Indexed OCR Text
Pages 521-540
وذهب مالك إلى أن من تطيب أو لبس فنزع اللباس وغسل الطيب في الحال فلا شيء عليه . وقال الشافعي : لا شيء عليه وإن طال وانتفع. والشافعي أشد موافقة للحديث ؛ لأن الرجل كان أحرم في الجبة المطيبة ، فسأل الرسول عن ذلك فلم يجبه حتى أوحي إليه وسري عنه، فطال انتفاع الرجل باللبس والطيب ولم يوجب عليه النبي - عليه السلام - كفارة، وقول مالك احتياط ؛ لأن الحلق والوطء والصيد نُهي عنه المحرم ، وحُكْمُ العمد والسهو فيها سواء إذا وقعت ، وكذلك الصوم لو أكل فيه وهو [ ساه ] (١) لفسد الصوم ، فكذلك الحج . وفي هذا الحديث رد على من زعم أن الرجل إذا أحرم وعليه قميص أنَّ له أن يشقه ، وقال : لا ينبغي أن ينزعه ؛ لأنه إذا فعل ذلك فقد غطى رأسه وذلك لا يجوز له ، فلذلك أُمر بشقه ، وممن قال هذا : الحسن والشعبي والنخعي وسعيد بن جبير . وجميع فقهاء الأمصار يقولون : من نسي فأحرم وعليه قميص أنه ينزعه ولا يشقه . واحتجوا بأن الرسول أمر الرجل بأن ينزع الجبة ولم يأمره بشقها ، وهو قول عكرمة وعطاء . وقد ثبت عنه عليه السلام أنه نهى عن إضاعة المال ، والحجة في السنة لا فيما خالفها . قال الطحاوي : وليس نزع القميص بمنزلة اللباس ؛ لأن المحرم لو حمل على رأسه ثيابًا أو غيرها لم يكن بذلك بأس ولم يدخل بذلك فيما نهي عنه من تغطية الرأس بالقلانس وشبهها ؛ لأنه غير لابس ؛ فكان النهي إنما وقع من ذلك على ما يلبسه الرأس لا على ما يغطى به، وكذلك الأبدان إنما نُهي عن إلباسها القمص ولم يُنه عن تحليلها بالإزار؛ لأن ذلك ليس بلباس المخيط ، ومن نزع قميصه فَلَاقَى ذلك (١) في (( الأصل)): ساهيا. والمثبت هو الصواب. - ٥٢١ - رأسه فليس ذلك بإلباس منه شيئًا ، فثبت بهذا أن النهي عن تغطية الرأس في الإحرام المعهود في الإحلال إذا تعمد فعل ما نهي عنه من ذلك قياسًا ونظراً . باب : المحرم يموت بعرفة ولم يأمر النبي - عليه السلام - أن يؤدِّى عنه بقيةُ الحج . ! فيه : ابن عباس: (( بَيْنَا رجل واقف مع النبي - عليه السلام - بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته - أو قال : فأقعصته - فقال النبي - عليه السلام -: ((اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين - أو قال: في ثوبيه- ولا تخمروا رأسه ولا تحنطوه ؛ فإن الله يبعثه يوم القيامة يلبي)). وترجم له باب : سنة المحرم إذا مات . وزاد فيه : « فو قصته ناقته وهو محرم )) . قال المهلب : يدل أنه لا يحج أحد عن أحدٍ ؛ لأن الحج من أعمال [٢/ ف: ١٠١٢٦] الأبدان / كالصلاة لا تصح فيها النيابة عن غيره ، ولو صح فيها النيابة لأمر النبي - عليه السلام - بإتمام الحج عن هذا ، كما أنه قد يمكن ألا يتبع بما بقي عليه من الحج في الآخرة - والله أعلم - لأنه قد بلغ جهده وطاقته ووقع أجره على الله بقوله: (( فإنه يبعث يوم القيامة .... )). قال المؤلف : وفيه دليل أن من شرع في عمل من عمل الطاعات وصحت فيه نيته لله ، وحال بينه وبين تمامه الموت ؛ فإن الرجاء قوي أن الله قد كتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل وتقبله منه ، ويشهد لهذا قوله تعالى : ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلی الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ﴾ (١) أنه لا يُقطع على أحد بعينه (١) النساء : ١٠٠. - ٥٢٢ - بهذا ولا أنه بمنزلة ذلك الموقوص ، ولذلك قال كثير من أهل العلم : إن هذا الحديث خاص في الموقوص ، وإن سنة المحرم أنه إذا مات يخمر رأسه ويطيب ويفعل به ما يفعل بالميت الحلال ، ولا يجنب ما يجتنبه المحرم ، هذا قول مالك وأبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي، وبذلك أخذ ابن عمر حين توفي ابنه بالجحفة وهو محرم، خمر رأسه ووجهه وقال : لولا أنا حُرُم لطَيِّيْنَاهُ . لأنه لم يقطع ابن عمر أن ابنه بمنزلة الموقوص الذي أخبر عليه السلام أنه يبعث يوم القيامة ملبيًا . وبهذا قالت عائشة ، ولم يأخذوا بحديث الموقوص ، وأخذ به الشافعي وقال : لا يخمر رأس المحرم ولا يطيب اتباعًا لظاهر حديث ابن عباس . وهو قول عثمان وعلي بن أبي طالب وابن عباس . واحتج الذين رأوا الحديث خاصا في الموقوص بعينه أن من مات بعده في حال الإحرام ، لا يعلم هل يُقبل حَجَّه ؟ وهل يبعث يوم القيامة ملبيًا أم لا ؟ ولا يُقطع على غير ذلك إلا بوحي ، فافترقا في المعنى ، واحتج مالك كذلك فقال : إنما يعمل الرجل ما دام حيا ، فإذا مات انقطع عمله . قال الأصيلي : ثبت الخبر عن الرسول أنه قال: (( إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاث : ولد يدعو له ، أو علم ينتشر عنه ، أو صدقة موقوفة بعده )) . باب : الحج والنذر عن الميت والرجل يحج عن المرأة فيه: ابن عباس: (( أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي - عليه السلام- فقالت: إن أمي نذرت أن تحج؛ فلم تحج حتى ماتت ، أفأحج - ٥٢٣ - عنها ؟ قال : حجي عنها ، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت (قاضية؟) (١) اقْضُوا الله ، فالله أحق بالوفاء)). اختلف العلماء في الرجل يموت وعليه حجة الإسلام أو حجةُ نذر؛ فقالت طائفة : يجوز أن يُحج عنه وإن لم يُوصِ بذلك ، ويُجزئه . روي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة ، وهو قول عطاء وابن سيرين ومكحول وسعيد بن المسيب وطاوس ، وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور . وقالت طائفة : لا يحج أحد عن أحدٍ ، روي ذلك عن ابن عمر والقاسم بن محمد والنخعي . وقال مالك والليث : لا يَحج أحد عن أحدٍ إلا عن ميت لم يحج حجة الإسلام ولا ينوب عن فرضه . فإن أوصى بذلك الميت ؛ فعند مالك وأبي حنيفة يُخرج من ثلثه ! وهو قول النخعي . وعند الشافعي يخرج من رأس ماله . وحجة أهل المقالة الأولى حديث ابن عباس قالوا : ألا ترى أن النبي - عليه السلام - شبه الحج بالدّين ، يجوز أن يقضيه عنه غيره ، أوصى بذلك أو لم يُوص ؛ لأن الرسول لم يشترط في إجازته ذلك ، إن كان من أمها لها فذلك أمرها ، ولو كان ذلك غير قاض عن أمها لكان عليه السلام قد أعلمها أن ذلك غير جائز ، إلا أن تحج [ عنها بأمرها ] (٢) فلما أعلمها عليه السلام أن ذلك قضاء [ عنها ] (٣) صح أن ذلك مجزئ عمنحج عنه ممن عجز عن أدائه في حياته ، وسبيل ذلك سبيل قضاء دين على رجل أن ذلك براءة للمقضى عنه بأمر الله ، (١) بوزن فاعلة، هذه رواية الكشميهني كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٤/ ٧٩) وفي سائر الروايات : ( قاضيته ) بضمير يعود على الدين . (٢) في (( الأصل)) : عنه بأمر ، وما أثبتناه يقتضيه السياق .. (٣) في ((الأصل)): عنه ، كذلك. : - ٥٢٤ - كان عليه أو بغير أمره ، وتشبيه الرسول ذلك بالدّين يدل أن ذلك عليه من جميع ماله دون ثلثه كسائر الديون ، قاله الطبري ، وذكر ابن المنذر أن عائشة اعتكفت / عن أخيها عبد الرحمن بعد موته . [٢/ ق١٢٦ -ب] وحجة من منع الحج عن غيره أن الحج عمل الإنسان ببدنه ، وقد أجمعوا أنه لا يُصلِّي أحد عن أحدٍ فكذلك الحج . قال ابن القصار : والدليل على أنه لا يَحجُّ أحد عن أحدٍ قوله عليه السلام: ((أرأيتٍ لو كان على أمك دين أكنت قاضيته )) ؟ إنما سألها : هل كنت تفعلين ذلك تطوعًا ؟ لأنه لا يجب عليها أن تقضي دين أمها إذا لم يكن لها تَرِكَة ؛ لأن الحج من عمل الأبدان وهي عبادة لا تصح النيابة مع القدرة ولا مع العجز في حال الحياة فلم يصح بعد الممات ، دليله الصلاة . وأما قول البخاري في الترجمة : والرجل يحج عن المرأة . وأدخل حديث المرأة التي سألت النبي عن ذلك ، فكان ينبغي أن يقول : والمرأة تحج عن المرأة . فالجواب عن ذلك أن النبي خاطب المرأة بخطاب دخل فيه الرجال والنساء، وهو قوله: (( اقضوا الله))، وهذا يصلح للمذكر والمؤنث، ولا خلاف في حج الرجل عن المرأة ، والمرأة عن الرجل ، إلا الحسن ابن صالح ، وسأذكر قوله في الباب بعد هذا - إن شاء الله . باب : الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة فيه: ابن عباس، عن الفضل: (( أن امرأة من خثعم عامَ حَجّة الوداع قالت : يا رسول الله، إن فريضة الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا ما يستطيع أن يستوي على الراحلة ، فهل يَقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: نعم)) . - ٥٢٥ - وترجم له باب : حج المرأة عن الرجل . واختلف العلماء في الذي لا يستطيع أن يستوي على الراحلة لكبر أو ضعف أو زمانة ، فذكر الطبري أن رجلا أتى علي بن أبي طالب فقال: كبرتُ وضعفتُ وفرطت في الحج . فقال : إن شئت فجهزت رجلا فحج عنك . ! وقال مالك : لا يلزمه فرض الحج أصلا وإن وجد المال وأمكنه أن يحمل من يحج عنه . وقال أبو حنيفة والشافعي : هو مستطيع يلزمه : أن يحج غيره يؤدي عنه الحج . واختلفا فقال الشافعي : إذا بذل له ابنه الطاعة وهو غير واجد للمال ؛ فإنه يحج عنه ويلزمه فرض الحج . وقال أبو حنيفة : لا يلزمه إلا إذا كان واجدًا للمال يمكنه أن يحمل غيره يحج عنه . واحتج أصحاب أبي حنيفة والشافعي بحديث الخثعمية . قال : وفي الحديث دليلان على وجوب الحج على المعضوب : أحدها : أنها قالت: ((إن فريضة الله في الحج أدركت أبي )) فأقرها الرسول على ذلك ، ولو لم يلزمه وهي قد ادْعَت وجوبه على أبيها بحضرته لأنكره - عليه السلام - والثاني : أنه شبهه بالدين في رواية عبد الرزاق ، عن ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار (( أن النبي - عليه السلام - حين أمر أن يحج عن الشيخ الكبير ، قيل : أَوَ ينفعه ذلك ؟ قال : نعم ، كما يكون على أحدكم الدّين فيقضيه)) . ولهذا : الدَّيْنُ الذي يُقضى عن الإنسان يكون واجبًا عليه ، ومن قضاه أسقط الفرض والمأثم ، فكذلك يجب أن يكون الحج ، مَنْ قضاه أسقط الفرض والمأثم جميعًا لقولها: (( فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟)) وروى عبد الرزاق: (( أينفعه أن أحج عنه ؟ قال: نعم)). قال ابن القصار: ولا دلالة لهم فيه ؛ لأنها قالت: ((إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي )) ولم تقل : فرضت على أبي ، - ٥٢٦ - وإنما قالت : إنها نزلت وأبي شيخ . أي : فرضت في وقتٍ أبي كبير لا يلزمه فرضها ، فلم ينكر عليه السلام قولها ، وقد يمكن أنها وهمت أن الذي فرض على العباد يجوز أن يدخل فيه أبوها غير أنه لا يقدر على الأداء . ولا يمتنع أن يتعلق الوجوب بشرطية القدرة على الأداء ، فيكون الفرض وجب على أبيها ثم وقت الأداء كان عاجزًا ؛ لأن الإنسان لو كان واجداً للراحلة والزاد ، وكان قادراً ببدنه ؛ لم يمتنع أن يقال له في الحرم : قد فرض عليك الحج ، فإن بقيت على ما أنت عليه إلى وقت الحج لزمك الأداء وإلا سقط عنك . ونحن نعلم ( أنه ) (١) فرض تراخي عن وقت الحج المضيق ، وإنما سألته في وقت الأداء عن ذلك، وقولها : (( أفأحج عنه ؟ قال : نعم)) لا يدل على أن الأداء كان مقدراً عليه فسقط بفعلها ، ولكنه أراد / ) (٢) من دعائها عليه السلام أنها إن فعلت ذلك لحقه ثواب ما ( في الحج ، كما لو تطوعت بقضاء دينه ، لا أنه مثل الدين في الحقيقة؛ لأن الدين حق لآدمي يسقط بالإبراء ويؤدى عنه مع القدرة والعجز بأمره مع الصحة وغير أمره (٣) ، ولو كان كالدين كان إذا حجت عنه ثم قوي وصح سقط عنه ، كما يقضى دين المعسر . [٢/ق١٢٧-١] وفي حديث الختعمية جواز حج المرأة عن الرجل ، وأجازه جماعة الفقهاء إلا الحسن بن صالح ؛ فإنه قال : لا يجوز . واعتل بأن المرأة تلبس الثياب في الإحرام والرجل لا يلبسها . قال ابن المنذر : وهذه غفلة وخروج عن ظاهر السنة ؛ لأن النبي - عليه السلام - أمر المرأة أن تحج عن أبيها ، وعلى هذا يعتمد من أجاز الحج عن غيره . (١) في ((الأصل)): أن. والمثبت أنسب للسياق. (٢) كلمة غير واضحة في ((الأصل)). (٣) هكذا السياق في ((الأصل)). - ٥٢٧ - واختلفوا في المریض یأمر من يحج عنه ، ثم يصح بعد ذلك وتعذّر؛ فقال الکوفیون والشافعي وأبو ثور : لا يجزئه ، وعليه أن يحج. وقال أحمد وإسحاق : يجزئه الحج عنه . وكذلك إن مات من مرضه وقد ◌ُحُج عنه ، فقال الكوفيون وأبو ثور : يجزئه من حجة الإسلام .. وقال الشافعي فيها ( قولان ) (١): أحدهما: هذا. والثاني: لا يجزئ عنه. وهو أصح القولين . .. باب : حج الصبيان فيه : ابن عباس : ((بعثني الرسول في الثّقَل من جمع بليلٍ. وقال : « أقبلت وقد ناهزت الحُلم ، أسیر علی أتان لي ، ورسول الله قائم يصلي منی ، حتى سرت بين يدي بعض الصف الأول ، ثم نزلت عنها ، فرتعت، فصففت مع الناس وراء رسول الله )) . وعن ابن شهاب: ((يصلي بمنى في حجة الوداع)). و وفيه السائب: ((حج بي مع النبي - عليه السلام - وأنا ابن [سبع](٢) سنين )) . اتفق أئمة الفتوى على سقوط فرض الحج عن الصبي حتى يبلغ ؛ لقوله عليه السلام: (( رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ)) إلا أنه إذا حُجَّ به كان له تطوعًا عند مالك والشافعي وجماعة من العلماء وعلى هذا المعنى حمل العلماء أحاديث هذا الباب . . وقال أبو حنيفة : لا يصح إحرامه ولا يلزمه شيء إن فعل من محظورات الإحرام، وإنما يُفعل به ذلك، ويجنب محظوراته على وجه (١) هكذا بالأصل ، والجادة : قولين . (٢) من الصحيح المطبوع (٨٥/٤) وفي ((الأصل)): تسع. وهو تحريف. - ٥٢٨ - التعليم له والتمرين عليه ، كما قالوا في صلاته أنها لا تكون صلاة أصلا ، وشذ من لا يُعد خلافه فقال : إذا حَج الصبي قبل بلوغه أجزأه ذلك عن حجة الإسلام ولم يكن عليه أن يحج بعد بلوغه ، واحتج بحديث ابن عباس: (( أن امرأة سألت النبي - عليه السلام - عن صبي : هل لهذا حج ؟ قال : نعم ، ولك أجر )) ذكره الطحاوي. قال ابن القصار : والحجة على أبي حنيفة في نفيه عنه حج التطوع ما رواه ابن عباس من قول المرأة: ((ألهذا حج يا رسول الله ؟ قال: نعم ، ولك أجر)) فأضاف الحج الشرعي إليه فوجب أن يتعلق به أحكامه، وأكد هذا بقوله: (( ولك أجر )) أخبر أنها تستحق الثواب عن إحجاجه ، وهذا مذهب ابن عباس وابن عمر وعائشة . وقد روي عن ابن عباس أنه قال لرجل حج بابنٍ صبيًّ له أصاب حمامًا في الحرم: اذْبَحْ عن ابنك شاة . وأجمع العلماء أن جنايات الصبيان لازمة لهم في أموالهم ، قال الطحاوي : وتأويل الحديث عندنا أن النبي - عليه السلام - أوجب للصبي حجا وهذا مما قد أجمع الناس عليه ، ولم يختلفوا أن للصبي حجا كما أن له صلاة ، وليست تلك الصلاة بفريضة عليه ، فكذلك يجوز أن يكون له حجا ولا يكون فريضة عليه، وإنما هذا الحديث حجة على من زعم أنه لا حج للصبي ، وأما من يقول أن له حجا وأنه غير فريضة فلم يخالف الحديث ، وإنما خالف تأويل مخالفه خاصة . وقال الطبري : جعل له صلى الله عليه حجا مضافًا كما يضاف إليه القيام والقعود والأكل والشرب ، وإن لم يكن ذلك من فعله على الوجه الذي يفعله أهل التمييز باختيار . - ٥٢٩ - قال الطحاوي : هذا ابن عباس وهو راوي الحديث قد [صرف](١). حج الصبي إلى غير الفريضة ، حدثنا ابن خزيمة ، حدثنا عبد الله بن (٢/ ١٢٧٥ -ب] رجاء ، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي [السفر ] (٢) قال : سمعت ابن عباس يقول : يا أيها الناس ، أسمعوني ما تقولون، ولا تخرجوا تقولوا : قال ابن عباس ، أيما غلام حج به أهلُه فمات فقد قضى حجة الإسلام ، فإن عتق فعليه الحج . وقد أجمعوا أن صبيا لو دخل وقت صلاة فصلاها، ثم [ بلغ](٣) بعد ذلك [ في ] (٤) وقتها أن عليه أن يعيدها ، فكذلك الحج ، وذكر الطبري : أن هذا تأويل سلف الأمة ، وروي أن أبا بكر الصديق حج بابن الزبير في ( أ) (٥) وقال عمر : أحجوا هذه الذرية . فكان ابن عمر يجرد صبيانه عند الإحرام ويقف بهم ( المواقيف ) (٦) وكانت عائشة تفعل ذلك وفعله عروة بن الزبير ، قال عطاء : يجرد الصغير ويلبى عنه، ويجنب ما يجنب الكبير ويقضى عنه كل شيء إلا الصلاة، فإن عقل الصلاة صلاها ، فإذا بلغ وجب عليه الحج . واختلفوا في الصبي والعبد يحرمان بالحج ثم يحتلم الصبي ويُعتق العبد قبل الوقوف بعرفة ؛ فقال مالك : لا سبيل إلى رفض الإحرام ويتماديان عليه ولا يجزئهما عن حجة الإسلام . وقال الشافعي : إذا نويا بإحرامهما المتقدم حجة الإسلام أجزأ عنهما . وعند مالك : أنهما لو استأنفا الإحرام قبل الوقوف بعرفة أنه لا يجزئهما من حجة الإسلام، وهو قول أبي حنيفة ؛ لأنه يصح عنده رفض الإحرام . (١) من شرح المعاني (٢٥٧/٢)، وفي ((الأصل)): فرض. وهو تحريف. (٢) من شرح المعاني، وفي (( الأصل)): الصفر . وهو خطأ. (٣) في ((الأصل)): دخل وهو خطأ، والمثبت من شرح المعاني . (٤) من شرح المعاني، وليست في (( الأصل)). (٥) كلمة لم أتبيّن قراءتها، ولم أقف على هذا الخبر. (٦) كذا فى ((الأصل)). - ٥٣٠ - وحجة مالك أن الله - تعالى - أمر كل من دخل في حج أو عمرة بإتمامه تطوعًا كان أو فرضًا ؛ لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾(١) ومن رفض إحرامه فلم يتم حجه ولا عمرته. وحجة الشافعي في إسقاط تجديد النية أنه جائز عنده لكل من نوى بإهلاله أن يصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة ؛ لأن النبي أمر أصحابه المهلين بالحج أن يفسخوه في عمرة ، فدل أن النية في الإحرام ليست كالنية في الصلاة ، وحجة أبي حنيفة : أن الحج الذي كان فيه لما لم يكن يجزئ عنده ولم يكن الفرض لازمًا له في حين إحرامه ، ثم لما لزمه حين بلغ ، استحال أن يشتغل عن فرض قد تعين عليه بنافلة ويعطل فرضه ، كمن دخل في نافلة ، فأقيمت عليه مكتوبة وخشي فوتها قطع النافلة ودخل في المكتوبة وأحرم لها ، فكذلك الحج يلزمه أن يجدد له الإحرام ؛ لأنه لم يكن للفريضة . باب : حج النساء وأذنَ عمر لأزواج النبي - عليه السلام - في آخر حجة حجها فبعث معهن عثمان وعبد الرحمن . فيه : عائشة قالت (( يا رسول الله ، ألا نغزو ونجاهد معكم ؟ قال : لكنّ أحسنَ الجهاد وأجملَه حَج مبرور. فلا أدع الحج بعد إِذْ سمعت هذا من النبي - عليه السلام)) . وفيه : ابن عباس قال النبي - عليه السلام -: (( لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم، فقال : إني أريد أن أخرج في جيش كذا وامرأتي تريد الحج. فقال : اخرج معها)). (١) البقرة : ١٩٦ . - ٥٣١ - وفيه : ابن عباس : (( لما رجع الرسول من حجته قال لأم سنان : ما منعك من الحج ... )) الحديث . قال المهلب : قوله عليه السلام : (( لكنّ أفضل الجهاد حج مبرور )) يبطل إفك المتشيعين وكذب الرافضيين فيما اختلقوه من الكذب على النبي - عليه السلام - أنه قال لأزواجه في حجة الوداع : ((هذه، ثم ظهور الحصر)) . وهذا ظاهر الاختلاق (١) ؛ لأنه عليه السلام حَضَهَنْ على الحج وبَشَّرَهُنَّ أنه أفضل جهادهن ، وأذن عمر لهن في الحج ، ومسير عثمان وغيره من أئمة الهدى معهن حجة قاطعة على الإجماع على ما كُذِبَ به على النبي - عليه السلام - في أمر عائشة والتسبب إلى عرضها المظهر، وكذلك قولهم: (( فتقاتلي عليا وأنت له ظالمة؟!)) إفك وباطل لا يصح ، وأما سفرها إلى مكة مع غير ذي محرم منها من النسب ؛ فالمسلمون كلهم أبناؤها وذوو محارمها بكتاب الله - تعالى - كيف وإنها كانت تخرج في رفقة مأمونة وخدمة كافية؟ هذه الحال ترفع تحريج الرسول عن النساء المسافرات بغير ذي محرم ، [٢/ ١٢٨٥-١) كذلك قال مالك والأوزاعي والشافعي: / تخرج المرأة في حجة الفريضة مع جماعة النساء في رفقة مأمونة وإن لم يكن معها محرم ، وجمهور العلماء على جواز ذلك ، وكان ابن عمر يحج معه نسوة من جيرانه ، وهو قول عطاء وسعيد بن جبير وابن سيرين والحسن البصري، وقال الحسن : المسلم محرم ، ولعل بعض من ليس بمحرم أوثق من المحرم . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تحج المرأة إلا مع ذي محرم . وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور ، حملوا نهيه على العموم في كل سفر، وحمله مالك وجمهور الفقهاء على الخصوص، وأن المراد بالنهي (١) انظر الفتح (٨٨/٤) - - ٥٣٢ - الأسفار غير الواجبة عليها واحتجوا بعموم قوله تعالى : ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ (١) فدخلت المرأة في عموم هذا الخطاب ولزمها فرض الحج ، ولا يجوز أن تُمنع المرأة من الفروض كما لا تمنع من الصلاة والصيام ؛ ألا ترى أن عليها أن تهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام إذا أسلمت فيه بغير محرم ، وكذلك كل واجب عليها أن تخرج فيه ، فثبت بهذا أن نهيه عليه السلام أن تسافر المرأة مع غير ذي محرم أنه أراد بذلك سفراً غير واجب عليها ، والله أعلم . واتفق الفقهاء أَن لَيْسَ للرجل منع زوجته حجة الفريضة ، وأنها تخرج للحج بغير إذنه ، وللشافعي قول أنها لا تخرج إلا بإذنه ، وأصح قوليه ما وافق فيه سائر العلماء ، وقد أجمعوا أنه لا يمنعها من صلاة ولا من صيام ، فكذلك الحج . وسيأتي في كتاب الجهاد في باب : من اكتتب في جيش فخرجت امرأته حاجّة، أن معنى قوله عليه السلام: ((ارجع فاحجج مع امرأتك)» أنه محمول على الندب لا على الوجوب. باب : من نذر أن يمشي إلى الكعبة فيه : أنس : (( أن النبي - عليه السلام - رأى شيخًا يُهادَى بَيْنَ ابْنِيّه، قال: ما بالُ هذا ؟ قالوا : نذر أن يمشي . قال : إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني . وأمره أن یرکب )» . وفيه : عقبة قال: (( نذرتْ أُختي أن تمشي إلى بيت الله ، وأمرتني أن أستفتي لها الرسول، فقال: لتمش [ و](٢) لتركبْ)). (١) آل عمران : ٩٧ . (٢) من الصحيح المطبوع (٩٤/٤) وهو الصواب، وفي (( الأصل)»: أو . - ٥٣٣ - أخذ أهل الظاهر بحديث أنس وعقبة بن عامر وقالوا : من عجز عن المشي فلا هدي عليه اتباعًا للسنة في ذلك ، قالوا : ولا يثبت شيء في الذمة إلا بيقين ، وليس المشي مما يوجب نذرًا ؛ لأن فيه تعب الأبدان ، وليس الماشي في حال مشيه في حرمة إحرام ، فلم يجب عليه المشي ولا بدل منه . وأما سائر الفقهاء فإن لهم في هذه المسألة ثلاثة أقوال غير هذه : ! الأول : روي عن علي بن أبي طالب وابن عمر أن من نذر المشي إلى بيت الله فعجز ، أنه يمشي ما استطاع ، فإذا عجز ركب وأهدى . وهو قول عطاء والحسن، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، إلا أن أبا حنيفة وأصحابه قالوا : وكذلك إن ركب وهو غير عاجز ، قالوا :" ويكفر يمينه لحنثه [كما] (١) حكاه الطحاوي عنه، وقال الشافعي : الهدي في هذه المسألة احتياط من قِبَل أنه من لم يُطِقْ شيئًا سقط عنه ، وحجتهم ما رواه همام ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن عقبة ابن عامر « أن أخته نذرت المشي إلى بيت الله ، فسأل الرسول عن ذلك ، فقال : إن الله لغني عن نذر أختك، فلتركب ولتُهد )). والقول الثاني : يعود ثم يحج مرة أخرى ، ثم يمشي مَا ركبَ ولا هَدْي عليه ، هذا قول ابن عمر ، ذكره مالك في الموطأ ، وروي عن ابن عباس وابن الزبير والنخعي وسعيد بن جبير .. والقول الثالث : يعود فيمشي ما رکب وعليه الهدي ، روي عن ابن عباس أيضًا ، وروي عن سعيد بن المسيب والنخعي ، وهو قول : مالك ، جمع عليه الأمرين : المشي والهدي ؛ احتياطًا لموضع تفريقه المشي الذي كان يلزمه في سفر واحد ، فجعله في سفرين قياسًا على التمتع والقران ، والله أعلم . (١) في (( الأصل)) : لما . : - ٥٣٤ - قال المؤلف : ويمكن أن يُتأولَ حديثُ أنسٍ وعُقبةَ بوجهٍ موافقٍ لفقهاء الأمصار ، حتى لا ينفرد أهل الظاهر بالقول بهما وذلك أن في نصهما ما يبيِّن المعنى فيهما ، وهو أن الرسول رأى شيخًا يهادى بين ابنيه فقال: ((إن الله / لغني عن تعذيب هذا نفسه)) فبان واتضح أنه [١٢٨٥/٢ -ب) كان غير قادر على المشي ، وممن لا ترجى له القدرة عليه ، ومن كان غير قادر على شيء سقط عنه . والعلماء متفقون أن الوفاء بالنذر إنما يكون فيما هو الله طاعة ، والوفاء به بر ، ولا طاعةَ ولا بِرَّ في تعذيب أحد نفسَه ، فكأن هذا الناذر نذر على نفسه ما لا يقدر على الوفاء به، وكان في معنى أبي إسرائيل الذي نذر ليقومن في الشمس ولا يستظل ويصوم ذلك اليوم فأمره عليه السلام [ بكفارة ] (١) وقد روي في حديث عقبة بن عامر ما يدل أن أخته كانت غير قادرة على المشي ، فلذلك لم يأمرها عليها السلام بالهَدْي . روى الطبري قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع ، حدثنا [الفضيل ] (٢) بن سليمان ، حدثنا محمد بن أبي يحيى الأسلمي ، حدثنا إسحاق بن سالم ، عن عقبة بن عامر (( أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة - وهي امرأة ثقيلة ، والمشي يشق عليها - فذكر ذلك عقبة للنبي - عليه السلام - فقال : إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا ، مُرها فلتركب )) فصح التأويل أنها نذرت وهي في حال من لا يُرجى له القدرة على الوفاء بما نذرت كأبي إسرائيل ، والعلماء مجمعون على سقوط المشي على من لا يقدر عليه ، فسقوط الهَدْي أَحْرَى ، وإن كان مالك يستحب الهدي لمن عجز عن المشي . (١) في (( الأصل)): كفارة . (٢) في ((الأصل)) : الفضل، وهو خطأ : انظر ترجمة الفضيل - وهو النميري البصري - في تهذيب الكمال (٢٧١/٢٣). - ٥٣٥ - قال الطحاوي : ونظرنا في قول من قال : ليس الماشي في حرمة إحرام فرأينا الحج فيه الطواف بالبيت والوقوف بعرفة وجمع ، وكان الطواف منه ما يفعله الرجل في حال إحرامه وهو طواف الزيارة ، ومنه ما يفعله بعد أن يحل من إحرامه ، وهو طواف الصَّدْر ، فكان ذلك من أسباب الحج قد أريد أن يفعله الرجل ماشيًا ، وكان إن فعله راكبًا مقصراً وجعل عليه الدم ، هذا إذا فعله من غير علة ، وإن فعله من علة فالناس مختلفون في ذلك قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : لا شيء عليه . وقال غيرهم : عليه دم . وهو النظر عندنا ؛ لأن العلل إنما تُسقط الآثام في انتهاك المحرمات ولا تُسقط الكفارات ، فحلق الرأس في الإحرام إن حلقه من غير عذر عليه الإثم والكفارة ، فإن اضطر إلى حلقه فعليه الكفارة ولا إثم عليه ، فكذلك المشي الذي قبل الإحرام لما كان من أسباب الإحرام ، كان حكمه حكم المشي الواجب في الإحرام يجب على تاركه الدم . باب : ما جاء في حرم المدينة فيه: أنس قال عليه السلام: ((المدينة حَرَم من كذا إلى كذا ، لا يُقطع شجرها ولا يُحدث فيها حَدَث ، من أحدث حدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين )» . وقال أنس: (( قدم النبي - عليه السلام - المدينة فأمر ببناء المسجد، فقال : يا بني النجار ، ثامنوني بحائطکم هذا . قالوا: لا نطالب بثمنه إلا إلى الله ، فأمر بقبور المشركين فنبشت ، ثم بالخرب فسویت ، وبالنخل فقطع ، فصفوا النخل قبلة المسجد )) . وفيه: أبو هريرة قال رسول الله: (( حُرِّم ما بين لابتي المدينة على لساني، - ٥٣٦ - وأتى الرسولُ بني حارثة ، وقال : أراكم يا بني حارثة قد خرجتم من الحرم . ثم التفت فقال : بل أنتم فيه )) . وفيه : علي - رضي الله عنه - قال: (( ما عندنا إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي - عليه السلام - : المدينة حَرَم ما بين عائر إلى كذا، من أحدث فيها حدثًّا أو آوى محدثًا ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يُقبل منه صرف ولا عدل ... )) الحديث . حَرَّمَ رسولُ الله المدينةَ إلى الحدود المشار إليها، و((عائر )) جبل بقرب المدينة، ويروى: ((عير)) وقوله: ((إلى [ كذا] (١))) وقع في بعض الأمهات وفي بعض الكتب من رواية ابن السكن (( ما بين عير إلى ثور )) وثور جبل معروف أيضاً . قال أبو عبيد والطبري : وقد أنكر قوم من أهل المدينة أن يكون بها جبل يسمى ثورًا ، وقال : إنما ثور بمكة . / قال أبو عبيد: فنرى الحديث إنما أصله ((ما بين عير إلى أحد)) [٢/ ١٢٩٢ -) وكذلك حَرَّمَ ما بين لابتي المدينة ، واللابة : الحرة ، وهو الموضع ذو الحجارة السود . قال أبو عبيد : وجمعها لاب ولوب . قال ابن حبيب: وتحريم رسول الله لابتي المدينة إنما ذلك في الصيد، فأما قطع الشجر فبريد في بريد في دور المدينة كلها ، كذلك أخبرني مطرف عن مالك ، وهو قول عمر بن عبد العزيز ، واللابتان هما : الحرتان الغربية والشرقية ، وللمدينة حرتان أيضًا : حرة في القبلة وحرة في الجوف وترجع كلها إلى الحرتين ؛ لأن القبلة والجوفية متصلان بهما، ولذلك حرم رسول الله ما بين لابتي المدينة ، جمع دورها كلها في اللابتين ، وقد ردها حسان بن ثابت إلى حرة واحدة فقال : (١) في ((الأصل)): هكذا، وسبقت في المتن كما أثبتها هنا، وهو الصواب. - ٥٣٧ - لنا حرة مأطورة بجبالها بنى العز فيها بيته فتأثلا .... وقوله : مأطورة يعني : مقطوعة بجبالها لاستدارتها ، وإنما جبالها الحجارة السود التي تسمى : الجرار . قال المهلب : وإنما أدخل حديث أنس في بناء المسجد في هذا الباب بعد قوله: (( لا يقطع شجرها)) ليعرفك أن قطع النخل ونبش قبور المشركين ليس هو القطع الذي نهي عنه في تحريم المدينة ؛ لأن قطع النخيل كان لتبويء المسلمين مسجدًا . ففي هذا من الفقه أن من أراد أن يتخذ جنانًا في حرم ليعمرها ، ويغرس فيها النخل ، ويزرع فيها الحبوب ، أنه لا يتوجه إليه النهي عن قطع شجرها ، ولا يمنع من قطع ما فيه من شجر الشعر أو شوكها ؛ لأنه يبتغي الصالح والتأسيس للسكنى في موضع العمارة ، فهذا يبين وجه النهي أنه موقوف على المفسد لبهجة المدينة وخضرتها لعين المهاجر إليها حتى تبتهج نفسه لنضرتها ويرتاح بمبانيها ، وإن كان ابتهاجه بمسجدها بيت الله - تعالى - ومنزل ملائكته ومحل وحيه أعظم . والسرور به أشد وقيل : قطعه عليه السلام للنخيل من موضع المسجد يدل أن النهي إنما يتوجه إلى ما أثبته الله من المسجد مما لا صنع فيه الآدمي ؛ لأن النخيل التي قطعت من موضع المسجد كانت من غرس الآدميين ؛ لأنه طلب شراء الحائط من بني النجار إذا كان ملكًا لهم ، فقالوا : لا نطلب ثمنه إلا إلى الله ، وعلى هذا التأويل حمل نهيه عليه السلام عن قطع شجر مكة . واتفق مالك والشافعي وأحمد وجمهور الفقهاء على أن الصيد محرم في حرم المدينة . . وقال أبو حنيفة وأصحابه : صيد المدينة غير محرم ، وكذلك قطع . .. . - ٥٣٨ - شجرها ، فخالف آثار هذا الباب ، واحتج الطحاوي بحديث أنس ((أن النبي - عليه السلام - دخل داره وكان لأنس أخ صغير ، وكان لهم نغير يلعب به ، فقال له النبي - عليه السلام - : يا أبا عمير ، ما فعل النغير ؟)) وهذا لا حجة فيه ؛ لأنه يمكن أن يصطاد ذلك النغر من غير حرم المدينة . وحجة الجماعة : أن الصحابة فهمت من الرسول تحريم الصيد في حرم المدينة ؛ لأنهم أمروا بذلك. وأفتوا به ، وهم القدوة الذين يجب اتباعهم . وروي عن أبي سعيد الخدري أنه كان يضرب بنيه إذا اصطادوا فيه ويرسل الصيد . وروي عن سعد بن أبي وقاص : أنه أخذ سلب من صاد في حرم المدينة وقطع شجرها ، ورواه عن النبي - عليه السلام - إلا أن أئمة الفتوى لم يقولوا بأخذ سلبه . قال المهلب: وقوله عليه السلام: (( حُرم ما بين لابتي المدينة على لساني )) يريد أن تحريمها كان من طريق الوحي ، فوجب تحريم صيدها وقطع شجرها ، إلا أن جمهور العلماء على أنه لا جزاء في حرم المدينة ، لكنه آثم عندهم من استحل حرم رسول الله ، فإن قال الكوفيون : لما أجمعوا على سقوط الجزاء في حرم المدينة دل أنه غير محرم . قيل : لا حجة في هذا ؛ لأن صيد مكة قد كان محرماً على غير أمة محمد ، ولم يكن عليهم فيه جزاء وإنما الجزاء / فيه على أمة محمد ، [٢/ ١٢٩ -ب] فليس إيجاب الجزاء فيه علة للتحريم ، وشذ ابن أبي ذئب ، ونافع صاحب مالك ، والشافعي في أحد قوليه فأوجبوا فيه الجزاء . - ٥٣٩ - قال ابن القصار : والدليل على سقوط الجزاء أن الرسول لما حرم المدينة وذكر ما ذكر لم يذكر جزاءً على من قتل الصيد بها ، وما كان من جهته عليه السلام لم يكن تبيان لما في القرآن فليس محرم تحريم القرآن ، وإنما هو مكروه حتى يكونَ بَيْنَ تحريمه وتحريم القرآن فرق . فإن احتجوا بحديث سعد أن الرسول قال: (( من وجدتموه يصيد في حرم المدينة ويقطع شجرها ؛ فخذوا سلبه )) فلم يصح عند مالك ولا رأى العمل عليه بالمدينة ، ولو صح الحديث عن الرسول لأوجب الجزاء على من لا سلب له ، ولو لم يكن على القاتل إلا ما يستر به عورته لم يجز أخذه وكشف عورته ، فثبت أن الصيد ليس بمضمون أصلا . ألا ترى أن صيد مكة لما كان مضمونًا لم يفترق حكم الغني والفقير ومن له سلب ومن لا سلب له في أنه مضمون عليه في أي وقت قدر. وقد قال مالك : لم أسمع أن في صيد المدينة جزاءً ، ومن مضى أعلم ممن بقي ، فقيل له : فهل يؤكل ؟ فقال : ليس كالذي يصاد بمكة وإني لأكرهه . قال المهلب : وفي حديث أنس وعلي من الفقه لعنة أهل المعاصي والعناد لأوامر النبي عليه السلام . وفيه: أن المحدث في حرم المدينة والمؤوي للمحدث في الإثم سواء ... وقول بني النجار : (( لا نطلب ثمنه إلا من الله )) فيه من الفقه إثبات الأحباس المراد بها وجه الله ؛ لأنهم وهبوا البقعة للمسلمين حبسًاً موقوفًا عليهم ، فطلبوا الأجر على ذلك من الله . ۔ ۔ وفي حديث أبي هريرة من الفقه أن للعالم أن يقول على غلبة الظن، ثم ينظر فيصح النظر ، ويقول بعد ذلك ، كما قال عليه السلام لبني حارثة . - ٥٤٠ -