Indexed OCR Text
Pages 501-520
قال الطحاوي : ولا وجه لتفريقهم بين الحدود التي تأتي على النفس وبين التي لا تأتي عليها ؛ لأن الحرم إن كان دخوله يؤمن عند العقوبات في الأنفس ، يؤمن فيما دونها ، وإن كان لا يؤمن من العقوبات / فيما دون الأنفس فلا يؤمن منها في الأنفس ، ولم يفرق [٢/ق١٢١ -ب] ابن عباس بين شيء من ذلك ، فقوله أولى من قول أبي حنيفة وأصحابه لا سيما ولا يُعلم أحد من أصحاب النبي خالفه في قوله . باب : لا يُنَفَّرُ صيدُ الحرم فيه : ابن عباس: قال النبي - عليه السلام -: ((إن الله حرم مكة فلا تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ، وإنما أُحلت لي ساعة من نهار، لا يختلى خلاها ، ولا يعضد شجرها ، ولا ينفر صيدها ، ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرِّف ، فقال العباس : يا رسول الله ، إلا الإذخر لصاغتنا وقبورنا، فقال: إلا الإذخر )) فقال عكرمة : ينفر صيدها، هو أن ينحيه من الظل ینزل مكانه . قال الطبري : فيه البيان البين أن صيد الحرم حرام اصطياده ، وذلك أن النبي - عليه السلام - إذ نهى عن تنفير صيده ؛ فاصطياده أوكد في التحريم من تنفيره ، فإن قيل : أفنقول : إن نفر صيده فعليه الجزاء ؟ قيل : إن أداه تنفيره إلى هلاك الصيد كان عليه الجزاء ، وإن لم يكن تنفيره سببًا إلى إهلاكه لم يجب عليه شيء غير التوبة ، ولا خلاف في هذا بين الفقهاء . وقد روي عن عطاء أنه من أخذ طائرًاً في الحرم ثم أرسله قال : يطعم شيئًا لما نفره . وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه لا شيء في التنفير ، روى شعبة عن الحكم ، عن شيخ من أهل مكة أن حمامًا كان على البيت فذرق على يد عمر ، فأشار عمر بيده فطار ، فوقع - ٥٠١ - على بعض بيوت مكة ، فجاءت حية فأكلته ، فحكم عمر على نفسه : بشاة ، فلم ير عمر لما نفر الحمامة عليه شيئًا حتى تلفت ، ورأى أن تلفها كان من سبب تنفيره ، وإنما استجاز عمر تنفيره من الموضع الذي كان واقفًا عليه مع علمه أن تنفير صيده غير جائز ؛ لأنه ذرق على يده، فکان له طرده عن الموضع الذي يلحقه أذاه في كونه فيه ، وکذلك كان عطاء يقول في معنى ذلك . قال ابن جريج : قلت لعطاء : كم في بيضة من بيض الحمام ؟ قال: نصف درهم ، ويحكم فيه ، فقال له إنسان : بيضة وجدتها على فراشي أميطها عنه ؟ قال : نعم . قال : وجدتها في سهوة وفي مكان من البيت ؟ قال : لا تمطها . فرأى عطاء إن أماط عن فراشه بيضة من بيض حمام الحرم غير حرج ، ولا لازم بإماطته إياها شيء ؛ لأن مِنْ تَرْكه إياها على فراشه عليه أذى ، ولم ير جائزًا إماطتها عن الموضع الذي لا أذى عليه في كونها فيه ، فكذلك كان فعل عمر في إطارته الحمامة التي ذرقت على يده من الموضع الذي كانت واقفة عليه . وقوله: (( لا يختلى خلاها )) يريد لا يقطع عشبها، والخلى مقصور: كل كلا رُطب ؛ فإذا يبس كان حشيشًا ، قال الطبري : واتفق الفقهاء أن نهيه عليه السلام عن اختلاء خلاها ، هو مما ينبت فيه مما أنبته الله ولم يكن الآدمي فيه صنع ، فأما ما أنبته الآدميون فلا بأس باختلائه . واختلف السلف في الرعي في خلاها ، هل هو داخل في نهيه عليه السلام عن الاختلاء أم لا ؟ فقال بعضهم : ذلك غير داخل في النهي عن الاختلاء ، ولا بأس بالرعي فيها . روي ذلك عن عطاء وطاوس ومجاهد وابن أبي ليلى ، قالوا : لا بأس بالرعي في الحرم إلا أنه لا يخبط . : - ٥٠٢ - قال المؤلف : وحكى ابن المنذر مثله عن أبي يوسف والشافعي. قال الطبري : وعلة هذه المقالة أن النهي إنما ورد في الاختلاء دون الرعي فيها ، والراعي غير مختل؛ لأن المختلي هو الذي يقطع الخلى بنفسه. وقال آخرون : لا يجوز الرعي فيها ؛ لأن الرعي أكثر من الاختلاء. هذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ، قالوا : لو جاز أن يرعى فيها جاز أن يحتش فيه إلا الإذخر خاصة . وقال مالك : لا يحتش أحد لدابة . واعتلوا بقوله - عليه السلام -: (( لا يختلى خلاها )) واختلاؤه : استهلاك له وإماتة ، وإرعاء المواشي فيه أكثر من احتشاشه في الاستهلاك . فإن قيل : فقد قلتم إن العلماء متفقون / على أن النهي من الاختلاء (٢/ ١٢٢٥-١] المراد به ما أنبته الله لم يكن لآدمي فيه صنع ، فكيف جوزتم اجتناء الكمأة ، وهي مما أنبته الله - تعالى - ولا صنع فيها لبني آدم ؟ فيقال له : إنما أجزنا ذلك ؛ لأن الكمأة لا يقع عليها اسم شجر ولا حشيش، وفي إجماع الجميع على أنه لا بأس بشرب مياه آباره والانتفاع بترابه ، الدليل الواضح على أن ما أحدث الله في حرمه مطلق أخذه والانتفاع به كالكمأة ؛ لأنها لا تستحق اسم كلا ولا شجر ، وإنما هي كبعض ما خلق فيها من الحجر والمدر والمياه؛ إذ لا أصل لها ثابت. فإن قيل : كيف ساغ للعباس أن يسأل النبي استثناء الإذخر ، وهو يسمعه يحرم الاختلاء وقطع الشجر؟ قيل : في ذلك جوابان : قال المهلب : يحتمل أن يكون تحريم مكة خاصَّةً من تحريم الله - تعالى - ويكون سائر ما ذكر في الحديث من تحريم الرسول ، فلذلك استثنى الإذخر ، ولو كان من تحريم الله ما استبيح منه إذخر ولا غيره ، وقد يأتي في آية وفي حديث أشياء فرض ، ومنها سنة ، ومنها رغبة ، ويكون الكلام فيها كلها واحد ، قال الله - تعالى - : ﴿يأمر بالعدل والإحسان - ٥٠٣ - وإيتاء ذي القربى﴾ (١) والعدل فرض ، والإحسان وإيتاء ذي القربى سنن ورغائب ، ومثله قوله - عليه السلام -: (( إذا ركع فاركعوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد )) نافلة وفيها قول آخر ، قيل : يحتمل أن يكون تحريم مكة وكل ما ذكر في الحديث من تحريم الله ، ويكون وجه استثنائه عليه السلام تحليل الإذخر دون استعلام الله تحليل ذلك ؛ لأن الله قد كان أعلم نبيه في كتابه بتحليل المحرمات عند الضرورات ، فمنها أن الله حرم الميتة والدم ولحم الخنزير وسائر ما في الآية وأحلها لعباده عند اضطرارهم إليها بقوله : ﴿فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم﴾ (٢) فلما كان هذا أصلا من أصول الشريعة قد أنزله الله في كتابه على رسوله ، وأخبره العباس أن الإذخر لا غنى بالناس عنه القبورهم وبيوتهم وصاغتهم ، حكم النبي - عليه السلام - بحكم المباحات عند الضرورات ، وهذا تأويل حسن . - .. باب : لا يحل القتال بمكة فيه : ابن عباس قال الرسول يوم افتتح مكة: (( لا هجرة ، ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا ؛ فإن هذا بلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض ، وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يعضد شوكه ... )) الحديث . قال الطبري : فيه الإبانة عن أن مكة غير جائز استحلالها ، ولا نصب الحرب عليها لقتال أهلها بعد ما حرمها رسول الله إلى قيام الساعة ، (١) النحل : ٩٠ . (٢) المائدة : ٣ . - ٥٠٤ - وذلك أنه - عليه السلام - أخبر حين فرغ من أمر المشركين بها أنها لله حرم ، وأنها لم تحل لأحد قبله ، ولا تحل لأحد بعده بعد تلك الساعة التي حارب فيها المشركين ، وأنها قد عادت حرمتها كما كانت، فكان معلوم بقوله هذا أنها لا تحل لأحد بعده بالمعنى الذي أحلت له به ، وذلك محاربة أهلها وقتالهم وردهم عن دينهم . قال المؤلف : إن قال قائل : قد رأينا الحَجَّاج وغيره قاتل مكة ونصب الحرب عليها ، وأن القرمطي الكافر قلع الحجر الأسود منها وأمسكه سبعة عشر عامًا ، فما وجه ذلك ؟ قيل له : معناه بيِّن بحمد الله ، وذلك أن الحَجَّاج وكل من نصب الحرب عليها بعد الرسول لم يكن ذلك مباحًا ولا حلالا كما حل للنبي - عليه السلام - وليس قول الرسول : (( وقد عادت حرمتها كما كانت ، ولا يحل القتال بها لأحد بعدي)) . أن هذا لا يقع ولا يكون ، وقد يَرِدُ ذلك ، وقد أنذرنا عليه السلام أن ذا السويقتين من الحبشة يهدم الكعبة حَجَرًاً حَجَرًاً ، وإنما معناه / أن قتالها ونصب الحرب عليها حرام بعد النبي على كل أحد [١٢٢٥/٢-ب] إلى يوم القيامة ، وأن من استباح ذلك فقد ركب ذنبًا عظيمًا ، واستحل محرمًا شنيعًا . قال الطبري : فإن قيل : فلو ارتد مرتد بمكة، أو ارتد قوم فيها فمنع أهلها السلطان من إقامة الحد عليه ، أيجوز للسلطان بها حربهم وقتالهم حتى يصل إلى من يجب عليه إقامة الحد ؟ قيل : يجوز ذلك، ولكن يجب على الإمام الاحتيال لإخراجهم من الحرم حتى يقيم عليهم ما أوجبه الله فيهم ، والحيلة في ذلك حصار مانعيهم ، والحول بينهم وبين وصول الطعام إليهم وما يُضطرون مع فقده إلى إمكان السلطان منهم وممن لزمه حَدَّ الله - تعالى - حتى يخرج من الحرم ويقام عليه . - ٥٠٥ - باب : الحجامة للمحرم و کوی ابن عمر ابنه وهو محرم ، ويتداوى ما لم یکن فيه طيب فيه : ابن عباس : (( احتجم النبي - عليه السلام - وهو محرم)) . وفيه : ابن بحينة قال: ((احتجم النبي وهو محرم بِلَحْىٍ جَمَلٍ في وسط رأسه )) . قوله: (( بلحي جمل)» هو مكان بطريق مكة ، واختلف العلماء في الحجامة للمحرم ، فرخص فيها عطاء ومسروق وإبراهيم وطاوس والشعبي ، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق ، وأخذوا بظاهر هذا الحديث ، وقالوا : ما لم يقطع الشعر . وقال قوم : لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة . روي ذلك عن ابن عمر ، وبه قال مالك ، وحجة هذا القول أن بعض الرواة يقول إن النبي احتجم لضرر كان به ، رواه هشام بن حسان عن عكرمة ، عن ابن عباس « أن النبي - عليه السلام - إنما احتجم وهو محرم في رأسه لأذى كان به )) . ورواه حميد الطويل ، عن أنس قال : (( احتجم رسول الله من وجع كان به )) ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز له حلق شيء من شعر رأسه حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر إلا من ضرورة ، وأنه إن حلقه من ضرورة فعليه الفدية التي قضى بها رسول الله على كعب بن عجرة، وإن لم يحلق المحتجم شعراً فهو كالعرق يقطعه ، أو الدمل يبطه ، أو القرحة ينكأها ، ولا يضره ذلك ، ولا شيء عليه فيه عند جماعة العلماء . وقال الطبري : فيه من الفقه الإبانة أن للمحرم إذا احتاج إلى إخراج - ٥٠٦ - دمه : الاحتجامَ والفصدَ ما لم يقطع شعرًاً ، وأن له العلاج لكل ما عرض له من علة في جسده بما رجى دفع مكروهها عنه من الأدوية بَعْدَ ألا يأتي في ذلك ما هو محظور عليه في حال إحرامه ، ثم لا يلزمه بكل ما فعل من ذلك فدية ولا كفارة ، وكذلك له بط دمل وقلع ضرس إن اشتكاه ؛ لأن النبي - عليه السلام - احتجم في حال إحرامه لحاجته إلى ذلك ، ثم لم ينقل عنه ناقل أنه حظر ذلك على أحد من أمته ولا أنه افتدى ، فبان بذلك أن كل ما كان نظير الحجامة التي هي إخراج الدم من جسده فله فعله ، ونظير ذلك بط الحدس ، وقلع الضرس ، وفصد العِرْق ، وقطع الظفر الذي انقطع فتعلق فآذى صاحبه ، أن على المحرم قلعه ، ولا يلزمه لذلك كفارة ولا فدية . وقال ابن المنذر : أجمعوا أن للمحرم أن يزيل عن نفسه ما انكسر من أظفاره ، وأجمعوا أنه ممنوع من أخذ أظفاره ، وذكر عن الكوفيين أن المحرم إذا أصابه في أظافيره أذى [ فقصها ] (١) يكفر بأي الكفارات شاء . وقال أبو ثور : فيها قولان : أحدهما : قول الكوفيين ، والثاني : لا شيء عليه ، بمنزلة الظفر ينكسر . وقال ابن القاسم : لا شيء عليه إذا أراد أن يداوى قرحة فلم يقدر على ذلك إلا أن يقلم أظفاره . وقال ابن عباس : إذا وجعه ضرسه ينزعه ، فإن الله لا يصنع بأذاكم ، وكذلك إذا انكسر ظفره . وقاله عطاء وإبراهيم وسعيد بن المسيب ، وقال عطاء : ينتقش الشوكة من رجله ويداوي جرحه . وقال عطاء : إن أصابته شجة فلا بأس أن يأخذ ما حولها من الشعر ، ثم يداويها بما ليس فيه طيب . (١) في ((الأصل)) : نقصها . وما أثبتناه يقتضيه السياق. - ٥٠٧ - [٢ /ق١٢٣-١] باب : تزويج المحرم / فيه: ابن عباس (( أن النبي - عليه السلام - تزوج ميمونة وهو محرم)) . اختلفت الآثار في تزويج رسول الله میمونة ، فروی ابن عباس أنه تزوجها وهو محرم ، وروى أنه تزوجها وهو حلال ، والروايات في ذلك متواترة عن أبي رافع مولى النبي - عليه السلام - وعن سليمان ابن يسار وهو مولاها ، وعن يزيد الأصم وهو ابن أختها . فمنها حدیث میمون بن مهران ، عن یزید بن الأصم قال : حدثشي ميمونة بنت الحارث: (( أن النبي - عليه السلام - تزوجها وهو خلال)» قال يزيد : كانت خالتي ، وخالة ابن عباس . وجمهور علماء المدينة يقولون ؛ لم ينكح رسول الله ميمونة إلا وهو جلال . 1. روى مالك، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار (( أن رسول الله بعث أبا رافع مولاه ورجلاً من الأنصار يزوجاه ميمونة بنت الحارث ، ورسول الله بالمدينة قبل أن يخرج)) . واختلف الفقهاء في ذلك من أجل اختلاف الآثار ، فذهب أهل المدينة إلى أن المحرم لا يَنكح ولا يُنكح غيره ، فإن فعل فالنكاح باطل، روي ذلك عن عمر بن الخطاب ، وعلي ، وزيد بن ثابت ، وابن عمر . وبه قال مالك ، والليث ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد . واحتجوا أيضًا بحديث مالك ، عن نبيه بن وهب ، عن أبان ابن عثمان ، عن عثمان بن عفان قال : سمعت النبي يقول: (( لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب )). وذهب الثوري والكوفيون إلى أنه يجوز للمحرم أن ينكح وينكح - ٥٠٨ - غيره . وهو قول ابن مسعود وابن عباس وأنس بن مالك ، ذكره الطحاوي ، وروي عن القاسم بن محمد والنخعي ، وحجتهم حديث ابن عباس وقالوا : الفروج لا تحل إلا بنكاح أو بشراء ، والأُمَّة مجمعة على أن المحرم يملك ذلك بشراء وهبة وميراث ولا يبطل ملكه ، فكذلك إذا ملكه بنكاح لا يبطل ملكه قياسًا على الشراء، عن الطبري، قال : والصواب عندنا أن نكاح المحرم فاسد يجب [فسخه ] (١) لصحة الخبر عن عثمان ، عن النبي - عليه السلام - بالنهي عن ذلك، وخبر ابن عباس أن النبي - عليه السلام - تزوج ميمونة وهو محرم . فقد عارضهم فيه غيرهم من الصحابة وقالوا : تزوجها وهو حلال ، فلم يكن قول القائلين : تزوجها وهو محرم أولى من قول القائلين تزوجها وهو حلال . وقد قال سعيد بن المسيب: وَهِمَ ابن عباس [ وإن كانت ] (٢) بخالته ، ما تزوجها إلا بعد ما أحل ، وحدثني يعقوب ، حدثني ابن علية ، حدثني أيوب قال : أنبئت أن الاختلاف إنما كان في نكاح رسول الله ميمونة : أن رسول الله بعث العباس بين يديه لينكحها إياه فأنكحه . قال بعضهم : أنكحها قبل أن يحرم ، وقال بعضهم : بعدما أحرم . وقد ثبت أن عُمر وعليا وزيدًا فرقوا بين محرم نكح وبين امرأته ، ولا يكون هذا إلا عن صحة ويقين. وأما قياسهم النكاح على الشراء؛ فإن الذين أفسدوا نكاح المحرم لم يفسدوه من جهة القياس والاستنباط، فتلزمهم المقاييس والنظائر والأشباه ، وإنما أفسدوه من جهة الخبر الوارد عن النبي - عليه السلام - بالنهي عن ذلك ، فالذي ينبغي لمخالفيهم (١) في (( الأصل)): نسخه. وما أثبتناه يقتضيه السياق. (٢) في ((الأصل)) : فإن كان. - ٥٠٩ - أن يناظروهم من جهة الخبر ؛ فإن ثبت لزمهم التسليم له ، وإن بطل صاروا حينئذ إلى استخراج الحكم فيه من الأمثال والأشباه ، فأما والخبر ثابت بالنهي عن النكاح فلا وجه للمقايسة فيه . باب : ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة وقالت عائشة: ((لا تلبس المحرمة ثوبًا بورس أو زعفران)). فيه: ابن عمر: (( قال رجل : ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب ؟ فقال النبي - عليه السلام - : لا تلبسوا القميص ولا السراويلات ... )) إلى قوله: (( ولا تلبسوا شيئًا مسه زعفران ولا ورس ... )) الحديث . وفيه : ابن عباس : (( وقصت برجل محرم ناقته فقتلته، فأُتي به النبي - عليه السلام - فقال : اغسلوه وكفنوه ، ولا تغطوا رأسه، ولا تقربوه طيبًا ؛ فإنه يبعث يوم القيامة يهل )). [١٢٣/٢-ب] قال الطحاوي : ذهب قوم إلى هذه الآثار ، فقالوا : كل ثوب / مسه ورس أو زعفران ، فلا يحل لبسه في الإحرام ، وإن غُسل ؛ لأن الرسول لم يبين في هذه الآثار ما غسل في ذلك مما لم يغسل . وخالفهم في ذلك آخرون ، فقالوا: ما غسل من ذلك حتى لا ينفض (١) فلا بأس بلبسه في الإحرام ؛ لأن الثوب الذي صُبغ إنما نهي عن لبسه في حال الإحرام لما كان دخله مما هو حرام على المحرم، فإذا غسل وذهب ذلك المعنى منه عاد الثوب إلى أصله الأول ، كالثوب الذي تصيبه النجاسة ، فإذا طهر حلت الصلاة فيه . . قال ابن المنذر : وممن رخص في ذلك : سعيد بن المسيب ، (١) مثله في شرح المعاني (٢/ ١٣٧) ويقال: نفض الشيء، أزاله وأسقطه ( المعجم الوسيط: ٩٤١/٢) والمقصود: غُسل حتى لا يُزال منه أكثر من ذلك، والله تعالى أعلم . - ٥١٠ - والنخعي ، والحسن البصري ، وعطاء ، وطاوس ، وبه قال [الكوفيون](١) والشافعي وأبو ثور ، وكان مالك يكره ذلك إلا أن يكون غُسل وذهب لونه . قال الطحاوي : وقد روي عن الرسول أنه استثناه ممَّا حرمه على المحرم من ذلك فقال : ( إلا أن یکون غسيلا ) حدثناه فهد ، حدثنا يحيى بن عبد الحميد ، حدثنا أبو معاوية [ و] (٢) حدثنا ابن أبي عمران ، حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي ، عن أبي معاوية ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - عليه السلام - بمثل حديثه الذي في الباب ، فثبت بهذا استثناء الغسيل مما قد مسه ورس أو زعفران . قال ابن أبي عمران : رأيت يحيى بن معين يتعجب من الحماني إذ حدث بهذا الحديث . وقال عبد الرحمن بن صالح : هذا عندي . فوثب من فَوْرِه ، فجاء بأصله ، فأخرج منه هذا الحديث عن أبي معاوية كما ذكره الحماني فكتبه عنه يحيى بن معين . # باب : اغتسال المحرم قال ابن عباس : يدخل المحرم الحمام . ولم ير ابن عمر وعائشة بالحك بأسًا . فيه: ابن عباس والمسور بن مخرمة: (( أنهما اختلفا بالأبواء)) فقال عبد الله ابن عباس : يغسل المحرم رأسه ؟ فقال المسور : لا ، فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري، فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستتر بثوب، (١) في ((الأصل)): الكوفيين . وهو خلاف الجادة . (٢) ما بين الحاجزين سقط من ((الأصل)) والصواب إثباته، انظر شرح المعاني (١٣٧/٢) . - ٥١١ - فسلمت عليه ، فقال : من هذا ؟ فقلت : عبد الله بن حنين ، أرسلني إليك عبد الله بن عباس يسألك كيف كان رسول الله يغسل رأسه وهو محرم . فوضع أبو أیوب یده على الثوب ، فطأطأه حتى بدا لي رأسه ، ثم قال لإنسان يصب عليه : اصبب . فصب على رأسه ، ثم حرك رأسه بيديه ، فأقبل بهما وأدبر ، فقال: هكذا رأيت رسول الله يفعل)). اختلف العلماء في غسل المحرم رأسه ، فذهب أبو حنيفة والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه لا بأس بذلك ، ورويت الرخصة في ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس وجابر ، وعليه الجمهور ، وحجتهم حديث أبي أيوب ، وكان مالك يكره ذلك للمحرم ، وذكر أن عبد الله بن عمر كان لا يغسل رأسه إلا من الاحتلام . قال مالك : فإذا رمى جمرة العقبة فقد حل له قتل القمل وحلق الشعر وإلقاء التفث ، وهو الذي سمعته من أهل العلم . وروي عن سعد بن عبادة مثل قول مالك ، وكان أشهب وابن وهب يتغاطسان في الماء وهما محرمان مخالفة لابن القاسم ، وكان ابن القاسم يقول : إن غمس رأسه في الماء أطعم شيئًا من طعام خوفًا من قتل الدواب ، ولا يجب الفداء إلا بيقين ، وغير ذلك استحباب ، ولا بأس عند جميع أصحاب مالك أن يصب المحرم على رأسه للحرِّ يجده .. قال أشهب : غمس المحرم رأسه في الماء وما يخاف في الغمس ينبغي أن يخاف مثله في صب الماء على الرأس من الحرِّ . وقد قال عمر بن الخطاب لیعلی بن منبه حین کان عمر یغسل رأسه ویعلی یصب عليه : اصبب فلن يزيده الماء إلا شعثًا - يعني : إذا لم يغسل بغير الماء؛ ألا ترى فعل أبي أيوب حين صب على رأسه الماء حركه بيديه ، ولم ير ذلك مما يذهب الشعث ، ومثله قوله - عليه السلام - لعائشة: (( انقضي رأسك في غسلك وامتشطي ... )) أي : امشطيه بأصابعك - ٥١٢ - وخلليه بها، فإن ذلك لا يذهب الشعث، وإن شعئه لا يمنعك من المبالغة في غسل رأسك ؛ لأن الماء / لا يزيده إلا شعثًا . فابن عباس أفقه من [٢/ ١٢٤٥-)) المسور لموافقته النبي - عليه السلام - وأصحابه ، قاله أبو عبد الله بن أبي صفرة . وأما إن غسل رأسه بالخطمي والسدر ، فإن الفقهاء يكرهون ذلك ، هذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي ، وأوجب مالك وأبو حنيفة عليه الفدية ، وقال أبو ثور : لا شيء عليه . وقد رخص عطاء وطاوس ومجاهد لمن لُبِّد رأسه فشق عليه الحلق أن يغسله بالخطمي حتى يلين ، وكان ابن عمر يفعل ذلك . قال ابن المنذر : وذلك جائز ؛ لأن الرسول أمرهم أن يغسلوا الميت المحرم بماء وسدر ، وأمرهم أن يجنبوه ما يجتنب الحي ، فدل ذلك على إباحة غسل رأس المحرم بالسدر ، والخطمي في معناه . وأجاز الكوفيون والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق للمحرم دخول الحمام . وقال مالك : إن دخل الحمام فتدلك وأنقى الوسخ فعليه الفدية ، وقال ابن وهب : القرنان هما الرُّجْلان اللذان في جنبتي البئر . وفيه من الفقه : أن الصحابة إذا اختلفوا لم يكن الحجة في قول أحد منهم إلا بدليل يجب التسليم له من الكتاب أو السنة ، كما نزع أبو أيوب بالسنة ، ففَلَج (١) ابن عباس المسور . وفيه من الفقه : التناظر في المسائل والتحاكم فيها إلى الشيوخ العالمين بها . وقوله في الترجمة : ولم ير ابن عمر وعائشة بالحك بأسًا يعني : حك جلده إذا أكله . وقال عطاء : يحك الحب في جلده وإن أدماه . (١) يقال: فَلَج بحجته: أحسن الإدلاء بها فغلب خصمه. ( المعجم الوسيط: ٦٩٩/٢) . - ٥١٣ - باب : لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين فيه: ابن عباس: (( خطب النبي - عليه السلام - بعرفات فقال : من لم يجد النعلين فليلبس الخفين ... )) الحديث . ۔۔۔ وفيه : ابن عمر حديث: (( ما يلبس المحرم من الثياب ... )) إلى قوله : ((فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين )) . · اختلفوا إذا احتاج إلى لبس الخفين عند عدم النعلين وقطعهما . فقال مالك والشافعي : لا فدية عليه ، وأخذا بحديث ابن عمر ، وقال أبو حنيفة : عليه الفدية . وهذا مخالف للحديث ، واحتج أصحابه وقالوا : إن النبي - عليه السلام - أباح له لباس السراويل عند عدم الإزار ، وذلك يوجب فيه الفدية . فقال ابن القصار : الفرق بينهما أن الخف أُمرَ بقطعه حتى لا يصير في معنى النعلين التي لا فدية في لبسهما، والسراويل لم يؤمر بفتقه لئلا تنكشف عورته ، فبقي في حكم القميص المخيط ، ولو أمر بفتقه لصار في معنى الخف إذا قطع . قال ابن القصار: والحجة لمالك قوله - عليه السلام - : ((وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين)) ولو وجبت الفدية مع قطعهما وتركهما لم يكن لقطعهما فائدة ؛ لأنه إتلاف من غير فائدة ، وإنما قطعهما ليصيرا في معنى النعلين حتى لا تجب فدية ، ولا يدخل النقص فيجبر بالفدية ، ولو وجبت الفدية بلبسه بعد القطع كما تجب بلبسه قبل القطع لم يأمر عليه السلام بالقطع ؛ لأن لبسه بعد القطع كلبسه قبله ، فلما جوز له لبسه بعد القطع ولم يجوزه قبله ؛ علم أنه إذا لبسِه بعد القطع كان [ مخالفًا] (١) لحكمه إذا لبسه قبل القطع في الفدية (١) في ((الأصل)): مخالف . وهو خلاف الجادة . - ٥١٤ - باب : إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل فيه: ابن عباس: (( خطبنا النبي - عليه السلام - بعرفات ، فقال : من لم يجد الإزار فليلبس السراويل ... )) الحديث . أجمعوا أن المحرم إذا وجد إزارًا لم يجز له لبس السراويل . واختلفوا إذا لم يجد إزاراً ؛ فقال عطاء والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور : يلبسه ولا شيء عليه. وأخذوا بحديث ابن عباس. وقال مالك وأبو حنيفة : عليه الفدية إذا لبسها سواء وجد إزاراً / أم (٢/ ١٣٤٥ -ب] لا إلا أنه يشقها ويتزر بها . خَالَفا ظاهر الحديث . وقال الطحاوي: يحتمل قوله - عليه السلام -: (( من لم يجد إزاراً فليلبس سراويل)) على أن يشق السراويل فيلبسها كما يلبس الإزار، كما يفعل بالخفين يقطعهما أسفل من الكعبين ويلبسهما كما يلبس النعلين ، فإن كان أريد بالحديث هذا المعنى فلسنا نخالفه بل نقول به ، وإنما الخلاف في التأويل لا في نفس الحديث . وأما النظر في ذلك ؛ فإنا رأيناهم لم يختلفوا أن من وجد إزارًا أن لبس السراويل غير مباح له ؛ لأن الإحرام قد منعه من ذلك ، فأردنا أن نعلم هل يوجب لبس ذلك للضرورة كفارة أم لا ؟ فرأينا الإحرام ينهى عن أشياء قد كانت مباحة منها لبس العمائم والقمص والسراويلات ، وكان من اضطر فوجد الحر يغطي رأسه ، أو وجد البرد فلبس ثيابه ؛ أنه قد فعل ما هو مباح له وعليه مع ذلك الكفارة ، وكذلك حرّم عليه الإحرامُ حلقَ رأسِه إلا من ضرورة ، وقد وجدنا من حلق رأسه للضرورة فعل ما هو مباح له والكفارة عليه واجبة ، فكذلك لبس السراويل لا يُسقط لباسُه للضرورة الكفارة ، وإنما تسقط الآثام خاصة . - ٥١٥ - قال ابن القصار : واحتج المخالفون فقالوا : لا يخلو أن يكون أراد عليه السلام جواز لبس السراويل عند الحاجة أو سقوط الفدية في لبسه، فلا يجوز أن يكون أراد جواز لبسه عند الحاجة خاصة ، وقصد ذلك باستثناء السراويل من جملة المخيط ؛ لأن لبس السراويل لا يختص بذلك دون سائر المخيط عند الحاجة ، وحملُه على ذلك إسقاط لفائدة تخصيص السراويل واستثنائه من الجملة ، فلم يبق إلا أنه أراد سقوط الفدية في لبسه . فقال لهم الآخرون : إنما اختص السراويل بالإباحة من جملة المخيط عند عدم الإزار ؛ لأن الإزار المقصود منه ستر العورة التي هي مكان. السراويل ، ولا يجوز كشف ذلك الموضع، وموضع القميص من أعلاه يجوز كشفه ، فالضرورة في السراويل أشد منها في القميص ، فهذه فائدة ، فإذا لبسه ستر عورته وبقي سائر جسده مكشوفًا بحكم الإحرام، فلم تسقط الفدية كما لم تسقط في الحلق والطيب للعذر . * باب : لبس السلاح للمحرم قال عكرمة : إذا خَشي العدو لبس السلاح وافتدى . ولم يتابع عليه في الفدية . فيه البراء: (( اعتمر النبي - عليه السلام - في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يَدَعُوه يدخل مكة حتى قاضاهم : لا يدخل مكة سلاح إلا في القراب )» . قال المهلب : كان هذا في عام القضية . وفيه من الفقه : جواز حمل المحرم السلاح في الحج والعمرة إذا كان خوف واحتيج إليها ، وأجاز ذلك عطاء ومالك والشافعي ، - ٥١٦ - وكرهه الحسن البصري ، وهذا الحديث حجة على الحسن في كراهيته وعلى عكرمة في إيجاب الفدية في ذلك . * باب : دخول ( المحرم مكة ) (١) بغير إحرام ودخل ابن عمر حلالا وإنما أمر الرسول بالإهلال لمن أراد الحج والعمرة، ولم يذكر الخَطَّابين ولا غيرهم . فيه: ابن عباس: (( وَقَّت الرسول لأهل المدينة : ذي الحليفة ، ولأهل نجد: قرن المنازل ، ولأهل اليمن : يلملم ، هن لهن ولكل آت أَنَّى [عليهن] (٢) من غيرهم ممن أراد الحج والعمرة، فمن كان دون ذلك فمن حیث أنشأ ، حتى أهل مكة من مكة )) . وفيه أنس: (( دخل الرسول مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر ، فلما نزعه جاء رجل، قال: ابن [ خطل ] (٣) متعلق بأستار الكعبة . فقال : اقتلوه )) . قال ابن القصار : اختلف قول مالك والشافعي في جواز دخول مكة / بغير إحرام لمن لم يُرِدْ الحج والعمرة فقالا مرّةً: لا يجوز [٢/فق١٢٥-أ) دخولها إلا بإحرام ؛ لاختصاصها ومباينتها جميع البلدان إلا الحطابين ومن قرب منها مثل جدة والطائف وعسفان لكثرة ترددهم عليها ، وبه قال أبو حنيفة والليث . وقالا مَرَّةً أخرى : دخولها بإحرام استحباب لا واجب . قال المؤلف : وإلى هذا القول ذهب البخاري ، وله احتج بقوله (١) في الفتح (٤/ ٧٠): الحرم ومكة ، وعليها شرح الحافظ ابن حجر . (٢) من الصحيح المطبوع ، وهو المناسب هنا ، وسيأتي مثله في الشرح ، وفي (الأصل)): عليهم . (٣) في ((الأصل)): أخطل . وهو خطأ . - ٥١٧ - عليه السلام: (( ولكل آت أتى عليهن ممن أراد الحج والعمرة )) فدل هذا أن من لم يرد الحج والعمرة فليست ميقاتًا له ، واستدل أيضًا [بدخوله] (١) - عليه السلام - عام الفتح وعلى رأسه المغفر وهو غير محرم ، وبهذا احتج ابن شهاب ، ولم يره خصوصًا للرسول ، وأجاز دخول مكة بغير إحرام ، وهو قول أهل الظاهر . وقال الطحاوي : قول أبي حنيفة وأصحابه في أن من كان منزله في بعض المواقيت أو دونها إلى مكة فله أن يدخل مكة بغير إحرام ، ومن كان منزله قبل المواقيت لم يدخل مكة إلا بإحرام ، وأخذوا في ذلك بما روي عن عمر أنه خرج من مكة وهو يريد المدينة ، فلما كان قريبًا من قديد بلغه خبر من المدينة فرجع فدخل حلالا . وقال آخرون : حكم أهل المواقيت كحكم من كان قبلها . قال الطحاوي : وليس النظر قول أصحابنا ؛ لأننا رأينا من يريد الإحرام إذا جاوز المواقيت حلالا حتى فرغ من حجه ولم يرجع إلى المواقيت كان عليه دم ، ومن أحرم من المواقيت كان محسنًا ، وكذلك من أحرم قبلها ، فلما كان الإجرام من المواقيت كحكم الإحرام مما قبلها لا في حكم الإحرام مما بعدها ؛ ثبت أن حكم المواقيت كحكم ما قبلها لا كحكم ما بعدها ، فلا يجوز لأهلها من دخول الحرم إلا ما يجوز لأهل الأمصار التي قبل المواقيت، فانتفى بهذا ما قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ، ووجدنا الآثار تدل على خصوص الرسول بدخولها. [غير] (٢) محرم بقوله: ((إنما أحلت لي ساعة من نهار فلا تحل (١) في ((الأصل)): بقوله . وهو خطأ. (٢) زيادة لا بد منها، وهي في ((شرح معاني الآثار)) للطحاوي (٢٥٩/٢)، وستأتي في تعقيب المؤلف على الطحاوي قريبًا . - ٥١٨ - لأحد بعدي ، وقد عادت حرامًا إلى يوم القيامة )) فلا يجوز لأحد أن يدخلها إلا بإحرام ؛ وهو قول ابن عباس والقاسم والحسن البصري . قال المؤلف : والصحيح في معنى قوله : (( لا تحل لأحد )) يريد بمثل المعنى الذي حل للنبي - عليه السلام - وهو محاربة أهلها وقتالهم وردهم عن دينهم ، على ما تقدم في باب « لا يحل القتال بمكة )) عن الطبري . وهو أحسن من قول الطحاوي أن الذي خص به عليه السلام دخول مكة بغير إحرام . واحتج من أجاز دخولها بغير إحرام أن فرض الحج [ مرة ] (١) في الدهر ، وكذلك العمرة وهي مرة في الأبد ، فمن أوجب على الداخل مكة إحرامًا فقد أوجب عليه غير ما أوجبه الله . وفي قتل النبي لابن خطل [ في الفتح ] (٢) حجة لمن قال أن النبي دخل مكة عنوة ، وهو قول مالك وأبي حنيفة وجماعة المتقدمين والمتأخرين ، وقال الشافعي وحده : فتحت صلحًا . وفائدة الخلاف في هذه المسألة ما ذهب إليه مالك والكوفيون أن الغانمين لا يملكون الغنائم ملكًا مستقرا بنفس الغنيمة وأنه يجوز للإمام أن يمنَّ ويعفو عن جملة الغنائم كما منَّ على الأسرى وهم من جملة الغنائم ، ولا خلاف بينهم أن الرسول مَنَّ على أهل مكة وعفا عن أموالهم كلها . قال أبو عبد الله بن أبي صفرة : إنما قتل ابن خطل ؛ لأنه كان يسب النبي وقد عفا عن غيره ذلك اليوم ممن كان يسبه ، فلم ينتفع ابن خطل باستعاذته بالبيت ولا بالتعلق بأستار الكعبة ، فدل ذلك على العنوة ، وعلى أن الحدود تقام بمكة على من وجبت عليهم . (١) في ((الأصل)): عمره. وما أثبتناه هو الصواب. (٢) في ((الأصل)): وفي قتل النبي لابن خطل حجة بالفتح ، كذا ، فأثبت الأنسب للسياق . - ٥١٩ - فإن قيل: فإن قوله يوم الفتح: (( من دخل البيت فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن )) يعارض قتله لابن خطل يوم الفتح . فالجواب : أنه لا معارضة بينهما ؛ لما رواه ابن أبي شيبة قال : حدثنا أحمد بن مفضل ، حدثنا أسباط بن نصر وقال : زعم السدي (٢/ ق ١٢٥ -ب] عن مصعب ، عن سعد ، عن أبيه قال: (( لما كان يوم / فتح مكة أَمَّنَ النبي - عليه السلام - الناس إلا أربعة نفر وامرأتين وقال : اقتلوهم إن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة : عكرمة بن أبي جهل ، وعبد الله بن خطل ، ومقيس بن صبابة ، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح )). وسأذكر شيئًا من معنی فتح مكة في کتاب الجهاد في حديث ابن خطل في باب : قتل الأسير والصبر . واستدل المالكيون من حديث ابن خطل أن من سب النبي يُقتل ولا يستتاب كما فعل الرسول بابن خطل . باب : من أحرم جاهلا وعلیہ قميص وقال عطاء : إذا تطيب أو لبس جاهلا أو ناسيا فلا كفارة عليه . فيه: يعلى: (( أَنَى النبيّ - عليه السلام - رجل عليه جبّة وبه أثر صفرة، فقال : انزع الجبة ، واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك)). هذا الباب رد على الكوفي والمزني في قولهم أنه من لبس أو تطيب ناسيًا فعليه الفدية على كل حال ، وقولهم خلاف لهذا الحديث ؛ لأن الرسول لم يأمر الرجل بالكفارة عن لباسه وتطيبه قبل علمه بالنهي عن ذلك ، وإنما تلزم الكفارة من تعمد فعل ما نُهي عنه في إحرامه ، ولو لزمه شيء لبيّنه له عليه السلام ، وأمره به ولم يجز أن يؤخر ذلك . - ٥٢٠ - ...