النبي - عليه السلام - وعليه برد نجراني
غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة ، حتى نظرت إلى
[١٩٨٥/٢-١) صفحة / عاتق رسول الله ، قد أثرت فيه حاشية الرداء من شدة جذبته، :
ثم قال : مُر لي من مال الله الذي عندك . فالتفت إليه فضحك ، ثم أمر
له بعطاءه )) .
وفيه : ابن مسعود: (( لما كان يوم حنين ، آثر الرسول أناسًا في الغنيمة
فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل ، وأعطى عيينة مثل ذلك ،
وأعطى أناسًا من أشراف العرب، وآثرهم يومئذ في القسمة ، فقال رجل:
والله إن هذه القسمة ما عدل فيها - أو ما أريد بها وجه الله - فقلت : والله
لأخُبُرنَّ النبي - عليه السلام - فأتيته فأخبرته ، فقال: فمن يعدل إذا لم
یعدل الله ورسوله ، رحم الله موسى ، قد أوذي بأکثر من هذا فصبر » .
وفيه : أسماء بنت أبي بكر قالت : (( كنت أنقل النوى من أرض الزبير
- التي أقطعه رسول الله - على رأسي ، وهي مني على ثلثي فرسخ .
وقال عروة عن أسماء : أن النبي - عليه السلام - أقطع الزبير أرضًا من
أموال بني النضير)) .
- ٣١٨ -

وفيه : ابن عمر: (( أن عمر أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز ،
وكان رسول الله لما ظهر على أهل خيبر أراد أن يخرج اليهود منها ،
وكانت الأرض لما ظهر عليها لله وللرسول وللمسلمين ، فسأل اليهود
رسول الله أن يتركهم ، على أن يكفوا العمل ولهم نصف الثمر ، فقال
رسول الله : نقركم على ذلك ما شئنا . فأقرهم حتى أجلاهم عمر في
إمارته إلى تيماء وأريحاء)).
قال المؤلف : آثار هذا الباب ترد قول الشافعي ؛ فإنه زعم أن
النبي - عليه السلام - إنما كان يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من خمس
الخمس ؛ لأنه سهمه خاصة . قال إسماعيل بن إسحاق : وهذه قسمة
لم يعدل فيها الشافعي ؛ لأنه لا يتوهم أحد أن خمس الخمس يكون
مبلغه ما أعطى المؤلفة من تلك العطايا الكثيرة ، فإن كان ذلك كله من
خمس الخمس ، فإن أربعة أخماس الخمس أضعاف ذلك كله. قال
إسماعيل : وأعطى النبي المؤلفة قلوبهم من الخمس وليس للمؤلفة
قلوبهم ذكر في الخمس ولا في الفيء ، وإنما ذُكِروا في الصدقات فدل
إعطاؤهم من غنائم حنين ، أن الخمس يقسمه الإمام على ما يراه ،
وليس على الأجزاء التي قال الشافعي ، وأبو عبيدة ، ولو كان كذلك
ما جاز أن يعطي المؤلفة قلوبهم من ذلك شيئًا .
قال المؤلف : وآثار هذا الباب أيضًا ترد مقالة قوم ذكرهم الطبري،
زعموا أن إعطاء النبي - عليه السلام - المؤلفة قلوبهم كان من جملة
الغنيمة لا من الخمس ، وزعموا أنه كان له عليه السلام أن يمنع الغنيمة
من شاء ممن حضر القتال ويعطيها من لم يحضر ، وهو قول مردود
بالآثار الثابتة ، وبدلائل القرآن .
قال المهلب : وكان حكيم ممن استؤلف بالمال ؛ لأنه كان يحب
المال.
- ٣١٩ -

وفيه : رد السائل - إذا ألحف - بالموعظة الحسنة ، لا بالانتهار
الذي نهى الله عنه .
وفيه : أن الحرص على المال والإفراط في حبه وطلبه يوجب المحق
له، وأن النفس الشريفة هي سخية به إن [ أعطته ] (١) وسخية به إن
أخذته ، ولم تكن عليه حريصة ، يبارك لها فيه ، كما قال عليه
السلام ، وقد تقدم كثير من معاني حديث حكيم في كتاب الزكاة من
التعفف عن المسألة .
وفيه : ذم كثرة الأكل ، وتقبيحه .
وفي حديث أنس من الفقه أن على الإمام أن يمتحن ما يكره مما يبلغه
من الأخبار ، ولا يدع الناس يخوضون من أمره فيما يؤزرون به ،
فربما أورث ذلك نفاقًا في قلوبهم فيجب امتحان ما سمعه من ذلك ،
واختباره بنفسه حتى يتبين وجه ما أُنكر عليه ، ومعنى مراده ؛ لتذهب.
نزغات الشيطان من نفوسهم ، كما فعل عليه السلام بالأنصار حين
رضاهم بما لم يكونوا يرضون به من قبل من الأثرة عليهم لما بينه لهم.
وفيه : أن الإمام إذا اختص قومًا بنفسه وجيرته ، أن يعلم لهم حق
الجوار على غيرهم من الناس .
٠٠
وفيه : شرف جيران الملك على سائر من بعد عن جيرته .
وفيه : أن الرجل العالم والإمام العادل ، خير من المال الكثير .
وفيه : استئلاف الناس بالعطاء الجزيل لما في ذلك من المنفعة
(٢/ ق١٩٨ -ب] للمسلمين / والدفاع عنهم .
وفيه : أن الأنصار لا حَقَّ لهم في الخلافة؛ لأنه عليه السلام عرفهم
(١) في (( الأصل)): أعطيته. والصواب ما أثبت .
- ٣٢٠ -