Indexed OCR Text

Pages 201-220

ينبغي للمؤمن إذا فعل شيئًا لله أن يخفيه عن الناس ؛ فإن الله لا
يخفى عليه شيء ، روي هذا عن بريدة الأسلمي .
قال الطبري : والصواب أنه لا بأس بالتسويم والإعلام في الحرب
إذا فعله الفاعل من أهل البأس والنجدة ، وهو قاصد بذلك شد الناس
على أن لا ( ... ) (١) والصبر للعدو والثبات لهم في اللقاء ، وهو
يريد ترهيب العدو إذا عرفوا مكانه ، وإعلام من معه من المسلمين
أنه لا يخذلهم ولا يسلمهم .
وأما إذا لم يرد ذلك وقصد به الافتخار فهذا المعنى هو المكروه ؛
لأنه ليس ممن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا وإنما قاتل للذكر .
باب : إذا نزل العدو على حكم رجل
فيه: أبو سعيد: (( لما نزلت قريظة على حكم سعد بن معاذ بعث النبي-
عليه السلام - وكان قريبًا منه فجاء على حمار ، فلما دنا قال النبي -
عليه السلام - : قوموا إلى سيدكم ، فجاء فجلس إلى النبي - عليه
السلام - فقال له : إن هؤلاء نزلوا على حكمك . قال : فإني أحكم أن
تقتل المقاتلة وأن تسبى الذرية . قال : لقد حكمت فيهم بحكم الملك )).
قال المهلب : فيه جواز التحكيم في أمر الحرب وغيره ، وذلك رد
على الخوارج الذين أنكروا التحكيم على علي . وفيه : أن التحاكم
في الدنيا إلى رجل معلوم الصلاح والخير لازم للمتحاكمين . فكيف
بيننا وبين عدونا في الدين ؟ وأن المال أخف مؤنة من النفس والأهل .
وفيه : أمر السلطان والحاكم بإكرام السيد من المسلمين ، وجواز إكرام
أهل الفضل في مجلس السلطان الأكبر والقيام فيه لغيره من أصحابه
وسادة أتباعه ، وإلزام الناس كافة القيام إلى سيدهم .
(١) في ((الأصل)) هنا: يتشابه ، ولم أعرف المراد بذلك، فالله أعلم .
- ٢٠١ -

وقد اعترض هذا من قال : إنما أمر الرسول - عليه السلام -
الأنصار بهذا خاصة؛ لأنه سيد الأنصار ، وهذا لا دليل عليه ، بل
هو سيد من حضر من أنصاري ومهاجري ؛ لأنه قال فيه قولا مجملا
لم يخص فيه أحدًا ممن بين يديه من غيره ، وسيأتي في كتاب
الاستئذان تأويل حديث أبي سعيد مع الحديث العارض - إن شاء الله.
قال الطبري : فيه البيان عن أن لإمام المسلمين إذا حاصر العدو ،
فسألوهم أن ينزلوهم على حكم رجل من المسلمين ، مرضية أمانته
[١٧٤٥/٢ -ب] على الإسلام وأهله ، موثوق بعقله ودينه / أن يجيبهم إلى ذلك ، وإن
كان الرجل غائبًا عن الجيش ؛ لأن سعدًا لم يشهد حصار رسول الله
لبني قريظة ، حين سألوا النبي - عليه السلام - أن ينزلوا على
حكمه، وكان بالمدينة يعالج كَلْمَهُ الذي كُلِمَهُ بالخندق ، فأرسل فيه
النبي - عليه السلام - حتى حكم فيهم ، فإن وافق حكمه حكم الله
ورسوله أمضى، وإن خالف ذلك رد حکمه ..
وقيل للنازلين على حكمه : إن رضيتم حكم غيره يحكم فيكم
بحكم يجوز في ديننا أمضينا حكمه ، وإن كرهتم ذلك رددناكم إلى
حصنكم ، والحكم الذي لا يجوز لأحد الفريقين الرجوع عنه هو أن
يحكم بقتلهم ، وسبي ذراريهم ونسائهم ، وقسم أموالهم ، إن كان
ذلك هو النظر للمسلمين، وإن حكم باسترقاق مقاتلتهم، أو المن عليهم،
ووضع الخراج على رءوسهم فجائز بعد أن يكون نظرًا للمسلمين .
وأما الحكم الذي يرد ولا يمضي : فهو أن يحكم أنهم يقروا في
أرض المسلمين كفار بغير خراج يؤدونه إلى الإمام ولا جزية ؛ لأنه غير
جائز أن یقیم کافر في أرض الإسلام سَنَة بغير جزية يؤديها عن رقبته،
وإن سألوهم أن ينزلهم على حكم الله أو يحكم فيهم بحكم الله؛ فإنه
لا ينبغي أن يجيبهم إلى ذلك لصحة الخبر الذي رواه سفيان عن علقمة
- ٢٠٢ -

ابن مرثد ، عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه قال : (( كان عليه السلام
إذا بعث أميرًا على جيش وصاه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًاً
وقال : اغزوا بسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر - إلى قوله - وإن
قاتلت أهل حصن فأرادوا أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ، فلا تجعل
لهم ذمة الله وذمة رسوله ، واجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك ؛ خير
أن تخفر ذمة الله وذمة رسوله ، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوا أن
تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ، ولكن أنزلهم على
حكمك ؛ فإنك لا تعلم أصبت حكم الله فيهم أم لا)).
فإن قيل : كيف جاز للإمام أن ينزلهم على حكم رجل ، مرضي
دينه لا يتجاوز فيهم حكم الله وحكم رسوله ، ثم إنه يقول : لا يجوز
للإمام أن يجيبهم إذا سألوه أن ينزلهم على حكم الله وحكم رسوله ،
وهذان قولان يفسد أحدهما صاحبه .
قيل له : ليس كما توهمت ، فأما كراهيتها للإمام أن يجيب من
سأله النزول على حكم الله وحكم رسوله الذي هو الحق عنده ، فإن
ذلك لا يعلمه إلا علام الغيوب ، وإنما يحكمون إذا كانوا أهل دين
وأمانة بأصلح ما حضرهم في الوقت ، ولا سبيل إلى الحكم بعلم الله،
فهذا معنى نهيه عليه السلام .
وإن هم ( حكموا ) (١) على حكم رجل من المسلمين ثم بدا لهم
في الرضا بحكمه قبل أن يحكم بينهم ، وسألوا الإمام غيره ممن هو
رضا ، فللإمام أن يجيبهم إلى ذلك ، وذلك أن رسول الله ذكر عنه أن
بني قريظة كانوا نزلوا على حكمه ، ثم سألوه أن يجعل الحكم لسعد
ابن معاذ ، فأجابهم إلى ذلك ، فأما إذا حكم بينهم الذي نزلوا على
حكمه إذا لم يخالف حكمه ما يجوز في ديننا (٢) .
(١) كذا ولعل الصواب : نزلوا .
(٢) كذا ! وكأن هناك سقطًا .
- ٢٠٣ -

وفيه أن الإمام إذا ظهر من قوم من أهل الحرب الذي بينه وبينهم
مواعدة وهدنة على خيانة وغدر أن ينبذ إليهم على سواء وأن يحاربهم،
وذلك أن قريظة كانوا أهل مواعدة للنبي قبل الخندق . فلما كان يوم
الأحزاب ظاهروا قريشاً وأبا سفيان على رسول الله وراسلوهم : إنا
معكم ، واثبتوا مكانكم . فأحل الله بذلك من فعلهم قتالهم
ومنابذتهم على سواء ، وفيهم نزلت هذه الآية : ﴿وإما تخافن من
قوم خيانة ﴾ (١) الآية . فحاصرهم رسول الله والمسلمون معه، حتى
نزلوا على حكم سعد .
قال المهلب : وفيه أن الإنسان قد يوافق برأيه ما في حكم الله
ولا يُعلم ذلك إلا على لسان نبي كما قال النبي لسعد .
باب : قتل الأسير وقتل الصبر
[٢ / ق١٧٥ -١]
/ فيه: أنس: ((أن النبي - عليه السلام - دخل عام الفتح وعلى رأسه
المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال : إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة
فقال : اقتلوه )) .
قد تقدم القول في قتل الأسرى ، وأن الإمام مخير بين القتل والمن،
وكذلك فعل الرسول يوم فتح مكة ؛ قتل ابن خطل ومقيس بن صبابة
والقينتين ومَنَّ على الباقين .
وفيه أن للإمام أن يقتل صبرًا من حَادَّ الله ورسوله وكان في قتله
صلاحًا للمسلمين ، كما قتل يوم بدر عقبة بن أبي معيط ، قام إليه
علي بن أبي طالب فقتله صبرًا . فقال : من للصبية يا محمد ؟ قال
النار . وقتل النضر بن الحارث ، وكذلك فعل سعد بن معاذ في بني
(١) الأنفال : ٥٨ .
- ٢٠٤ -

قريظة ، وهذا الحديث حجة لقول جمهور العلماء أن مكة فتحت
عنوة، وقد تقدم ذلك في كتاب الحج .
ومن الآثار الدالة على ذلك ما ذكره أبو عبيد قال: حدثنا أبو النضر،
عن سليمان بن المغيرة ، حدثنا ثابت البناني ، عن عبد الله بن رباح،
عن أبي هريرة أنه حدث بفتح مكة قال: (( ثم أقبل رسول الله حين
قدم مكة ، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين ، وبعث خالد بن الوليد
على المجنبة الأخرى ، وبعث أبا عبيدة بن الجراح على الحُسَّر ،
وأخذوا بطن الوادي ، فأمرني رسول الله ، فناديت بالأنصار فلما
طافت به قال : أترون أوباش قريش وأتباعهم ؟ ثم قال : بيده -
إحداهما على الأخرى - : احصدوهم حصدًا، حتى توافوني بالصفا.
قال أبو هريرة : فانطلقنا فما يشاء أحد منا أن يقتل منهم من شاء إلا
قتله . فجاء أبو سفيان بن حرب فقال : يا رسول الله، أبيحت خضراء
قريش ، فلا قريش بعد اليوم . فقال رسول الله : من أغلق بابه فهو
آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن)) .
قال أبو عبيد : وحدثنا هشيم ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، قال : قال رسول الله يوم فتح مكة :
((ألا لا يجهزن على جريح ، ولا يتبع مدبر ، ولا يقتلن أسير، ومن
أغلق بابه فهو آمن )» .
وهذا بين في دخولها عنوة ، ومن خالف ذلك ، واعتل بأن
الرسول لم يحكم فيها بحكم العنوة من الغنم لها ، واسترقاق أهلها،
فلم تكن عنوة ، فقد علم من تخصيص مكة ، ومباينتها في أحكامها
لسائر البلاد ، ما فيه مقنع من أنها حرام ، وأنها مناخ من سبق
فلا تباع رباعها ، ولا تكرى بيوتها ، ولا تحل لقطتها ، ولا تحل
غنائمها ، فليست تشبه مكة شيئًا من البلاد .
- ٢٠٥ -

باب : هل يستأسرُ الرجلُ ومن لم يستأسر
ومن ركع ركعتين عند القتل
فيه : أبو هريرة: ((بعث الرسول عشرة رهط سرية عينًا، وأمر عليهم
عاصم بن ثابت الأنصاري - جد عاصم بن عمر بن الخطاب - فانطلقوا
حتى إذا كانوا بالهدأة بين عسفان ومكة ، ذكروا لحي من هذيل يقال لهم:
بنو لحيان فنفروا لهم قريبًا من مائتي رجل كلهم رام ، فاقتصوا آثارهم
فلما رآهم عاصم وأصحابه لجئوا إلى فدفد وأحاط بهم القوم فقالوا
لهم: انزلوا وأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ، ولا نقتل منكم أحداً
فقال عاصم أمير السرية : أما أنا فوالله لا أنزل في ذمة كافر ، اللهم أخبر
عنا نبيك ، فرماهم بالنبل فقتلوا عاصمًا في سبعة ، ونزلوا إليهم ثلاثة
رهط بالعهد والميثاق ، منهم خبيب الأنصاري وابن دثنة ورجل آخر ،
فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم وأوثقوهم ، فقال الرجل
الثالث : هذا أول الغدر والله لا أصحبكم ، إن في هؤلاء أسوة - يريد
القتلى - فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فقتلوه ، وانطلقوا بخبيب
[٢/ ٥ ١٧٥-ب] وابن دثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر / فابتاع خبيبًا بنو الحارث بن
عباس بن نوفل بن عبد مناف ، وكان خبيب هو قتل الحارث ابن عامر
يوم بدر ، فلبث خبيب عندهم أسيرًا ، فقالت ابنة الحارث بأنه استعار
منها موسى يستحد بها ، فأعارته فأخذ ابنًا لي وأنا غافلة ، فوجدته
يجلسه على فخذه ، والموسى بيده ، ففزعت فزعة عرفها خبيب في
وجهي . فقال : تحسبين أن أقتله ، ما كنت لأفعل ذلك ، والله ما رأيت
أسيرًا قط خيرًاً من خبيب ، والله لقد وجدته يأكل من قطف عنب وإنه
لموثق بالحديد ، وما بمكة من ثمر ، وكانت تقول : رزقٌ من الله رزقه
خبيبًا، فلما خرجوا من الحرم ليقتلوه في الحل ، قال لهم خبيب : ذروني
- ٢٠٦ -

أركع ركعتين، فتركوه فركع ثم قال : لولا [ أن تظنوا ] (١) أن ما بي
جزع لأطلتها ، اللهم أحصهم عددًا :
ما أبالي حين أقتل مسلمًا على أي [شق](٢) كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزعٍ
فقتله ابن الحارث ، وكان خبيب هو سَنَّ الركعتين لكل مسلمٍ قُتل
صبراً، فاستجاب الله لعاصم يوم أصيب ، فأخبر الرسول خبرهم ، وما
أصيبوا، وبعث ناس من كفار قريش حين حدّثُوا أنه قتل ليؤتوا بشيء
منه يعرف ، وكان قد قتل رجلا من عظمائهم يوم بدر ، فبعث الله على
عاصم مثل الظلة من الدّبْر فحمته من رسلهم ، فلم يقدر على أن يقطع
من لحمه شيئًا )).
قال المهلب : فيه أنه جائز أن يستأنس الرجل إذا أراد أن يأخذ برخصة الله
في إحياء نفسه ، كما فعل خبيب ، وصاحباه .
وقال الحسن البصري: لا بأس أن يستأنس الرجل إذا خاف أن يغلب.
وقال الأوزاعي : لا بأس للأسير بالشدة والإبائة من الأسر والأنفة
من أن يجري ملك كافر كما فعل عاصم وأحد صاحبي خبيب ، حتى
أبى من السير معهم ، حتى قتلوه .
وقال الثوري : أكره للأسير المسلم أن يمكن من نفسه إلا مجبوراً .
وفيه استنان الركعتين لكل من قُتل صبرًاً .
وفيه استنان الاستحداد لمن أُسر ، ولمن يُقتل ، والتنظيف لمن
(١) من الصحيح المطبوع (١٩٢/٦)، وفي (( الأصل)): لولا أظن. وهو خطأ.
(٢) من الصحيح المطبوع، وفي ( الأصل)) : شيء.
- ٢٠٧ -

( .... ) (١) بعد القتل لئلا يطلع منه على قبح عورة، وفيه: أداء
الأمانة إلى المشرك وغيره ، وفيه : التورع من قتل أطفال المشركين
رجاء أن يكونوا مؤمنين .
وفيه : الامتداح بالشعر في حين ينزل بالمرء هوان في دين أو ذلة ليسلي
بذلك نفسه ، وبرغم بذلك أنف عدوه ، ويجدد في نفسه صبراً وأنفة .
وأما قول جويرية رأيت في يده قطف عنب ، وما بمكة من ثمرة،
فهذا ممكن أن يكون آية الله - تعالى - على الكفار ، وبُرْهَانًا لنبيه ،
وتصحيحًا لرسالته عند الكافرة وأهل بلدها الكفار من أجل ما كانوا
عليه من تكذيب الرسول .
فأما من يذكر اليوم مثل هذا بين ظهراني المسلمين فليس لذلك
وجه؛ إذ المسلمون كلهم قد دخلوا في دين الله أفواجًا ، وآمنوا
بمحمد، وأيقنوا به ، فأي معنى لإظهار آية عندهم، وعلى ما يستشهد
بها فيهم؛ لأنه قد يشك المرتاب ومن في قلبه غرارة وجهل . يقول :
إذا جاز ظهور هذه الآيات من غير نبي ، فكيف يصدقها من نبي وغيره
يأتي بها، فلو لم يكن في [ هذا إلا رفع ] (٢) هذا الريب عن قلوب
أهل التقصير والغرارة والجهل لكان قطع الذريعة واجبًا ، والمنع منها
لازمًا لهذه العلة ، فكيف ولا معنى لها في الإسلام بعد تأصله ، وعند
أهل الإيمان بعد تمكنه ، إلا أن يكون من ذلك ما لا يخرق عادة ، ولا
يقلب عينًا ، ولا يخرج عن معقول البشر ، مثل أن يكرم الله عبداً
بإجابة دعوة من حينه في أمر عسير وسبب ممتنع، ودفع بأس نازل وشنعة
قد أظلت فيصرفها بلطفه عن وليه ، فهذا ومثله مما يظهر فيه فضل
(١) كلمة صورتها : يصنع . بلا نقط .
(٢) في (( الأصل)): رفع هذا إلا هذا. كذا، وأثبت المناسب للسياق.
- ٢٠٨ -

الفاضل وكرامة الولي عند ربه ، وقد أخبرني أبو عمران الفقيه الحافظ
بالقيروان أنه / وقف أبا بكر بن الطيب الباقلاني على تجويزه لهذه [٢/ ١٧٦٥-٢)
المعجزات ، فقال له : أرأيت إن قالت لنا المعتزلة : إن برهاننا على
تصحيح مذهبنا ، وما ندعيه من المسائل المخالفة لكم ظهور هذه الآية
على يدي رجل صالح منا . قال أبو عمران : فأطرق عني ومطلني
بالجواب ، ثم اقتضيته في مجلس آخر ، فقال لي : كل ما اعترض
من هذه الأشياء شيئًا من الدين أو السنن أو ما عليه صحيح العلم ،
فلا يقبل أصلا على أي طريق جاء . فهذا آخر ما رجع إليه ابن
الطيب .
أما حماية الله عاصمًا ( من الدَّبْر ) (٢) فلئلا ينتهك حرمته عدوه ،
فهذه الكرامة التي تجوز ، ومثل ذلك غير منكر ؛ لأن الله حماه على
طريق العادة ، ولم يكن قلب عين ولا خرق عادة ، فهذا ومثله جائز
وفيه علامة من علامات النبوة بإجابة دعوة عاصم بأن أخبر الله نبيه -
عليه السلام - بالخبر قبل بلوغه على ألسنة المخلوقين .
والدَّبْر جماعة النحل لا واحد لها ، وكذلك الثوم والخشرم لا
واحد لشيء منها ، كما يقال لجماعة الجراد : رجل . ولجماعة
النعام: خيط ، ولجماعة الظباء : إجل ، وليس لشيء من ذلك
واحد .
(٢) كذا في (( الأصل)) وأظن الصواب : بالدبر أو بالظلة من الدبر .
- ٢٠٩ -

باب : فكاك الأسير
فيه : أبو موسى: قال عليه السلام: (( فُكُّوا العاني - يعني : الأسير-
وأطعموا الجائع، وعودوا المريض )) .
وفيه : أبو جحيفة : قلت لعلي : هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في
كتاب الله ؟ قال : لا ، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، ما علمت إلا فهمًا
يعطيه الله رجلا في القرآن ، وما في هذه الصحيفة ، وفيها العقل وفكاك
الأسير ، وألا يقتل مسلم بكافر )) .
فكاك الأسير فرض على الكفاية ؛ لقوله عليه السلام : فكوا
العاني. وعلى هذا كافة العلماء ؛ وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه
قال : فكاك كل أسير من أسرى المسلمين من بيت المال . وبه قال
إسحاق ، وروي عن ابن الزبير أنه سأل الحسن بن علي عن فكاك
الأسير ، قال: على الأرض التي يقاتل عليها .
وروى أشهب وابن نافع عن مالك أنه سئل : أواجب على المسلمين
افتداء من أسر منهم ؟ قال : نعم ، أليس واجب عليهم أن يقاتلوا
حتى يستنقذوهم ، فكيف لا يفدونهم بأموالهم ؟!
وقال أحمد : يفادون بالرءوس ، وأما بالمال فلا أعرفه ، وقوله عليه
السلام : فكوا العاني . عموم في كل ما يفادى به ، فلا معنى لقول
أحمد ، وقد قال عمر بن عبد العزيز : إذا خرج الذمي بالأسير من
المسلمين فلا يحل للمسلمين أن يردوه إلى الكفر ، ليفادوه بما
استطاعوا. قال تعالى: ﴿وإن يأتوكم أسارى تفادوهم﴾ (١).
وقوله: ((أطعموا الجائع)) هو فرض على الكفاية أيضًا، ألا ترى
رجلا يموت جوعاً ، وعندك ما تجيبه به ، بحيث لا يكون في ذلك
الموضع أحد غيرك ، الفرض عليك في إحياء نفسه ، وإمساك رمقه ،
وإذا ارتفعت حال الضرورة كان ذلك ندبًا ، وسيأتي شيء من هذا.
المعنى في كتاب الأطعمة - إن شاء الله - .
(١) البقرة : ٨٥ ..
- ٢١٠ -

وأما قوله: (( وعودوا المريض)) . فهو محمول على الحض والندب
إلى التواخي والتآلف ، ويحتمل أن يكون من فرض الكفاية كسائر
الحديث .
قال المهلب : وأما يمينُ علي أن ماعنده إلا كتاب الله أو فهمًا يعطيه الله
رجلا ، فهو دليل على صحة قول مالك : إن العلم ليس بكثرة
الرواية، وإنما هو نور وفهم يضعه الله في قلب من يشاء . فمن أنكر
هذا على مالك فلينكره على علي .
وفيه أن كتاب الله أصل العلم ، وأن الفهم إنما هو عنه ، وعن
حديث رسول الله المبين له ، وقوله : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ،
هو من أيمان العرب .
قال أبو عبيد : فلق الحبة : شقها في الأرض حتى نبتت ثم أثمرت
فكان منها حب كثير ، وكل شيء شققته باثنين فقد فلقته ، ومنه قوله:
فالق / الحب والنوى ﴾ (١) والنسمة: كل ذات نفس فهي نسمة، [٢/ق١٧٦-ب]
وسميت نسمة لتنسمها الهواء ، وبرأ الله الخلق برءًا : خلقهم .
*
باب : فداء المشركين
فيه: أنس: (( أن رجالا من الأنصار استأذنوا النبي - عليه السلام -
فقالوا : يا رسول الله ، ائذن لنا فلنترك لابن أختنا العباس فداءه . فقال :
لا تدعون منها درهمًا)). وقال أنس: ((أُتي صلى الله عليه بمال من
البحرين، فجاءه العباس فقال : يا رسول الله ، أعطني ؛ فإني فاديت
نفسي وفاديت عقيلا . قال : خذ. فأعطاه في ثوبه )).
وفيه : جبير بن مطعم - و کان جاء في أساری بدر - قال: (( سمعت
النبي - عليه السلام - يقرأ في المغرب: ﴿والطور﴾ (٢))).
(١) الأنعام : ٩٥ .
(٢) الطور : ١ .
- ٢١١ -

قال المهلب : أُسر العباس يوم بدر ، وكان غنيا فقدى نفسه من
القتل، وفدى عقيلا بمال ، ثم بقي على حاله بمكة إلى زمن خيبر ،
وقيل : إنه أسلم سنة ثمان قبل الفتح ، وإنما سأل الأنصار الذين
أسروا العباس أن يتركوا فداءه بمكان عمومته من النبي - عليه السلام -:
إكرامًا للنبي بذلك ، فأبى عليه السلام من ذلك ، وأراد توهين
المشركين بالغرم ، وأن تضعف قوتهم بأخذ المال منهم .
وقيل : إنه کان یداین في ذلك العباس ، وبقي علیه الدین إلى وقت
إسلامه ، ولذلك قال للنبي : أعطني ؛ فإني فاديت نفسي وفاديت
عقيلا ، فغرم النبي - عليه السلام - ما تحمله العباس من ذلك بعد
إسلامه مما أفاء الله على رسوله ، والترجمة صحيحة في جواز مفاداة
المشركين من أيدي المسلمين ، وأن ذلك مباح بعد الإثخان ، ومفاداة
العباس لنفسه ولعقيل كان قبل الإثخان ، فعاتب الله نبيه على ذلك
فلا تجوز المفاداة إلا بعد الإثخان ، وقلة قوة المشركين على المسلمين ،
أو لوجه من وجوه الصلاح يراه الإمام للمسلمين في ذلك .
وكذلك حديث جبير بن مطعم فيه جواز فداء الأسرى المشركين ؛
لأن جبيرًا جاء في فداء أسارى بني نوفل رهطه ، فأطلقوا له بالفداء ،
وكان ذلك قبل الإثخان أيضًا ، وقد تقدم اختلاف العلماء في فداء
الأسرى أو المن عليهم أو قتلهم في باب ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾(١).
وقال أبو عبد الله بن أبي صفرة : لم يأذن الرسول للأنصار في
أسرى بدر لكفرهم ، وشدة وطأتهم ، ألا ترى أنه عوتب في الفداء
حتى يثخن في الأرض ، فكيف يأذن في ( ... ) (٢) حتى يثخن أدبًا
لهم ، وإن كانت الأنصار قد طابت أنفسها ، وشفع لأهل هوازن
(١) محمد : ٤ .
(٢) كلمة لم أتبين قراءتها في ((الأصل)).
- ٢١٢ -

للرضاع الذي كان له فيهم ، كما مَنَّ على أهل مكة بإسلامهم ،
وتركه مكة بما فيها من جميع الأموال للرحم .
باب : الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان
فيه: سلمة: (( أتى النبي - عليه السلام - عينٌ من المشركين ، وهو في
سفر ، فجلس عند أصحابه يتحدث ، ثم انفتل فقال عليه السلام :
اطلبوه فاقتلوه . فقتلته فَتَفَّلَهُ سلبه » .
قال المهلب : هذا الحديث أصل أن الجاسوس الحربي يقتل ، وعلى
هذا جماعة العلماء ، واختلفوا في الحربي يدخل دار الإسلام بغير
أمان، فقال مالك : هو فيء لجميع المسلمين . وهو قول أبي حنيفة ،
وأبي يوسف ، وقال محمد : هو لمن وجده . وقال الشافعي : هو
فيء إلا أن يسلم قبل أن يظفروا به .
قال المؤلف : وظاهر الحديث يدل أنه لمن وجده ؛ لأن نبي الله إنما
أعطى سلبه لسلمة بن الأكوع وحده ؛ لأنه كان قتله . قال غيره : ومن
قال : إنه فيء فلأنه مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، من باب
الغنائم إلى باب الفيء ، والفيء للإمام أن يصنع فيه ما شاء حيث
شاء، ومن قال : هو / لمن وجده حكم له بحكم الغنائم أنها لمن
أخذها بعد الخمس .
[٢/ق١٧٧ -)]
قال الطحاوي : القياس أن يكون لمن وجده ، وفيه الخمس ؛ لأنه
لم يؤخذ بقوة من المسلمين ، واختلفوا في الحربى يدخل دار الإسلام،
ويقول : جئت مستأمنًا ، فقال مالك : الإمام مخير في ذلك بما يراه
فيه. وهو قول الأوزاعي . وقال أبو حنيفة : هو فيء . وروى ابن
وهب عن مالك في مركب تطرحه الريح إلى ساحل بحر المسلمين ،
- ٢١٣ -

فيقولون : نحن تجار ، أنهم في ولا يخمسون ، واحتج الشافعي
بحديث سلمة بن الأكوع في أن السلب من رأس الغنيمة لا من
الخمس. قال ابن القصار : وسلمة إنما كان مستحقا لكل الغنيمة
لا الخمس منها ؛ لأنه لم يكن من جملة عسكر ، وإنما اتبعه وحده فله
ما أخذ منه غير الخمس ، فترك الرسول له الخمس زيادة على الأربعة
الأخماس التي له ، وهذا يجوز عندنا ، كما لو رأى ( الخط في دار
الخمس) (١) في وقت من الأوقات على الغانمين لفعل؛ لأن الخمس
إليه يصرفه على ما يؤدي إليه اجتهاده ، فلا دليل لهم في الحديث .
باب : يقاتل عن أهل الذمة ولا يسترقون
فيه : عمر قال: ((وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم،
وأن يقاتل من ورائهم ، ولا يكلفوا إلا طاقتهم )) .
لا خلاف بين العلماء في القول بهذا الحديث ؛ لأنهم إنما بذلوا
الجزية على أن يأمنوا في أنفسهم وأموالهم وأهليهم .
باب : جوائز الوفود
---
فيه : ابن عباس أنه قال : يوم الخميس وما يوم الخميس . ثم بكى
فقال: اشتد برسول الله وجعه يوم الخميس ، فقال : ائتوني بكتاب أكتبه
لكم لا تضلون بعده أبدًا فتنازعوا ، ولا ينبغي عند نبي تنازع . فقالوا :
هَجَرَ رسولُ الله . فقال : دعوني ، الذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه .
وأوصى عند موته بثلاثة : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا
(١) هكذا في ((الأصل)) ولم يتبين لي معناها.
- ٢١٤ -

الوفود بنحو ما كنت أجيزهم، ونسيت الثالثة . قال المغيرة بن
عبد الرحمن : جزيرة العرب : مكة والمدينة واليمامة واليمن . قال
يعقوب بن محمد : العَرْج أول تهامة .
قال المهلب : فيه سنة إجازة الوفد ، وهو من باب الاستئلاف .
قال غيره : هذا عام في جميع الوفود الواردين على الخليفة من الروم
كانوا أو من المسلمين ؛ لأنهم وإن كانوا من الروم فإنهم لا يأتون إلا
بأمر فيه منفعة وصلاح للمسلمين ، فلذلك أمر عليه السلام بالوصاة
بإجازتهم . وأيضًا فإنهم ضيف ، وقد قال عليه السلام في الضيف :
جائزته يوم وليلة . ولم يخص فهو عام .
قال المهلب : وأما الثالثة التي نسيها المحدث فهي : إنفاذ جيش
أسامة ، وكان المسلمون اختلفوا في ذلك على أبي بكر ، فأعلمهم أن
النبي - عليه السلام - عهد بذلك عند موته .
وفيه دليل أن الوصية المدعاة لعلي باطل (١) ؛ لأنه لو كان وصيا كما
زعموا لعلم قصة جيش أسامة كما علم ذلك أبو بكر ، وما جهله ،
وقوله : هجر رسول الله ، قال ابن دريد : يقال : هجر الرجل في
المنطق إذا تكلم بما لا معنى له ، وأهجر إذا أفحش .
باب : التجمل للوفود
فيه : ابن عمر: ( وجد عمر حلة إستبرق تباع في السوق ، فقال : يا
رسول الله، ابتع هذه / الحلة فتجمل بها للوفود والعيد. فقال رسول الله: [١٧٧٥/٢ -ب]
(١) هكذا في (( الأصل))، بلفظ التذكير .
- ٢١٥ -

إنما هذه لباس من لا خلاق له فلبث ما شاء الله ، ثم أرسل إليه النبي
بجبة ديباج ، فأقبل بها عمر إلى النبي - عليه السلام - فقال : يا
رسول الله [ قلتَ: ](١) إنما هذه لباس من لا خلاق له، ثم أرسلت إلي
بهذه ! قال: تبيعها أو تصيب بها بعض حاجتك)) .
فيه أن من السنة المعروفة التجمل للوفد والعيد بحسن الثياب ؛ لأن في
ذلك جمالاً للإسلام وأهله ، وإرهابًا على العدو ، وتعظيمًا للمسلمين ..
وقول عمر: ((تجمل بها للوفد)) يدل أن ذلك من عادتهم وفعلهم.
وقال الأبهري : إنما نهى النبي - عليه السلام - عن الحرير والذهب
للرجال ؛ لأنه من زي النساء وفعلهم . وقد نهى عليه السلام أن يتشبه
الرجال بالنساء . وقيل : إنما نهى عن ذلك ؛ لأنه من باب السرف
والخيلاء ، وقد جوز لباسه في الحرب للترهيب على العدو ، وقد
تقدم اختلافهم في ذلك ، وسيأتي ما للعلماء في ذلك في كتاب
اللباس . وفي قول عمر للنبي - عليه السلام -: (( أكسوتنيها يا
رسول الله ، وقد قلتَ في حلة عطارد ما قلت )) أنه ينبغي السؤال عما
يشكل ، وفي حديث النبي أنه كساها له لغير اللباس ، فيه من الفقه
أنه لا بأس بالتجارة والانتفاع بما لا يجوز لبسه .
باب : كيف يعرض الإسلام على الصبي
وذکر حديث ابن عمر (( أن الرسول أقبل في رهط قبل ابن صياد، حتى
وجده يلعب مع الغلمان ... )) وذكر الحديث ، وقد تقدم هذا الباب في
كتاب الجنائز ، فأغنى عن إعادته .
(١) من الصحيح المطبوع، وفي ((الأصل)): بدلا منها ((ثم)) كذا.
- ٢١٦ -

باب : إذا أسلم قوم في دار الحرب ولهم مال
وأرضون فهي لهم
فيه: أسامة: (( قلت : يا رسول الله ، أين تنزل غدًا - في حجته - ؟
فقال : وهل ترك عقيل لنا منزلا ؟ ثم قال : نحن نازلون غدًا بخيّف بني
كنانة المحصب ، حيثُ قاسمتْ قريشٌ على الكفر ، وذلك أن بني كنانة
ـ. ـ
حالفت قريشًا على بني هاشم ألا يبايعوهم، ولا يُؤْوَهم)).
قال الزهري : والخيف : الوادي .
فيه : عمر أنه استعمل مولى يدعى : هنيا على الحمى ، فقال : يا هني،
اضمم جناحك عن المسلمين ، واتق دعوة المظلوم ؛ فإنها مستجابة ،
وأدخل رب الصريمة والغنيمة ، وإياي ونعم ابن عوف، ونعم ابن عفان ؛
فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع . وإن رب الصريمة
والغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتني بينيه : يا أمير المؤمنين ، يا أمير
المؤمنين ، أفأتركهم أنا ، لا أبَ لك ؟ فالماء والكلأ أيسر عليّ من الذهب
والورق ، وايْم الله : إنهم ليرون أني قد ظلمتهم ، إنها لبلادهم ، قاتلوا
عليها في الجاهلية ، وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا
المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبراً)).
قال أبو عبد الله بن أبي صفرة : لما أسلم أهل مكة عام الفتح مَنَّ
عليهم النبي - عليه السلام - وترك لهم أموالهم ودماءهم ، ولم ينزل
في شيء منها لمنه عليهم بها ، ونزل في الوادي ، وكذلك كان يفعل
بهوازن لو بدرت بإسلامها ، فلما استأنت قسم النبي - عليه السلام -
الغنيمة بين أصحابه ، فلما جاءوا بعد القسمة خيرهم في إحدى
الطائفتين : المال أو السبي ، فاختاروا السبي ، فقضى به رسول الله
- ٢١٧ -

لهم، واستطاب أنفس أصحابه ، وقال : من لم تطب نفسه فليبق إلى
أول مغنم يفيئه الله علينا ، وقضى لأهل مكة بأموالهم ، ولم يستطب
نفوس أصحابه ؛ لأنه مال الله على اجتهاده ، لا شيء للغانمين فيه إلا
(١٧٨٥/٢-) أن يقسمه لهم / لقوله: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه
فانتهوا ﴾ (١) فآتاهم الرسول بهذه الآية أرض خيبر فقسمها بينهم ،
ونهاهم في مكة فانتهوا ، ونهاهم عمر عن الأرض المغنومة بالشام
والعراق بهذه الآية فلم يقسمها لهم .
قال المهلب : وإنما أدخل هُني تحت هذه الترجمة ؛ لأن أهل المدينة
أسلموا عفوًا فكانت لهم أموالهم ؛ ألا ترى أنه ساوم بمكان المسجد
بني النجار وقال: ((ثامنوني بحائطكم)) فأوجبه لهم . وكذلك قال
عمر : إنها لأرضهم قاتلوا عليها في الجاهلية ، وأسلموا عليها في
الإسلام . فأوجبها لهم ، وهذا كله يشهد لهذه الترجمة أن من أسلم
في أرض الحرب فأرضه له ما لم يغلب عليها .
وسئل مالك عن إمام قَبِلَ الجزية من قوم فأسلم منهم أحد ، أتكون
أرضه له وماله ؟ فقال مالك : ذلك يختلف ، أما الصلح فمن أسلم
منهم فهو أحق بأرضه وماله ، وأما أهل العنوة فمن أسلم منهم فماله
وأرضه في للمسلمين ؛ لأن أهل العنوة قد غلبوا على بلادهم فهي
فيء لمن منّ عليهم ، وأما أهل الصلح فإنهم قوم منعوا أنفسهم
وأموالهم حتى صالحوا عليها فليس عليهم إلا ما صولحوا عليه . وقول
مالك في هذا إجماع من العلماء .
واختلفوا إذا أسلم في دار الحرب ، وبقي فيها ماله وولده ، ثم
خرج إلينا مسلمًا ، وغزا مع المسلمين بلده .
(١) الحشر : ٧ .
- ٢١٨ -

فقال الشافعي وأشهب وسحنون أنه قد أحرز ماله وعقاره حیث کان
وولده الصغار ؛ لأنهم تبع لأبيهم في الإسلام ، وحجتهم أنه إذا
أسلم كان ماله حيث كان من دار الحرب أو غيرها على ملكه ، فإذا
غنمت دار الحرب كان حكم ماله كحكم مال المسلمين ولم تزل الغنيمة
ملكه عنه .
وقال مالك والليث : أهله وماله وولده فيء على حكم البلد كما
كانت دار النبي - عليه السلام - على حكم البلد وملكهم ولم ير
نفسه عليه السلام أحق بها .
وفرق أبو حنيفة بين حكمها إذا أسلم في بلده ، ثم خرج إلينا ؛
فأولاده الصغار أحرار [مسلمون ] (١) وما أودعه مسلمًا أو ذميا فهو
له، وما أودعه حربيا فهو وسائر عقاره هنالك فيء . وإذا أسلم في بلد
الإسلام ثم ظهر المسلمون على بلده فكل ماله فيه فيء لاختلاف حكم
الدارين عندهم .
ولم يفرق مالك ولا الشافعي بين إسلامه في داره أو في دار الإسلام.
قال المهلب : وفيه أن للإمام أن يحمي أراضي الناس المبورة لغنم
الصدقة ومنفعة تشمل المسلمين ، كما حمى عمر هذا الحمى لإبل
الصدقة وغنمها ، وهو الحمى الذي زاد فيه عثمان فأنكر عليه ، وليس
لأحد أن ينكر هذا على عثمان ؛ لأنه لما رأى عمر فعل ذلك جاز
لعثمان أن يحمي أكثر إذا احتاج إليه لكثرة الصدقة في أيامه .
وقوله: ((اضمم جناحك عن الناس)) أي: لا تشد على كل الناس
في الحمى ؛ فإن ضعفاء الناس القليلي الغنم والإبل الذي لا تنتهك
(١) في (( الأصل)) : مسلمين .
- ٢١٩ -

ماشيتُه الحمَى إن حميته عنه كان ظلمًا ، فاتق دعوته ؛ فإنها لا تحجب
من الله .
وقوله : (( وإياي ونَعَم ابن عوف وابن عفان )» حذره أن يدخل
الحمى ؛ فإنها كثيرة ، فإن دخلته أنهكته ، فإن منعت الدخول وهلكت
كان لأربابها عوض من أموالهم يعيشون فيه ، ومن ليس له غير
الصريمة القليلة إن هلكت أتى يستغيث أمير المؤمنين في الإنفاق عليه.
وعلى بنيه من بيت المال .
وفيه : جواز الحمل على من له مال ببعض المضرة الداخلة عليه في
ماله إذا كان في ذلك نظر لغيره من الضعفاء .
وقوله: ((لولا المال)) يريد الإبل التي يحمل عليها المجاهدون في
سبيل الله من نعم الصدقة التي حمى لها الحمى لتزعى فيه مدة أيام
النظر في الحمل عليها .
وفيه : دليل على أن مسارح القرى وعوامرها التى ترعى فيها مواشي
[١٧٨٥/٢ -ب) أهلها من حقوق أهل القرية وأموالهم ، وليس / للسلطان [ مَنْعُه ] (١)
إلا أن تفضل منه فضلة . .
ومعنى قوله عليه السلام: ((لا حمى إلا لله ولرسوله)) معناه :
لا حمى لأحد يخص به نفسه ، وإنما هو الله ورسوله ، أو لمن ورث
ذلك عنه عليه السلام من ( ... ) (٢) الشامل للمسلمين وما يحتاجون
إلى حمايته .
(١) كان في ((الأصل): بيعه، وكتب في الهامش : منعه، بخط مغاير لخط
الأصل، وليس عليه ((صح))، ولكن هو الصواب المناسب للمعنى فأثبته.
(٢) كلمة لم أتبين قراءتها في (( الأصل)).
- ٢٢٠ -