Indexed OCR Text

Pages 41-60

قال: ((ضأن)) جبل بأرض دوس وهو بلد أبي هريرة . وقوله :
(تدلى علينا)) يعني : انحدر، ولا يخبر بهذا إلا عمن جاء من موضع
عالٍ، هذا الأشهر عند العرب .
وقوله : (( من قدوم ضأن)) يحتمل أن يكون قدوم جمع قادم ، مثل
راكع وركوع وساجد وسجود ، ذكر ذلك سيبويه فيكون المعنى تدلى
علينا من جملة القوم القادمين ، أقام الصفة مقام الموصوف . وتكون
(من)) في قوله ((من قدوم)) تبيينًا للجنس كقوله: ((لو تدلى علينا
من ساكني ضأن)) ولا تكون (( من)) مرتبطة بالفعل في قوله ، تدليت
من الجبل . لاستحالة تدليه من قوم . ولايقال تدليت من بني فلان ،
ويحتمل أن يكون (( قدوم )) مصدر وصف به الفاعلون ، ويكون في
الكلام حذف ، وتقديره: (( تدلى علينا من ذوي قدوم )» فحذف
الموصوف وأقام المصدر مقامه ، كما قالوا : رجل صوم ورجل فطر
أي : ذو صوم وذو فطر ، و((من)) على هذا التقدير أيضًا تبيين
للجنس كما كانت في الوجه الأول .
ويحتمل أن يكون معناه : تدلَّى علينا من مكان قدوم ضأن ، ثم
حذف المكان وأقام القدوم مكانه ، كما قالت العرب : ذهب به
مذهب وسلك به مسلك ، يريد المكان الذي يسلك فيه ويذهب ،
ویشهد لهذا رواية من روی (( من رأس ضأن)).
وفيه قول آخر: يحتمل أن يكون (( قدوم )) اسم لمكان من الجبل
متقدم منه ، ولا يكون مصدراً ولا جمعًا ، ويدل على هذا رواية من
روى: (( تدلى علينا من رأس ضأن)» ويحتمل أن يكون اسمًا لمكان
قدوم بفتح القاف دون الضم ، لقلة الضم في هذا البناء في الأسماء ،
وكثرة الفتح . ويحتمل أن يكون قَدُّوم ضأن بتشديد الدال وفتح القاف
- ٤١ -

لو ساعدته رواية ؛ لأنه بناء من أسماء المواضع ، وطرف القدوم.
موضع بالشام .
باب : من اختار الغزو على الصوم
فيه: أنس: (( كان أبو طلحة لا يصوم على عهد رسول الله من أجل
الغزو ، فلما قبض النبي - عليه السلام - لم أره مفطرًا إلا يوم فطر أو
أضحى ) .
قال المهلب : كان أبو طلحة فارس رسول الله ، وممن له الغَنّاء في
الحرب ؛ فلذلك كان يُفطر ليتقوى على العدو ، وقد قال النبي - عليه
:
السلام - : ((تقووا لعدوكم بالإفطار)) وأيضًا فإن المجاهد يكتب له.
أجر الصائم القائم ، وقد مثله عليه السلام بالصائم لا يفطر والقائم
لا يفتر ، فدل هذا كله على فضل الجهاد على سائر أعمال التطوع ،
فلما مات رسول الله وكثر الإسلام واشتدت وطأة أهله على عدوهم ،
ورأى أنه في سعة عما كان عليه من الجهاد ، ورأى أن يأخذ لحظَّه من
الصوم ؛ ليدخل يوم القيامة من باب الريان ، والله أعلم .
وفيه : جواز صيام الدهر ، وقد تقدم ذلك في كتاب الصيام .
[٢ / ق ١٤١ -ب]
/ باب : الشهادة سبع سوَى القتْل
فيه: أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( الشهداء خمسة : المطعون
والمبطون ، والغرق ، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله )).
وفيه : أنس قال النبي - عليه السلام -: (( الطاعون شهادة لکل
مسلم)).
- ٤٢ -

قال المؤلف : لا تخرج هذه الترجمة من الحديث أصلا . وهذا
يدل أن البخاري مات ولم يهذِّب كتابه (١) ؛ لأنه لم يذكر الحديث
الذي فيه أن الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله ، وهو حديث
رواه مالك ، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك ، عن عتيك
بن الحارث بن عتيك [ أن جابر بن عتيك ] (٢) أخبره أن رسول الله
جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غُلِبَ فصاح به فلم يجبه ... ))
وذكر الحديث ، وقال فيه رسول الله: (( الشهداء سبعة سوى القتل في
سبيل الله : المطعون شهيد ، والغرق شهيد ، وصاحب ذات الجنب
شهيد ، والمبطون شهيد ، والحرق شهيد ، والذي يموت تحت الهدم
شهيد ، والمرأة تموت بجمع شهيد)) فالمطعون هو الذي يموت في
الطاعون ، وقد قالت عائشة: قال النبي - عليه السلام - : (( فناء
أمتي في الطعن والطاعون . قالت : أما الطعن فقد عرفناه ؟ فما
الطاعون ؟ قال : غدة كغدة البعير تخرج في المراق والآباط ، من
مات منه مات شهيدًا، والمبطون: هو ( ... ) (٣) وقيل : صاحب
انخراق البطن بالإسهال .
وذات الجنب: وهي الشوصة. وفي بعض الآثار: ((المجنوب
شهيد)) يريد صاحب ذات الجنب ، يقال : منه رجل جُنْب بكسر النون
إذا كان به ذلك ، وأما المرأة تموت بجمع ، ففيه قولان : أحدهما :
المرأة تموت من الولادة وولدها في بطنها قد تم خلقه ، وقيل : إذا
ماتت من النفاس فهو شهيد سواء ألقت ولدها وماتت، أو ماتت وهو
(١) انظر ((فتح البارى)) (٤/ ٥١ - ٥٢).
(٢) هو عم عتيك بن الحارث الراوي عنه ، والحديث معروف بجابر بن عتيك ،
أخرجه أبو داود والنسائي، وما بين الحاجزين سقط من ((الأصل)).
(٣) كلمة صورتها : المحنون، بدون نقط ، وآخرها نون ، ولم أعرفها.
- ٤٣ -

في بطنها . والقول الثاني : هي المرأة تموت [ عذراء ] (١) قبل أن
تحيض لم يمسها الرجال . والأول أشهر في اللغة .
قال المهلب : وقد أخبر عليه السلام في غير ما ذكر في هذه الآثار.
في قوم أنهم شهداء فقال: (( من قتل دون ماله فهو شهيد ، ومن قتل
دون أهله ودون دينه )) وإن كان بنص كتاب الله إنما أتى فيمن قتل في
سبيل الله فمن ألحق النبي - عليه السلام - ميتته بالشهادة فحاله كحال
من قتل في سبيل الله ، والله أعلم .
باب : قول الله تعالى : ﴿ لا يستوي القاعدون
من المؤمنين ... ﴾ (٢) الآية
فيه : البراء : لما نزلت ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ (٢) دعا
النبي - عليه السلام - زيدًا فجاء بكتف فكتبها ، وجاء ابن أم مكتوم
فشکا ضرارته فنزلت : ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى
الضرر﴾(٢).
وفيه : زيد أن النبي - عليه السلام - أملى عليّ: (( لا يستوي
القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله )) قال : فجاء ابن أم
مکتوم وهو يملها ، فقال : يا رسول الله ، لو أستطيع الجهاد جاهدت ،
ولكني رجل أعمى . فأنزل الله على رسوله وفخذه على فخذي ، فثقلت
علي حتى خفت أن ترض فخذي ، ثم سري عنه فأنزل الله ﴿ غير أولي
الضرر ﴾ (٢).
قال المهلب : فيه دليل على أن من حبسه العذر عن الجهاد وغيره من
أعمال البر مع نيته فيه فله أجر المجاهد والعامل ؛ لأن نص الآية على
(١) في ((الأصل)) : عذرى .
(٢) النساء : ٧٥ .
- ٤٤ -

المفاضلة بين المجاهد والقاعد ثم استثنى من المفضولين أولى الضرر ،
وإذا استثناهم من المفضولين فقد ألحقهم بالفاضلين ، وقد بين النبي -
عليه السلام - هذا المعنى ، فقال: (( إن بالمدينة أقوامًا ما سلكنا واديًا
/ وشعبًا إلا وهم معنا حبسهم العذر)) وقد جاء عن الرسول فيمن كان [٢/ ١٤٣٥ -١]
يعمل شيئًا من الطاعة ثم حبسه عنه مرض أو غيره أنه يكتب له ما كان
يعمل وهو صحيح ، وكذلك من نام عن حزبه نومًا غالبًا كتب له أجر
حزبه ، وكان نومه صدقة عليه ، وهذا معنى قوله تعالى : ﴿ إلا الذين
آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ﴾ (١) أي غير مقطوع
بزمانة أو كبر أو ضعف ، ففي هذا أن الإنسان يبلغ بنيته أجر العامل إذا
كان لا يستطيع العمل الذي ينويه ، وسيأتي زيادة في هذا المعنى في
باب يكتب للمسافر ما كان يعمل في الإقامة - إن شاء الله - وفيه
اتخاذ الكاتب وتقييد العلم ، وفيه قرب الكاتب من مستكتبه حتى تمس
ر کبته ركبته .
باب : الصبر عند القتال
فيه : ابن أبي أوفى : قال النبي - عليه السلام -: (( إذا لقيتموهم
فاصبروا » .
قال المهلب : الصبر سبب إلى كل خير ، وقد نص الله عليه في
غير موضع من كتابه ، فأمر النبي - عليه السلام - بالصبر عند لقاء
العدو رجاء بركته ؛ ولئلا يأنس الناس بالكسل والفشل الذين هما آفة
الحرمان في الدنيا والآخرة ، والصبرُ على مطلوبات الدنيا والآخرة
ضمان لإدراكها .
(١) التين : ٦.
- ٤٥ -

وقوله: ((فاصبروا)» معناه : الحض والندب ؛ لأن الفرض الذي
فرض الله على المسلمين عند لقاء العدو إنما هو عند المثلين ، فما كان
أكثر فإنما هو حض وندب والله الموفق .
۔۔
باب : التحريض على القتال
وقول الله تعالى : ﴿حرض المؤمنين على القتال﴾ (١).
فيه: أنس: (( خرج الرسول إلى الخندق ، فإذا المهاجرون والأنصار
يحفرون في غداة باردة فلم یکن لهم عبید یعملون ذلك ، فلما رأى ما
بهم من النصب والجوع قال :
اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة
فقالوا مجیبین له :
نحن الذين بايعوا محمدًاً على الجهاد ما بقينا أبدا
قال المهلب : فيه دليل أن الحفر في سبيل الله والتحصين للديار
والدّ ] (٢) العورة منها أجر كأجر القتال ، والنفقة فيه محسوبة في
نفقات المجاهدين إلى تسعمائة ضعف . وفيه استعمال الرجز والشعر
إذا كان فيه إقامة النفوس في الحرب وإثارة الأنَفَة والعزَّة .
وفيه المجاوبة بالشعر على الشعر ، وليس هذا الشعر من قول النبي-
عليه السلام - هو من قول عبد الله بن رواحة ، ولو كان من لفظ
النبي لم يكن بذلك شعرًا ولا ممن ينبغي له الشعر ؛ لأنه قد يقع في
تضاعيف كلام العامة كلام موزون ولا يسمى ذلك شعراً ولا من تكلم
(١) الأنفال : ٦٥ .
(٢) في ((الأصل)): السد . والظاهر أن الألف زائدة هنا.
- ٤٦ -

به [ شاعرًا ] (١) ولو جاز أن يسمى بهذا المقدار [ شاعرًاً ] (١) لكان
جميع العامة شعراء ؛ إذ لا يسلم أحد من أن يقع في كلامه كلام
موزون، وقد تقدم بيان هذا في باب : من ينكب أو يطعن في سبيل
الله. وإنما يستحق اسم الشعر من قصد صناعته وعلم السبب والوتد
والشطر وجميع معاني الشعر من الزحاف والخرم والقبض وما شاكل
ذلك .
باب : حفر الخندق
فيه : أنس (( جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة
وينقلون التراب على متونهم / ... )) الحديث .
[٢ / ق١٤٢ - ب)
وفيه: البراء (( قال: رأيت النبي - عليه السلام - ينقل التراب يوم
الأحزاب وقد وارى التراب بياض ( كتفيه ) (٢) ... )) - الحديث -
ويقول: ((اللهم لولا أنت ما اهتدينا)).
قال المهلب : فيه امتهان الإمام نفسه في التحصين على المسلمين وما
يتأسى به الناس و[يقتدون ] (٣) به ، فيه شرف له وتحريض وتنشيط
وإثارة النية والعزم على العمل والطاعة .
(١) في (( الأصل)): شاعر. والمثبت هو الصواب.
(٢) كذا في ((الأصل)) والمعروف في هذا الحديث: بياض بطنه. كما في روايات
حديث البراء من الصحيح المطبوع ، وهو في الجهاد والمغازي ، ولم يذكر
الحافظ ابن حجر هذه الرواية الواردة هنا ، فالله أعلم .
(٣) في ((الأصل)): يقتدرون . والمثبت هو الصواب .
- ٤٧ -

باب : من حبسه العذر عن الغزو
فيه: أنس: ((رجعنا من غزوة تبوك مع النبي - عليه السلام - فقال :
إن بالمدينة أقوامًا ما سلكنا شعبًا ولا واديًا إلا وهم معنا حبسهم العذر )).
هذا يدل أن من حبسه العذر عن أعمال البر مع نيته فيها أنه يكتب
له أجر العامل فيها ، كما قال - عليه السلام - فيمن غلبه النوم عن
صلاة الليل أنه يكتب له أجر صلاته ، وقد تقدم هذا المعنى في باب ::
لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ (١) .
باب : فضل الصوم في سبيل الله
فيه : أبو سعيد: (( سمعت النبي - عليه السلام - يقول : من صام يومًا
في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا )).
قال المهلب : هذا الحديث يدل أن الصيام في سائر أعمال البر
أفضل إلا أن يخشى الصائم ضعفًا عند اللقاء ؛ لأنه قد ثبت عن
الرسول أنه قال لأصحابه في بعض المغازي حين قرب من الملاقاة بأيام
يسيرة: (( تقووا لعدوكم)) فأمرهم بالإفطار ؛ لأن نفس الصائم ضعيفة.
وقد جبل الله الأجسام على أنها لا قوام لها إلا بالغذاء . ولهذا المعنى
قال النبي - عليه السلام - لعبد الله بن عمرو: (( أفضل الصوم صوم.
داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ، ولا يفر إذا لاقى )) فلا يكره الصوم
البتة إلا عند اللقاء وخشية الضعف عند القتال ؛ لأن الجهاد وقتل
المشركين أعظم أجرًا من الصوم لمن فيه قوة .
(١) النساء : ٩٥ .
- ٤٨ -

باب : فضل النفقة في سبيل الله
فيه : أبو هريرة قال عليه السلام : (( من أنفق زوجين في سبيل الله دعاهُ
خزنةُ الجنة - كل خزنة باب -: [ أي فُلْ] (١) هلُمّ . قال أبو بكر :
يقولون : اللهم ذلك الذي لا تَوَى عليه . فقال عليه السلام : إني لأرجو
أن تکون منهم )) .
وفيه : أبو سعيد: (( قام الرسول على المنبر ، فقال : إنما أخشى عليكم
من بعدي ما يفتح الله عليكم من بركات الأرض - ثم ذكر زهرة الدنيا
الحديث - إلى قوله : فإن هذا المال خضرة حلوة ، ونعم صاحبُ المسلم
لمن أخذه بحقه فجعله في سبيل الله والمساكين وابن السبيل)) .
قال المهلب : قوله عليه السلام: (( من أنفق زوجين في سبيل الله
دعاه كل خزنة باب)) فيه فضل الجهاد على سائر الأعمال وأن للمجاهد
أجر المصلي والصائم والمتصدق وإن لم يفعل ذلك ؛ ألا ترى أن باب
الريان هو للصائمين خاصة ، وقد اشترط في هذا الحديث أنه يُدعى
من كل باب فاستحق ذلك بإنفاق قليل من المال في سبيل الله ، ففي
هذا أن ( ... ) (٢) إذا أنفق في سبيل الله : أفضل الأعمال.
إلا أن طلب العلم ينبغي أن يكون أفضل من الجهاد وغيره ؛ لأن
الجهاد لا يكون إلا بعلم حدوده وما أحل الله منه وحرم ، ألا ترى أن
المجاهد / متصرف بين أمر العالم ونهيه ، ففضل عمله كله في ميزان [٢/ ١٤٣٥-١]
العالم الآمر له بالمعروف والناهي له عن المنكر والهادي له إلى السبيل،
فكما أن أجر المسلمين كلهم مذخور للنبي - عليه السلام - من أجل
(١) راجع فتح الباري لابن حجر (٣٤/٧) وفُلْ بالفاء لغة في فلان ، وجاء في
(الأصل)): أو قل. وهو تحريف.
(٢) كلمة لم أستطع قراءتها في (( الأصل)). والسياق بعده فيه شيء.
- ٤٩ -

۔۔
تعليمه لهم وهدايته إياهم سبيل العلم ، فكذلك يجب أن يكون أجر
العالم فيه أجر من عمل [ بعلمه ] (١).
وفيه دليل أن من دعي إلى أبواب الجنة كلها لم يكن ممن استحق
عقوبة في نار - والله أعلم - لقول أبي بكر: (( ذلك الذي لا تَوَى
عليه )) أي : لا هلاك، فلم ينكره الرسول .
وفيه القول بالدليل في أحكام الدنيا والآخرة لاستدلال أبي بكر
بالدعاء له من كل باب أنه لا هلاك عليه ، ولتصديق الرسول ذلك
الاستدلال ، وتبشيره لأبي بكر أنه منهم ، من أجل أنه أنفق في سبيل
الله كلها أزواجًا كثيرة من كل شيء ، وقد تقدم هذا الحديث في كتاب
الصيام في باب الريان للصائمين ، ومرَّ فيه من الكلام ما لم أذكره
هاهنا .
وكذلك تقدم القول في حديث أبي سعيد في كتاب الزكاة ، وذكر
ابن المنذر من حديث جرير بن حازم قال : حدثني بشار بن أبي سيف
الجرمي ، عن الوليد بن عبد الرحمن ، عن عياض بن غطيف (( أن
أبا عبيدة بن الجراح أخبره عن الرسول أنه قال : من أنفق في سبيل الله
فبسبعمائة ضعف ، والنفقة على نفسه وأهله بعشر أمثالها )) .
ومن حديث خُرَيم بن فاتك ، روى زائدة قال : حدثنا الركين بن
ربيع ابن عميلة الفزاري، عن أبيه ، عن [ يُسَيْر ] (٢) بن عميلة
الفزاري عن خُريم ، عن النبي - عليه السلام - قال: ((من أنفق نفقة
في سبيل الله فيسبعمائة ضعف )).
وقد جاء أن الذكر وأعمال البر في سبيل الله أفضل من النفقة . فيه
(١) في ((الأصل)): بعمله. وهو غير مناسب هنا ، فأثبت الصواب.
(٢) بالياء ثم السين المهملة مصغرًاً، له ترجمة في تهذيب الكمال (٣٠٥/٣٢)،
ووقع في (( الأصل)): بشير - بالموحدة ثم المعجمة - وهو تصحيف .
- ٥٠ -

من حديث الليث ، عن موسى بن أيوب ، عن موسى بن جبير ، عن
معاذ بن أنس الجهني - صاحب النبي عليه السلام - أنه قال: ((يضعف
الذكر والعمل في سبيل الله على تضعيف النفقة بسبعمائة ضعف )) وعن
ابن المسيب مثله .
*
باب : فضل من جھز غازيًا أو خلفه بخير
فيه : زيد بن خالد قال: قال عليه السلام: (( من جهز غازيًا في سبيل الله
فقد غزا، ومن خَلَفَ غازيًا في سبيل الله فقد غزا )) .
وفيه : أنس: ((أن النبي - عليه السلام - لم يكن يدخل بيتا بالمدينة
غير بيت أم سليم فقيل له، قال: إني أرحمها ، قُتل أخوها معي)) .
قال المهلب : أوجب له عليه السلام الفعل مجازًا واتساعًا وإن لم
يفعله لوجوب أجره له .
وقال الطبري : وفيه من الفقه أن كل من أعان مؤمنًا على عمل بر
فللمعين عليه أجر مثل العامل ، وإذا أخبر الرسول أن من جهز غازيًا
فقد غزا ، فكذلك من فطر صائمًا أو قوّاه على صومه ، وكذلك من
أعان حاجا أو معتمرًا بما يتقوى به على حجه أو عمرته حتى يأتي ذلك
على تمامه فله مثل أجره .
ومن [ أعان ] (١) فإنما يجيء من حقوق الله بنفسه أو بما له حتى
يغلبه على الباطل بمعونة فله مثل أجر القائم ، ثم كذلك سائر أعمال
البر ، وإذا كان ذلك بحكم المعونة على أعمال البر فمثله المعونة على
معاصي الله وما يكرهه الله، للمعين عليها من [ الوزر ] (٢) والإثم
(١) في ((الأصل)) : أعار - بالراء - هو تحريف ، الصواب ما أثبت.
(٢) في ((الأصل)): الوزن. وهو خطأ، والمثبت هو الصواب .
- ٥١ -

مثل ما لعاملها ، ولذلك نهى الرسول عن بيع السيوف في الفتنة ،
ولعن عاصر الخمر ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه ، وكذلك سائر
أعمال الفجور .
[٢/ ق١٤٣ -ب]
/ قال المهلب: وقوله: (( لم يكن يدخل بيتًا غير بيت أم سليم))
يعني : من بيوت النساء غير ذوي محارمه ؛ فإنه كان يخص أم سليم
للعلة التي ذكر ، ولأنها كانت أختها أم حرام خالته من الرضاعة .
وقال أبو عبد الله بن أبي صفرة: وكانت أم حرام أختها تسكن بقباء . :
وقوله : (( قتل أخوها معي )) أي: قتل في سبيلي؛ لأنه قتل ببئر
معونة ، ولم يشهدها الرسول عليه السلام .
باب : التحتّط عند القتال
فيه: موسى بن أنس قال - وذَكَر يوم اليمامة - قال: (( أتى أنسٌّ ثابتَ
ابن قيس ، وقد حَسَر عن فخذيه وهو يتحنط ، فقال : ياعم ، ما
[يحبسك] (١) ألا تجيء ؟ قال : الآن يا ابن أخي . وجعل يتحنط
-يعني: من الحنوط - ثم جاء فجلسٍ ، فذكر في الحديث انكشافًا من
الناس فقال: هكذا عن وجوهنا حتى نُضارب القوم ، ما هكذا نفعل مع
رسول الله ، بئس ما عودتكم أقرانكم )).
قال المهلب : فيه الأخذ بالشدة في استهلاك النفس وغيرها في
ذات الله ، وترك الأخذ بالرخصة لمن قدر عليها ؛ لأنها لا يخلو أن
تكون الطائفة من المسلمين التي غزت اليمامة أكثر منهم أو أقل ، فإن
کانوا أکثر فلا یتعین الفرض على أحد بعينه أن يستهلك نفسه فيه ، وإن کانوا .
(١) من الصحيح المطبوع، وفي ((الأصل)): يحسبك. وهو خطأ.
- ٥٢ -

( أقل وهو المعروف في الأغلب أن لا يغزو جيش أحَدًا في عقر داره
إلا وهم ) (١) أقل من أهل الدار فإذا كان هكذا فالفرار مباح، وإن
تعذر معرفة الأكثر من الفريقين فإن الفارّ لا يكون عاصيًا إلا باليقين أن
عدوهم مثلان فأقل ، وما دام الشك ، فالفرار مباح للمسلمين . وفيه
أن التطيب للحرب سنة من أجل مباشرة الملائكة للميت .
وفيه اليقين بصحة ما هو عليه من الدِّين ، وصحة النية بالاغتباط في
استهلاك نفسه في طاعة الله .
وفيه التداعي للقتال ؛ فإن أنسًا قال لعمّه: ما يحبسك ألا تجيء .
ومعنى قوله : ((بئس ما [ عودتكم ] (٢) أقرانكم)) يعني : العدو ،
في تركهم اتباعكم قبلكم حتى اتخذتم الفرار عادة للنجاة ، وطلب
الراحة من مجالدة الأقران .
باب : فضل الطليعة
فيه: جابر قال الرسول: (( من يأتيني بخبر القوم يوم الأحزاب ؟ قال
الزبير : أنا . ثم قال : من يأتيني بخبر القوم ؟ فقال الزبير : أنا . فقال
عليه السلام : إن لكل نبي حواري ، وحواريّ الزبير)).
وترجم له باب : هل يبعث الطليعة وحده .
قال المهلب : فيه أن الطليعة يستحق اسم النصرة ؛ لأن الرسول
سماه : حواري ، ومعنى هذه التسمية أن عيسى بن مريم لما قال
(١) كتب هذا القدر بخط مغاير في الحاشية وكأنه سقط من الناسخ بسبب انتقال
النظر ، فاستدركه بعضهم .
(٢) في (( الأصل)) هنا. عودتم . وسبق في صدر الباب: عودتكم . وهو
الملائم لشرح المؤلف ، ولعل الأصوب : عودكم . كما نقله الحافظ ابن حجر
(٤ / ٦١) عن رواية المستملي
- ٥٣ -

لقومه: ﴿ من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله ﴾ (١) فلم
يجبه غيرهم ، فكذلك لما قال الرسول: (( من يأتيني بخبر القوم )
مرتين لم يجبه غير الزبير ، فشبهه بالحواربين أنصار عيسى ، وسماه
باسمهم ، وإذا صح من هذا الحديث أن الطليعة ناصر ، فأجره أجر
المقاتل المدافع ؛ قام منه الدليل على صحة قول مالك أن طليعة
اللصوص يقتل مع اللصوص ، وإن كان لم يقتل ولم يسلب ، وكذلك
قال عمر بن الخطاب : لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به .
وفيه شجاعة الرئيس وتقدمه وفضله ، وفيه الأدب من الإمام في
الندب إلى القتال والمخاوف ؛ لأنه كان للنبي أن يقول لرجل بعينه: قُم
فائتني بخبر القوم ، فلزم الرجل ذلك ؛ لقوله تعالى : ﴿ استجيبوا لله
وللرسول إذا دعاكم ﴾ (٢) وزعم بعض المعتزلة أن بعث النبي الزبير
طليعة وحده يعارض قوله : ((الراكب شيطان )» ونهيه عن أن يسافر
الرجل وحده .
قال المهلب : وليس في ذلك تعارض - بحمد الله - لاختلاف
[٢/ ١٤٤٥-١] المعنى في الحديثين، وذلك أن قوله عليه السلام: ((الراكب /
شيطان)) إنما جاء في المسافر وحده ؛ لأنه لا يأنس بصاحب ولا يقطع
طريقه مُحَدِّث يُهُّون عليه مؤنة السفر ، كالشيطان الذي لا يأنس بأحدٍ،
ويطلب الوحيد ليغويه بتذكار فتكة وتدبير شهوة ، حضا منه عليه
السلام على الصحبة ، والمرافقة لقطع المسافة ، وطيّ بَعيد الأرض
بطيب الحكاية ، وحسن المعاونة على المؤنة ، وقصة الزبير بضدٍّ هذا .
بعثه طليعة عينًا متجسسًا على قريش ما يريدونه من حرب الرسول ،
[فلو](٣) أمكن أن يتعرف ذلك منهم بغير طليعة . لكان أسلم وأخف ،
(٢) الأنفال : ٢٤ .
(١) الصف : ١٤.
(٣) في ((الأصل)): فلم . وهو خطأ ، كما هو ظاهر .
- ٥٤ -

ولكن أراد أن يبين لنا جواز العذر في ذلك لمن احتسب نفسه وسَخَّى
بها في نفع المسلمين وحماية الدين ، ومن خرج في مثل هذا الخطير
من أمر الله لم يُعطِ الشيطان أذنه ليصغي إلى خدعه ، بل عليه من الله
حافظ ، وبعدُ ألا ترى تثبيت الله له ( حين ) (١) نادى أبو سفيان في
المشركين : ليعرف كل إنسان منكم جليسه . فقال ( الزبير ) (٢) لمن
قرب منه : من أنت ؟ فسبق بحضور ذهنه إلى ما لو سبقه إليه جليسُه
لكان سبب فضيحته ، ولو أرسل معه غيره لكان أقرب إلى أن يُعثر
عليهما ، فالوحدة في هذا هي الحكمة البالغة ، وفي المسافر هي
العورة البينة ، ولكل وجه من الحكمة غير وجه الآخر لتباين القصص
واختلاف المعاني ، وفي الباب الذي بعد هذا شيء من هذا المعنى .
باب : سفر الاثنين
فيه : مالك بن الحويرث : ((انصرفتُ من عند الرسول ، فقال لنا - أنا
وصاحب لي -: أذِّنا وأقيما وليؤمَّكُما أكبركما )) .
إن قال قائل : (( إباحته عليه السلام لمالك بن الحويرث وصاحبه أن
يُؤذنا ويقيما عند انصرافهما من عنده ، يعارض قوله عليه السلام :
(الراكب شيطان، والراكبان شيطانان)) ونهيه أن يسافر الرجل وحده .
قيل : ليس كما توهمت ؛ لأنه لا يجوز على أخباره التضاد .
قال الطبري : ونهيه عن سفر الرجل وحده والاثنين نهي أدب
(١) كتبت بخط مغاير في الحاشية وبأسفلها ((ح)) إشارة إلى أنها ليست في
((الأصل)) وإنما استدركها هذا الكاتب ، والسياق يقتضيها.
(٢) هكذا في (( الأصل)) والمعروف أن هذه القصة إنما هي لحذيفة رضي الله عنه ،
راجع فتح الباري لابن حجر (٧ /٤٦٩) .
- ٥٥ -

وإرشاد لما يُخشى على فاعل ذلك من الوحشة بالوحدة لا نهي تجريم،
وذلك نظير نهيه عن الأكل من وسط الطعام ، وعن الشرب من في
السقاء ، والنهي عن المبيت على السطح غير المحجور ، وكل ذلك
تأديب لأمته ، وتعريف لهم منه ما فيه حظهم وصلاحهم ، لا شريعة
ودين يحرجون بتضييعه وترك العمل به ، فالعامل محتاط لنفسه من
مكروه يلحقه إن ضيعه .
وذلك أن السائر في فلاة وحده والبائت في بیت وحده إذا كان ذا
قلب مخيف وفكر رديء لم يؤمن أن يكون ذلك سببًا لفساد عقله ،
والنائم على سطح غير محجور عليه غير مأمون أن يقوم بَوَسْنِ النوم
وغمور فهمه فيتردى منه فيهلك ، والشارب من فيّ السقاء غير مأمون
عليه انحدار ما خفي عليه استكنانه من الهوام القاتلة في السقاء فيهلك
أيضًا ، وكذلك المسافر مع آخر قد يخشى من غائلته ولا يأمن مكره ،
فإذا كانوا ثلاثة أمن ذلك في الأغلب ، وهذا وما أشبهه من تأديبه عليه.
السلام لأمته .
وأيضًا فإن الناس مختلفوا الأحوال متفاوتوا الأسباب فَمِنْ كَمِيِّ
باسلٍ لا يهوله هائل ولا يبقي غول غائل ، فهو لا يبالي وحده سلك
المفاوز أو في عسكر ، فذلك الذي أذن عمر في السير لمثله من المدينة.
إلى الكوفة وحده حين بلغه عن سعد أنه بنى قصراً أو أمره بإحراق
بابه، ومِنْ مخيف الفؤاد يُروعه كلُّ منظر ، ويهوله كل شخص ،
ويُفزعه كل صوت ، فذلك الذي يحرم عليه أن يسافر وحده ویمکن أن
يكون الذي نهاه الرسول أن يبيت وحده كان بهذه الصفة ، ومن أخذ
بين ذلك الاحتياط له في نفسه ودينه ترك السفر وحده ومع آخر أيضًا ،
[١٤٤٢/٢-ب) فمن كان الأغلب عليه الشجاعة / والقوة لم يكن - إن شاء الله -
حَرِجًا ولا آئمًا ، ومن كان الأغلب من قلبه الهلع ومن نفسه الخور
خشيت عليه في السفر وحده الإثم والحرج وأن يورثه ذلك العلل الردية .
- ٥٦ -

باب : الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة
فيه : ابن عمر وعروة بن أبي الجعد : قال النبي - عليه السلام - :
((الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة)).
وفيه: أنس قال الرسول: (( البركة في نواصي الخيل)).
وترجم له باب (( الجهاد ماض ( من ) (١) البر والفاجر)) لقول
الرسول: (( الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة)).
وفيه : عروة البارقي، قال النبي - عليه السلام -: ((الخيل معقود في
نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم)) .
قال بعض أهل العلم : معناه الحث على ارتباط الخيل في سبيل الله :
يريد أن من ارتبطها كان له ثواب ذلك فهو خير آجل ، وما يصيب
على ظهرها من الغنائم وفي بطونها من النتاج خير عاجل ، وخصّ
النواصي بالذكر ؛ لأن العرب تقول : فلان مبارك الناصية ، فيكنى بها
عن الإنسان .
وقال المهلب : استدلال البخاري صحيح أن الجهاد ماض مع البر
والفاجر إلى يوم القيامة . من أجل أنه أبقى عليه السلام الخير في
نواصي الخيل إلى يوم القيامة . وقد علم أن من أئمته أئمة جور
لا يعدلون ، ويستأثرون بالمغانم ، فأوجب هذا الحديث الغزو معهم ،
(١) كذا في ((الأصل)) وأورده الحافظ ابن حجر (٦٧/٤) بلفظ ((مع)) وقال:
حكى ابن التين أنه وقع في رواية أبي الحسن القابسي في لفظ الترجمة ((الجهاد
ماضٍ على البر والفاجر )) قال : ومعناه أنه يجب على كل أحد ، قلت -
القائلَ ابن حجر - إلا أنه لم يقع في شيء من النسخ التي وقفنا عليها ، وقد
وجدته في نسخة قديمة من رواية القابسي كالجماعة ، والذي يليق بلفظ الحديث
ما وقع في سائر الأصول بلفظ ((مع)) بدل ((على)) والله أعلم. اهـ ، وسيأتي
في الشرح ((مع)) وما يتناسب مع معناه .
- ٥٧ -

ويقوي هذا المعنى أمره بالصلاة وراء كل بر وفاجر من السلاطين ،
وأمره بالسمع والطاعة ولو كان عبدًا حبشيا .
وقوله: ((فالأجر [ والمغنم ] (١))) يفسر قوله: (( مع ما نال من
أجر أو غنيمة )) أن ((أو )) بمعنى الواو فكأنه قال: (( مع ما نال من أجر
وغنيمة أو أجرٍ )) .
وقوله : (( الخيل في نواصيها الخير )) لفظه لفظ العموم ، والمراد به
الخصوص ؛ لأنه لم يرد إلا في ( ... ) (٢) الخيل بدليل قوله:
((الخيل لثلاثة)) فبين أنه أراد الخيل الغازية في سبيل الله، فإن الخير
المعقود في نواصيها إنما هو أجر في سبيل الله ، لا أنها على كل
وجوهها معقود في نواصيها الخير ، بل إذا كانت مستعملة في سبيل الله
أو معدة لذلك ؛ فإن الإنفاق عليها خير أو أجر دُون ما كان منها وزرًا،
وقال مثله ابن المنذر . والناصية : الشعر المسترسل على الجبهة ، عن
الخطابي .
باب : من احتبس فرسًا في سبيل الله
لقوله تعالى: ﴿ومن رباط الخيل ترهبون به﴾ (٣)
فيه : أبو هريرة : قال النبي - عليه السلام -: (( من احتبس فرسًا في
سبيل الله إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده ؛ فإن شبَعَهُ وربّهُ ورَوْثه وبوله في
ميزانه يوم القيامة ))
قال المهلب : هذا الحديث يدل أن الأحباس جارية في الخيل والرياع
(١) في ((الأصل)): فالمعنى. وهو تحريف .
(٢) بياض بالأصل .
(٣) الأنفال: ٦٠ .
- ٥٨ -
٠ ٠

وغيرها ؛ لأنه إذا جاز ذلك في الخيل للمدافعة عن المسلمين وعن
الدين والنفع لهم بجر الغنائم والأموال إليهم ، فكذلك يجوز في
الرياع المثمرة لهم ، وما وصف الرسول من الروث وغيره فإنما يُريد
ثوابه ؛ لأن الروث لا يوزن بل أجره ، ولا نقول إن زنة الأجر زنة
الروث بل أضعافه إلى ما شاء الله .
وفيه أن النية قد يؤجر الإنسان بها كما يؤجر العامل ؛ لأن هذا إنما
احتبس فرسه ليقاتل عليه ويُغير ، فيعوض من أجر العمل المعدوم في
ترك استعماله فيه ، فعد نفقاته وأروائه أجرًا له ، مع أنه في رباطه
نافع؛ لأن الإرهاب بارتباطه في نفس العدو وسماعهم عنه نافع .
وفيه أن الأمثال تضرب لصحة المعاني وإن كان فيها بعض المكروهات
الذكر .
[٢/ ق١٤٥ -١]
/ باب : اسم الفرس والحمار
فيه: سهل: (( وكان الرسول في حائطنا فرس يقال له: اللَّحيّف)).
وفيه: أبو قتادة: (( أنه خرج مع الرسول - عليه السلام - فتخلف أبو
قتادة ، فركب فرسًا يقال له : الجرادة ... )) الحديث .
وفيه : معاذ بن جبل: « كنت رديف النبي - عليه السلام - على حمار
يقال له : عُفَيْر . فقال : يا معاذ، هل تدري ما حق الله على عباده ... ))
الحديث .
وفيه : أنس (( كان فزع بالمدينة فاستعار الرسول فرسًا يقال له :
المندوب ، فقال: ما رأينا من فزع، وإن وجدناه لبحرًاً )).
قال البخاري : قال بعضهم : اللخيف بالخاء .
- ٥٩ -

قال المهلب : فقه هذا الباب جواز تسمية الدواب بأسماء تخصها
غير أسماء جنسها .
وقال الواقدى : إنما سمي [ اللحيف ] (١) لكثرة سبائبه يعني :
ذنبه. قال : وكان للنبي - عليه السلام - فرس يقال له : السكب ،
وآخر يقال : اللّزاز ، وآخر يقال : المرتجز ، وإنما سمى : السكب ؛
لأن لونه يشبه لون الشقائق ، وأنشد الأصمعي :
كالسكب المحبر فوق الرابية
وكذلك المرتجز إنما سمي بذلك ؛ لحسن صهيله .
وقوله : ((إن وجدناه لبحرًا)» والبحر : الفرس الواسع الجري.
قال الأصمعي : يقال : فرس بحر وفيض وحث وغمر . وقال
نفطويه: معناه : كثير الجري . قال الخطابي : وذكر الواقدي أنه كان
اسم حماره : يعفور، قال : وإنما سُمي بذلك لعفرة لونه ، والعفرة:
حمرة يخالطها بياض . يقال له : أعفر ويعفور ، وأخضر ويخضور،
وأصفر ويصفور ، وأحمر ويحمور .
قال المؤلف : وعفير من المعفرة ، وهو تصغير أعفر ، وقال
الطبري: وقد حدثني عبد الرحيم البرقي ، قال : حدثني عمرو بن أبي
سلمة ، عن زهير ، ( عن ) (٢) محمد قال : اسم راية الرسول :
العُقاب ، وفرسه : المرتجز ، وناقته : العضباء والجدعاء ، والحمار :
يعفور ، والسيف : ذو الفقار ، والدرع : ذات الفضول ، والرداء :
الفتح ، والقدح : الغمر .
فإذا كان ذلك من فعله عليه السلام في أملاكه ، وكان الله قد ندب
(١) في ((الأصل)) بالخاء المنقوطة، ووردت هذه التسمية ومعناها في لسان العرب
وغيره بالحاء المهملة .
(٢) كذا في (( الأصل)) والظاهر أن الصواب: بن.
- ٦٠ -