Indexed OCR Text

Pages 61-80

خلقه إلى الاستنان به والتأسي فيما لم ينههم عنه ، فالصواب لكل من
أنعم الله عليه وخَوَّله رقيقًا أو حيوانًا من البهائم والطير أو غير ذلك أن
يسميه باسم كما فعل النبي - عليه السلام . وعُلم بذلك أن المرتدين
لما ادعوا أنساب الخيل لم يتعدوا في ذلك إذ كان لها من الأسماء مثل
ما لبني آدم ، يميزوا بها بين أعيانها وأشخاصها ، إذ الأسماء إنما هي
أمارات وعلامات .
*
باب : ما يذكر من شؤم الفرس
فيه: ابن عمر: قال عليه السلام: (( إنما الشؤم في ثلاثة : في الفرس
والمرأة والدار )) .
وفيه: سهل قال الرسول: ((إن كان في شيء ففي المرأة والفرس
والمسكن )).
قال المهلب: قوله: ((إنما الشؤم في ثلاث)) فحقيق في ظاهر
اللفظ حين لم يستطع أن ينسخ التطير من نفوس الناس ، فأعلمهم أن
الذي يُعذبون به من الطيرة لمن التزمها إنما هو في ثلاثة أشياء وهي
الملازمة لهم ، مثل دار المنشأ والمسكن ، والزوجة التي هي ملازمة في
حال العيش اليسير ، والفرس الذي به عيشه وجهاده وتقلبه ، فحكم
عليه السلام بترك هذه الثلاثة الأشياء لمن ألزم التطير حين قال في الدار
التي سكنت ، والمال وافر ، والعدد كثير ؛ اتركوها ذميمة خشية ألا
يطول تعذب النفوس بما يكره من هذه الثلاثة ويتطير به ، وأما غيرها
من الأشياء التي إنما هي خاطرة وطارئة ، وإنما تحزن بها النفوس ساعة
أو أقل مثل الطائر المكروه الاسم عند العرب بمن يرحل منهم ، فإنما
يعرض له ذلك في حين / مروره به ، فقد أمر عليه السلام في مثل (٥/٢ ١٤٥-ب]
هذا وشبهه - لا يضر من عرض له - بأمر في المرأة والفرس والدار
- ٦١ -

خلاف ذلك ؛ لطول التعذب بها . وقد قال عليه السلام: ((ثلاثة
لا يسلم منهن أحد : الطيرة والظن والحسد ؛ فإذا تطيرت فلا ترجع ،
وإذا حسدت فلا تبغ ، وإذا ظننت فلا تحقق )) .
وحكى بعض المعتزلة أن أحاديث الشؤم يعارضها قوله عليه السلام:
((لا عدوى ولا طيرة)). وسأذكر ما فَسّر به العلماء ذلك ونفي التعارض
عنها في كتاب الطب عند قوله: (( لا عدوى ولا طيرة)) إن شاء الله .
باب : الخيل لثلاثة وقوله: ﴿والخيل والبغال والحمير
لتركبوها وزينة ﴾ (١)
فيه: أبو هريرة: قال عليه السلام: (( الخيل لثلاثة : لرجل أجر ،
ولرجل ستر، وعلى رجل وزر ، فأما الذي هي له أجر فرجل ربطها في
سبيل الله فأطال لها في مرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ذلك من
المرج أو الروضة كانت له حسنات ، ولو أنها قطعت طيَلَهَا ذلك واستنَّت
شرفًا أو شرفین کانت آثارها وأروائها حسنات له ، ولو أنها مرت بنهر
فشربت منه فلم يرد أن يسقيها کان ذلك حسنات له ، ورجل ربطها.
فخراً وریاءً ونواءً لأهل الإسلام فھي وزر علی ذلك ، وسئل رسول الله
عن الحُمر ، فقال : ما أنزل فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة : ﴿ فمن
يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾ (٢) ... )) الحديث.
إن المرء لا يؤجر في اكتسابها لأعيانها ، وإنما يؤجر بالنية الخالصة
في استعمال ما ورد الشرع بالفضل في عمله ؛ لأنها خيل كلها ، وقد
اختلف أحوال مكتسبيها لاختلاف النيات فيها .
(١) النحل : ٨.
(٢) الزلزلة : ٧ .
- ٦٢ -

وفيه : أن الحسنات تكتب للمرء إذا كان له فيها سبب وأصل ،
تفضلا من الله على عباده المؤمنين ؛ لأنه ذكر حركات الخيل وتقلبها
ورعيها وروثها وأن ذلك حسنات للمجاهد ، والطيّل : الحبل الذي
تربط به الدابة ، ويقال له : طوَل أيضًا .
قال طرفة :
لكالطول المرخى وثنياه باليد
لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى
ومعنى الكلام : أن فرس المجاهد ليمضي على وجهه في الحبل
الذي أطيل له فيكتب له بذلك حسنات .
وقوله : ((استنت شرفًا أو شرفين)) والاستنان أن تأخذ في سنن
على وجه واحد ماضيًا وهو يفتعل من السّنَن وهو القصد ، ويقال :
فلان يستنّ الريح إذا كان على جهتها وممرها ، وأهل الحجاز يقولون :
اسننها . ويقال في مثل : ( استنت الفصال حتى القرعى ) يضرب مثلا
للرجل الضعيف ، يرى الأقوياء يفعلون شيئًا فيفعل مثله . والشرف :
ما ارتفع من الأرض .
وقوله : تغنيًا يعني : استغناء ، يقال منه : تغنيت تغنيًا ، وتغانيت
تغانيًا ، واستغنيت استغناء .
وقوله: ((نواء)) هو مصدر ناوأت العدو مناوأة ونواء وهي :
المساواة . قال أهل اللغة : أصله من ناء إليك ونؤت إليه ، أي :
نهض إليك ونهضت إليه وفي كتاب [ العين ] : (١) ناوأت الرجل :
ناهضته بالعداوة ، والنواء : العداوة ، والفاذة هي : المتعددة ، ويقال:
فاذة وفذة، وفاذ وفذّ ومن قوله عليه السلام: (( صلاة الجماعة تفضل
صلاة الفذ)) ومعنى ذلك أنها متعددة في عموم الخير والشر لا آية أعم منها.
(١) مكانه بياض بالأصل، وقد نقله الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٧٦/٦) عن
الخليل بهذا اللفظ ، والمصنف يكثر من النقل عنه ، فاستظهرت أن يكون الصواب ما
أثبت .
- ٦٣ -

قال المؤلف: وقوله عليه السلام: ((لم ينزل عليّ في الحُمُر إلا
هذه الآية : ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ (١) فهذا تعليم منه عليه
السلام لأمته الاستنباط والقياس ، وكيف تُفهم معاني التنزيل ؛ لأنه
شبه عليه السلام ما لم يذكر الله في كتابه وهي الحمر بما ذكره من عمل
مثقال ذرة من خير [ إذ ] (٢) كان معناهما واحدًا، وهذا نفس القياس
الذي ينكره من لا تحصيل له ولا فهم عنده ؛ لأن قوله تعالى : ﴿فمن
يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ (١) يدخل فيه مع الحمر جميع أفعال البر
[٢/ ١٤٦-١] دقيقها وجليلها، ألا ترى إلى فهم عائشة / وغيرها من الصحابة هذا المعنى
من هذه الآية حتى تصدقوا بحبة عنب وقالوا: كم فيها من مثاقيل الذر.
باب : من ضرب دابة غيره في الغزو
وفيه : جابر: (( سافرت مع الرسول في غزوة - أو عُمرة - فلما أقفلنا
قال الرسول : من أحب أن يتعجل إلى أهله فليتعجل . فأقبلنا وأنا على
جمل لي أَرْمَك، ليس فيه شيّة ، والناس خلفي، فبينا أنا كذلك، إِذْ قام
عليّ فقال لي الرسول : يا جابر ، استمسك . فضربه بسوطه ضربة ؛
فوثب البعير مكانه فقال لي : أتبيع الجمل ؟ قلت : نعم ... )) الحديث .
قال المهلب : فيه المعونة في الجهاد بسوق الدابة وقودها ، وقد رأى
الرسول رجلا يحط رَحْلَ رجل ضعيف ، فقال : ذهب هذا بالأجر -
يعني : الْمُعين - فكذلك المعين في سَوْقِ الدابة يؤجر على ذلك .
وفيه دليل على جواز إيلام الحيوان، والحمل عليها بعض ما يشق بها؛
لأنه جاء في بعض الحديث أنه كان أَعْيَا ، فإذا ضرب المعين فقد كلف
(١) الزلزلة : ٧ .
(٢) فى ((الأصل)): إذا، والمثبت أنسب للسياق.
- ٦٤ -

ما يشق عليه ، وإذا صح هذا فكذلك يجوز أن يكلف العبد والأمة
بعض ما يشق عليهما إذا كان في طاقتهما ووسعهما ، ويؤدبا على
تقصيرهما فيما يلزمهما من الخدمة .
وفيه أن السلطان قد يتناول الضرب بيده ؛ لأنه إذا ضرب الدابة
فأحرى أن يضرب الإنسان الذي يَعْقِلُ ؛ تأديبًا له .
وفيه : بركة الرسول ؛ لأنه ضربه ، فأحدث الله له بضربه قوة
وأذهب عنه الإعياء .
وقوله: ((أَرْمَك)) قال أبو عبيد عن الأصمعي: إذا خالطت
حمرته سواد فتلك الرمكة ، وبَعير أرمك . وقال صاحب العين :
الرمكة لون في وُرْقة وسواد ، والوُرْقة شبه بالغرة .
وقوله: (( ليس فيه شِيَة)) أي : ليس لمعة من غير لونه ، قال
صاحب العين : الشية : لمعة من سواد أو بياض .
وقوله: ((إذ قام عليَّ الجمل)) معناه: وقف من الإعياء والكلال ،
قال تعالى : ﴿ كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ﴾ (١)
قال أهل التفسير : معناه : وقفوا . وفيه تفسير آخر ، قال أبو زيد :
يقال : قام بي ظهري أي : أوجعني ، وكل ما أوجعك من جسدك فقد
قام بك ، والمعنى متقارب .
قال ابن المنذر : اختلفوا في المكتري يضرب الدابة فتموت . فقال
مالك : إذا ضربها ضربًا لا يضرب مثله أَوْ حَيْثُ لا يُضرب ضَمِنَ ،
وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور قالوا : إذا ضربها ضربًا يَضرب
صاحبُها مثله ولم يتعد فليس عليه شيء . واستحسن هذا القول أبو
(١) البقرة : ٢٠ .
- ٦٥ -

يوسف ومحمد . وقال الثوري وأبو حنيفة : هو ضامن إلا أن يكون
أَمَرَهُ أن يضرب . والقول الأول أولى . وعليه يدل الحديث ؛ لأن
النبي لم يضرب الجمل إلا بما يشبه أن يكون أدبًا ، له مثله ، ولم يتعد
عليه فكان ذلك مباحًا ، فلو مات الجمل من ذلك لم يضمنه عليه
السلام؛ لأنه لم يكن متعديًا، و[الضمان ] (١) في الشريعة إنما يلزم المتعدي.
باب : الفحولة من الخيل (٢)
وقال راشد بن سعد: كان السلف يستحبون الفحولة؛ لأنها أجرأ وأجسر.
فيه : أنس: (( كان بالمدينة فزع فاستعار الرسول فرسًا لأبي طلحة يقال
له: مندوب، فركبه وقال: ما رأينا من فزع، وإن وجدناه لبحرًا )).
لا فقه في هذا الباب ، وإنما فيه أن فحول الخيل أفضل للركوب من
الإناث لشدتها وجرأتها ، ومعلوم أن المدينة لم تخل من إناث الخيل ،
ولم ينقل أن النبي - عليه السلام - ولا جملة أصحابه ركبوا غير
الفحول ، ولم يكن ذلك إلا لفضلها على الإناث ، إلا ما ذكر عن
سعد ابن أبي وقاص أنه كان له فرس أنثى بَلْقَاء .
باب : سهام الفرس.
[٢/ فى ١٤٦ - ب] / وقال مالك: يسهم للخيل والبراذين منها ؛ لقوله تعالى: ﴿والخيل
والبغال والحمير لتر کبوها ﴾ (٣) ولا یُسھم لأکثر من فرس .
(١) في ((الأصل)): الضمين. ولا وجه لها هنا؛ لأنه بمعنى الضامن، وإنما المراد.
هنا ما أثبت .
(٢) في الصحيح المطبوع: (( باب الركوب على الدابة الصعبة والفحولة من الخيل)).
(٣) النحل : ٨ .
- ٦٦ -

وفيه : ابن عمر (( أن الرسول جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا)) .
قال الله - تعالى - : ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ (١) فقسم
رسول الله للفارس ثلاثة أسهم : سهمًا له ، وسهمين لفرسه ،
وفرض [علينا ] (٢) اتباعه وطاعته .
وجاء عن عمر بن الخطاب (( أنه فرض للفرس سهمين ولصاحبه
سهمًا )) وعن علي بن أبي طالب مثله ، ولا مخالف لهما في
الصحابة، وهو قول عامة العلماء في القديم والحديث غير أبي حنيفة ؛
فإنه خالف السنة وجماعة الناس فقال : لا يسهم للفرس إلا سهم
واحد . وقال : أكره أن أفضل البهيمة على مسلم . وخالفه أصحابه ،
فبقي منفردًا شاذا.
واختلفوا في الإسهام للبراذين والهجن فقال مالك : إنها من الخيل
يسهم لها . وبه قال أبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور .
وقال الليث : للهجين والبرذون سهم دون سهم الفرس، ولا يلحقان
بالعراب .
وروي عن مكحول أنه قال : أول من أسهم للبراذين خالد بن
الوليد قسم لها نصف سُهمان الخيل . وبه قال أحمد بن حنبل . وقال
مكحول : لا شيء للبراذين . وبه قال الأوزاعي ، واحتج مالك في
الموطأ بقوله تعالى : ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها﴾ (٣) واسم
الخيل يقع على الهجن والبراذين وهي تغني غناءها في كثير من
المواضع ، فمن زعم أن بينهما فرقًا فعليه الدليل .
(١) الحشر : ٧ .
(٢) في (( الأصل)): على. والمثبت أنسب هنا، وقد يكون الصواب : فرض على
أتباعه طاعته . فتحذف الواو والله أعلم .
(٣) النحل : ٨ .
- ٦٧ -

واحتج مالك أيضًا بقول سعيد بن المسيب أنه سئل : هل في البراذين
صدقة ؟ قال : وهل في الخيل صدقة ؟
واختلفوا فيمن له أفراس كثيرة ، فقال مالك : لا يسهم إلا الفرس
واحد وهو الذي يقاتِلُ عليه . وهو قول أبي حنيفة ومحمد والشافعي.
وقال الثوري والأوزاعي وأبو يوسف والليث وأحمد وإسحاق :
يسهم لفرسين . وحجة القول أنهم أجمعوا على أن سهم فرسٍ واحد
يجب مع ثبوت الخبر بذلك عن النبي - عليه السلام - فثبت القول به
إذ هو سنة وإجماع ، ووجب التوقيف عن القول بأكثر من ذلك إذ
لا حجة مع القائلين به .
قال المهلب : وفي قسمته عليه السلام للفرس سهمين حض على
اكتساب الخيل واتخاذها؛ لما جعل الله فيها من البركة في اعتلاء كلمته
وإعزاز حزبه ولتعظم شوكة المسلمين بالخيل الكثيرة ، والله أعلم .
باب : من قاد دابة غيره في الحرب
فيه: البراء: (( قيل له : أفررتم عن النبي - عليه السلام - يوم حثين ؟
قال : لكن رسول الله لم يفرّ ، إن هوازن كانوا قوماً رماة ، وإنا لما لقيناهم
حملنا عليهم فانهزموا فأقبل [ المسلمون ] (١) على الغنائم واستقبلونا
بالسهام ، فأما رسول الله فلم يفرّ ، فلقد رأيته وإنه لعلى بغلته البيضاء
وإن أبا سفيان آخذ بلجامها والنبي يقول : أنا النبي لا كذب ، أنا ابن
عبد المطلب)) .
(١) في ((الأصل)): المسلمين. كذا.
- ٦٨ -

قال المهلب : فيه خدمة السلطان في الحرب وسياسة دابته الأشراف
الناس من قرابته وغيرهم .
وفيه جواز الأخذ بالشدة والتعرض إلى الهلكة في سبيل الله ؛ لأن
الناس فروا عن رسول الله ولم يبق إلا مع اثني عشر رجلا ،
والمشركون في أضعافهم عددًا مرارًا كثيرة ، فلزموا مكانهم ومصافهم ،
ولم يأخذوا بالرخصة من الفرار .
وفيه ركوب البغال في الحرب للإمام ليكون أثبت له ولئلا يُظن به
الاستعداد للفرار والتولية ، ومن باب السياسة لنفوس الأتباع ؛ لأنه إذا
ثبتَ ثبتَ أتباعهُ ، وإذا رُتي منه العزم على الثبات عُزم معه عليه .
وفيه جواز الفخر والندابة عند القتال .
وفيه إثبات النبوة ؛ لأنه قال : أنا النبي لا كذب . أي : ليس أنا
بكاذب فيما أقول ؛ فيجوز عليّ الانهزام ، وإنما ينهزم من ليس على
يقين من النصرة وهو على خوف من الموت ، والنبي - عليه السلام -
على يقين / من النصر بما أوحى الله إليه في كتابه وأعلمه أنه لا بد له [٢/ ١٤٧٥ -١]
من كمال هذا الأمر ، فمن زعم بعد هذا أن الرسول ينهزم فقد رماه
بأنه كذَّبَ وحْيَ الله أن الله يعصمه من الناس فارتاب وإلا قُتْل ؛ لأنه
كافر إن لم يتأول ويعذر بتأويله ، وسأشبع القول في معنى هذا الحديث
في باب من صف أصحابه عند الهزيمة ونزل عن دابته واستنصر بعد هذا
إن شاء الله .
#
- ٦٩ -

باب : الركاب والغرز للدابة
فيه : ابن عمر: (( أن النبي - عليه السلام - كان إذا أدخل رجله في
الغرز واستوت به ناقته أهلّ من عند مسجد ذي الحليفة )) .
الغرز للرحْل مثل ركاب سرج الدابة يستعين به الراكب عند ركوبه
ويعتمد عليه ، وهو شيء قديم معروف عندهم ، وهذا تفسير ما جاء
عن عمر بن الخطاب أنه قال: ((اقطعوا الركب وثبوا على الخيل وثبًا)»
أنه لم يرد بذلك منع اتخاذ الركب أصلا ، وإنما أراد بذلك تمرينهم
وتدريبهم على ركوب الخيل حتى يسهل عليهم ذلك من غير استعانة
بالركب البتة ؛ لأن الرسول اتخذها واستعان بها في ركوبه .
باب : ركوب الفرس العري
فيه : أنس : ( استقبلهم النبي - عليه السلام - على فرس عري ما
علیه سرج، وفي عنقه سيف )) .
ركوب الفرس العري من باب التواضع ، وفيه رياضة وتدرب .
للفروسية ، ولا يفعله إلا من أحكم الركوب ، فقه ذلك أنه يجب على:
الفارس أن يتعاهد صنعته ويروض طباعه عليها لئلا يثقل إذا احتاج إلى
نفسه عند الشدائد ، وفيه تعليق السيف في العنق .
باب : الفرس القَطُوف
فيه : أنس: (( أن النبي - عليه السلام - ركب فرسًا لأبي طلحة كان
يَقْطِفُ ؛ فلما رجع قال : وجدناه بحرًا. فكان بعد ذلك لا يُجَارَى )).
- ٧٠ -

يقال : قطفت الدابة : أبطأت السير مع تقارب الخطو فهي قطوف.
وفيه أن الإمام لا بأس أن يركب دون الدواب ليروضها ويؤدبها حتى
تمرن على دابته ، وذلك من التواضع .
وفيه بركة النبي ؛ لأن ركوبه الفرس أزال عنه اسم البطء والقطاف،
وصار لا يجارى بعد ذلك لشدة سرعته ، فهذه من علامات النبوة .
باب : السبق بين الخيل
فيه : ابن عمر : (( أجرى النبي - عليه السلام - ما ضُمِّر من الخيل من
الحفياء إلى ثنية الوداع ، وأجرى ما لم يُضَمّر من الثنية إلى مسجد بني
زُریق ، و کنت فیمن أجری )) .
قال سفيان : بين الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة ، وبين
الثنية إلى مسجد بني زريق ميل .
وترجم له باب (( غاية السبق للخيل المضمرة)) .
وقال ابن عقبة : ستة أميال أو سبعة .
قال المؤلف : جعل بعضُ الناس المسابقة بين الخيل سُنَّة ، وجعلها
بعضهم إباحة ، والإضمار للخيل أن يدخل الفرس في البيت يجلل
عليه بجل ليكثر عرقه وينتقص من علفه لينقص لحمه فيكون أقوى على الجري.
وفيه جواز المسابقة بين الخيل وذلك ( ممن ) (١) خُصَّ وخرج من
باب القمار بالسّنّة ، وكذلك هو خارج من تعذيب البهائم ؛ لأن
الحاجة إليها تدعو إلى تأديبها وتدريبها .
(١) كذا في ((الأصل))، ولعل الصواب: مِمَّاً.
- ٧١ -

[٢/ ١٤٧ -ب) وفيه تجويع البهائم على وجه الصلاح عند / الحاجة إلى ذلك .
وفيه أن المسابقة بين الخيل يجب أن يكون أمرها معلومًا ، وأن تكون
الخيل متساوية الأحوال أو متقاربة ، وألا يسابق المضمر مع غير
المضمر، وهذا إجماع من العلماء ؛ لأن صبر الفرس المضمر المجوع في
الجري أكثر من صبر المعلوف فلذلك جعلت غاية المضمرة ستة أميال أو
سبعة ، وجعلت غاية المعلوفة ميلا واحدًا .
واختلف العلماء في صفة المسابقة ، فقال سعيد بن المسيب : ليس
برهان بأس إذا أدخل فيها محلل لا يأمنان أن تسبق ؛ فإن سبق أخذ
السبق وإن سبق لم يكن عليه شيء . وبهذا قال الزهري والأوزاعي
والشافعي وأحمد وإسحاق قالوا : إذا دخل فرس بين فرسين وقد أمن
أن يسبق فهو قمار لا يجوز .
وقال مالك : ليس عليه العمل . وفسر العلماء قول سعيد أن معنى
دخول المحلل بينهم للخروج عن معنى القمار المحرم فيجعل عنده كل
واحد من المتراهنين سيفًا، فمن سبق منهما أخذ السيفين جميعًا ،
وكذلك إن سبق المحلل أخذهما وإن سبق لم يؤخذ منه شيء ، ولا
يقول مالك بالسبق ، فالمحلل إنما يجوز عنده أن يجعل الرجل سيفه
ولا يرجع إليه بكل حال كسبق الإمام ، فمن سبق كان له وإن أجرى
جاعل السبق معهم فسبق هو كان ( للمصلى ) (١) وهو الذي يليه إن
كانت خيلا كثيرة ، وإن كانا فرسين فسبق جاعل السبق فهو طعمة لمن
حضر ، وإن سبق الآخر أخذه ، وهو قول ربيعة وابن القاسم .
وروى ابن وهب عن مالك أنه أجاز أن يشترط واضع السبق إن سبق
أخذ السبق ، وإن سبق هذا أخذ سبقه ، وبه أخذ أصبغ وابن وهب .
(١) كذا في (( الأصل)).
- ٧٢ -

قال ابن المواز : وكراهة مالك المحلل إنما هو على قوله : إنه يجب
إخراج السبق بكل حال ، وهو قول ابن المسيب وابن شهاب .
وقال أبو حنيفة والثوري والشافعي : الأسباق على ملك أربابها وهم
فيها على شروطهم ، ولا يجوز أن يملك السبق إلا بالشرط المشروط
فيه وإن لم يكن ذلك انصرف السبق إلى من جعله .
وقال محمد بن الحسن وأصحابه : إذا جعل السبق واحد فقال : إن
تسبقني فلك كذا ، ولم يقل : إن سبقتك فعليك كذا ، فلا بأس به ،
ويكره أن يقول : إن سبقتك فعليك كذا ، وإن سبقتني فعلي كذا ، هذا
لا خير فيه . وإن قال رجل غيرهما : أيكما سبق فله كذا . فلا بأس
به ، وإن كان بينهما محلل إن سُبق لم يغرم ، وإن سبق أخذ فلا بأس
به، وذلك إذا كان يسبق ويسبق . قالوا : وما عدا هذه الأشياء فهو
قمار .
باب : إضمار الخيل للسبق
فيه : ابن عمر (( أن الرسول سابق بين الخيل التي لم تضمر وكان أمدها
من الثنية إلى مسجد بني زريق وأن عبد الله بن عمر كان سابق بها)) .
إن قال قائل : كيف ترجم البخاري باب (( إضمار الخيل للسبق ))
وذكر أن الرسول سابق بين الخيل التي لم تضمر ؟
فالجواب : أنه إنما أشار بطرف من الحديث إلى بقيته وأحال على
سائره ؛ لأن تمام الحديث (( أن الرسول سابق بين الخيل التي ضمرت
وبين الخيل التي لم تضمر )) وذلك موجود في حديث واحد، فلا حرج
عليه في ثبوته .
- ٧٣ -

باب : ناقة النبي - عليه السلام -
[ القصواء] (١) والعضباء . قال ابن عمر: أردف النبي أسامة على
القصواء ، وقال المسور : قال الرسول : ما خلأت القصواء .
فيه : البراء (( كان للنبي - عليه السلام - ناقة يقال لها : العضباء
لا تُسبق - أو لا تكاد تُسبق - فجاء أعرابي على قَعُود فسبقها ، فشق
ذلك على المسلمين حتى عَرَفَهُ ، فقال : حق على الله ألا يرفع شيئًا من
الدنیا إلا وضعه » .
[٢/ق١٤٨-١]
فيه اتخاذ الأمراء والأئمة الإبل للركوب ، وفيه جواز / الارتداف
للعلماء والصالحين ، وفيه التزهيد في الدنيا والتقليل ( ... ) (٢)
لإخباره أن كل شيء يرتفع من الدنيا يحق على الله أن يضعه وبهذا
نطق القرآن ، قال تعالى: ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ (٣) وما وصفه أنه
قليل فقد وضعه وصَغَّره ، وقال تعالى تسلية عن متاع الدنيا :
﴿والآخرة خير لمن اتقى﴾ (٣) وقال: ﴿ وللآخرة أکبر درجات وأكبر
تفضيلا﴾ (٤) إرشادًا لعباده وتنبيهًا لهم على طلب الأفضل .
والقصواء من النوق التي في أذنها حذف ، يقال منه : ناقة قصواء
وبعير [ مقصو ] (٥) ولا يقال : بعير أقصى . وذكر الأصمعي في الناقة
أنه يقال منها : قصوة . وقال صاحب العين : ناقة عضباء مشقوقة
الأذن ، وشاة عضباء مكسورة القرن ، وقد عضبت عضبًا ، والعضب:
القطع ، ومنه قيل للسيف القاطع : عضب ، وقد عضب يعضب إذا
قطع. والقَعُود : الجمل المُسِنّ .
.(١) في ((الأصل)) : القصوى.
(٣) النساء : ٧٧ .
(٢) كلمة غير واضحة في ((الأصل)).
(٤) الإسراء : ٢١ .
:
(٥) من لسان العرب وغيره، وفي ((الأصل)): مقص . كذا .
- ٧٤ -

باب : بغلة النبي - عليه السلام - البيضاء
وقال أبو حميد : أهدى ملك أيلة إلى النبي بغلة بيضاء .
فيه : عمرو بن الحارث : « ما ترك النبي إلا بغلته البيضاء وسلاحه ،
وأرضا تركها صدقة )) .
وفيه : البراء: (( ما ولَّى النبي - عليه السلام - ولكن وَلَّى سُرْعَانُ
الناس والنبي على بغلته البيضاء .... )) الحديث .
وفيه جواز ركوب الأمراء والعلماء البغال والدواب ، وأن ذلك من
المباح وليس من السّرف ؛ لأن الإمام يلزمه التصرف والتعاهد لأمور
رعيته والجهاد بنفسه والنظر في مصالح المسلمين ، وكذلك له أن يتخذ
السلاح وكُلَّ ما به إليه حاجة من الآلات و[ القوت ] (١) لأهله من
الخمس .
#
#
باب : جهاد المرأة
فيه : عائشة: (( استأذنت النبي - عليه السلام - في الجهاد ، فقال :
جهادكن الحج - وقال مرة: نعم الجهاد الحج )) .
هذا الحديث يدل على أن النساء لا جهاد عليهن واجب ، وأنهن
غير داخلات في قوله : ﴿انفروا خفافاً وثقالا﴾ (٢) وهذا إجماع من
العلماء وليس في قوله عليه السلام : (( جهادكن الحج )» دليل أنه ليس
لهن أن يتطوعن بالجهاد وإنما فيه أنه الأفضل لهن ، وإنما كان الحج
أفضل لهن من الجهاد ؛ لأنهن لَسْنَ من أهل القتال للعدو ولا قدرة
لهن عليه ولا قيام به ، وليس للمرأة أفضل من الاستتار وترك المباشرة
(١) في (( الأصل)): الفوت - بالفاء.
(٢) التوبة : ٤١ .
- ٧٥ -

للرجال بغير قتال ، فكيف في حال القتال التي هي أصعب ؟! والحج
مکنهن فيه مجانبة الرجال والاستتار عنهم ؛ فلذلك كان أفضل لهن من
الجهاد ، والله أعلم .
باب : غزو النساء في البحر
فيه : أنس : (( دخل الرسول على ابنة ملحان فاتكأ عندها ، ثم ضحك
فقال : ناس من أمتي عرضوا عليّ يركبون البحر الأخضر . فقالت : ادع
الله أن يجعلني منهم. فركبت ... )) .
فيه جواز جهاد النساء في البحر ، وقد تقدم القول في هذا الحديث
في غير موضع .
باب : حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه
فیه : عائشة: « کان الرسول إذا أراد سفراً أقرع بین نسائه ، فأقرع بيننا
في غزوة غزاها فخرج منها سهمي ؛ فخرجت مع النبي - عليه السلام -
بعدما نزل الحجاب)) .
[١٤٨٥/٢ -ب] هذه الترجمة لا تصح إلا بذكر القرعة فيها ؛ لأن العدل / بين
النساء فريضة ، فلو خرج بواحدة من أزواجه دون قرعة لم يكن ذلك
عدلا بينهن وكان ميلاً ، فكانت القرعة فضْلا في ذلك يُرجع إليه كما
يحكم بالقرعة في كثير مما يشكل أمره من أمور الشريعة .
- ٧٦ -

باب : غزو النساء وقتالهن مع الرجال
فيه: أنس: (( لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي - عليه السلام -
ولقد رأيت عائشة وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خَدَم سوفهما تنقزان-
وقال غيره : تنقلان - القرب على متونهما، ثم تفرغانه في أفواه القوم)) .
قد تقدم أن النساء لا غزو عليهن ، وإنما غزوهن تطوع وفضيلة
وعونهن للغزاة بسقي ، وسقيهن وتشميرهن هو ضرب من القتال ؛
لأن العون على الشيء ضرب منه ، وقد روي عن أم [ سليم ] (١) أنها
كانت تسبق الشجعان في الجهاد ، وثبتت يوم حنين والأقدام قد زلَّت،
والصفوف قد انتقضت والمنايا قد فغرت ، والتفت إليها النبي - عليه
السلام - وفي يدها خنجر فقالت : يا رسول الله ، اقتل هؤلاء الذين
ينهزمون عنك كما تقتل هؤلاء الذين يحاربونك، ( ... ) (٢) بشرٍ منهم))
٠
وروى معمر ، عن الزهري قال : كان النساء يشهدن المشاهد مع
رسول الله ويسقين المقاتلة ويداوين الجراح، ولم أسمع بامرأة قاتلت معه ،
وقد قاتل نساء من قريش يوم اليرموك حتى دهمتهم جموع الروم وخالطوا
عسكر المسلمين فضربت النساء يومئذ بالسيوف، وذلك في خلافة عمر .
واختلفوا في المرأة يُسْهَم لها ، فقال الأوزاعي : يسهم للنساء وقد
أسهم رسول الله بحنين وأخذ المسلمون بذلك . وقال الثوري
والكوفيون والليث والشافعي : لا يسهم للنساء ولكن يُرْضَخُ لهن ،
واحتجوا بكتاب ابن عباس إلى نجدة أن النساء كن يحضرن فيداوين من
المرضى ويُحذين من الغنيمة في الغزو ، قال : ما سمعت ذلك .
وقول مالك أصح ؛ لأن النساء لا جهاد عليهن وإنما يجب السهم
(١) في ((الأصل)): سلمة، وهو سبق قلم، والمثبت هو المعروف، والحديث رواه
مسلم بنحوه من حديث أنس ( ص ١٤٤٢) .
(٢) كلمة لم أتبين معناها ، صورتها : فليبق ، ولم أقف على الحديث بهذا اللفظ
فالله أعلم .
- ٧٧ -

والرضخ لمن كان مقاتلا أورد إليهم، و( ... ) (١) النساء لا [غناء] (٢)
لهن ولا نكاية للعدو فيهن ، فأما إذا قاتلت امرأة وكان لها غناء وعون
فلو أسهم لها لكان صوابا ؛ لأن السهم إنما جعله الله لأهل الجيش
بقتالهم العدو ودفعهم عن المسلمين فمن وجدت هذه الصفة فيه فهو
مستحق للسهم ، سواء كان رجلا أو امرأة ، وإنما خرج جوابا
( ... )(٣) في هذه المسألة على أنه لا سهم للنساء للغالب من حالهن،
فإن من يقاتل فيهن لا يكاد يوجد ، والله أعلم . قال صاحب العين :
الخدم سير كالحلقة يشد في رسغ [ البعير ] (٤) ثم تشتد إليه سرائح
[فعلها ] (٥)، والمخدم : موضع ذلك السير ، والخدمة : الخلخال.
وقال أبو عبيد : الخدام الخلاخيل واحدها : خدمة ، وفي كتاب
العين: النقز والنقزان : الوثبان ، والنواقز : القوائم .
باب : حمل النساء للقرب إلى الناس في الغزو
وفيه : ثعلبة بن أبي مالك: « أن عمر قسم مروطًا بين نساء في المدينة
فبقي مرط جيد ، فقال بعض من عنده : أعطه ابنة النبي التي عندك - یرید
أم كلثوم ابنة علي - فقال عمر: [ أم سليط ] (٦) أحق امرأة من نساء
الأنصار ممن بايع النبي ، فكانت تَزْفِرُ لنا القِرَبَ يوم أحد » .
قال المهلب : فيه دليل / على أن الأَوْلى بالنبي من أَتْباعه أهلُ
[٢ / ق ١٤٩ -١]
(١) كلمة صورتها في ((الأصل)): عله . ولم أتبينها.
(٢) في ((الأصل)): غنى.
(٣) كتب هنا (( للعالم)) ثم ضرب على ((لم)) منها فالله أعلم.
(٤) في (( الأصل)): النعيم. كذا! والمثبت من لسان العرب (١٦٧/١٢).
(٥) من لسان العرب وفي ((الأصل)): نهلها . وهو تحريف .
(٦) من الصحيح المطبوع، وجاء هكذا في موضع من الفتح (٩٣/٦) ولم يذكر
الحافظ ابن حجر غيرها، ووقع في (( الأصل)): أم سليم . وهو تحريف .
- ٧٨ -

السابقة إليه والنصرة له ، لا يستحق أحد ولايته ببنوّة ولا بقرابة إذا لم
يقارنها الإسلام ، ثم إذا قارنها الإسلام تفاضل أهله بالسابقة والنصرة
من المعونة بالمال والنفس ، ألا ترى أن عُمر جعل أم سليط أحق
بالقسمة لها من المروط من حفيدة رسول الله بالبنوّة لتقدم [ أم
سليط](١) بالإسلام والنصرة والتأييد وهو معنى قوله تعالى: ﴿ لا يستوي
منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ﴾ (٢) وكذلك يجب أن لا تستحق
الخلافة بعده ببنوّة ولا بقرابة ، وإنما تستحق بما ذكره الله من السابقة
والإنفاق والمقاتلة .
وفيه الإشارة بالرأي على الإمام ، وإنما ذلك للوزير والكاتب وأهل
الصحبة والبطانة له ، ليس ذلك لغيرهم ، إلا أن يكون من أهل العلم
والبروز في الإمامة فله الإشارة على الإمام وغيره .
وقوله: ((تزفر لنا القرب )) يعني : تحمل ، قال صاحب العين
والأفعال : زفر بالحمل زفرًا : نهض به ، والزفر : القربة ، والزوافر:
الإماء يحملن القرب .
*
باب : مداواة النساء الجرحى في الغزو
فيه : الربيع بنت معوذ: « كنا مع الرسول نسقي ونداوي الجرحى ونرد
القتلى إلى المدينة)) .
وترجم له باب (( رد النساء القتلى)).
قال المهلب : فيه مباشرة المرأة غير ذي محرم منها في المداواة وما
شاكلها من إلطاف المرضى ونقل الموتى .
(١) نفس التعليق السابق .
(٢) الحديد : ١٠ .
- ٧٩ -

فإن قيل : كيف جاز أن يباشر النساء الجرحى و[ هم ] (١) غير ذوي
محارم منهن ؟
فالجواب : أنه يجوز ذلك للمتجالات منهن ؛ لأن موضع الجرح
لا يلتذ بلمسه ، بل تقشعر منه الجلود ، وتهابه النفوس ، ولمسه عذاب
للامس والملموس ، وأما غير المتجالات منهن فيعالجن الجرحى بغير
مباشرة منهن لهم ، بأن يصنعن الدواء ويضعه غيرهن على الجرح ،
ولا يمسسن شيئًا من جسده .
قال غيره : والدليل على صحة هذا التأويل أني لم أجد أحداً من
سلف العلماء يقول في المرأة تموت مع الرجال أو الرجل يموت مع
النساء غير ذوي المحارم لا يحضر ذلك غيرهم أن أحدًا منهما يغسل
صاحبه دون حائل وثوب يستره .
وقال الحسن البصري : يصب عليها من فوق الثياب وهو قول
النخعي وقتادة والزهري وبه قال إسحاق . وقالت طائفة : تُيمم
بالصعيد ، روي ذلك عن سعيد بن المسيب والنخعي أيضًا ، وبه قال
مالك والكوفيون وأحمد ، وقال الأوزاعي : تدفن كما هي ولا تُيمم.
وهذا يدل من قولهم أنه لا يجوز عندهم مباشرة غير ذوي المحارم ؛
لأن حالة الموت أبعد من التسبب إلى دواعي اللذة والذريعة إليها من
حال الحياة ، فلما اتفقوا أنه لا يجوز للأجنبي غسل الأجنبية الميتة
مباشرًا لها دون ثوب يسترها ، دل بأن مباشرة الأحياء الأَحَسّ أَوْلَى
بأن لا يجوز ، والله أعلم .
(١) في ((الأصل)): هن . وما أثبتناه يقتضيه السياق.
- ٨٠ -