Indexed OCR Text
Pages 381-400
والثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق، وأبو ثور ، كلهم احتج بحديث عائشة أن تقليد الهدي لا يوجب الإحرام على من لم يَنْوِهِ ، وَرَدّوا قول ابن عباس ، فإنه كان يرى أن من بعث بهدي إلى الكعبة ، لزمه إذا قلده : الإحرام ، وتجنّب كل ما يتجنب الحاج حتى ينحر هديه ، وتابع ابن عباس على ذلك ابن عمر ، وبه قال عطاء ، وهم محجوجون بالسنة الثابتة في حديث عائشة ، ولیس أحد بحجة على السنة . قال الطحاوي : وقد رأى ربيعة بن الهدير رجلا متجرداً بالعراق ، فسأل الناس عنه ، فقالوا : أمر بهديه أن يقلد ، فلذلك تجرد ، فذكر ذلك لابن الزبير ، فقال : بدعة ورب الكعبة . فلا يجوز أن يكون ابن الزبير حلف على ذلك أنه بدعة إلا وقد علم أن السنة خلاف ذلك. باب : فتل القلائد للبدن والبقر فيه: حفصة قالت: ((قلت : يا رسول الله ، ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت ؟ قال : إني لبّدت رأسي ، وقلدت هديي ، فلا أحل حتى أحل من الحج)). وفيه: عائشة: (( كان النبي - عليه السلام - يهدي من المدينة ، فأُقْتُلُ قلائد هدیه ، ثم لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم )) . فيه من الفقه: أيما عمل لله من الأعمال فإنه يجب إتقانها وتحسينها؛ ألا ترى عائشة لم تقنع في القلائد إلا بفتلها وإحكامها . وأجمع العلماء على تقليد الهدي ، والتقليد إنما هو علامة للهدي ، كأنه إشهاد أنه أخرجه من ملكه لله - تعالى - وليعلم الناس الذين يبتغون أكله فيشهدون نَحْره ، وفيه عمل أزواج النبي - عليه السلام - - ٣٨١ - بأيديهن ، وخدمتهن في بيوتهن ، وقد كان النبي - عليه السلام - يخدم في بيته . باب : إشعار البدن قال المسور : ((قَلَّدَ النبي - عليه السلام - الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة » . فيه: عائشة قالت: (( فتلت قلائد هدي النبي - عليه السلام - ثم أشعرها وقلدها ، أو قلدتها ، ثم بعث بها إلى البيت وأقام بالمدينة ، فما حرم عليه شيء كان له حل )) . ۔۔ جمهور العلماء يَرَوْنَ إشعار البدن ؛ لأنه سنة ثابتة ، وممن رأى ذلك عمر بن الخطاب ، وابن عمر ، والحسن البصري ، والقاسم ، وسالم ، وعطاء ، وبه قال مالك ، وأبو يوسف ، ومحمد ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور . وأنكر الإشعار أبو حنيفة وقال : إنما كان ذلك قبل النهي عن المثلة، وهذا تحكم لا دليل [ عليه ] (١) وسوء ظن، ولا تترك السنن بالظنون، [٢/ ق٩٧ -ب) وقد / روى الإشعار عن النبي - عليه السلام - جماعة . قال ابن القصار: فإن قيل : فقد روي عن عائشة: ((إن شئت فأشعر ، وإن شئت فلا ، فإنما أشعر ليعلم أنها بدنة إذا ضلت )) فدل أنه علامة ليس بنسك ، وقد روي مثل ذلك عن ابن عباس ، قيل : إن ابن عباس وعائشة إنما أعلما أن الإشعار ليس بواجب ، وبذلك نقول، غير أن فعله أفضل من تركه ؛ لأن ابن عمر قال: لا [ هَدْي ] (٢) (١) ليس في ((الأصل)) وكأنه سقط من الناسخ. (٢) في ((الأصل)) أهدي، وهو محتمل، لكن المثبت أنسب للسياق عند التأمل، فكأن الناسخ زاد الألف وهما ، والله أعلم . - ٣٨٢ - إلا ما قُلد أو أُشعر . أي لا هدي كامل ، ولا نقول إن الإشعار نسك يجب في تركه دم ، واستحب مالك الإشعار في الشق الأيسر على ما رواه نافع عن ابن عمر أنه ربما فعل هذا ، وربما فعل هذا . واستحب أبو يوسف ، ومحمد ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق الإشعار في الشق الأيمن ، رواه معمر عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه أنه كان يفعله . واختلفوا في إشعار البقر ، فكان ابن عمر يقول : نشعر البقر في أسمتها ، وقال عطاء والشعبي : يقلد ويشعر . وهو قول أبي ثور ، وقال مالك : تُشعر التي لها سنام وتُقُلد ، ولا تُشعر التي لا سنام لها وتقلد . وقال سعيد بن جبير : تُقْلدُ ولا تُشعر . باب : من [ قلد ](١) القلائد بيده فيه : زياد بن أبي سفيان: (( كتب إلى عائشة أن ابن عباس قال : من أهدى هديًا حُرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه ، فقالت عائشة : ليس كما قال ابن عباس ، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله بيدي، ثم قلدها رسول الله بیدیه ، ثم بعث بها مع أبي ، فلم يحرم على رسول الله شيء أحله الله له حتى نحر الهدي )» . فيه من الفقه : جواز امتهان الخليفة في الخدمة (٢) ، وتناول بعض الأمور بنفسه ، وإن كان له من يكفيه ، ولا سيما فيما يكون من إقامة الشرائع وأمور الديانة ، وفيه إنكار عائشة على ابن عباس أن من بعث بهدي فقد وجب عليه الإحرام ، واحتجاجها عليه بفعل النبي - (١) في ((الأصل)): فتل. والمثبت من الفتح (٦٣٧/٣) ولم يذكر الحافظ غيره ، وهو الصواب الموافق لسياق حديث الباب . (٢) في ((الأصل)): جواز امتهان الخليفة في العالم في الخدمة. كذا ولم أعرف المقصود بـ : في العالم ، والظاهر أنها محرفة والله أعلم . - ٣٨٣ - عليه السلام - أنه بعث مع أبي بكر سنة تسع بهدي ، وقعد عن الحج، ولم يحرم عليه شيء ، وهذه حجة قاطعة ، وقد تقدمت هذه المسألة في باب : من أشعر وقلد الهدي بذي الحليفة ثم أحرم . باب : تقلید الغنم فيه: عائشة قالت: ((أهدى الرسول مرة غنمًا)). م حلالا )) . وقالت مرة: (( كنت أفتل القلائد للنبي ، فيقلد الغنم ويقيم في أهله اختلف العلماء في تقليد الغنم ، فممن رأى تقليدها أخذًا بهذا الحديث : عائشة أم المؤمنين ، وهو قول عطاء ، وبه قال الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق، وأبو ثور . وقال مالك وأبو حنيفة : لا يقلد الغنم ، وأظنه لم يبلغهم الحديث . باب : القلائد من العھن فيه: عائشة قالت: (( فتلت قلائدها من عهن كان عندي)) . العهن : الصوف، وأكثر ما يكون مصبوغًا ليكون أبلغ في العلامة . * باب : تقليد النَّعْلِ فيه : أبو هريرة: (( رأى النبي - عليه السلام - رجُلا يسوق بدنة ، قال : اركبها ، قال : إنها بدنة ، فلقد رأيته راكبها يساير النبي - عليه السلام - والنعل في عنقها)) . قال ابن عمر : يقلد الهدي نعلين ، وبه قال الثوري والشافعي ، وقال مالك : تجزئ النعل الواحدة ، وهو قول الزهري ، وقال الثوري: فم القربة تجزئ ونعلان أفضل لمن وجدهما .. : - ٣٨٤ - باب : الجلال للبدن / وكان ابن عمر لا يشق من الجلال إلا موضع السنام، فإذا نحرها نزع [٢/ ٩٨٥-١] جلالها مخافة أن يفسدها الدم ، ثم يتصدق بها . فيه : علي رضي الله عنه قال: (( أمرني رسول الله أن أتصدق بجلال البدن التي نحرت وبجلودها )) . قال الطبري : فيه الإبانة أن من سنة رسول الله في البدن إذا ساقها سائق إلى الكعبة أن يجللها ، فإذا بلغت محلها أن ينحرها ، ويتصدق بلحومها وجلودها وجلالها ، وفيه أن لصاحبها أن يولي نحرها غيره ، وأنه لا بأس عليه إن لم يلي ذلك بنفسه ، وفيه أن له أن يولي قسم لحومها من شاء . وقال ابن المنذر : كان ابن عمر يجلِّل بُدنه الأنماط والبرود و[الحبر] (١) حتى يخرج من المدينة ، ثم ينزعها ويطويها حتى يكون يوم عرفة فيلبسها إياها حتى ينحرها ، ثم يتصدق بها . قال المهلب : وهذا إنما فعله على وجه التطوع والتبرع بما كان أَهَلَّ به الله ألا يرجع في شيء منه ، ولا في المال المضاف إليه ، وليس بفرض عليه ، وكان مالك وأبو حنيفة والشافعي يرون تجليل البدن . باب : ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن فيه : عائشة: (( خرجنا مع النبي - عليه السلام - لخمس بقين من ذي القعدة ، ولا نری إلا الحج ، فلما دنونا من مکة أمر رسول الله من لم یکن (١) في ((الأصل))، الحب وهو خطأ، وصوابه ما أثبت، وهو جمع ((حبرة)): ثوب من قطن أو كتان مخطط كان يصنع باليمن . وهكذا نقله الحافظ ابن = - ٣٨٥ - معه هدي إذا طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يحل ، قالت : فدخل . علينا يوم النحر بلحم بقر ، فقلت : ما هذا ؟ قال : نحر رسول الله عن أزواجه )) . قال یحیی : فذكرتُ للقاسم، قال : أتتك بالحديث على وجهه )) . وهذا الذبح إنما كان هدي التمتع ، نحره رسول الله عمن تمتع من أزواجه ، وأخذ جماعة من العلماء بظاهر هذا الحديث ، وأجازوا الاشتراك في هدي التمتع والقران على ما تقدم في حديث أبي جمرة عن ابن عباس ، ومنع مالك ذلك ، ولا حجة لمن خالف مالكًا في هذا الحديث ؛ لأن قوله: (( نحر رسول الله عن أزواجه البقر )) يحتمل أن يكون نجر عن كل واحدة منهن بقرة ، وهذا غير مدفوع من التأويل . فإن قيل : إنما نجر البقر عنهن على حسب ما أتى عنه في الحديبية : (( أنه نحر البقرة عن سبعة والبدنة عن سبعة)) قيل : هذه دعوى لا دليل عليها ؛ لأن نحره في الحديبية كان عندنا تطوعًا ، والاشتراك في هدي التطوع جائز على رواية ابن عبد الحكم عن مالك ، والهدي في حديث عائشة واجب ، ولا يجوز الاشتراك في الهدي الواجب ، فالحديثان مستعملان عندنا على هذا التأويل .. قال إسماعيل بن إسحاق : وأما رواية يونس عن الزهري ، عن عمرة ، عن عائشة: ((أن النبي - عليه السلام - نحر عن أزواجه بقرة واحدة )) فإنّ يونس انفرد بذلك وحده ، وخالفه مالك فأرسله ، ورواه القاسم وعمرة عن عائشة (( أن رسول الله ذبح عن أزواجه البقر)) حدثنا بذلك أبو مصعب، عن مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم، = حجر في الفتح (٦٤٢/٣) عن ابن المنذر من طريق أسامة بن زيد ، عن نافع ، عن ابن عمر . - ٣٨٦ - عن أبيه ، عن عائشة . وحدثنا به القعنبي عن سليمان بن بلال ، عن يحيى ، عن عمرة ، عن عائشة . وهذه أسانيد الفقهاء الذين يفهمون ما يحتاج إلى فهمه . قال المهلب : في حديث عائشة من الفقه أنه من كَفَّر عن غيره كفارة يمين أو ظهار ، أو قتل نفس ، أو أهدى عنه ، أو أَدَّی عنه دينا بغير أمره ، أن ذلك كله مجزئًا (١) عنه ؛ لأنه لم يعرف نساء النبي - عليه السلام - بما أدى عنهن من نحر البقر لما وجب عليهن من نُسك التمتع، وهذا حجة لابن القاسم في قوله : إذا أعتق الرجل عبده عن غيره في كفارة الظهار أنه يجزئه ، ولم يُجز ذلك أشهب وابن المواز ، وقالا : لا يعتق عنه بغير علمه ؛ لأنه فرض وجَبَ عليه ، ودليل هذا الحديث لازم لهما ، ولمن قال بقولهما من الفقهاء . وقد تقدمت هذه المسألة واختلاف أهل العلم فيما يجوز عمله بنية ويغير نية في آخر كتاب الإيمان في باب : ما جاء من الأعمال / بالنية [٩٨٥/٢ -ب] والحسنة ، وقد تقدم معنى قوله : أتتك بالحديث على وجهه ، وهو أنها ذكرت ابتداء الإحرام وذكرت انتهاءه حين وصلوا إلى مكة ، وفسخ من لم يسق الهدي . باب : النحر في منحر النبي - عليه السلام - بمنى فيه : ابن عمر: (( أنه كان ينحر في منحر رسول الله ، وكان يبعث بهديه من جمْع من آخر الليل حتى يدخل به منحر رسول الله - عليه السلام - مع حجاجٍ فيهم الحر والمملوك )) . المنحر في الحج بمنى إجماع من العلماء ، فأما العمرة فلا طريق لنا فيها ، فمن أراد أن ينحر في عمرته ، أو ساق هديا تطوع به ، نحره (١) هكذا في ((الأصل)) بالنصب. - ٣٨٧ - بمكة حيث شاء ، وهذا إجماع أيضًا ، فمن فعل هذا فقد أصاب السنة، وبهذا قال مالك . وقال أبو حنيفة والشافعي : إن نحر في غير منى ومكة من الحرم أجزأه ، قالوا : وإنما أريد بذلك مساكين الحرم ومكة . وقد أجمعوا أنه إن نحر في غير الحرم ولم يكن محصَرًا بعدو أنه لا يجزئه ، قال ابن القصار : والحجة لمالك ما ذكره في موطئه : أنه بلغه أن النبي - عليه السلام - قال في حجه بمنى : (( هذا المنحر ، ومنى كلها منحر))؛ وقال في العمرة: (( هذا المنحر - يعني المروة - وكل فجاج مكة منجر )) . فدل دليل الخطاب أن غيرهما ليس بمنحر ؛ لأنه كان يكفي أن يذكر أحدهما لينبه به على سائر الحرم ، فلما خصهما جميعًا علم أن منى خصت للحجاج ؛ لأنهم يقيمون بها ، فجعل نحرهم بها ، وجعل مكة منحرًاً للمعتمرين إذا فرغوا من سعيهم عند المروة . فإن قيل : فقد نحر النبي - عليه السلام - هديه بالحديبية وليست بمكة ولا منى ولكنها من الحرم ، قيل : هذا الهدي لم يكن بلغ محله كما قال الله، وإنما جاز له أن يذبحه في غير محله، كما جاز له أن يخرج من إحرامه في غير محله ، ولما قال الله في الهدي : ﴿ معكوفًا أن يبلغ محله ﴾ (١) علمنا أن محله مكة لقوله تعالى: ﴿ هديًا بالغ الكعبة﴾ (٢). وصَدَّ النبي - عليه السلام - لم يكن عن الحرم ، وإنما كان عن البيت ؛ لأن الحديبية بعضها حرم ، وبعضها حل ، وترجح قياسًا أن مكة مخصوصة بالبيت ، والطواف بالبيت دون سائر الحرم ، ومنى مخصوصة بالتحلل فيها بالرمي والمقام بها لبقية أعمال الحج ، وليس (١) الفتح : ٢٥ . (٢) المائدة : ٩٠. - ٣٨٨ - كذلك سائر الحرم ، فخص هذان الموضعان بالنحر فيهما لهذا التخصيص فيهما ، وكذلك فعل الرسول وأصحابه بعده . باب : من نحر بيده وباب : نحر الإبل المقيدة فيه : ابن عمر (( أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته بنحرها ، قال : ابعثها قیامًا مقيدة سنة محمد صلی الله علیه )) . قال المهلب: معنى قوله: (( قيامًا مقيدة)) يعني : معقولة اليد الواحدة قائمة على ما بقي من قوائمها ، وعلى هذا المعنى قراءة من قرأ ((صوافن)) لأنه يقال : صفن الفرس ، إذا رفع إحدى يديه ، وأما من قرأ: ﴿صواف﴾ (١) فإنه أراد قائمة، وقال مالك: [ تعقل] (٢) إن خيف أن تنفر ، ولا تنحر باركة إلا أن يصعب (٣) ، وبقية الكلام في هذا المعنى في الباب الذي بعد هذا - إن شاء الله . باب : نحر البدن قائمة وقال ابن عمر : سنة محمد . وقال ابن عباس : ﴿صَوَافَّ﴾ (١): قيامًا . فيه: أنس (( أن النبي - عليه السلام - لما أهل على البيداء وأهل لنا بهما جميعًا ، فلما دخل مكة أمرهم أن يحلوا ، ونحر النبي - عليه السلام - سبع بدن قيامًا ، وضحى بالمدينة بكبشين أملحين)) . (١) الحج : ٣٦ . (٢) في ((الأصل)): بمعقل، والأقرب ما أثبت . (٣) كذا ، والمعنى : يصعب عقلها . - ٣٨٩ - قول ابن عمر : ((سنة رسول الله)) يعني أن تُنحر قيامًا ، ويشهد لهذا دليل القرآن ، قوله : ﴿ فإذا وجبت جنوبها﴾ (١) يعني سقطت إلى الأرض ، وممن استحب أن تنحر قيامًا : مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وقال أبو حنيفة والثوري : تنحر [٢/ ق٩٩-١) باركة وقائمة، واستحب / عطاء أن ينحرها باركة معقولة. قال المهلب: ((أهل لنا بهما جميعًا)) معناه: أمر من أَهَلَّ بالقران ممن لم يفسخ حجّه ؛ لأنه قد صح أنه عليه السلام كان مفردًا بالحج . ولم يكن قارنًا، فمعنى ((أهل لنا)) أي أباح لنا الإهلال بهما قولا ، فكان إهلاله لهم بالإباحة أمرًا ، وتعليمًا منه لهم كيف يهلون ( من قرن ) (٢) منهم، وإلا فما معنى ((لنا )) في هذا الموضع ؟ وقد تقدم قولُ عائشة وابن عمر قولَ أنس ، ووصفهما له بالصغر وقلة الضبط. لهذه القصة . باب : لا يعطي الجزار من الهدي شيئًا فيه : علي قال: (( بعثني النبي - عليه السلام - فقمت على البدن، فأمرني بقسمة لحومها ، ثم أمرني بقسمة جلالها وجلودها ، وأمرني أن لا أعطي عليها شيئًا في جزارتها)). وترجم له باب (( يتصدق بجلود الهدي )) ، وترجم له باب ((يتصدق بجلال البدن)). وزاد فيه: قال علي: (( أهدى النبي - عليه السلام- مائة بدنة ، فأمرني بلحومها فقسمتها ، ثم أمرني بجلالها وجلودها فقسمتها)). اختلف العلماء في هذا الباب ، فذهبت طائفة إلى الأخذ بهذا (١) الحج : ٣٦. (٢) تكررت في (( الأصل)). - ٣٩٠ - الحديث ، وقالوا : لا يعطي الجزار منها شيئًا ، هذا قول مالك وأبي حنيفة وأحمد ، وأجاز الحسن البصري أن يعطي الجزار الجلد . واختلفوا في بيع الجلد ، فروي عن ابن عمر أنه لا بأس بأن يبيعه ، ويتصدق بثمنه ، وقاله أحمد وإسحاق . وقال أبو هريرة : من باع إهاب أضحيته فلا أضحية له ، وقال ابن عباس : يتصدّق به أو ينتفع به ، ولا يبيعه ، وعن القاسم وسالم : لا يصلح بيع جلودها ، وهو قول مالك ، وقال النخعي والحكم : لا بأس أن يشتري به الغربال والمنخل ، ورخص أبو هريرة في بيعه ، وقال عطاء : إن كان الهدي واجبًا تصدق بإهابه ، وإن كان تطوعًا باعه إن شاء في الدَّيْن . وأما من أجاز بيع جلودها ، فإنما قال ذلك - والله أعلم - قياسًا على إباحة الله الأكل منها ، فكان بيع الجلد والانتفاع به تبعًا للأكل ، وهذا ليس بشيء ؛ لأنه يجوز أكل لحمها ، ولا يجوز بيعه بإجماع ، والأصل في كل ما أخرج لله - تعالى - أنه لا يجوز الرجوع في شيء منه ، ولولا إباحة الله الأكل منها ما جاز أن يستباح ، فوجب ألا يتعدى الأكل إلى البيع إلا بدليل لا مُعارِض له . قال المهلب : وإعطاء الجازر منها في جزارته عوضًا من فعله وذبحه فهو بيع ، ولا يجوز بيع شيء من لحمها ، وكذلك الجلد ، وقال : ولا يخلو الإهاب من أن يكون مع سائر الشاة بإيجابها وذبحها فقد صار مسبلا فيما سبلت به الأضحية ، أو لم يَصِرْ مسبَلا إذا كان عليه دين ، فإن كان قد صار لمَا جعله له فغير جائز صرفه أو صرف شيء منه إلا فيما سَبَلَهُ ، أو لم يصر ذلك فيما جعله له إذا كان عليه دين ، فيكون إيجابه الشاة أضحية ، وجلْدها غير جلد أضحية ، وذلك فيما لا يفعل في نظر ولا خبر . - ٣٩١ - والصواب إن كان الدين على صاحب الأضحية والبدنة قبل إيجابها، ولم يكن عنده ما يقضي غريمه سوى الشاة أو البدنة ، فإيجابه لها عندنا باطل ، وملكه عليها ثابت ، وله بيعها في دينه ، إذ ليس عليه إتلاف ماله (١) ، ولا صرفه في غير قضاء دينه . باب : ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ﴾ إلى قوله : ﴿ فهو خير له عند ربه ﴾ (٢) معنى الآية : أن الله - تعالى - أعلم نَبيَّه بعظيم ما ركب قومه - قريش خاصة دون غيرهم - من سائر عبادتهم في حرمه والبيت الذي أمر خليله عليه السلام ببنائه وتطهيره من الآفات والشرك إلهًا غيره، وتقدير الكلام: (( واذكر إذ بوأنا لإبراهيم هذا البيت الذي يعبد قومك فيه غيري )» . روى معمر عن قتادة قال : وضع الله - تعالى - البيت مع آدم حين [٢/ ٩٩٥-ب] أهبط إلى الأرض ، وكان مهبطه بأرض الهند ، ففقد أصوات / الملائكة وتسبيحهم ، فشكا ذلك إلى الله - تعالى - فقال له : يا آدم، أهبطت لك شيئًا يطاف به كما يطاف حول عرشي ، ويصلى عنده كما يصلى حول عرشي، فانطلق إليه ، فخرج وَمَدَّ له في خطوه ، فكان بين كل خطوتين مفازة ، فلم تزل تلك المفازة على ذلك ، وأتى آدم البيت ، فطاف به ومن بعده من الأنبياء ، ثم بوأ الله مكانه لإبراهيم بعد الغرق ، وقال ابن عباس في قوله تعالى : ﴿وأذن في الناس ﴾: عني بالناس هاهنا أهل القبلة ، ألم تسمعه قال : ﴿ أول بيت وضع (١) في (( الأصل)): إذ ليس عليه دين إتلاف ماله. وكلمة (( دين)) ههنا مقحمة. (٢) الحج : ٢٦ - ٣٠ . - ٣٩٢ - للناس للذي ببكة مباركًا﴾ إلى ﴿من دخله كان آمنا﴾ (١) يقول: من دخله من الناس الذين أمر أن يُؤَذِّنَ فيهم ، وكتب عليهم الحج . وقال ابن عباس : ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ قال: التجارة . واختلف الناس في الأيام المعلومات ، فقال علي بن أبي طالب : هي يوم النحر ويومان بعده ، اذبح في أيها شئت ، وأفضلها أولها ، وهو قول ابن عمر وأهل المدينة ، وقال ابن عباس : هي العشر ويوم النحر منها ، وهو قول الكوفيين ، وأجمعوا أن المعدودات أيام التشريق الثلاثة ، وقد ذكرنا لم سميت معلومات ومعدودات في كتاب صلاة العيدين ، في باب : فضل العمل في أيام التشريق . والبائس في اللغة : الذي به البؤس ، وهو شدة الفقر ، وقال ابن عباس : التفث : الحلق والتقصير والذبح والأخذ من الشارب واللحية، ونتف الإبط، وقص الأظفار ، وكذلك هو عند أهل التفسير، أنه الخروج من الإحرام إلى الحل ، ولا يعرفهُ أهل اللغة إلا من التفسير، وقال ابن عمر : التفث : ما عليهم من الحج ، وقال مرة : المناسك كلها ، وقال مجاهد : ﴿وليوفوا نذورهم﴾ نذر الحج والمشي، وما نذره من شيء يكون في الحج . والبيت العتيق سمي بذلك ؛ لأن الله أعتقه من الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه ، عن قتادة ومجاهد . وقال ( ابن ) (٢) زيد : سمي عتيقًا لقدمه ؛ لأنه أول بيت وضع للناس ، بناه آدم عليه السلام ، وهو أول من بناه ، ثم بَوَّأ الله موضعه لإبراهيم بعد الغَرق ، فبناه إبراهيم وإسماعيل ، وقوله : ﴿وليطوفوا بالبيت ﴾ هو طواف الإفاضة المفترض ، وسيأتي حكمه في موضعه بعد هذا - إن شاء الله . (١) آل عمران : ٩٦. (٢) كذا في (( الأصل))، والصواب: أبو . - ٣٩٣ - باب : ما یأکل من البدن وما يتصدق وقال ابن عمر : لا يأكل من جزاء الصيد والنذر ، ويؤكل مما سوى ذلك ، وقال عطاء : يأكل ويطعم من المتعة . فيه : جابر : (( کنا لا نأکل من لحوم بُدْننا فوق ثلاث ، فرخص لنا النبي - عليه السلام - فقال: كلوا وتزودوا، فأكلنا وتزودنا)). قلت لعطاء : أقال حتى بلغنا المدينة ؟ قال : لا . وفيه : عائشة قالت : (( فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر ، فقلت : ما هذا؟ قال : ذبح النبي - عليه السلام - عن أزواجه )). : قال ابن المنذر : اختلف العلماء فيما يؤكل من الهدي ، وما لا يؤكل، فكان ابن عمر يقول : لا يؤكل من جزاء الصيد ، ولا من النذر ، ويؤكل مما سوى ذلك ، وروي مثله عن طاوس والحسن ، وبه قال أحمد وإسحاق ، وروينا عن الحسن قولا ثانيا : أنه لا بأس أن يأكل من جزاء الصيد ، ونذر المساكين ، وهو قول الحكم في جزاء الصيد . وقال مالك : يؤكل من الهدي كله إلا جزاء الصيد ، وفدية الأذى، ونذر المساكين ، وهو قول طاوس وسعيد بن جبير ، وذكر ابن المواز عن مالك أنه يأكل من الهدي النذر ، إلا أن يكون نذره للمساكين ، وكذلك ما أخرجه بمعنى الصدقة لا يأكل منه ، وهدي التطوع إذا قصر عن بلوغ محله وعطب فلا يؤكل منه ، وكان الأوزاعي يكره أن يؤكل من جزاء الصيد وفدية الكفارة ، ويؤكل النذر وهدي التمتع والتطوع . ۔۔۔ وقال أبو حنيفة: يؤكل هدي القران والمتعة والتطوع، ولا يأكل سوى ذلك ، وقال الشافعي : لا يأكل إلا هدي التطوع خاصة ، ولا يأكل من المتعة والقران ، لأنه عنده واجب ، وهو قول أبي ثور ، واحتج ابن القصار لقول مالك بقول الله - تعالى -: ﴿ويذكروا اسم الله :- ٣٩٤ - في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا﴾(١) ولم يخص واجبًا من تطوع ، فهو عام في جواز الأكل إلا بدلالة ، وأيضًا فإن الإجماع حاصل / على جواز الأكل من دم [٢/ ٥ ١٠٠-١] المتعة ولا نعلم أحدًا منعه قبل الشافعي . وقول عائشة: (( فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر » يردّ قوله ؛ لأنه لا خلاف أن لحم البقر التي نحر النبي عليه السلام عن أزواجه كانت هدي المتعة التي متعن، وقد أمر الرسول أن يحمل إليهن منه ليأكلنه . قال المهلب : وإنما لم يجز الأكل من جزاء الصيد لأنه غرم جناية ، فإذا أكل منه لم يغَرم المثل الذي أوجب الله عليه ، وفدية الأذى من هذا الباب ، وأما نذر المساكين فإذا نذره فقد أوجبه لهم ، فإذا أكل منه فلم ينفذ إليهم حقوقهم . واحتج الطحاوي لأبي حنيفة فقال: ظاهر قوله: (( فكلوا منها وأطعموا )) إباحة الأكل من جميع الهدايا إذ لم يُذكر في ذلك خاص منها ، واحتمل أن باطن الآية كظاهرها ، واحتمل أن تكون على خلاف ظاهرها ، فنظرنا في ذلك ، فوجدنا أهل العلم لا يختلفون في هدي التطوع إذا بلغ محله ؛ أنه مباح لمهديه الأكل منه وأنه ما دخل في هذه الآية ، وشهد بذلك السُّنَن المأثورة ، لأن النبي عليه السلام قد أكل من هديه في حجته ، وكانت تطوعًا ، ووجدناهم لا يختلفون في جزاء الصيد والنذر للمساكين أن مُهدى ذلك لا يأكل منه وأنه غير ذا حل في هذه الآية . واختلفوا في هدي القران والمتعة وهدي الجماع ، فنظرنا في ذلك فكان هدي المتعة والقران بهدي التطوع ( أشبه ) منهما بما سوى ذلك من الهدايا إذا كان هاذان الهديان إنما يجبان بأفعال غير (١) الحج : ٢٨. - ٣٩٥ - منهي عنها كالهدي التطوع الذي يجب بفعلٍ غير منهي عنه ولم يكن ذلك كهدي النذر ؛ لأن هدي النذر إنما يكون شكر الشيء يراد به أن يكون جزاء له . كقول الرجل : إن بلغني الله- تعالى - الحج فله علي أن أهدي بدنة ، فأشبهت العوض عن الأشياء التي تتعوض بهدي وكان هدي الجماع بهدي جزاء الصيد أشبه منه بهدي التطوع ؛ إذ كانت إصابة الصيد منهي عنها في الإحرام ، وإصابة الجماع كذلك فلم تجز أن يؤكل منها كما لا يجوز أن يؤكل من نظيرها من الهدايا ، وأما هدي التطوع إذا عطب قبل محله ، فقد اختلف أهل العلم فيه ، فقالت طائفة: صاحبه ممنوع من الأكل منه. رُوي ذلك عن ابن عباس وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، ورخصت طائفة في الأكل منه، روي ذلك عن عائشة وعبد الله بن عمر . قال المؤلف : وأما حديث جابر فهو مجمل كالآية . وفيه : جواز الأكل من الهدي دون تخصيص نوع منه بالمنع : وقد ذكرت أقوال العلماء في الآية ، واقتضى ذلك معنى الحديث وقول جابر : كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث . فقال النخعي : وكان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم ، فأبيح للمسلمين الأكل منها ، وإنما منعوا من ذلك في أول الإسلام من أجل الدافة (١) فلما زالت العلة الموجبة لذلك أمرهم أن يأكلوا ويدخروا . واختلف في مقدار ما يأكل منها ويتصدق ، فذكر علقمة أن ابن : مسعود أمره أن يتصدق بثلثه ، ويأكل ثلثه ، ويهدي ثلثه . وروي عن عطاء ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق ، وقال الثوري : يتصدق بأكثره . وقال أبو حنيفة : ما أحب أن يتصدق بأقل من الثلث . (١) في لسان العرب (١٠٥/٩): ((الدافة: قوم من الأعراب يريدون المصر، يريد أنهم قدموا المدينة عند الأضحى ، فنهاهم عن ادخار لحوم الأضاحي ليفرقوها ويتصدقوا بها ، فينتفع أولئك القادمون بها )) اهـ . - ٣٩٦ - باب : الذبح قبل الحلق فيه: ابن عباس قال عليه السلام: (( من حلق قبل أن يذبح لا حرج، لا حرج. فقال رجل للنبي - عليه السلام - : زرتُ قبل أن أرمي ؟ قال : لا حرج. قال : ذبحت قبل أن أرمي ؟ قال: لا حرج. قال : رميت بعد ما أمسيت ؟ قال: لا حرج ، قال : حلقت قبل أن أنحر ؟ قال : لا حرج)). وفيه: أبو موسى قال: (( قدمت على النبي - عليه السلام - وهو بالبطحاء ، فقال : أحججت ؟ قلت: نعم ... )) الحديث إلى قول [عمر](١): ((وإن نأخذ بسنة النبي - عليه السلام - فإن النبي لم يَحِلّ حتى بلغ الهدي محله )» . سنّة الحاج / أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر ثم ينحر ، ثم يحلق (٢/ ق ١٠٠ -ب] رأسه ، ثم يطوف طواف الإفاضة ، وهو الذي يسميه أهل العراق: طواف الزيارة ، وكذلك فعل النبي - عليه السلام - وهذا المعنى مقتضي حديث عمر في حديث أبي موسى أن النبي لم يحل حتى بلغ، يريد أنه لم يحلق حتى نحر الهدي ، وهذا معنى الترجمة ، فمن قدم شيئًا عن رتبته فللعلماء في ذلك أقوال : فذهب عطاء وطاوس ومجاهد إلى أنه إن قدم نسكًا قبل نسك أنه لا حرج عليه ، وبه قال أحمد وإسحاق ، وقال ابن عباس : من قدَّم من حجه شيئًا أو أخَّره فعليه دم . وهو قول الشعبي والحسن وقتادة . واختلفوا إذا حَلق قبل أن يذبح ، فقال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور : لا شيء عليه . وهو نص الحديث . وقال النخعي : عليه دم . وهو قول أبي حنيفة ، قال : وكذلك إن كان قارنًا ، والمراد بالمحل قوله تعالى : ﴿ ولا تحلقوا (١) في ((الأصل)) : ابن عمر ، وهو خطأ . - ٣٩٧ - رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ﴾ (١) المكان الذي يقع فيه النحر ؛ فإذا بلغ محله جاز أن يحلق قبل الذبح . وقال زفر : إن كان قارنًا فعليه دمان لتقدم الحلاق . وقال أبو يوسف ومحمد : لا شيء عليه . واحتجا بقوله عليه السلام: (( لا حرج )) وقول أبي حنيفة وزفر : مخالف للحدیث ، فلا وجه له . واختلفوا فيمن طاف للزيارة قبل أن يرمي ، فقال الشافعي : إن ذلك يجزئه ويرمي ، على نص الحديث . وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنه يرمي ثم يحلق رأسه ، ثم يعيد الطواف ؛ فإن رجع إلى بلده فعليه دم ، ويجزئه طوافه ، وهذا خلاف نص ابن عباس ، وأظن مالكًا لم يبلغه الحديث ، وفيه رَد لما كرهه مالك أن يسمى طواف الإفاضة : طواف الزيارة ؛ لأن الرجل قال للنبي - عليه السلام - : ((زرت قبل أن أرمي)) فلم ينكر الرسولُ عليه . واختلفوا فيمن أفاض قبل أن يحلق بعد الرمي ، فقال ابن عمر : يرجع فيحلق أو يُقَصِّر ، ثم يرجع إلى البيت فيفيض . وقالت طائفة: تجزئه الإفاضة ويحلق أو يقصر ، ولا شيء عليه . هذا قول عطاء ومالك والشافعي ، وقال مالك في الموطأ : أحب إليّ أن يهريق دمًا؛ حديث ابن عباس وأما إذا ذبح قبل أن يرمي، فقال مالك وجماعة من العلماء: لا شيء عليه ؛ لأن ذلك نص في الحديث ، والهدي قد بلغ محله ، وذلك يوم النحر ، كما لو لم يَنْحَر المعتمر بمكة هديًا ساقه قبل أن يطوف لعمرته . واختلفوا إذا قَدَّم الحلق على الرمي ، فقال مالك وأبو حنيفة : عليه الفدية، والحجة فيها أنه حرام عليه أن يمس من شعره شيئًا ، أو يلبس، أو يمس طيبًا حتى يرمي جمرة العقبة ، وقد حكم رسول الله (١) البقرة : ١٩٦ . - ٣٩٨ - على من حلق رأسه قبل محله من ضرورة بالفدية ، فكيف من غير ضرورة ؟ وجوزه الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، واحتجوا بقول النبي - عليه السلام - في التقديم والتأخير : ((لا حرج)) وسيأتي الكلام فيمن رمى جمرة العقبة بعد ما أمسى في بابه - إن شاء الله . وتأول الكوفيون في وجوب الدم فيمن قَدَّم شيئًا من نسكه أن معنى قوله عليه السلام: (( لا حرج)»: لا إثم ؛ لأنه عليه السلام كان يعلمهم مناسكهم ، فأخبرهم أن الحرج الذي رفع عنهم هو لجهلهم لا لغير ذلك ؛ لأنهم كانوا أعرابًا ، لا على أنه أباح لهم عليه السلام التقديم والتأخير في العمد . وهذا ابن عباس يوجب على من قَدَّم من نسكه شيئًا أو أَخَرَّه الدم ، وهو أحد من روى الحديث عن النبي - عليه السلام - فلم يكن معنى ذلك عنده على الإباحة ، وذهب عطاء إلى أن معنى قوله : ((لا حرج)» على العموم : لا شيء على فاعل ذلك من إثم ولا فدية . قال الطبري : والدليل على صحة هذا أن النبي - عليه السلام - لم يسقط عنه الحرج في ذلك إلا وقد أجزأه فعله ، ولو لم يكن عنده مجزئا لأمره إما بالإعادة ، وإما ببدل منه من فدية وجزاء ، ولم يقل له: لا حرج ؛ لأن الفدية إنما تلزم الحاج للحرج الذي يأتيه ، فعلم بذلك أن من قَدَّم شيئًا من نسكه ، فدخل وقته قبل شيء منه وأجزأه أنه لا يلزمه شيء . فإن ظن ظان أن في قول الرجل للنبي - عليه السلام - : نحرتُ قبل أن أرمي ولم أشعر ، دلالة على أنه لا يجوز ذلك للعامد ، وأن عليه القضاء إن كان مما يُقضى، أو الفدية / إن كان بما لا يُقضى، [٢/ ١٥ ١٠-١] فقد ظن غير الصواب ، وذلك أن الجاهل والناسي لا يضع الجهل والنسيان الحكم الذي يلزم المتعمد في وضع مناسك الحج غير مواضعها، - ٣٩٩ - وإنما يضع الجهل والنسيان في ذلك : الإثم ، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أن جاهلا من الحاج لو جهل ما عليه ، فلم يرم الجمرات حتى انقضت أيام الرمي ، أو أن ناسيًا نسي ذلك حتى مضت أيام الرمي ، أن حكمهم فيما يلزمهما من الفدية حكم المتعمد ، وكذلك تارك الوقوف بعرفة جاهلاً أو ناسيًا حتى انقضى وقته ، وكذلك سائر أعمال الحج سواءٌ في اللازم من الفدية ، والجاهل والعامد والناسي ، وإن اختلفت أحوالهم في الإثم ، فكذلك مقدّم شيء من ذلك ومؤخِّره ، الجاهل والعامد فيه سواء ؛ لأنه عليه السلام قال: (( لا حرج )) ولم يفصل بجوابه بين العالم والجاهل والناسي . * باب : من لَبّدَ رأسه عند الإحرام وحلق فيه: حفصة قالت: (( يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا بعمرة ، ولم تحلل أنت من عمرتك ؟ قال : إني لبدت رأسي ، وقلدت بدني ، فلا أحل حتى أنحر ) . وقال ابن عمر: (( حلق رسول الله في حجته)). التلبيد : أن يجعل الصمغ في الغسول ، ثم يلطخ به رأسه عند الإحرام ، ليمنعه ذلك من الشعث ، وجمهور العلماء على أن من لبد رأسه فقد وجب عليه الحلاق ، كما فعل النبي - عليه السلام - وبذلك أمر الناس عمر بن الخطاب وابن عمر ، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، وكذلك لو ضفر شعره أو عقصه كان حكمه حكم التلبيد ؛ لأن الذي فعل : سنة التلبيد الذي أوجب النبي - عليه السلام - فيه الحلاق ، وقال أبو حنيفة: من لبّد رأسه أو ضفره؛ فإن قصر ولم يحلق أجزأه. وروي عن ابن عباس - ٤٠٠ -