Indexed OCR Text
Pages 181-200
يحتمل أن يكون إنما ضاعف اعتكافه في العام الذي قبض فيه من أجل أنه علم بانقضاء أجله ، فأراد أن يستكثر من عمل الخير ؛ ليسن لأمته الاجتهاد في العمل إذا بلغوا ( انقضاء ) (١) العمر ليلقوا الله على خير أحوالهم . وقد روى ابن المنذر حديثًا دل على غير هذا المعنى قال: حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا عفان ، حدثنا حماد ، حدثنا ثابت ، عن أبي رافع ، عن أبي بن كعب (( أن النبي - عليه السلام - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان ، فسافر عامًا فلم يعتكف ، فلما كان [ العام ] (٢) المقبل اعتكف عشرين ليلة)). وقوله : (( كان رسول الله يعتكف في كل رمضان )) فهذا يدل على أن الاعتكاف من السنن المؤكدة؛ [ لأنه ] (٣) مما واظب عليه النبي - عليه السلام - فينبغي للمؤمنين الاقتداء في ذلك بنبيهم ، وذكر ابن المنذر عن ابن شهاب أنه كان يقول : عجبًا للمسلمين تركوا الاعتكاف، وإن النبي - عليه السلام - لم يتركه منذ دخل المدينة كل عام في العشر الأواخر حتى قبضه الله . وروى ابن نافع عن مالك قال: ما زلت أفكر في ترك الصحابة الاعتكاف ، وقد اعتكف النبي حتى قبضه الله - تعالى - وهم أتبع الناس بآثاره ، حتى [ أخذ ] (٣) بنفسي أنه كالوصال المنهي عنه، وأراهم إنما تركوه لشدته ، وأن ليله ونهاره سواء ، قال مالك : ولم يبلغني أن أحدًا من السلف اعتكف إلا أبو بكر بن عبد الرحمن. واسمه المغيرة ، وهو ابن أخي أبي جهل ، وهو أحد فقهاء تابعي المدينة . قال ابن المنذر : روينا عن عطاء الخراساني أنه قال : كان يقال: / [٦١٨/٢-ب] (١) في (( ح)): أقصى. . (٢) من ( ح)). (٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)) كأنها : أجد. - ١٨١ - مثل المعتكف كمثل عبد ألقى نفسه بين يدي ربه ثم قال : رب لا أبرح حتى تغفر لي ، رب لا أبرح حتى ترحمني . باب : من أراد أن يعتكف ثم بدا له أن يخرج فيه: عائشة: (( أن النبي - عليه السلام - ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان ، فاستأذنته عائشة فأذن لها ، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت ، فلما رأت ذلك زينب أمرت ببناء فبني لها ، وكان رسول الله إذا صلى انصرف إلى بنائه فبصر بالأبنية فقال: ما هذا ؟ فقالوا : بناء عائشة وحفصة وزينب ، فقال عليه السلام : آلبر أردن بهذا؟ ما أنا بمعتكف ، فرجع، فلما أفطر اعتكف عشراً من شوال)). قال المؤلف : يحتمل أن يكون النبي - عليه السلام - [ قد كان](١) شرع في الاعتكاف ودخل فيه ، فلذلك قضاه لقول عائشة: (( إن رسول الله كان إذا صلى انصرف إلى بنائه)) . فإن كان هذا فيكون قضاؤه واجبًا [عليه ] (١) . وأهل العلم متفقون أنه لا يجب قضاء الاعتكاف إلا على من نواه وشرع في عمله ثم قطعه لعذر ، ويحتمل أن يكون عليه السلام لم يكن شرع في الاعتكاف ولا بدأ به ، وإنما كان انصرافه إلى [ بنائه ] (٢) بعد صلاة الصبح [ مطلعًا] (٣) لأموره ، والنظر في إصلاحها غير معتقد [الدخول ] (٤) في الاعتكاف ، ومن كان هكذا فله أن يرجع عن إمضاء نيته لأمر يراه ، وقد قال العلماء : إن من نوى اعتكافًا فله تركه (١) من (( ح)). (٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): شأنه. (٣) من (( ح))، وفي ( الأصل)): مطقًا، كذا. (٤) من (( ح))، وفي (( الأصل)): لدخول، كذا . - ١٨٢ - قبل أن يدخل فيه ، وعلى هذا الوجه تأوله البخاري ، وترجم له باب من أراد أن يعتكف ثم بدا له أن يخرج ، وعلى هذا يكون قضاؤه له تطوعًا . قال المهلب : وفيه من الفقه أن من نوى شيئًا من الطاعات ، ولم يبدأ بَعْدُ بالعمل فيه أن له تركه إن شاء تركًا واحدًا ، وإن شاء تركًا مؤخرًا إلى وقت غيره ، وقال غيره : واعتكافه عليه السلام وإن كان تطوعًا فغير [ نكير ] (١) أن يكون قضاه في شوال من أجل أنه [كان](٢) قد نوى أن يعمله وإن لم يدخل فيه ؛ لأنه كان أوفى الناس بما عاهد عليه ، ذكر سنيد قال : حدثنا معتمر بن سليمان ، عن كهمس ، عن معبد (٣) ابن ثابت في قوله تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله ... ﴾ (٤) الآية. قال : إنما هو شيء نووه في أنفسهم ولم يتكلموا به ، ألم تسمع إلى قوله في الآية : ﴿ ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب ﴾ (٥) . قال المهلب : في قوله عليه السلام : (( آلبر ترون بهن )) من الفقه أن من عُلم منه الرياء في شيء من الطاعات فلا بأس أن يُقطع عليه فيه ومنعه منه ، ألا ترى قوله عليه السلام: ((آلبر ترون بهن)). يعني أنهن إنما أردن الحظوة والمنزلة منه عليه السلام ، فلذلك قطع عليهن ما أردنه و[ أخر ] (٦) ما أراده [ لنفسه ] (٢). (١) من (( ح))، وفي (( الأصل)): كبير، كذا . (٢) من ( ح)). (٣) كذا في ((الأصل))، و(( ح))، وأخشى أن تكون محرفة عن (( مصعب)) وهو مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام ، روى عنه كهمس - وهو ابن المنهال - ولم أجد ذكرًا لـ: (( معبد بن ثابت )) هذا . (٤) التوبة : ٧٥ . (٥) التوبة : ٧٨ . (٦) من (( ح))، وفي ((الأصل)) : أخبر ، خطأ. - ١٨٣ - وفيه من الفقه أن للرجل منع زوجته وأمته وعبده من الاعتكاف في الابتداء ، كما منع نساءه الذين ضربوا الأبنية ، وهو قول مالك والکوفیین والشافعي واختلفوا إذا أذن لهم في ذلك فقال مالك : لا يمنعهم ، وقال الكوفيون : لا يمنع زوجته إن أذن لها ، ويمنع عبده إن أذن له ، وقال الشافعي : له منعهما جميعًا ، وقال ابن شعبان كقول الشافعي : له أن يمنعهما جميعًا ، وإن أذن لهما ما لم يدخلا فيه ، وهذا الحديث يدل على صحة هذا القول ؛ لأن النبي - عليه السلام - قد كان أذن لعائشة وحفصة في الاعتكاف ثم منعهما منه حين رأى ذلك ، وفيه من الفقه : أنه قد يستر ( عن ) (١) الضرائر تفضيل بعضهن على بعض و[ لو بترك] (٢) طاعة لله تستدرك بعد حين . تم كتاب الاعتكاف [ والحمد لله رب العالمين] (٣) يتلوه [ كتاب] (٣) الحج [ إن شاء الله والله المعين ] (٣) (١) في (( ح)): على .. (٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): لم يترك، كذا. (٣) من (( ح ) - ١٨٤ - بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب الحج وجوب الحج وفضله وقول الله تعالى : ﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ (١) . / فيه: ابن عباس قال: ((كان الفضل [بن عباس] (٢) رديف [٢/ ٦٢٥-١) رسول الله ﴿ فجاءت امرأة من خثعم ، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه ، [وجعل] (٣) رسول الله وَل* يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت : يا رسول الله ، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة ، أفأحج عنه ؟ قال : نعم ، وذلك في حجة الوداع)) . أجمع العلماء [ على ] (٢) أن على المرء في عمره حجة واحدة ، حجة الإسلام إذا كان مستطيعًا . واختلفوا في الاستطاعة ، فذهبت طائفة إلى أن من قدر على الوصول [ إلى البيت ] (٢) ببدنه فقد لزمه فرض الحج وإن لم يجد راحلة ، وهو بمنزلة من يجد الراحلة ولا يقدر على المشي ، وهو قول ابن الزبير وعكرمة والضحاك ، وبه قال مالك ، وذهب الحسن البصري ومجاهد وسعيد بن جبير إلى أن الاستطاعة : الزاد والراحلة، وبه قال أبو حنيفة [والثوري ] (٢) والشافعي وأحمد وإسحاق. (١) آل عمران : ٩٧ . (٣) من (( ح))، وفي (( الأصل)): فجعل. (٢) من ( ح)). - ١٨٥ - قال المهلب : في هذا الحديث أن الاستطاعة لا تكون الزاد والراحلة؛ ألا ترى أن ما اعتذرت به هذه المرأة عن أبيها ليس بزاد ولا راحلة ، وإنما كان ضعف جسمه ، فثبت أن الاستطاعة شائعة كيفما وقعت وتمكنت . قال ابن القصار : والاستطاعة في لسان العرب القدرة ، فإن جعلناها عمومًا في كل قادر جاز ، سواء قدر ببدنه ، أو ببدنه وماله ، أو بماله ، إلا أن تقوم دلالة . وإن قلنا :" إن حقيقة الاستطاعة أن تكون صفة قائمة في المستطيع كالقدرة والكلام والقيام والقعود ، فينبغي أن تكون الاستطاعة صفة فيه ( تختصه ) (٢) وهذا لا يكون إلا لمن هو مستطيع ببدنه دون ماله . فإن احتجوا بما روي عن الرسول أنه قال: ((السبيل : الزاد والراحلة )) فإن ابن معين وغيره قالوا : ( راويه ) (٣) إبراهيم الخوزي ، وهو ضعيف . وقال ابن المنذر : لا يثبت الحديث الذي فيه ذكر الزاد والراحلة ، وليس بمتصل ، والآية عامة ليست مجملة ولا تفتقر إلى بيان ، فكأنه تعالى كلف كل مستطيع [ على أي وجه ] (١) قدر بمال أو ببدن، والدليل على ذلك قوله عليه السلام: (( لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي » فجعل صحة الجسم مساوية للغنى ، فسقط قول من اعتبر الراحلة . وقال إسماعيل بن إسحاق : لو أن رجلا كان في موضع يمكنه المشي إلى الحج ، وهو لا يملك راحلة لوجب عليه الحج؛ لأنه مستطيع إليه سبيلا . وما روي عن السلف في ذلك أن السبيل : الزاد والراحلة ، فإنما أرادوا التغليظ على من ملك هذا المقدار ولم يحج ؛ لأنهم ذكروا أقل الأملاك التي يبلغ بها الإنسان إلى الحج ، فإن قيل : فإنها عبادة تتعلق (١) من ( ح)). (٢) في ( ح)) : مختصة. (٣) من ( ح))، وفي ((الأصل)): رواية. - ١٨٦ - بقطع مسافة بعيدة ( فوجبت ) (١) فيها الراحلة ، أصله الجهاد ، قيل : لا فرق بينهما ، وعندنا أن من تعين عليه فرض الجهاد وهو قادر ببدنه على المشي ، فليست الراحلة [ شرطًا ] (٢) في وجوبه عليه ؛ لأنه منكسر بالهجرة ، وسيأتي بعض معاني هذا الحديث في باب : الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة من هذا الكتاب - إن شاء الله . قال المهلب : وفيه من الفقه جواز الارتداف لسادة الناس ورؤسائهم، ولا سيما في الحج لتزاحم الناس ، ومشقة الرجالة ، ولأن الراكب فيه أفضل ، ولا خلاف بين العلماء في جواز ركوب نفسين على دابة إذا أطاقت الدابة ذلك ، وفي نظر الفضل إلى المرأة مغالبة طباع البشر لابن آدم وضعفه عما ركب فيه من شهوات النساء ، وفيه أن على العالم أن يغير من المنكر ما يمكنه إذا رآه ، وسيأتي بقية القول في قصة الفضل بن عباس في كتاب الاستئذان في باب قوله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم ﴾ (٣). وذكر ابن المنذر قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الصايغ ، حدثنا عفان ، حدثنا سكين بن عبد العزيز قال : حدثني أبي قال : سمعت ابن عباس يقول: (( كان الفضل رديف رسول الله يوم عرفة ، فجعل الفتى يلاحظ النساء وينظر إليهن ، فقال : يا ابن أخي هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له )) . وقال عكرمة والضحاك [ومجاهد] (٤) في قوله تعالى: ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾(٥) قالوا : من كفر بالله واليوم الآخر ، وقال الحسن : من كفر بالحج فلم يره واجبًا ، وقال سعيد بن جبير : قال عمر بن (١) في ( ح)): فوجب . (٢) من ( ح))، وفي ((الأصل)): شرط. (٤) من ( ح )). (٣) النور : ٢٧ . (٥) آل عمران : ٩٧ . - ١٨٧ - الخطاب : لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم عليه كما نقاتلهم على الصلاة والزكاة . [٢/ ٥ ٦٢-ب) باب: قول الله / - تعالى - : ﴿يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾ (١) فجاجًا : الطرق الواسعة فيه: ابن عمر : (( رأيت النبي - عليه السلام - يركب راحلته بذي الحليفة ، ثم يهل حين تستوي به قائمة )). وفيه: جابر (( أن إهلال رسول الله من ذي الحليفة حين استوت به راحلته » . ورواه أنس وابن عباس . ذكر ابن المنذر عن ابن عباس في هذه الآية : هم المشاة والركبان على كل ضامر من الإبل ، وروى محمد بن كعب عن ابن عباس قال: ما فاتني شيء أشد عليَّ إلا أن أكون حججت ماشيًا؛ لأن الله- تعالى - يقول : ﴿ يأتوك رجالا وعلى كل ضامر﴾. فبدأ بالرجال قبل الركبان ، وذكر إسماعيل بن إسحاق عن مجاهد قال : أهبط آدم بالهند ، فحج على قدميه البيت أربعين حجة ، وعن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد أن إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - حجا ماشيين ، وحج النبي - عليه السلام - راكبًا ، ولذلك ذكر حديث ابن عمر وجابر في هذا الباب ، وذلك كله مباح ، وقد قال تعالى : ﴿ومن یعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه ﴾ (٢) . قال ابن القصار : في قوله : ﴿يأتوك رجالا ﴾ دليل قاطع لمالك أن الراحلة ليست من شرط السبيل ، والمخالفون يزعمون أن الحج لا يجب على الرجالة ، وهذا خلاف الآية . (١) الحج : ٢٧ . (٢) الحج : ٣٠. - ١٨٨ - واختلفوا في تأويل قوله تعالى : ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ (١) فروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد أنها التجارة ، وزاد مجاهد : وما يرضاه الله من أمر الدنيا والآخرة ، وقال أبو جعفر : هي المغفرة ، واختاره إسماعيل بن إسحاق ، وسيأتي الاختلاف في بدء إهلال رسول الله بعد هذا في موضعه - إن شاء الله . باب: الحج على الرَّحْل وقالت عائشة: (( إن النبي - عليه السلام - بعث معها أخاها عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم وحملها على قتب )) . وقال عمر : شدوا الرحال في الحج فإنه أحد الجهادين ، وحج أنس على رحل ولم يكن شحيحًا ، وحدث (( أن النبي - عليه السلام - حج علی رحل و کانت زاملته )) . فیه: عائشة أنها قالت: « یا رسول الله ، اعتمرتم ولم أعتمر ، فقال : يا عبد الرحمن ، اذهب بأختك فأعمرها من التنعيم ، فأحقبها على ناقة فاعتمرت )» . في هذا الباب فضل الحج على الرواحل ، قال ابن المنذر : اختلف العلماء هل المشي في الحج أفضل أو الركوب ، فقال مالك : الركوب أحب إليَّ من المشي ، وبه قال الشافعي ؛ لأن النبي - عليه السلام - حج راكبًا ، ولفضل النفقة في الحج ، ولأنه إذا كان مستريحًا كان أقوى له على الدعاء والابتهال والتضرع ، وروى عبد الله بن بريدة عن أبيه ، أن النبي - عليه السلام - قال: ((النفقة في الحج كالنفقة في (١) الحج : ٢٨ . - ١٨٩ - سبيل الله سبعمائة ضعف)) . وكان حسين بن علي يمشي في الحج ، وفعل ذلك ابن جريج والثوري ، وقال إسحاق : المشي أفضل ، وهو محجوج بفعل النبي - عليه السلام . باب : فضل الحج المبرور فيه : أبو هريرة: « سئل النبي - عليه السلام - أي الأعمال أفضل ؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل : ثم ماذا؟ قال : جهاد في سبيل الله ؟ قيل: ثم ماذا ؟ قال : حج مبرور )) . وفيه: عائشة قالت: (( يا رسول الله [نرى] (١) الجهاد أفضل العمل ، [ أفلا ] (٢) نجاهد ؟ قال : لَكنّ أفضل الجهاد حج مبرور)). وفيه : أبو هريرة قال : قال النبي - عليه السلام -: (( من حج لله فلم يرفث ولم یفسق رجع کیوم ولدته أمه » . قال المؤلف : إنما جعل الجهاد في هذا الحديث أفضل من الحج ؛ لأن ذلك كان في أول الإسلام وقلَّته ، وكان الجهاد فرضًا متعينًا على كل أحد ، فأما ( إِذ ) (٣) ظهر الإسلام وفشا ، وصار الجهاد من فروض الكفاية على من قام به ، فالحج حينئذ أفضل ؛ ألا ترى قوله لعائشة: ((إن أفضل ( جهادكن) (٤) الحج)) لما لم يكنّ من أهل (القتال ) (٥) والجهاد للمشركين، فإن حَلَّ العدو ببلدة واحتيج إلى دفعه ، وكان له ظهور وقوة وخيف منه ؛ توجه فرض الجهاد على الأعيان ، وكان أفضل من الحج - والله أعلم . (١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): ترى. (٢) من ((ح))، وفي ( الأصل)): فلا. (٤) في (( ح)): جهادن . (٣) في ( ح)": إذا. (٥) في (( ح)): الغنا. - ١٩٠ - [٢/ ق٦٣ -أ] وقال المهلب : وقوله: (( لكن أفضل الجهاد / حج مبرور )) . يفسر قوله تعالى : ﴿ وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ (١) أنه ليس على الفرض لملازمة البيوت ، كما زعم من أراد تنقص عائشة في خروجها إلى العراق [ للإصلاح ] (٢) بين المسلمين، وهذا الحديث يخرج الآية عما تأولوها ؛ لأنه قال: (( لكن أفضل الجهاد حج مبرور)) فدل (٣) هذا أن لهن جهادًا غير جهاد الحج ، والحج أفضل منه ، فإن قيل : إن النساء لا يحل لهن الجهاد ، قيل : قد قالت حفصة : (( قدمت علينا امرأة غزت مع النبي - عليه السلام - ست غزوات ، وقالت : كنا نداوي الكلمى ، ونقوم على المرضى ، وكان رسول الله إذا أراد الغزو [ أسهم ] (٤) بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها غزا بها )) . باب : فرض مواقيت الحج والعمرة فيه : زيد بن جبير (( أنه أتى عبد الله بن عمر في منزله وله [فسطاط](٥) [و] (٦) سرادق فسأله : من أين يجوز إن اعتمر؟ قال : فرضها رسول الله لأهل نجد [ قرنًا ] (٧)، ولأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة)). أجمع أئمة الفتوى أن المواقيت في الحج والعمرة سنة واجبة ، (١) الأحزاب : ٣٣ . (٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): للصلاح. (٣) جاء في ((الأصل)): فدل على هذا، ولفظة ((على )) مقحمة. (٤) من ((ح))، وفي (( الأصل)) : سهم . (٥) من (( ح))، وفي ((الأصل)): فسطاطًا. (٦) من ((ح))، وفي ((الأصل)): أو . (٧) من (( ح))، وفي ((الأصل)): من قرن. - ١٩١ - وقالوا: هي توسعة ورخصة يتمتع المرء بحلها حتى يبلغها ، ولا أعلم أحدًا قال : إن المواقيت من فروض الحج . وقول ابن عمر: (( فرضها رسول الله )) يريد وَقَّتَها وَبَّينها ، وهذا الباب رد على عطاء والنخعي والحسن ، فإنهم زعموا أنه لا شيء على من ترك الميقات ولم يُحْرم وهو يريد الحج والعمرة ، وهذا شذوذ من القول ، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي : إنه يرجع من مكة إلى الميقات ، واختلفوا إذا رجع هل عليه دم أم لا ؟ فقال مالك ، ورواية عن الثوري : لا يسقط عنه الدم برجوعه إليه محرمًا ، وهو قول ابن المبارك ، وقال أبو حنيفة : إن رجع إليه فلبى فلا دم عليه ، وإن لم يلب فعليه الدم ، وقال الثوري وأبو يوسف ومحمد والشافعي : لا دم عليه إذا رجع إلى الميقات بعد إحرامه على كل وجه . باب : قول الله - تعالى -: ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ﴾(١) فيه : ابن عباس قال : كان أهل الیمن یحجون ولا يتزودون ، ويقولون: نحن المتوكلون ، فإذا قدموا مكة سألوا الناس ، فأنزل الله : ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ﴾ (١) . قال المهلب : فيه من الفقه أن ترك سؤال الناس من التقوى ، ألا ترى أن الله مدح قومًا فقال: ﴿ لا يسألون الناس إلحافًا﴾ (٢)، وكذلك معنى قوله تعالى : ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ﴾ (١) أي تزودوا فلا تؤذوا الناس بسؤالكم إياهم ، واتقوا الإثم في أذاهم بذلك . وفيه: أن التوكل لا يكون مع السؤال ، و[ إنما ] (٣) التوكل على الله (١) البقرة : ١٩٧ . (٢) البقرة : ٢٧٣ .. (٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): أما. - ١٩٢ - دون استعانة بأحد في شيء ، ويبين ذلك قوله عليه السلام : (( يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب ، وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)) . فهذه أسباب التوكل وصفاته . وقال الطحاوي : لما كان التزود فيه ترك المسألة المنهي عنها في غير الحج، [ و] (١) كانت حرامًا على الأغنياء قبل الحج ؛ كانت في الحج أوكد حرمة ، وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى : ﴿وتزودوا﴾ قال : الكعك والسويق ، وليس هذا من سعيد على أن هذه الأصناف من الأزواد [ هي ] (١) التي أبيحت في الحج دون ما سواها ، ولكنه على إفهام السائل أن [ المراد ] (٢) هو الزاد الذي هو قوام الأبدان ، لا على التزود من الأعمال ، ثم أتبع ذلك بقوله : ﴿ فإن خير الزاد التقوى﴾ فكان هذا - والله أعلم - أن من التقوى ترك التعرض لحال من الأحوال التي يخرج أهلها إلى المسألة المحرمة عليهم. باب : مهل أهل مكة للحج والعمرة فيه : ابن عباس : (( أن النبي - عليه السلام - وَقّتَ لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل نجد قرن المنازل ، ولأهل اليمن يلملم، هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد / الحج والعمرة ، [٢/ ق٦٣ -ب] ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة )) . وترجم له باب: ((مهل أهل الشام))، وباب: ((مهل من كان دون المواقيت))، وباب: ((مهل أهل اليمن)). قال ابن المنذر : والعلماء متفقون على أن مهل أهل مكة للحج من (١) من ( ح)). (٢) من ( ح))، وفي (( الأصل)) : الزاد. - ١٩٣ - مكة ، كما وقت لهم النبي - عليه السلام - ( فاللازم ) (١) على ظاهر هذا الخبر أن لا [ يخرج] (٢) أهل مكة عن بيوت مكة إلا محرمين ، وسنتهم ألا طواف ولا سعي عليهم ، وإنما ذلك على من يقدم مكة من غير أهلها . قال ابن المنذر : يجمع هذا الحديث أبوابًا من السنن ، منها : أن هذه المواقيت لكل من أتى عليها من غير أهلها ، فإذا جاء المدني من الشام على طريق الساحل أحرم من الجحفة ، وإذا أتى اليماني على ذي الحليفة أحرم منها ، وإذا أتى النجدي من تهامة أحرم من يلملم ، وكل من مر بميقات بلدة أحرم منه ، ومنها : أن ميقات كل مَنْ منزله دون الميقات مما يلي مكة مِنْ منزله ذلك . ومنها : أن أهل مكة ميقاتهم مكة ، ومنها : أن هذه المواقيت إنما يلزم الإحرام منها من يريد حجا أو عمرة ، ولا يلزم الإحرام منها من لا يريد الحج والعمرة ، ولو مر مدني بذي الحليفة ولا يريد حجا ولا عمرة فسار حتى قرب من الحرم أراد الحج والعمرة فإنه يحرم من حيث حضرته نية الحج أو العمرة ، ولا يجب عليه ما وجب على من مر بميقاته وهو يريد الحج والعمرة ولم يحرم منه ، وأحرم من وراء ذلك مما يلي مكة . وعلى هذا عامة العلماء إلا أحمد وإسحاق فإنهما قالا : يرجع إلى ذي الحليفة ويحرم ، والقول الأول ( أبين ؛ لدلالة ) (٣) حديث ابن عباس على ذلك ؛ ولأن ابن عمر أحرم من الفرع ، وهو بعد الميقات، وهو راوي حديث المواقيت ، ومحال أن يتعدى ذلك مع علمه به ويوجب على نفسه دمًا ، هذا ما لا يظنه عالم . (١) في (( ح)): فلا لازم ، كذا . (٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): يخرجوا. (٣) في (( ح)): أعلى بدلالة - ١٩٤ - وقال الشافعي : يحمل [ فعل ] (١) ابن عمر أنه مر بميقاته لا يريد إحرامًا ، ثم بدا له أو جاء إلى [ الفرع ] (٢) من مكة أو غيرها ، ثم بدا له في الإحرام . واختلفوا إذا مر بذي الحليفة وهو يريد الحج والعمرة ولم يحرم منها، وأحرم من الجحفة ، فقال مالك : عليه دم ، وهو قول الليث والثوري والشافعي ، واختلف في ذلك أصحاب مالك ، فمنهم من أوجب الدم ، ومنهم من لم يوجبه ، ورخص في ذلك الكوفيون والأوزاعي، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وقالوا : لا شيء عليه. وروي عن عائشة أنها كانت إذا أرادت العمرة أحرمت من الجحفة ، وإن أرادت الحج أحرمت من ذي الحليفة . قال ابن المواز : ويدل أمر النبي - عليه السلام - عائشة أن [تخرج] (٣) من الحرم وتحرم بعمرة ، على أن مكة ليست بميقات يحرم منها للعمرة، فبان بهذا أن معنى قوله عليه السلام في حديث ابن عباس : ((حتى أهل مكة يهلون من مكة)) أنه أراد الإحرام بالحج فقط، دون الإحرام بالعمرة ؛ إذ لو كان على ظاهر الحديث لكان ميقات أهل مكة للحج والعمرة مكة ، كما كان لأهل المواقيت ولمن دونها مما يلي الحرم الإحرام من ( مواقيتهم ) (٤) ، فلما أمر عائشة أن تحرم من التنعيم دل أن إهلال أهل مكة من مكة إنما هو بالحج دون العمرة . قال غيره : وأئمة الفتيا متفقون على أن المكي إذا أراد العمرة أنه لابد له من الخروج إلى الحِلِّ يهل منه ؛ لأنه لابد له في عمرته من (١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): حديث ، وليس بجيد. (٢) من ((ح))، وفي ((الأصل)): القرع ، خطأ . (٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): تحرم ، خطأ. (٤) من ((ح))، وفي ((الأصل)): مواضعه. - ١٩٥ - الجمع بين الحل والجرم ، وليس ذلك على الحاج المكي ؛ لأنه خارج في حجه إلى عرفات ، وهي الحل ، وشذ ابن الماجشون في مسألة من هذا الباب فقال : لا يقرن المكي من مكة قياسًا على المعتمر ، وخالفه مالك وجميع أصحابه فقالوا : إنه يقرن من مكة ؛ لأنه خارج في حجه إلى الحل عرفات ، وقد ذكر ابن المواز عن مالك أنه لا يقرن المكي إلا بمكة؛ لأنه خارج في حجه من الحل ، كقول ابن الماجشون. فإن اعتمر من مكة ولم يخرج إلى الحل للإحرام [ حتى ] (١) طاف وسعى، ففيها قولان : أحدهما : أن عليه دمًا لترك الميقات ، وعمرته تامة ، وهذا قول [ الكوفيين ] (٢) وأبي ثور ، وأحد قولي الشافعي ، والقول الثاني : أن ذلك لا يجزئه حتى يخرج من الحرم ثم يطوف ويسعى ، ويقصر أو يحلق ، ولا شيء عليه ، ولو كان حلق أهراق دمًا ، هذا قول الشافعي الآخر ، وهو قول مالك وأصحابه . قال مالك : وما رأيت أحدًا أحرم بعمرة من الحرم ، ولا يحرم أحد بعمرة من مكة ، ولا تصح العمرة عند جميع العلماء إلا من الحل المكي أو غيره . [٢ /ق٦٤-١] قال ابن المنذر: / وهذا أشبه . وحكى الثوري عن عطاء أنه من أهل بعمرة من مكة أنه لا شيء عليه ، قال سفيان : ونحن نقول : إذا أهل بها لزمته ويخرج إلى الميقات ، وقال ابن المنذر : المحرم بعمرة من مكة تارك لميقاته ، فعليه أن يخرج من الحرم ليكون قد رجع إلى ميقاته ، كما نأمر من جاز ميقاته أن يرجع ما لم يطف بالبيت ، فإن لم يخرج إلى الحل حتى يفرغ من نسكه فعليه دم ، كما يكون ذلك على من ترك ميقاته حتى فرغ من نسكه ، وأما إذا كان منزل الرجل ----- (١) من (( ح))، وفي ((الأصل)»: حين. (٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)) : الكوفيون ، كذا . - ١٩٦ - [ بين مكة ] (١) والمواقيت ، فجمهور الفقهاء قائلون بحديث ابن عباس أنه يحرم من موضعه بالحج ، وهو ميقاته ، وإن لم يحرم منه فهو كمن ترك ميقاته ، فعليه أن يرجع ، فإن لم يفعل فعليه دم ، قال مجاهدْ : ميقاته من مكة . وهذا خلاف قوله عليه السلام : ((ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ)) قال ابن المنذر : وفي حديث ابن عباس إثباته [ عليه السلام ] (٢) يلملم ميقاتًا لأهل اليمن؛ لأن ابن عمر قال: (( ويزعمون أن النبي - عليه السلام - قال : ويهل أهل اليمن من يلملم )) فأسنده ابن عباس . باب : ميقات أهل المدينة ولا يهلوا قبل ذي الحليفة فيه : ابن عمر قال النبي - عليه السلام -: (( يهل أهل المدينة من ذي الحليفة ، وأهل الشام من الجحفة ، وأهل نجد من قرن)). قال عبد الله : وبلغني أن رسول الله وَ ليم قال: ((ويهل أهل اليمن من يلملم)). وترجم له باب: (( مهل أهل نجد)) . قال ابن المنذر : أمر النبي - عليه السلام - أهل المدينة وأهل الشام وأهل نجد واليمن أن يهلوا من المواضع التي حَدِّها ، وأحرم عليه السلام من الميقات الذي بينه لأهل المدينة ، وترك أن يحرم من منزله ، وعمل بذلك أصحابه وعوام أهل العلم ، وغير جائز أن يكون فعل أعلى من فعله ، أو عمل أفضل من عمله ، ولقد سئل مالك عن هذه المسألة فتلا قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ (٣) الآية. وقد أجمع أهل العلم على أنه من أحرم قبل [ أن ] (٢) يأتي الميقات (١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): مكة وبين ، كذا . (٢) من ( ح)) . (٣) النور : ٦٣ . - ١٩٧ - أنه محرم ، غير أن طائفة من السلف كرهت ذلك ، واستحبه آخرون، فممن رأى ذلك ابن عمر أحرم من إيلياء ، وسئل علي وابن مسعود عن قوله تعالى: ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (١) فقالا: أن تجرم من دويرة أهلك . وأجاز ذلك علقمة والأسود ، وهو قول أبي حنيفة، والثوري ، والشافعي . وكره الإحرام قبل المواقيت عمر بن الخطاب ، وأنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة ، وأنكر عثمان بن عفان على عبد الله بن عامر إحرامه قبل الميقات ، وهو قول عطاء ، والحسن ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال أحمد : المواقيت أفضل ؛ لأنها سنة النبي - عليه السلام - قال إسماعيل (القاضي)(٢): وإنما كرهوا ذلك -والله أعلم- لئلا يضيق المرء على نفسه ما وسع الله عليه ، وأن يتعرض لما لا يؤمن أن يحدث في إحرامه، وكلهم ألزمه الإحرام فإنه زاد ولم ينقص . قال الطحاوي : وأخذ قوم بحديث ابن عمر وابن عباس ، وذهبوا إلى أن أهل العراق لا ميقات لهم في الإحرام كميقات سائر أهل البلدان ؛ وإنما يهلون من حيث مروا عليه من هذه المواقيت [المؤقتة](٣) في حديث ابن عباس وابن عمر . قال المؤلف : وسأذكر في الباب بعد هذا اختلاف الناس في ميقات أهل العراق - إن شاء الله . باب : ذات عرق لأهل العراق فیه : ابن عمر قال: (( لما ( فتح ) (٤) هذان المصران أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين ، إن رسول الله حَدّ لأهل نجد [ قرنًا ] (٥) وهو جَوْر عن (١) البقرة : ١٩٦ . (٣) من (( ح)) . (٢) ليس في (( ح)). (٤) في (( ح)): افتح . (٥) في ((الأصل))، (( ح)): قرن. - ١٩٨ - طريقنا ، وإنا إن أردنا [ قرنًا] (١) شق [ ذلك] (٢) علينا، قال: فانظروا حذوها من طريقكم ، فَحَدَّ لهم ذات عرق )) . اختلف العلماء في ميقات أهل العراق ، فقال مالك والكوفيون ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور : ميقاتهم ذات عرق ، وقالت طائفة: ميقاتهم العقيق ، روي ذلك عن أنس بن مالك ، واستحبه الشافعي ، قال ابن المنذر : والإحرام من العقيق ( أفضل ) (٣) ، ومن ذات عرق يجزئ ، وكان القاسم بن عبد الرحمن / وخصيف بحرمان من [٢/ في٦٤ -ب] الربذة، وهو قول الحسن بن صالح ، ولولا سنة عمر لكان هذا أشبه بالنظر ؛ لأن المعنى عندهم في ذات عرق أنه بإزاء قرن ، والربذة بإزاء ذي الحليفة ، غير أن عمر لما سن ذات عرق وتبعه عليه من حج من أهل العراق ، فمر بذلك ( العمل ) (٤) من أصحاب رسول الله والتابعين وعوام أهل العلم إلى اليوم كان أولى بالاتباع . واختلفوا فيمن وَقَّتَ لهم ذات عرق ، فقالت طائفة : وقته عمر بن الخطاب ، واحتجوا بهذا الحديث ، وهو قول ابن عباس وابن عمر وعطاء ، وقال آخرون : بل وقت رسول الله لهم العقيق وذات عرق، كما وقت لأهل الشام الجحفة ، والشام كلها يومئذ دار كفر كما كانت العراق ، فوقت المواقيت لأهل النواحي ؛ لأنه علم أنه سيفتح الله على أمته الشام والعراق وغيرها من البلاد لقوله عليه السلام : «وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها )) . واحتجوا بما رواه أبو داود قال: حدثنا هشام بن بهرام ، حدثنا المعافى ، حدثنا أفلح بن حميد ، عن القاسم، عن عائشة قالت: ((وَقَّت رسول الله لأهل العراق ذات (١) في ((الأصل))، و((ح)): قرن . (٣) في (( ح)): أحوط. (٢) من (( ح)) . (٤) في (( ح)): الطريق. - ١٩٩ - عرق)). وهو قول جابر بن عبد الله ، وروى الثوري عن يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن علي ، عن ابن عباس قال: (( وقت رسول الله لأهل المشرق العقيق )) . وهذا اختلاف، قال ابن المنذر : ولا يثبت في ذلك عن الرسول سنة . قال المهلب: وفي قول عمر: (( فانظروا حذوها من طريقكم )) إباحة القياس على السنن المعروفة الحكم [بالتشبيه ] (١) والتمثيل ، يدل على ذلك ما رواه عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه قال : لما وقت قرن لأهل نجد ، قال عمر : قيسوا من نحو العراق كنحو قرن . فاختلفوا في القياس ، فقال بعضهم : ذات عرق ، وقال بعضهم : بطن العقيق ، قال ابن عمر : فقاس الناس ذلك . والناس حينئذ هم علماء الصحابة الذين هم حجة على من خالفهم . وقولهم لعمر: ((وهو جَوْر عن طريقنا)) يعنون هو منحرف ومنعدل عنه ، ومنه قوله تعالى : ﴿وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر﴾ (٢) يعني غير قاصد. قال الراجز : : فجار عن نهج الطريق القاصد ومنه جار السلطان إذا عدل في حكمه عن الحق إلى الباطل (١) من (( ح))، وفي (( الأصل)): بالشبيه. (٢) النحل : ٩ . - ٢٠٠ -