Indexed OCR Text

Pages 361-380

رواه شعبة [ والأعمش] (١) عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن
عباس ، ورواه سفيان ومسعر عن سلمة بن كهيل ، عن الحسن
العرني، عن ابن عباس: (( قدمنا من المزدلفة بليل فقال عليه السلام :
أي بنية عبد المطلب ، لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس)).
وهذا إسناد وإن كان ظاهره حسنًا ، فإن حديث ابن عمر وأسماء
يعارضانه ، فلذلك لم يخرجه البخاري - والله أعلم - مع أنه قد روى
( مولى ابن عباس ) (٢) عن ابن عباس قال: ((بعثني النبي - عليه
السلام - مع أهله وأمرني أن أرمي مع الفجر )» . فخالف حديث
مقسم عن ابن عباس .
قال الطبري : والصواب عندنا [ قول ] (١) من قال: إن وقت رمي
جمرة العقبة طلوع الفجر [ من يوم ] (٣) النحر ؛ لأن حينئذ يحل
الحاج ، وذلك أنّ بطلوع الفجر من تلك الليلة انقضى وقت الحج،
وفي انقضائه انقضاء وقت التلبية ودخول وقت رمي جمرة العقبة، غير
أنه لا ينبغي لمن كان محرمًا أن يلبس أو يتطيب أو يعمل شيئًا مما كان
حرامًا عليه [ قبل طلوع الفجر ] (١) من يوم النحر حتى يرمي جمرة
العقبة [ استحبابًا ] (٤) واتباعًا في ذلك سنة النبي - عليه السلام - فإذا
رمى الجمرة فقد حَلّ من كل شيء حرم عليه إلا جماع النساء حتى
يطوف طواف الإفاضة .
قال ابن المنذر : السنة أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس كما فعل
عليه السلام ، ولا [ يجزئ ] (٥) الرمي قبل طلوع الفجر بحالٍ ؛ إذ
-
(١) من ( ح)).
(٢) في (( ح)): شعبة ، وهو مولى ابن عباس .
(٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): بعد .
(٤) من (( ح))، وفي ((الأصل)): استحسانًا .
(٥) من ( ح))، وفي ((الأصل)): يجوز .
- ٣٦١ -

--
فاعله مخالف لسنة النبي - عليه السلام - ومن رماها بعد طلوع الفجر
قبل طلوع الشمس فلا إعادة عليه ، إذ لا أعلم أحدًا قال لا يجزئه ،
وقال الطبري : وفيه الدليل الواضح أن لأهل الضعف في أبدانهم أن
يتقدموا إلى منى ليلة النجر من جمع ، وأنه مرخص لهم في ترك
الوقوف بالمشعر غداة النحر .
وقد اختلف السلف في ذلك فقالت طائفة : جائز التقدم من جمع
بليل قبل الوقوف بها غداة النحر [ وصلاة الصبح بها ] (١) لضعفةً
الناس خاصة والنساء والصبيان دون أهل القوة والجلد ، وقالوا : إنما
أذن في ذلك رسول الله لضعفة الناس خاصة ، واحتجوا بحديث ابن
عباس ، قالوا : فمن تقدم من جمعٍ بليل من أهل القوة فلم يقف بها
مع الإمام ، فقد ضيع نسكًا وعليه إراقة دم . وهو قول مجاهد ،
وعطاء، وقتادة ، والزهري ، والثوري ، وأبي حنيفة ، وأحمد ،
وإسحاق ، وأبي ثورا .
[٢/ ٩٣٥ -ب] وكان مالك يقول: إن مر بها فلم ينزل بها فعليه دم / ومن نزل بها
ثم دفع منها بعدما نزل بها وكان دفعه منها في أول ( الليل ) (٢) أو
وسطه أو آخره ولم يقف مع الإمام ، فقد أجزأه ولا دم عليه . وهو
قول النخعي ، وحجة هذا القول أن النبي - عليه السلام - بات بها
حين حج بالناس وعلمهم مناسكهم ، فمن ضيع من ذلك شيئًا فعليه.
دم ، وإنما أجزنا له التقدم بالليل إلى منى إذا بات بها ؛ لتقديم النبي
أهله من جمع بليل ، فكان ذلك رخصة لكل أحد بات بها .
وقال الشافعي : إن خرج منها بعد نصف الليل فلا شيء عليه ، وإن
خرج منها قبل نصف الليل فلم يعد إلى المزدلفة افتدى ، والفدية شاة.
(١) من ( ح)).
(٢) في (( ح)): النهار ، خطأ.
- ٣٦٢ -

وقال آخرون : جائز ذلك لكل أحد : للضعيف والقوي ، وكانوا
يقولون : إنما جَمْع منزل نزله رسول الله [ كبعض ] (١) منازل السفر ،
فمن شاء طواه فلم ينزل به ، ومن شاء نزله فله أن يرتحل منه متى شاء
من ليل أو نهار ، ولا شيء عليه ، روي ذلك عن عطاء ، وهو قول
الأوزاعي ، واحتجوا بما حدثنا أبو كريب قال: حدثنا خالد بن مخلد،
عن محمد بن عبد الله ، عن عطاء ، عن عبد الله بن عمرو [بن
العاص ] (٢)، عن النبي قال: ((إنما جمع منزل لدلج المسلمين)).
وقال الطحاوي : ذهب قوم إلى أن الوقوف بالمزدلفة فرض لا يجوز
الحج إلا بإصابته ، و[ احتجوا ] (٣) في ذلك بقوله تعالى: ﴿فإذا
أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ﴾ (٤) فذكر الله المشعر
الحرام كما ذكر عرفات ، وذكر ذلك رسول الله في حديث عروة بن
مضرس ، فحكمهما واحد لا يجزئ الحج إلا بإصابته .
قال ابن المنذر : وهذا قول علقمة والشعبي والنخعي ، قالوا : فمن
لم يقف بجمع فقد فاته الحج ، ويجعل إحرامه عمرة .
قال الطحاوي : والحجة عليهم أن قوله تعالى : ﴿فاذكروا الله عند
المشعر الحرام ﴾ ليس فيه دليل أن ذلك على الوجوب، ولأن الله إنما
ذكر الذكر ، ولم يذكر الوقوف ، وكُل قد أجمع أنه لو وقف بمزدلفة
ولم يذكر الله - تعالى - أن حجه تام ، فإذا كان الذكر المذكور في
الكتاب ليس من صلب الحج ، فالموطن الذي يكون ذلك الذكر فيه
الذي لم يذكر في الكتاب أحرى ألا يكون فرضًا ، وقد ذكر الله أشیاء
في كتابه في الحج لم يُرد بذكرها إيجابها في قول أحد من الأمة ، من
(١) من (( خ))، وفي ((الأصل)): لبعض.
(٣) من ((ح))، وفي ((الأصل)): احتج.
(٥) من (( ح))، وفي (( الأصل)): فلذلك.
(٢) من (( ح)).
(٤) البقرة : ١٩٨ .
- ٣٦٣ -

ذلك قوله تعالى : ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو
اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ (١) وكل قد أجمع النظر أنه لو
حج ولم يطف بين الصفا والمروة أن حجه قد تم ، وعليه دم مكان ما:
ترك من ذلك، [ فكذلك ] (٢) ذكر الله في المشعر الحرام في كتابه
لا يدل على إيجابه ، وأما قوله عليه السلام في حديث عروة بن
مضرس: (( من شهد معنا صلاة الفجر بالمزدلفة وكان قد وقف قبل
ذلك بعرفة ليلا أو نهاراً فقد تم حجه )) فلا حجة فيه ؛ لإجماعهم أنه
لو بات بها ووقف ونأم عن الصلاة فلم يصلها مع الإمام حتى فاتته أن
حجه تام ، فلما كان حضور الصلاة مع الإمام ليس من صلب الحج
الذي لا يجزئ إلا به ، كان الموطن الذي تكون فيه تلك الصلاة التي
لم يذكر في الحديث أحرى ألا يكون كذلك ، فلم يتحقق بهذا الحديث
ذكر الفرض إلا بعرفة .
قال الطحاوي : وفي حديث سودة ترك الوقوف بالمزدلفة أصلا،
وكذلك في حديث ابن عباس وأسماء ، وفي إباحة رسول الله لهم
ذلك للضعيف دليل أن الوقوف بها ليس من صلب الحج [ الذي لا يجزئ
إلا به ] (٣) كالوقوف بعرفة ؛ ألا ترى أن رجلا لو ضعف عن الوقوف
بعرفة ، فترك ذلك لضعفه حتى طلع الفجر من يوم النحر أن حجه قد
فسد ، ولو وقف بها بعد الزوال ثم نفر منها قبل غروب الشمس أن
أهل العلم مجمعون أنه غير معذور بالضعف الذي به ، وأن طائفة
منهم تقول : إن عليه دم لتركه [ بقية ] (٤) الوقوف بعرفة ، وطائفة.
منهم تقول : قد فسد حجه ، ومزدلفة ليست كذلك ؛ لأن الذين
أوجبوا الوقوف بها يجيزون النفور عنها بعد وقوفه بها قبل فراغ وقتها،
(١) البقرة: ١٥٨.
(٣) من (( ح)).
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): فلذلك.
(٤) من (ح))، وفي ((الأصل)): بعينه، خطأ.
- ٣٦٤ -

وهو قبل طلوع الشمس من يوم النحر لعذر الضعف ، فلما ثبت أن
عرفة لا يسقط فرض الوقوف بها للعذر ، ولا يحل النفور منها قبل
وقته بالعذر ، وكانت مزدلفة مما يباح ذلك منها بالعذر / ثبت أن حكم
مزدلفة ليس في حكم عرفة ؛ لأن الذي يسقط للعذر ليس بواجب ،
والذي لا يسقط للعذر هو الواجب .
[٢/ ق٩٤ -١]
وقال الخطابي : الثبطة : البطيئة، وقد ثبطت الرجل عن أمره ،
ومنه قوله تعالى : ﴿ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم ﴾ (١) ، وقد تقدم
تفسير قوله: (( يا هنتاه)) في باب قوله : ﴿الحج أشهر معلومات ﴾
فأغنى عن إعادته .
باب : متى يصلي الفجر بجمع
فيه: عبد الله قال: (( ما رأيت النبي - عليه السلام - صلى صلاة لغير
ميقاتها إلا صلاتين ، جمع بين المغرب والعشاء ، وصلى الفجر قبل
ميقاتها )).
وقال مرة: (( صلى الفجر حين طلع الفجر ، وقائل يقول : طلع
[الفجر] (٢)، وقائل يقول: لم يطلع، ثم قال: [ إن ] (٢) رسول الله
قال : إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان : المغرب ،
فلا يَقْدُمُ الناسُ جَمْعًا حتى يُعْتموا ، وصلاة الفجر في هذه الساعة ، ثم
وقف حتى أسفر ثم قال : لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السنة ،
فما أدري أَقَوْلُهُ کان ◌ُسْرعَ ام دفع عثمان ، فلم یزل یلبي حتی رمی
جمرة العقبة يوم النحر )) .
قال ابن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الفجر بالمزدلفة حين تبين
(١) التوبة : ٤٦ .
(٢) من ( ح)).
- ٣٦٥ -

له الصبح بأذان وإقامة . قال المهلب : وقول ابن مسعود : (( ما رأيت
الرسول صلى صلاة لغير ميقاتها )» فإنه لا يريد بذلك أنه صلاها في
الوقت الذي لا يخل ، وإنما أراد غير ميقاتها المعهود المستحب
للجماعات بعد دخول الوقت وتمكّنه ، يبيّن ذلك قوله: (( قائل يقول:
طلع [ الفجر ] (١)، وقائل يقول: لم يطلع)) يريد أنه بادر الفجر
أول طلوعه في الوقت الذي لا [ يتبينه ] (٢) كل أحد ، ولم يَتَأَنَّ حتى
يتبّين طلوعه ( لكل أخد ) (٣) ، كما كانت عادته أن يصلي قبل ذلك،
ولا يجوز أن يتأول عليه غير هذا التأويل .
باب : متی يدفع من جمع
فيه: [ عمرو ] (٤) بن ميمون: (( شهدت عمر صلى بجمع الصبح ثم
وقف فقال : إن المشركين كانوا لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس
ويقولون : أَشْرِقْ ثَبِيرُ ، وأن الرسول خالفهم ( ثم أفاض ) (٥) قبل أن
تطلع الشمس )).
قال الطبري : فيه من الفقه بيان وقت الوقوف الذي أوجبه الله -
تعالى - على حجاج بيته بالمشعر الحرام ، لقوله تعالى : ﴿ فإذا
أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ﴾ (٦) فمن وقف
بالمشعر الحرام ذاكرًا لله في الوقت الذي وقف به رسول الله أو في
بعضه ، فقد أدركه وأدى ما ألزم الله من ذكره به ، وذلك حين صلاة
الفجر بعد طلوع الفجر الثاني إلى أن يدفع الإمام منه قبل طلوع
(١) من (( ح)).
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): ينتبه"
(٣) في (( ح)) : للجاهل.
(٤) من (( ح))، وفي ((الأصل)): عمر، خطأ.
(٦) البقرة : ١٩٨ .
(٥) في ( ح)) : فأفاض .
- ٣٦٦ -

الشمس يوم النحر ، ومن لم يدرك ذلك حتى تطلع الشمس فقد فاته
الوقوف ( فيه ) (١) بإجماع .
وقال ابن المنذر : ثبت أن النبي - عليه السلام - أفاض من جمع
قبل طلوع الشمس حين أسفر جدا ، وأخذ بهذا ابن مسعود وابن
عمر، وقال بذلك عامة العلماء أصحاب الرأي والشافعي ، غير مالك
فإنه كان يرى أن يدفع قبل طلوع الشمس وقبل الإسفار .
قال المهلب : ( فإنما عجل ) (٢) النبي - عليه السلام - الصلاة ،
وزاحم بها أول وقتها ليدفع قبل [ إشراق ] (٣) الشمس على جبل ثبير
ليخالف أمر المشركين ، فكلما بَعُدَ دفعُه من طلوع الشمس كان
أفضل، فلهذا - والله أعلم - اختار هذا مالك .
قال الطبري: وقوله: ((لا يفيضون)) يعني: لا يرجعون من
المشعر الحرام إلى حيث بدأ المصير إليه من منى حتى تطلع الشمس ،
وكذلك تقول العرب لكل راجع من موضع [ آخر إلى الموضع الذي
بدأ منه : أفاض فلان من موضع ] (٤) كذا .
وكان الأصمعي يقول: الإفاضة : الدفعة ، وكل دفعة إفاضة ، ومنه
قيل : أفاض القوم في الحديث ، إذا دفعوا فيه . وأفاض دمعه يفيضه،
فأما إذا سالت دموع العين، ( فإنما ) (٥) يقال : فاضت عينه بالدموع.
قال ابن قتيبة : وقولهم : أَشْرق ثبير، هو من شروق الشمس ،
وشروقها : طلوعها، يقال: شرقت الشمس / شروقًا، إذا هي [٩٤٥/٢ -ب]
طلعت ، وأشرقت : إذا أضاءت ، وإنما يريدون : أُدْخُلْ أيها الجبل في
(١) في (( ح)) : به .
(٢) في (( ح)): ولم يعجل ... إلا ليدفع ....
(٣) من (( ح))، وفي (( الأصل)): تشرق.
(٤) من (( ح))، وسقط من الأصل .
(٥) في (( الأصل)): فإنه .
- ٣٦٧ -

الشروق كما يقال أشمل القوم : إذا دخلوا في ريح الشمال ،
وأجنبوا : إذا دخلوا في الجنوب ، وأراحوا : إذا دخلوا في الريح ،
وأربعوا : إذا دخلوا في الربيع ، فإذا أردت أن شيئًا من هذا أصابهم ،
قلت : شمل القوم وجنبوا وريحوا وربعوا [وشرقوا ] (١)، وغيثوا
إذا أصابهم الغيث .
وقوله : (([ كيما نغير] (٢))) (يريد) (٣) كيما [ ندفع ] (٤)
النحر، قال الطبري: وهو من قولهم : أغار الفرس إغارة الثعلب ،
وذلك إذا دفع وأسرع في عدوه (٥).
باب : التلبية والتكبير غداة النحر حتى يرمي
جمرة العقبة والارتداف في السير
فيه : ابن عباس: (( أن النبي - عليه السلام - أردف الفضل ، فأخبر
الفضل أنه لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة، وقال : إن أسامة لم يزل ردف
رسول الله من عرفة إلى المزدلفة ، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى،
قال : فكلاهما قال : لم يزل الرسول يلبي حتى رمى جمرة العقبة )) .
اختلف السلف في الوقت الذي يقطع الحاج فيه التلبية ، فذهبت
(١) من (( ح)).
(٣) في (( ح)): يريدون.
(٢) من ( ح))، وفي ((الأصل)): كما تغير .
(٤) من (( ح))، وفي (( الأصل)): يدفع.
(٥) مكتوب هنا في النسخة (( ح)): انتهى السفر الرابع من هذا الشرح بحمد الله
وحسن عونه وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعبده، يتلوه في الخامس باب :
التلبية والتكبير غداة النحر حتى يرمي الجمرة والارتداف في السير . فيه : ابن
عباس وذلك في أواسط رمضان المعظم من عام ستة وثمانين وثمانمائة . اهـ .
وهذا آخر ما وقفنا عليه من النسخة (( ح)).
- ٣٦٨ -
...

طائفة إلى حديث الفضل وأسامة وقالوا : يلبي الحاج حتى يرمي جمرة
العقبة . روي هذا عن ابن مسعود وابن عباس ، وبه قال عطاء ،
وطاوس ، والنخعي ، وابن أبي ليلى ، والثوري ، وأبو حنيفة ،
والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وقالوا : يقطعها مع أول حصاة
يرميها من جمرة العقبة ، إلا أحمد وإسحاق فإنه يقطعها عندهما إذا
رمى الجمرة بأسرها ، على ظاهر الحديث .
وروي عن علي بن أبي طالب أنه كان يلبي في الحج ، فإذا زاغت
الشمس من يوم عرفة قطع التلبية ، قال مالك : وذلك الأمر الذي لم
يزل عليه أهل العلم ببلدنا. وقال ابن شهاب : وفعل ذلك الأئمة أبو
بكر، وعمر ، وعثمان ، وعائشة، وابن المسيب، وذكر ابن المنذر عن
سعيد مثله ، وذكره الطحاوي عن مكحول ، وكان ابن الزبير يقول :
أفضل الدعاء يوم عرفة التكبير. وروي معناه عن جابر بن عبد الله .
واحتج ابن القصار لمالك وأهل المدينة فقال في حديث ابن عباس
وأسامة : لو فعل ذلك النبي - عليه السلام - على أنه المستحب عنده
لم تخالفه الصحابة بعده ، فيحتمل أنه أراد ألا يقطع التلبية عند زوال
الشمس ؛ لأن الناس كانوا يتلاحقون به يوم عرفة وليلة النحر إلى
طلوع الفجر ، وهو آخر الوقت الذي به يدرك عرفة حتى لا يبقى أحد
إلا سمع تلبيته ؛ لأنه صاحب الشرع ، فأعلمهم أنها تجوز إلى هذا
الوقت ، ويكون المستحب لنا عند الزوال بعرفة لما قد تقرر من اختيار
الصحابة له ، وهم الذين أمرنا بالاقتداء بهم ؛ لأنهم المبلغون للسنن ،
والمفسرون لها ، فوجب اتباع سبيلهم واختيار ما اختاروه ، والرغبة
عما رغبوا عنه .
وتأول الطحاوي في قطع الصحابة للتلبية عند الرواح إلى عرفة أن
ذلك لم يكن على أن وقت التلبية قد انقطع ، ولكن لأنهم كانوا
- ٣٦٩ -

يأخذون فيما سواها من الذكر والتكبير والتهليل ، كما لهم أن يفعلوا.
ذلك قبل يوم عرفة أيضًا ، وقد تقدم في باب : التلبية ولا يكبر إذا غدا
من منى إلى عرفة ، أن التلبية هي الإجابة لما دعي إليه ، فإذا بلغ
عرفة فقد بلغ غاية ما يدرك الحاج بإدراكه ، ويفوت بفوته ، فلذلك
يقطع التلبية عند بلوغ النهاية ، وقد تقدم ذكر الارتداف في السير في
أول كتاب الحج .
وقال ابن المنذر : ثبت أن النبي - عليه السلام - رمى الجمرة يوم
النحر على راحلته ، وقال به مالك فرأى أن يرمي جمرة العقبة يوم
النحر راكبًا ؛ اقتداءً بالنبي - عليه السلام - وفي غير يوم النحر
ماشيًا، وكره مالك أن يركب إلى شيء من الجمار إلا من ضرورة ،
وكان ابن عمر وابن الزبير وسالم يرمون الجمار وهم مشاة ، واستحب
ذلك أحمد وإسحاق ، قال الطبري : وإنما قيل لها : جمرة ؛ لأنها
حجارة مجتمعة ، وكل شيء مجتمع فهو عند العرب جمرة وجمار ،
ومنه قولهم : أَجْمَرَ السلطانُ جيشَه في الثغر ، بمعنى : جَمَعَهُم فيه ،
ومنه قيل لأحياء من العرب تجمعت : جمار وجمرات .
[٢/ ق٩٥-١]
۔
/ باب : قول الله تعالى ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من
الهدي ﴾ إلى قوله: ﴿حاضري المسجد الحرام﴾(١)
فيه : أبو جمرة: « سألتُ ابنَ عباس عن المتْعَةِ فأمرني بها ، وسَأَلْتَهُ عن
الهَدي فقال : فيها جَزُور أو بقرة أو شَاة أو شرْك في دم ، وكأن ناسًا
كرهوهَا ، فنمتُ فرأيت في المنام كأن إنسانًا ينادي : حج مبرور ، ومتّعَة
متقبلة ، فأتيت ابن عباس ، فحدّثْتُه ، فقال : الله أكبر ، سُنة أبي القاسم)).
(١) البقرة : ١٩٦ .
- ٣٧٠ -

قال آدم ووهب بن جرير وغندر : عن شعبة (( عمرة متقبلة ، وحج
مبرور )) .
قال الطحاوي : إن قال قائل : إنما أطلق الله في كتابه المتعة
للمُحْصَرين بالحج ، ولم يذكر معهم من لم يُحْصَر ، فكيف أبحتم
العمرة فيمن لم يحصر ؟ فالجواب : إن في الآية ما يدل على أن غير
المحصرين قد دخلوا فيها بما أجمعوا عليه ، وهو قوله : ﴿ولا تحلقوا
رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من
رأسه ، ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ (١) . فلم يختلف أهل
العلم في المحرم بالحج والعمرة مِمَّنْ لم يحصر أنه إذا أصابه أذى في
رأسه ، أو أصابهُ مرض أنه يحلق وأن [ عليه ] (٢) الفدية المذكورة في
الآية التي تليها ، وأن القصد بها إلى المحصرين لا يمنع أن يدخل فيها
من سواهم من المحرمين غير المحصرين ، فكذلك قوله : ﴿فمن تمتع
بالعمرة إلى الحج ﴾ لا يمنع أن يكون غير المحصرين في ذلك
كالمحصرين، بل هذا أَوْلى بما ذكرنا من المعنى الأول الذي في الآية ؛
لأنه قال في المعنى الأول : ﴿فمن كان منكم﴾. ولم يقل ذلك في
المعنى الثاني منها .
واختلف العلماء فيما استيسر من الهدي ، فقالت طائفة : شاة ،
روي ذلك عن علي وابن عباس ، وهو قول مالك وجمهور العلماء ،
وروي عن ابن عمر وعائشة أن ما استيسر من الهدي من الإبل والبقر
خاصة .
قال إسماعيل : وأحسب هؤلاء ذهبوا إلى ذلك من أجل قوله :
﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله﴾ (٣) فذهبوا إلى أن الهدي ما
وقع عليه اسم بدن . ويرد هذا التأويل قوله تعالى : ﴿فجزاء مثل ما
(١) البقرة: ١٩٦. (٢) في ((الأصل)): عليها، كذا. (٣) الحج: ٣٦.
- ٣٧١ -

قتل من النعم ﴾ (١) إلى قوله : ﴿ هديًا بالغ الكعبة ﴾ (١) وقد حكم
المسلمون في الظبي بشاة ، فوقع عليها اسم هدي . وروي عن ابن
عمر وأنس أنه يجزئ في المتعة والقران شرك في دم .
وروي عن عطاء وطاوس والحسن مثله ، وهو قول أبي حنيفة ،
والثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي
ثور، ولا تجزئ عندهم البدنة أو البقرة عن أكثر من سبعة على حديث
جابر ، ولا تجزئ عندهم الشاة عن أكثر من واحد . :
قال المؤلف : ولا تعلق لهم في حديث أبي جمرة عن ابن عباس ،
قال إسماعيل : وأبو جمرة وإن كان من صالحي الشيوخ فإنه شيخ ،
وقد روى ثقات أصحاب ابن عباس عنه أن ﴿ ما استيسر من الهدي
شاة ، وأن المعتمد في العلم على الثقات المعروفين بالعلم ، وقد روى
ليث بن أبي [ سليم ] (٢) عن طاوس ، عن ابن عباس مثل رواية أبي
جمرة ، وليث ضعيف ، فلا يتعنى بالكلام فيه ، وقد روى حماد ابن
زيد ، عن أيوب ، عن محمد ، عن ابن عباس قال : ما كنت أدري
أن دمًا واحدًا يقضي عن أكثر من واحد .
وأما ما روي عن جابر أنه قال: (( نحرنا يوم الحديبية البدنة عن
سبعة والبقرة عن سبعة )) فلا حجة فيه ؛ لأن الحديبية لم يكن فيها
تمتع، وإنما كان عليه السلام أحرم بالعمرة من ذي الحليفة وساق
الهدي، فلما صده المشركون نحروا الهدي ، وهو تطوع ليس فيه تمتع
ولا غيره مما يوجب هديًا ، وهذا كما روي عنه عليه السلام أنه ضحى
عن أمته ، وكما روي عن أبي أيوب أن الرجل يضحي بالشاة الواحدة
عنه وعن أهل بيته ، وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنه قال : تفسير.
(١) المائدة : ٩٥ .
(٢) في ((الأصل)): سليمان ، وهو خطأ.
- ٣٧٢ -

حديث جابر في التطوع ، والعمرة تطوع لا بأس بذلك . وروى عنه
ابن القاسم أنه لا يشترك في هدي واجب / ولا تطوع . فإن قيل: إن [٢/ ق ٩٥ -ب]
الهدي كان عليهم لأنهم حُصِرُوا ، قيل : الهدي قد كان أشعر وأوجب
هديًا بعد الحصر .
وما روي عن أنس أنهم كانوا يشتركون السبعة في البدنة والبقرة ،
فإنما يعني به الأضاحي ، وليس المراد به أنهم يشتركون في الأضحية ،
على أن لكل واحدٍ منهم سهمًا من ملكها ، وإنما يعني به أن أهل
البيت يضحون بالجزور أو البقرة عن جماعة منهم ، وهذا جائز عندنا
ولو كان أكثر من سبعة إذا كان ملكها لرجل واحد ، وضحى بها عن
نفسه وأهله ، وقد تقدم في كتاب الصيام الاختلاف في صوم التمتع
الثلاثة الأيام في الحج ، فأغنى عن إعادته .
باب : رُكُوب البُدنِ
وقوله : ﴿ والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير ﴾ إلى
قوله : ﴿وبشر المحسنين ﴾ (١) . قال مجاهد : سميت البدن ؛ لبدنها .
فيه أبو هريرة وأنس: (( أن النبي - عليه السلام - رأى رجلا يسوق
بدنة فقال : اركبها ، فقال : إنها بدنة ، فقال : اركبها ويلك - في الثانية
أو الثالثة)).
قال المهلب : فيه من الفقه استعمال بعض ما وجه الله - تعالى - إذا
احتيج إليه ، على خلاف ما كانت الجاهلية عليه من أمر البحيرة
والسائبة والوصيلة والحام ، فأعلم الرسول أنما أهل به لله إنما هو
(١) الحج : ٣٦.
- ٣٧٣ -

دماؤها ، وأما لحومها والانتفاع بها قبل نحرها وبعده فغير ممنوع ، بل
هو مباح بخلاف سُنن الجاهلية .
واختلف العلماء في ركوب الهدي الواجب والتطوع ، فذهب أهل
الظاهر إلى أن ذلك جائز من غير ضرورة ، وبه قال أحمد وإسجاق ،
وبعضهم أوجب ذلك ، واحتجوا بحديث أبي هريرة وأنس ، وكره
مالك وأبو حنيفة والشافعي ركوبها من غير ضرورة ، وكرهوا شرب
لبن الناقة بَعْدَ رئِّ فصيلها ، وقال أبو حنيفة والشافعي : إن نقصها
الركوبُ والشربُ فعليه قيمة ذلك ، واحتجوا أن ما خرج لله فغير جائز
الرجوع في شيء منه والانتفاع به إلا عند الضرورة .
وقال الطحاوي ؛ احتمل أن يكون النبي أمر بركوب البدنة لغير
ضرورة ، واحتمل أن يكون أمر بذلك لضرورة ، فنظرنا في ذلك فإذا
نصر بن مرزوق ، حدثنا عن ابن معبد ، حدثنا إسماعيل بن جعفر ،
عن حميد ، عن أنس (( أن النبي - عليه السلام - رأى رجلا يسوق
بدنة ، وقد جهد ، فقال : اركبها ، فقال : يا رسول الله ، إنها بدنة،
قال اركبها)). وروى ابن أبي شيبة حدثنا أبو [ خالد ] (١) الأحمر،
عن ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر في ركوب البدن قال :
سمعت النبي - عليه السلام - يقول: (( اركبها بالمعروف إذا لم تجد
ظهرًا)) . فأباح عليه السلام ركوبها في حال الضرورة ، فثبت أن
حكم الهدي أن يركب للضرورة .
وقد روي عن ابن عمر ما يدل على هذا المعنى ، روى هشيم عن
الحجاج ، عن نافع ، عن ابن عمر ((أنه كان يقال للرجل إذا ساق بدنة
وأعيا : اركبها ، وما أنتم بمستنين سنة هي أهدى من سنة محمد)).
(١) في ((الأصل)) : خلاد، وهو خطأ.
- ٣٧٤ -

ثم اعتبرنا ذلك من طريق النظر ، فرأينا ما الملك فيه متكامل كالعبد
الذي لم يُدبره مولاه ، والأَّمَة التي لم تلد، والبدنة التي لم يوجبها
صاحبها ، كل ذلك جائز بيعه ، والانتفاع به وجائز تمليك منافعه ببدل
وبغير بدل ، ورأينا البدنة إذا أوجبها ربها ، فكل قد أجمع أنه لا يجوز
أن يؤاجرها ، ولا يجوز أن يبيع منافعها، كان كذلك ليس له أن ينتفع
بها ، ولا يجوز له الانتفاع إلا بشيء له التعوض بمنافعه وأخذ البدل
فيها ، وروي عن مجاهد في قوله : ﴿ لكم فيها منافع إلى أجل
مسمى﴾ (١) قال : في ظهورها وألبانها وأصوافها وأوبارها حتى تصير
بدنًا ، وبه قال النخعي وعروة .
قال المهلب : وفيه من الفقه تكرير العالم الفتوى ، وفيه توبيخ
الذي لا يأتمر بالفتوى والدعاء عليه بالويل وشبهه ، مما عادة العرب أن
تدعوا به ، وقيل : هذا مما لا يراد به الوقوع ، وإنما هو على سبيل
التحضيض، وقد قال / عليه السلام: (( إنما أنا بشر أغضب كما [٢/ ٩٦٥-١]
تغضبون ، فمن سَبَبْتُه فاجعل ذلك له كفارة وأجراً)) . فهذا دليل أنه
عليه السلام لم يُرد بشيء من دُعائه على من وَبَّخَهُ الوقوع .
باب : من ساق الهدي معه
فيه : ابن عمر قال: ((تمتع رسول الله في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج،
وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة ، وبدأ رسول الله فأهل بالعمرة،
ثم أهل بالحج ، فتمتع الناس مع النبي - عليه السلام - بالعمرة إلى
الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ، ومنهم من لم يهد ،
فلما قدم النبي - عليه السلام - مكة قال الناس : من كان منكم أهدى،
(١) الحج : ٣٣.
- ٣٧٥ -

فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ، ومن لم يكن منكم
أهدى ، فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ، ويقصر وليحلل ، ثم ليهل
بالحج، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله،
فطاف حين قدم مكةٍ واستلم الركن أول شيء ، ثم خبّ ثلاثة أطواف،
ومشى أربعًا ، فركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ، ثم
سلم فانصرف فأتى الصفا ، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف ، ثم
لم يحلل من شيء حرم منه حتی قضی حجه ، ونحر هدیه يوم النحر ،
وأفاض فطاف بالبيت ثم حلّ من كل شيء حرم منه ، وفعل مثل ما فعل
رسول الله مَنْ أهدی وساق الهدي من الناس )) .
وقال ابن شهاب : عن عروة ، أن عائشة أخبرته ، عن النبي - عليه
السلام - في تمتعه بالعمرة إلى الحج ، فتمتع الناس معه ، مثل حديث ابن
عمر عن رسول الله .
قال المهلب: قول ابن عمر: ((تمتع رسول الله )) يعني أنه أمر
بذلك كما يقال : رجم رسول الله ولم يرجم ، وكتب ولم يكتب ،
بل أمر بذلك وقوله : (( في حجة الوداع )) دليل أن النبي - عليه
السلام - لم يتمتع في خاصة نفسه ، بل كانت حجة مُفْردَة ، وسميت
حجة الوداع ، وقوله : (( فبدأ رسول الله فأهَلَّ بالعمرة )» إنما يزيد أنه
بدأ حين أمرهم بالتمتع أن يهلوا بالعمرة أولا ، ويقدموها قبل الحج ،
أو ينشئوا الحج بعد العمرة إذا حَلَّوا منها، وقوله: (( فتمتع الناس مع
النبي - عليه السلام )) معناه : تمتعوا بحضرته ، ومثل هذا في الكلام
مشهور كما جاء في الحديث: (( أن فلانًا قتل مع النبي في بعض
غزواته)) معناه : قتل بحضرة النبي - عليه السلام .
وقوله للناس : (( من كان منكم أهدى فلا يحل من شيء )) دليل
على أنه عليه السلام لم يتمتع ؛ لأنه ساق الهدي ، ولم يُحل كما
- ٣٧٦ -
۔

حلَّ من لم يسق الهدي ، وما في آخر الحديث من تعليم الناس يفسر
ما في أوله من إشكال قوله: ((أنه تمتع)) لأن المفسّر يقضي على
المجمل، وقد صح عن ابن عمر أنه رَدَّ قول أنس: ((أن النبي - عليه
السلام - تمتع)) وقال: ((أهلَّ النبي - عليه السلام - بالحج وأهللنا
به ، فلما قدمنا مكة ، قال : من لم يكن معه هدي فليجعلها عمرة،
وكان مع النبي - عليه السلام - هدي )) ذكره البخاري عن مسدد في
كتاب المغازي ، وقد ذكرناه في باب : التمتع والقران والإفراد وفسخ
الحج ، فكيف ينكر ابن عمر على أنس أن النبي - عليه السلام - أهل
بعمرة وحجة ؟! هذا ما لا يتوهمه عاقل ، فصح أن تأويل قول ابن
عمر في هذا الباب: (( تمتع رسول الله )) أنه أمر بذلك ، لا أنه فعله
عليه السلام في خاصّة نفسه ، وهذا التأويل ينفي التناقض عن
الخبرين، ويجمع بين المتضادين .
وأما قوله في حديث عروة : أن عائشة أخبرته عن النبي - عليه
السلام - في تمتعه بالعمرة إلى الحج بمثل حديث سالم عن أبيه ، فنعم
هو مثله في الوهم ؛ لأن أحاديث عائشة كلها من رواية عروة والأسود
والقاسم وعمرة مسقطة لهذا الوهم ؛ لأنهم يروون عنها أنها قالت :
((خرجنا مع النبي - عليه السلام - ولا نرى إلا أنه الحج)) مُخالفة
لرواية ابن شهاب عن عروة ، عن عائشة / في تمتعه بالعمرة التي في (٩٦٥/٢ -ب]
آخر هذا الباب ، وموافقة لرواية الجماعة عن عائشة ، وأما قوله في
الترجمة : باب من ساق البدن معه فإنما أراد أن يعرف أن السنة في
الهدي أن يساق من الحل إلى الحرم .
واختلف العلماء في ذلك . فقال مالك : من اشترى هَدْيَهُ بمكة أو
بمنى ، ونحره ولم يقف به بعرفة في الحل فعليه بَدَلُه . وهو مذهب
ابن عمر وسعيد بن جبير ، وبه قال الليث ، وروي عن القاسم أنه
- ٣٧٧ -

أجازه إن لم يوقف به بعرفة ، وقاله أبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو
ثور ، قال الشافعي: وَقْفُ الهدي بعرفة سنة لمن شاء إذا لم يسقه من
الحل . وقال أبو حنيفة : ليس بسنة ؛ لأن النبي - عليه السلام - إنما
ساق الهدي من الحل ؛ لأن مسكنه كان خارج الحرم، والحجة لمالك أن
النبي - عليه السلام - ساق الهدي من الحل إلى الحرم ، وقال :
((خذوا عني مناسككم)). وأفعاله على الوجوب .
باب : من اشترى الهدي من الطريق
فيه : عبد الله بن عبد الله بن عمر أنه قال لأبيه: (( أقم فإني لا (أيمنها)(١)
أن تُصَدَّ عن البيت، قال: إذًّا أفعل كما فعل رسول الله وقال: ﴿لقد
كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾ (٢) فأنا أشهدكم أني قد أوجبت
على نفسي العمرة ، فأهل بالعمرة من الدار ، قال : ثم خرج حتى إذا كان
بالبيداء أهل بالحج والعمرة وقال : ما شأن الحج والعمرة إلا واحد ، ثم
اشترى الهدي من قَدَيد ، ثم قدم فطاف لهما طوافًا واحدًا ، فلم يحل
حتى حل منهما جميعًا )) .
وقوله: ((إذًا أفعل كما فعل رسول الله )) يعني : من الإحلال حين
صُدَّ بالحديبية على ما يأتي ذكره في باب : الحصر بَعْدُ - إن شاء الله -
ولم يُصد ابن عمر وأَهَلَّ بعمرة من المدينة ، فلما خرج إلى الميقات
أردف الحج على العمرة وقال: ((ما شأنهما إلا واحد)) يعني في
العمل ، لأن القارن لا يطوف عنده إلا طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا ..
وأجمع العلماء أن من أَهَلَّ بعمرة في أشهر الحج أن له أن يدخل
عليها الحج ما لم يفسخ الطواف بالبيت ، والحجةُ لهم أن أصحاب
(١) هذه رواية المستملي والسرخسي، ولغيرهما: آمنها، كما قال الحافظ في الفتح
(٦٣٣/٣) وكذا (٥٧٩/٣)، وسيأتي ذكرها في آخر الباب.
(٢) الأحزاب : ٢١ .
- ٣٧٨ -

النبي - عليه السلام - أهلوا بعمرة في حجة الوداع ، ثم قال لهم
رسول الله: (( من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ، ثم لا يحل
حتى يحل منهما جميعًا)) . وبهذا احتج مالك في الموطأ.
واختلفوا في إدخال الحج على العمرة إذا افتتح الطواف ، فقال
مالك : يلزمه ذلك ويصير قارنًا ، وحكى أبو ثور أنه قول الكوفيين ،
وقال الشافعي : لا يكون قارنًا ، وذكر أنه قول عطاء ، وبه قال
أبو ثور .
وأما إدخال العمرة على الحج ، فمنع منه مالك ، وهو قول
(إسحاق ) (١) وأبي ثور ، وأجازه الكوفيون وقالوا : يصير قارنًا ،
وقد أساء فيما فعل ، واختلف قول الشافعي على القولين ، وإنما أجاز
مالك إرداف الحج على العمرة ، ولم يُجز إرداف العمرة على الحج ؛
لأن عمل الحج يستغرق عمل العمرة ويزيد عليها ، فإذا أدخل العمرة
على الحج فلم يأت بزيادة في العمل ، ولا أفاد فائدة ، فلم يكن
لإدخالها على الحج معنى ، والقياس عند أبي حنيفة لا يمنع إدخال
عمرة على حجة ، ومن أصله أن على القارن طوافين وسعيين .
وأما قول البخاري : باب من اشترى الهدي من الطريق ، فإنما أراد
أن يبيّن مذهب ابن عمر أن الهدي ما أدخل من الحل إلى الحرم ؛ لأن
قُديَدًا حيث اشتراه ابن عمر من الحل في نصف طريق مكة ، وقد روى
مالك عن نافع ، عن ابن عمر أنه كان يقول : الهدي ما قلد وأشعر ،
ووقف به بعرفة ، وكذلك فعل النبي - عليه السلام - فلا معنى لقول
من خالف هذا .
وقوله: (( لا أيمنها )) قال سيبويه : من العرب من يكسر زوائد كل
فعل مضارع، ماضيه فعل ، ومستقبله يفعل، إلى الياء ، فيقولون: أنا
(١) كتب في هامش ((الأصل)): سحنون، وعليه علامة الحاشية.
- ٣٧٩ -

أعلم ، وأنت تعلم ، ونحن نعلم ، وهو يعلم بفتح الياء ؛ كراهية
الكسرة فيها لثقلها، وعلى هذا جاء: (( لا أيمنها )» لأنهم يقولون : أيمن.
باب : من أشعر / وقلَّد الهدي بذي الحليفة ثم أحرم
[٢/ق٩٧-١]
وكان ابن عمر إذا أهدى من المدينة قلَّدهُ وأشعره بذي الحليفة يطعن في
شق سنامه الأيمن بالشفرة ووجهها إلى القبلة باركة .
فيه : مروان والمسور قالا: ((خرج النبي - عليه السلام - زمن الحديبية
في بضع [عشرة ](١) مائة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحليفة قَلَّدَ
النبي - عليه السلام - الهدي وأشعر وأحرم بالعمرة)) .
۔۔
وفيه : عائشة قالت: « فتلتُ قلائد بُدْن رسول الله بيدي ، ثم قلدها
وأشعرها . وأهداها ، فما حرم عليه شيء كان حل له )) .
غرض البخاري في هذا الباب أن يبّين أن من أراد أن يحرم بالحج أو
العمرة ، وساق معه هديًا ، فإن المستحب له أن لا يشعر هديه، ولا يقلده
إلا من ميقات بلده ، وكذلك يستحب له أيضًا أن لا يحرم إلا بذلك
الميقات على ما عمل النبي - عليه السلام - بالحديبية وفي حجته أيضًا،
وكذلك من أراد أن يبعث بهدي إلى البيت ولم يُرد الحج والعمرة ،
وأقام في بلده فإنه يجوز له أن يقلده وأن يشعره في بلده ، ثم يبعث به
كما فعل النبي - عليه السلام - إذ بعث بهديه مع أبي بكر سنة تسع ،
ولم يوجب ذلك على النبي إحرامًا ولا تجردًا من ثيابه ولا غير ذلك ،
وعلى هذا جماعة أئمة الفتوى ، منهم مالك ، والليث ، والأوزاعي،
(١) في (( الأصل )) : عشر
- ٣٨٠ -