Indexed OCR Text

Pages 121-140

قال المهلب : فيه من الفقه أن التألي على الله في أمر لا يجد منه
سعة ولا إلى غيره سبيلاً منهي عنه ، كما نهى النبي - عليه السلام -
عبد الله بن [ عمرو ] (١) عن ما تألى فيه من قيام الليل وصيام النهار،
وكذلك من حلف ألا يتزوج ولا يأكل ولا يشرب ، فهذا كله غير لازم
عند أهل العلم لقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾(٢)
وللذي حلف ألا ينكح أن ينكح ، وكذلك سائر [ المحرجات ] (٣)
الشاملة مباح له إتيان ما حلف عليه وعليه كفارة اليمين بالله .
وفيه أن التعمق في العبادة والإجهاد للنفس مكروه لقلة صبر البشر
[على ] (٤) التزامها لا سيما في الصيام الذي هو إضعاف للجسم ،
وقد رخص الله فيه في السفر ، لإدخال الضعف على من تكلف مشقة
الحل والترحال ، فكيف إذا انضاف ذلك إلى من كلفه الله قتال أعدائه
الكافرين حتى تكون كلمة الله [ هي ] (٥) العليا ؛ ألا ترى أن النبي -
عليه السلام - قال ذلك في هذا الحديث عن داود : (( وكان لا يفر إذا
لاقى))، فإنه أبقى لنفسه قوة ؛ لئلا تضعف نفسه عند المدافعة واللقاء.
وقد كره قوم من السلف صوم الدهر ، روي ذلك عن عمر ، وابن
مسعود ، وأبي ذر ، وسلمان ، وعن مسروق ، وابن أبي ليلى ، وعبد الله
ابن شداد ، وعمرو بن ميمون ، و( اعتلوا ) (٦) بقوله عليه السلام في
صيام داود: ((لا أفضل من ذلك)). وقوله: (( لا صام من صام
الأبد - مرتين)) ، وقالوا : إنما نهى عن صيام الأبد لما في ذلك من
الإضرار بالنفس ، والحمل عليها ، ومنعها من الغذاء الذي هو قوامها
(١) من (( ح)) وفي ((الأصل)): عمر - خطأ.
(٣) من ( ح)) وفي ((الأصل)): المحرمات.
(٤) من (( ح)) وفي ((الأصل)): عن - خطأ.
(٥) من ( ح)).
(٢) التحريم : ١ .
(٦) في ( ح): اعتلقوا.
- ١٢١ -

وقوتها على [ ما هو ] (١) أفضل من الصوم كالصلاة النافلة وقراءة
القرآن والجهاد وقضاء حق الزور (٢) والضيف ، وقد أخبر عليه السلام
بقوله في صوم داود: (( وكان لا يفر إذا لاقى)) أن من فضل صومه
على غيره إنما كان من أجل أنه كان لا يضعف عن القيام بالأعمال التي
هي أفضل من الصوم ، وذلك ثبوته لحرب أعداء الله عند التقاء
الزحوف ، وتركه الفرار منهم ، فكان عليه السلام إذا قضى بصوم داود
بالفضل على غيره من معاني الصيام قد بيَّن أن كل من كان صومه
لا يورثه ضعفًا عن أداء فرائض الله ، وعن ما هو أفضل من صومه ،
وذلك من نفل الأعمال ، وهو صحيح الجسم ، فغير مكروه له صومه
ذلك .
[٢/ ٥ ٥١-١] وكل / من أضعفه صومه النفل عن أداء شيء من فرائض الله فغير
جائز له صومه ، بل هو محظور عليه ، فإن لم يضعفه عن الفرائض،
وأضعفه عما هو أفضل منه من النوافل فإن صومه مكروه ، وإن كان
غير آثم ، وكان ابن مسعود يقل الصوم فقيل له في ذلك ، فقال :
إني إذا صمت ضعفت عن الصلاة ، والصلاة أحب إلي من الصوم ،
وكان أبو طلحة لا يكاد يصوم على عهد النبي من أجل الغزو ، فلما
توفي النبي - عليه السلام - ما رأيته يفطر إلا يوم فطر أو أضحى ،
وقد سرد ابن عمر الصيام قبل موته بسنتين ، وسرد [ الصيام أيضًا ](٣)
أبو الدرداء ، وأبو أمامة الباهلي ، وعبد الله بن عمرو ، وحمزة بن
عمرو ، وعائشة ، وأم سلمة زوجا النبي ، وأسماء بنت أبي بكر ،
وعبد الله وعروة ابنا الزبير ، وأبو بكر بن عبد الرحمن ، وابن سيرين،
(١) من (( ح)) وفي ((الأصل)): هذا . خطأ.
(٢) كذا في ((الأصل، ح ))، والزور بمعنى الضيف ، فأخشى أن يكون الصواب :
((الزوج )) فتحرفت الجيم إلى الراء والله أعلم.
(٣) من ( ح )).
- ١٢٢ -

وقالوا : من أفطر الأيام التي نهى رسول الله عن صيامها ، فليس
بداخل في ما نهى عنه من صوم الدهر ، وقال مالك في المجموعة :
لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر يوم الفطر ، ويوم النحر ، وأيام منى ،
وقد قيل : إن رسول الله إنما قال إذا سئل عن صوم الدهر: (( لا صام
ولا أفطر )) لمن صام حتى هلك من صومه ، حدثني بذلك يعقوب بن
إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة (( أن
امرأة صامت حتى ماتت فقال النبي - عليه السلام - : لا صامت
ولا أفطرت)) . ومن صام حتى بلغ به الصوم هذا الحد فلا شك أنه
بصومه ذلك آثم ، قاله الطبري .
باب : حق الأهل في الصوم
فيه : عبد الله بن عمرو: (( بلغ النبي أني أسرد الصوم ، وأصلي الليل
فقال : صم وأفطر ، وقم ونم ، فإن لعينيك عليك حقا ، ولنفسك
وأهلك عليك حقا ، قلت : إني لأقوى لذلك [ يا رسول الله](١) . قال:
فصم صيام داود ، وكان يصوم يومًا ، ويفطر يومًا ، ولا يفرّ إذا لاقى،
قال: من لي بهذه يا رسول الله)). وقال: (( لا صام من صام الأبد -
مرتین )) .
وترجم له باب صوم يوم وإفطار یوم ، وباب صوم نبي الله داود .
حق الأهل أن يبقى في نفسه قوة يمكنه معها جماعها ، فإنه حق
يجب للمرأة المطالبة به لزوجها عند بعض أهل العلم ، كما لها
المطالبة بالنفقة عليها ، فإن عجز عن واحدة منهما طلقت عليه بعد
(١) من ( ح)).
- ١٢٣ -

الأجل في ذلك ، هذا قول أبي ثور ، وحكاه عن أهل الأثر ، ذكره
ابن المنذر وجماعة الفقهاء على خلافه في الطلاق إذا عجز عن
الوطء، وسيأتي الكلام في أحكام ذلك في موضعه من كتاب النكاح-
إن شاء الله .
باب : صيام الأيام البيض ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ،
و خمس عشرة
فيه : أبو هريرة: (( أوصاني النبي - عليه السلام - بثلاث : صيام ثلاثة
أيام من كل شهر ، وركعتي الضحى ، وأن أوتر قبل أن أنام)) .
قال المؤلف : ليس في حديث أبي هريرة أن الثلاثة الأيام التي
أوصاه بها من كل شهر هي الأيام البيض كما ترجم به البخاري ،
وهي موجودة في حديث آخر ، روى الطبري قال : حدثنا مخلد بن
الحسن ، حدثنا [ عبيد الله ] (١) بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي
(أنيسة)(٢)، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن جرير بن عبد الله البجلي،
عن النبي - عليه السلام - أنه قال : (( صيام ثلاثة أيام من كل شهر
صيام الدهر ، أيام البيض : صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس
عشرة))، وروى شعبة، عن أنس بن سيرين، عن عبد الملك بن المنهال،
عن أبيه قال: ((أمرني النبي - عليه السلام - بالأيام البيض ، وقال :
هو صوم [الشهر] (٣))). وروي من حديث عمر ، وأبي ذر عن
النبي - عليه السلام: (( [ أنه ] (٤) قال لأعرابي ذكر له أنه صائم قال :
أين أنت عن الغرِّ البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة)).
(١) في ((الأصل)) و(ح)): عبد الله، وهو خطأ، والمثبت ترجمته في تهذيب
الكمال (١٣٦/١٩) .
(٢) في (( ح)): نويسة - كذا .
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)): الشهور .
٨
- ١٢٤ -
:
(٤) من (( ح)).

رواه ابن عيينة عن محمد بن ( عبد الرحمن ) (١) مولى [ آل] (٢)
طلحة ، عن موسى بن طلحة ، عن رجل من بني تميم يقال له :
[ابن] (٢) [الحَوْتَكيّة] (٣) عن عمر وأبي ذر.
وممن كان يصوم الأيام البيض من السلف : عمر بن الخطاب ،
وابن مسعود ، وأبو ذر ، ومن التابعين الحسن البصري ، والنخعي ،
وسئل الحسن البصري لم صام الناس الأيام البيض وأعرابي يسمع ،
فقال الأعرابي : لأنه لا يكون الكسوف إلا فيها ، ويحب الله ألا
تكون في السماء آية إلا كانت في الأرض عبادة .
قال الطبري : فاختار هؤلاء [صيام ] (٢) هذه الأيام البيض لهذه
الآثار ، واختار قوم من السلف صيام ثلاثة أيام من كل شهر غير
معيَّنة على ظاهر حديث أبي هريرة المذكور في هذا الباب ، وروى
معمر عن الجريري ، عن [ أبي ] (٤) العلاء بن الشخير ( أن ) (٥)
[أعرابيا] (٦) سمع النبي - عليه السلام - قال: ((صوم شهر الصبر
وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن كثيراً من وغر الصدر)) . قال مجاهد:
وغر الصدر : هو غشه .
وممن كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ويأمر بهن : علي بن أبي
طالب ، ومعاذ بن جبل ، وأبو ذر ، وأبو هريرة ، وكان بعض السلف
يختار الثلاثة من أول الشهر ، وهو الحسن البصري ، وكان بعضهم
يختار الاثنين والخميس ، وهي أم سلمة زوج النبي - عليه السلام -
وقالت إنه أمرها بذلك ، وكان بعضهم يختار السبت والأحد والاثنين،
ومن الشهر الذي يليه الثلاثاء والأربعاء والخميس ، ومن الشهر الذي
(١) في (( ح)): عبد العزيز - خطأ.
(٢) من ( ح)).
(٣) في ((الأصل)) و((ح)): الحويتكة، وهو تحريف.
(٤) من ( ح)) وفي ((الأصل)): ابن - خطأ.
(٥) في (( ح)): عن.
(٦) صوبتها لتناسب لفظة ((أن)) في الأصل، وهي في ((الأصل)) و(( ح)):
أعرابي ، وهي مناسبة لما في ( ح )) فقط.
- ١٢٥ -

يليه كذلك ، وهي عائشة أم المؤمنين ، ومنهم من كان يصوم آخر
الشهر ، وهو النخعي ويقول : هو كفارة لما مضى ، فأما الذين
اختاروا صوم الاثنين والخميس فلحديث أم سلمة وأخبار أخر رویت
عن النبي - عليه السلام - [ أن ] (١) الأعمال تعرض على الله في
الاثنين والخميس ، فأحبوا أن تعرض أعمالهم على الله وهم صيام ،
وأما الذين اختاروا ما اختارت عائشة فلئلا يكون يوم من أيام السنة إلا
قد صامه ، وأما الذين اختاروا ذلك من أول الشهر فلما رواه شيبان
عن عاصم بن بهدلة ، عن زر [ عن ] (٢) عبد الله بن مسعود قال:
((كان النبي -عليه السلام- يصوم من غرة كل (شهر) (٣) ثلاثة أيام)).
قال الطبري : والصواب عندي في ذلك أن جميع الأخبار عن
النبي - عليه السلام - صحاح ، ولكن لما صح عنه أنه اختار لمن أراد
صوم الثلاثة الأيام من كل شهر الأيام البيض ، فالصواب اختيار ما
اختار عليه السلام ، وإن كان غير محظور عليه أن يجعل صوم ذلك ما
شاء من أيام الشهر ، إذ كان ذلك نفلا لا فرضًا .
فإن قيل : أو ليس قد قلت أن النبي - عليه السلام - كان يصوم
الاثنين والخميس ، ويصوم الثلاثة من غرة الشهر ؟ قيل : نعم ، ولا يدل
على أن الذي اختار للأعرابي من أيام البيض [ ليس ] (٤) كما اختار ،
وأن ذلك من فعله دليل على أن أمره للأعرابي ليس بالواجب، وإنما
هو أمر ندب وإرشاد ، وأن لمن أراد من أمته صوم ثلاثة أيام من كل
شهر [تخير] (٥) ما أحب من أيام الشهر ، فيجعل صومه فيما اختار من
(١) جاء في ((الأصل)): وأن .
(٢) من ((ح)) وفي ((الأصل)): بن - خطأ.
(٣) في (( ح)): هلال .
(٤) من ((ح)) وسقطت من (( الأصل)) ولا يصح حذفها.
(٥) من ((ح)) وفي ((الأصل)): يختر .
- ١٢٦ -

ذلك كما كان الرسول يفعله ، فيصوم مرة الأيام البيض ، ومرة غرة
الهلال ، ومرة الاثنين والخميس ؛ إذ كان لأمته الاستنان به فيما لم
يعلمهم أنه له خاص دونهم ، روى ابن القاسم عن مالك في العتبية
أنه كره تعمد صوم الأيام البيض ، وقال : ما هذا ببلدنا ، وقال:
الأيام كلها لله ، وكره أن يجعل على نفسه صوم يوم يؤقته أو شهر ،
قال عنه ابن وهب : فإنه لعظيم أن يجعل [ على نفسه ] (١) ( صوم
يوم يؤقته أو شهر ) (٢) كالفرض، ولكن يصوم إذا شاء ، ويفطر إذا
شاء . قال ابن حبيب : وبلغني أن صوم مالك بن أنس أول يوم من
الشهر واليوم العاشر واليوم العشرون .
باب : من زار قومًا فلم يفطر عندهم
فيه: أنس: (( دخل النبي - عليه السلام - على أم سليم [فأتته ] (٣)
بتمر وسمن فقال : أعيدوا سمنكم في سقائه ، وتمركم في وعائه ، فإني
صائم، ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غير المكتوبة ، فدعا لأم سليم،
وأهل بيتها ، فقالت أم سليم : يا رسول الله، إن لي خويصة ، قال : ما
هي ؟ قالت : خادمك أنس ، فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به ،
قال : اللهم ارزقه مالاً وولدًا وبارك له فيه ، فإني لمن أكثر الأنصار مالا ،
وحدثتني ابنتي أُمَيْنَة أنه دفن لصلبي مقدم ( الحَجّاج ) (٤) البصرة بضع
وعشرون ومائة )) .
في هذا الحديث حجة لمالك والكوفيين أن الصائم المتطوع لا ينبغي
له أن يفطر بغير عذر ولا سبب موجب للإفطار ، وليس هذا الحديث
بمعارض لإفطار أبي الدرداء حين زاره سلمان وامتنع من الأكل إن لم
(١) من ( ح)).
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)): فأتت .
(٢) فى (( ح)) بدلا منه: شيئًا .
(٤) في (( ح)): الحاج - خطأ.
- ١٢٧ -

يأكل معه ، وهذه علة توجب الإفطار ؛ لأن للضيف حقا كما قال
عليه السلام .
[ قال المهلب] (١): وفيه أن الصائم إذا دعي إلى طعام فليدع لأهله
بالبركة يؤنسهم بذلك ويسرهم ، وفيه وجوب الإخبار عن نعم الله عند
[٢/ ٥٢٥-١] الإنسان / والإعلان بمواهبه، وأن لا يجحد نعمه ، وبذلك أمر الله -
تعالى - في كتابه فقال: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ (٢) وفيه أن
تصغير اسم الرجل (٣) على معنى التعطف (٤) له ، والترحم عليه ،
والمودة له ، لا ينقصه ولا يحطه ، وفيه دليل على جواز رد الهدية
والطعام المبذول إذا لم يكن في ذلك سوء أدب على باذله ومُهْديه ،
ولا نقيصة عليه ، ويخص ( الطعام ) (٥) من ذلك أنه إذا لم يعلم من
الناس حاجة فحينئذ يجمل رده ، وإذا علم منهم حاجة فلا يرده ويبذله
لأهله ، كما فعل عليه السلام بأم سليم في غير هذا الحديث حين بعث
هو وأبو طلحة أنسًا إليها لتعد الطعام لرسول الله وأصحابه .
باب : الصوم من آخر الشهر
فيه : عمران قال النبي - عليه السلام -: (( يا فلان ، أما صمتُ سَرَّرَ
هذا الشهر ؟ قال : أظنه قال : يعني رمضان [ قال الرجل : لا
(٢) الضحى : ١١ .
(١) من (( ح)).
(٣) لم يرد في الرواية المذكورة تصغير ، لكن في رواية ثابت ، عن أنس ، عن
أحمد في المسند: ( خويدمك أنس)) أفاده الحافظ في الفتح (٢٦٩/٤) .
(٤) كذا في ((الأصل)) و((ح)) وأخشى أن يكون الصواب: التلطف لمناسبة حرف
الجرّ ، والله أعلم .
(٥) في ( ح) : للطعام .
- ١٢٨ -

يا رسول الله، قال: فإذا أفطرت فصم يومين)» لم يقل الصلت : أظنه
يعني رمضان](١) .
وقال ثابت عن مطرف ، عن [ عمران ] (٢) ، عن النبي - عليه
السلام -: (( من سرر شعبان)).
قال أبو عبيد : السرار آخر الشهر إذا [ استسر ] (٣) الهلال، قال
ابن قتيبة : ربما [ استسر ] (٣) القمر ليلة أو ليلتين، قال: ويقال :
سرر الشهر وسراره وسره ، [ وسرار أجود ، قال الخطابي : وفيه
لغات يقال: سَرَرُ الشهر وسَرَارُهُ وسِرُّهُ ] (٤) . قال الطبري : فالذين
اختاروا صيام الثلاثة الأيام من آخر الشهر فإنهم تأولوا أن يكون ذلك
كفارة لما مضى من ذنوبهم ، ويجوز أن يكون معنى قوله : (( سرر هذا
الشهر)) أي من وسطه؛ لأنها الأيام الغر التي كان رسول الله وله
يأمر بصيامها ، وسرارة كل شيء وسطه وأفضله .
قال ذو الرمة يصف حمارًا :
كأنه عن سرار الأرض محجوم
يريد عن وسطها ، وهو موضع الكلأ منها ، وقال ابن السكيت :
سرار الأرض أكرمه وأفضله ، وقال الخطابي : قد كان بعض أهل
العلم يقول إن سؤاله عليه السلام في هذا الحديث سؤال زجر وإنكار؛
لأنه قد نهى أن يستقبل الشهر بيوم أو يومين ، ويشبه أن يكون هذا
(١) من ((ح) وسقط من ((الأصل)).
(٢) من (( ح)) وهو الصواب، وفي ((الأصل) كتب (( عثمان)) ثم ضرب عليه ولم
یکتب شيئًا آخر .
(٣) من ((ح)) وفي ((الأصل)): استثر - وهو خطأ .
(٤) من (( ح )).
- ١٢٩ -

الرجل قد كان أوجبهما على نفسه فاستحب له الوفاء بهما ، وأن
يجعل قضاؤهما في شوال .
*
باب : صوم يوم الجمعة
وإذا أصبح صائمًا يوم الجمعة فعليه أن يفطر، [ يعني ] (١) ( إذا لم
يصم قبله ، ولا يريد أن يصوم بعده) (٢).
فيه : جابر: (( نهى النبي - عليه السلام - عن صوم يوم الجمعة)).
وفيه : أبو هريرة قال : سمعت النبي - عليه السلام - يقول :
((لا ( يصوم) (٣) أحدكم يوم الجمعة إلا يومًا قبله أو بعده)).
وفيه : أبو أيوب: (( دخل النبي - عليه السلام - على [ جويرية ](٤)
يوم الجمعة وهى صائمة. فقال : أصمت أمس ؟ قالت : لا ، قال :
[أتريدين] (٥) أن تصومي غدًا؟ قالت : لا ، قال : فأفطري ، (وأمرها
فأفطرت ) (٦))).
اختلف العلماء في صيام يوم الجمعة ، فنهت طائفة عن صومه إلا
أن يصام قبله أو بعده على ما جاء في هذه الآثار ، روي هذا القول
عن أبي هريرة وسلمان ، وروي عن أبي ذر ، وعلي بن أبي طالب
أنهما قالا : إنه يوم عيد وطعام وشراب ، فلا ينبغي صيامه ، وهذا
(١) من ( ح)).
(٢) من ((الأصل)) و( ح)). وثبت هذا فقط في رواية أبي ذر وأبي الوقت، وفي
:
رواية الباقين بدونها . قال الحافظ في الفتح (٢٧٣/٤): ((وهذه الزيادة تشبه
أن تكون من الفربري أو من دونه ؛ فإنها لم تقع في رواية النسفي عن
البخاري، ويبعد أن يعبر البخاري عما يقوله بلفظ ((يعنى)) ولو كان ذلك من
كلامه لقال: (( أعنى)) بل كان يستغني عنها أصلاً ورأساً، وهذا التفسير لا بد
من حمل إطلاق الترجمة عليه .... )) .
(٣) في (( ح)): يصومن .. (٤) من ((ح)) وفي ((الأصل)): جويرة - خطأ.
(٦) ليس في ( ح)).
(٥) من (( ح)) وفي ((الأصل)): أتريدي - خطأ.
- ١٣٠ -

قول ابن سيرين والزهري ، وبه قال أحمد وإسحاق ، ومنهم من قال:
يفطر ليقوى على الصلاة في ذلك اليوم ، وروي ذلك عن النخعي ،
كما قال ابن عمر : لا يصام يوم عرفة بعرفة من أجل الدعاء ،
وأجازت طائفة صيامه ، روي عن ابن عباس أنه كان يصوم يوم الجمعة
ويواظب عليه ، وقال مالك : لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه
ممن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة ، وصيامه حسن ، وقد رأيت
بعض أهل العلم يصومه ، وأراه كان يتحراه ، وقيل : إنه ابن المنكدر.
وقال الشافعي : لا يبين [ لي ] (١) أنه نهى عن صيام يوم الجمعة إلا
على الاختيار ، وقد روي عن ابن مسعود أنه قال: (( ما رأيت النبي -
عليه السلام - يفطر يوم الجمعة )) رواه شيبان عن عاصم ، عن زر ،
عن عبد الله . ورواه شعبة عن عاصم فلم يرفعه ، فهي علة فيه .
وروى ليث بن [ أبي ] (١) سليم ، عن عمير بن أبي عمير ، عن ابن
عمر أنه قال: (( ما رأيت رسول الله مفطراً يوم جمعة قط)) وليث
ضعيف ، وأحاديث النهي أصح ، وأكثر الفقهاء على الأخذ بأحاديث
الإباحة ؛ لأن الصوم عمل بر ، فوجب ألا يمنع عنه إلا بدليل
لا معارض له .
قال المهلب : ويحتمل أن يكون نهيه عن صيام يوم الجمعة - والله
أعلم - خشية أن يستمر الناس على صومه فيفرض عليهم ، كما خشي
/ من صلاة الليل ، فقطعه لذلك ، وخشي أن يلتزم الناس من تعظيم [٢/ ق٥٢-ب]
يوم الجمعة ما التزمه اليهود والنصارى في يوم السبت والأحد من ترك
العمل والتعظيم ، فأمر بإفطاره ، ورأى أن قطع الذرائع أعظم أجراً
من إتمام ما نوى صومه لله .
وذكر الطحاوي قال : روى ابن وهب عن معاوية بن صالح ، عن
أبي بشر ، عن عامر بن لدين الأشعري أنه سأل أبا هريرة عن صيام
(١) من (( ح)).
- ١٣١ -

يوم الجمعة فقال : على الخبير وقعت ، سمعت رسول الله يقول : ((إن
يوم الجمعة عيدكم ، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن
تصوموا قبله أو بعده)) . فكره رسول الله أن يقصد إليه بعينه بصوم
للتفرقة بينه وبين شهر رمضان وسائر الأيام ؛ لأن فريضة الله في رمضان
بعينه وليس كذلك سائر الأيام - والله أعلم.
باب : هل ( يَخُصَّ من الأيام شيئًا)؟ (١)
فيه: علقمة: (( قلت لعائشة : هل كان النبي - عليه السلام - يخص
من الأيام شيئًا ؟ قالت : لا ، كان عمله ديمة ، وأيكم (٢) يطيق ما كان
رسول الله یطیق )) .
معناه أنه كان لا يخص شيئًا من الأيام دائمًا ولا راتبًا ، إلا أنه قد
جاء عنه عليه السلام أنه كان أكثر صيامه في شعبان ، وقد حض عليه
السلام على صيام الاثنين والخميس ، ذكره عبد الرزاق وغيره ، لكن
كان صيامه عليه السلام على حسب نشاطه ، فربما وافق الأيام التي
رغب فيها ، وربما لم يوافقها ، وقد روى الطحاوي عن علي بن
شيبة، حدثنا روح ، حدثنا شعبة قال : حدثنا يزيد الرشك ، عن
معاذة ، عن عائشة ( أنها سئلت [ أكان ] (٣) رسول الله يصوم ثلاثة
أيام من كل شهر ؟ قالت : نعم ، فقيل لها من أيُّه ؟ قالت : ما كان
يبالي من أي الشهر صامها )).
(١) في (ح)): ((يُخَصُّ شيء من الأيام)) وهما روايتان للصحيح، كما في الفتح
(٤/ ٢٧٧) .
(٣) من (( ح)) وفى (( الأصل)»: كان.
(٢) في (( ح)) : وأيكم كان يطيق.
- ١٣٢ -

باب : صوم يوم عرفة
فيه: أم الفضل: (( أن الناس تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي -
عليه السلام - فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه )) .
وفيه : ميمونة: (( أن الناس شكوا في ( صوم ) (١) النبي يوم عرفة ،
فأرسلت إليه بحلاب وهو واقف في الموقف ، فشرب منه والناس
ينظرون )) .
قال ابن المنذر : ثبت أن النبي - عليه السلام - أفطر يوم عرفة ،
وروي عنه أن صوم عرفة يكفر سنتين ، رواه الثوري عن منصور ، عن
مجاهد ، عن حرملة بن إياس الشيباني ، عن أبي قتادة: (( أن
رسول الله سئل عن صيام يوم عرفة فقال : ( يكفر ) (٢) سنتين : سنة
ماضية، وسنة مستأخرة)) ، ورواه شعبة عن غيلان بن جرير ، عن
عبد الله بن [ معبد ] (٣) الزَّمَّاني ، عن أبي قتادة.
واختلفوا في صوم يوم عرفة بعرفة فقال ابن عمر : لم يصمه النبي -
عليه السلام - ولا أبو بكر ، ولا عمر ، ولا عثمان ، و[ أنا ] (٤)
لا أصومه . وقال ابن عباس يوم عرفة : لا يصحبنا أحد يريد الصيام،
فإنه يوم تكبير وأكل وشرب ، واختار مالك ، وأبو حنيفة ، والثوري
الفطر ، وقال عطاء : من أفطر يوم عرفة ليتقوى به على ( الذكر ) (٥)
كان له مثل أجر الصائم ، وكان ابن الزبير وعائشة يصومان يوم عرفة،
وكان الحسن يعجبه صوم يوم عرفة ، ويأمر به الحاج ، وقال : رأيت
عثمان بعرفة في يوم شديد الحر وهو صائم وهم يروحون عنه ، وكان
(١) في (( ح)): صيام.
(٢) في (( ح)): كفارة .
(٣) من (( ح))، وفي (( الأصل)): شعبة. وهو خطأ.
(٤) من (( ح )).
(٥) في (( ح)): الدعاء.
- ١٣٣ -

أسامة بن زيد ، وعروة بن الزبير ، والقاسم بن محمد ، وسعيد بن
جبير يصومون بعرفة ، وقال قتادة : لا بأس بذلك إذا لم يضعف عن
الدعاء ، وقال الشافعي : أحب صيام يوم عرفة لغير الحاج ،
[فأما] (١) من حج فأحب أن يفطر ليقوى به على الدعاء ، وقال عطاء:
أصومه في الشتاء ، ولا أصومه في الصيف .
قال الطبري : وإنما أفطر عليه السلام بعرفة ليدل على أن الاختيار
في ذلك الموضع للحاج الإفطار دون الصوم؛ كيلا يضعف عن الدعاء،
وقضاء ما لزمه من مناسك الحج ، وكذلك من كره صومه من السلف
فإنما كان لما بيناه من [ إيثارهم ] (٢) الأفضل من نفل الأعمال على ما
هو دونه ، وإبقاء على نفسه ليتقوى بالإفطار على الاجتهاد في العبادة،.
ومن آثر صومه أراد أن يفوز بثواب صومه لقوله عليه السلام: (( للجنة
باب يدعى الريان ، لا يدخل منه إلا الصائمون )) .
وقال المهلب : في شربه عليه السلام اللبن يوم عرفة أن العيان أقطع
[ الحجج] (٣) وأنه فوق الخبر، وقد قال عليه السلام: ((ليس الخبر
كالمعاينة)». وفيه أن الأكل والشرب في المحافل مباح / إذا كان لتبيين.
معنی ، أَوْ دَعَت إليه ضرورة ، كما فعل یوم الكدید إذا علم بما یرید
بيانه من سنته عليه السلام ، وفيه جواز قبول الهدية من النساء ، ولم
يسألها إن كان من مالها أو من مال زوجها ، إذا كان هذا المقدار.
لا يتشاح الناس فيه .
[٢/ ق٥٣-١]
(١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): فأمن - خطأ.
(٢) من ((ح))، وفي ((الأصل)): إشارتهم إلى - كذا .
(٣) من (ح))، وفي ((الأصل)): للحجج .
- ١٣٤ -

باب : صوم يوم الفطر
فيه: عمر بن الخطاب قال : (( هذان يومان نهى رسول الله عن
صيامهما: يوم فطركم من صيامكم ، واليوم الآخر تأكلون فيه من
نسککم ).
وفيه : أبو سعيد: (( نهى النبي - عليه السلام - عن صيام يوم الفطر
والنحر ) .
قال الطبري : إن قال قائل : إنك تكره صوم اليوم الذي يشك فيه
أنه من رمضان ، وصوم أيام التشريق نحو الذي تكره من صوم هذين
اليومين ، ويروى عن النبي - عليه السلام - من النهي عن صيامها
نظير روايتك عنه النهي عن صومهما ، ثم تجيز صوم أيام التشريق
قضاءً من واجب ، وتبيح صوم يوم الشك تطوعًا ، فما بال يوم
الفطر والأضحى خالفا حكم ذلك ، وهل اتفق حكم جميع ذلك كما
اتفق النهي عن صوم جميعها ؟
قيل : لم نخالف بين حكم شيء من ذلك إلا لمخالفة الله -
تعالى- بين ذلك ، وذلك أن الأمة مجمعة وارثة عن نبيها أن صوم
اليومين غير جائز تطوعًا ولا فريضة ، وهما يوما عيد ، وصحت
الأخبار عن النبي - عليه السلام - أنه كان يصوم شعبان فوصله
برمضان ، وقيام الحجة بأن [ لمن ] (١) لم يجد من المتمتعين هديًا
صوم أيام منى ، فذلك الدليل الثابت على افتراق أحكام ذلك .
(١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): من.
- ١٣٥ -

باب : الصوم يوم النحر
فيه : أبو هريرة وأبو سعيد : (( نهى النبي - عليه السلام - عن صيام
الفطر والنحر )) .
وجاء رجل إلى ابن عمر فقال: (( رجل نذر أن يصوم يومًا - أظنه قال:
الاثنين - فوافق ذلك يوم عيد ، فقال ابن عمر : أمر الله بوفاء النذر ،
ونھی رسول الله عن صيام هذا اليوم» .
قد تقدم أن الأمة مجمعة على أنه لا يجوز صيام يوم الفطر والنحر،
ولو نذر ناذر صيام يوم بعينه فوافق ذلك يوم فطر أو أضحى
فأجمعوا أنه لا يصومهما . واختلفوا في قضائهما ، فروي عن مالك
في ذلك ثلاثة أقوال ، روى ابن وهب عنه أنه لا يقضيهما ، وروى
ابن القاسم ، وابن وهب عنه أنه يقضيهما إلا أن يكون نوى ألا
يقضيهما ، وبه قال الأوزاعي ، وروينا عنه أنه لا يقضيهما إلا أن يكون
نوى أن يصومهما ، قال ابن القاسم : وقوله : لا قضاء عليه إلا أن
ينوي أن يقضيه ، أحب إلي ، وقال أبو حنيفة وصاحباه : يقضيهما ،
واختلف قول الشافعي ، فمرة قال : يقضيهما ، ومرة قال :
لا يقضيهما ، قال غيره : والقياس ألا قضاء في ذلك ؛ لأنه من نذر
صوم يوم بعينه أنه لا يخلو أن يدخل فيه صوم يوم الفطر والأضحى أو
لا يدخل ، فإن دخل في نذره فلا يلزمه ؛ لأن من قصد إلى نذر
صومه لم يلزمه ، ونذره باطل ، وإن لم يدخل في نذره فهو أبعد من
أن يجب عليه قضاؤه
- ١٣٦ -

باب : صوم أيام التشريق
فيه : عائشة أنها كانت تصوم أيام منى ، وكان عروة يصومها .
وفيه: عائشة وابن عمر قالا: « لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن
إلا لمن لم يجد الهدي)). وقال ابن عمر: (( الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى
الحج إلى يوم عرفة ، فإن لم يجد هديًا ولم يصم صام أيام منى )) .
قال المؤلف : أيام التشريق هي أيام منى ، وهي الأيام المعدودات ،
وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة .
قال ابن المنذر : واختلف العلماء في صيامها ، فروي عن ابن الزبير
أنه كان يصومها ، وعن الأسود بن يزيد مثله ، وقال أنس : كان أبو
طلحة قل ما رأيته يفطر إلا يوم فطر أو أضحى ، وكذلك كان ابن
سيرين يصوم الدهر غير هذين اليومين ، وكان مالك والشافعي يكرهان
صوم أيام التشريق إلا للمتمتع الذي لا يجد الهدي ، فيصوم هذه
الثلاثة الأيام ؛ لأنها في الحج إذا لم يصمها في العشر على ما جاء
عن عائشة وابن عمر ، وروي ذلك عن عبيد بن عمير وعروة ، وهو
قول الأوزاعي وإسحاق ، ذكره / ابن المنذر .
[٢/ ق٥٣-ب)
وذكر الطحاوي أن هؤلاء أباحوا صيام أيام التشريق للمتمتع والقارن
والمحصر إذا لم يجد هديًا ولم يكونوا صاموا قبل ذلك ، ومنعوا منها
من سواهم ، وخالفهم آخرون فقالوا : ليس لهؤلاء ولا لغيرهم من
الناس أن يصوموا هذه الأيام عن شيء من ذلك ، ولا عن كفارة ،
ولا [في](١) تطوع ؛ لنهي النبي - عليه السلام - عن ذلك ، ولكن
على المتمتع والقارن الهدي لتمتعهما وقرانهما ، وهدي آخر ؛ لأنهما
حلا بغير صوم، هذا قول الكوفيين، وهو أحد قولي الشافعي، وذكر
ابن المنذر عن علي بن أبي طالب أن المتمتع إذا لم يجد الهدي، ولم
(١) من ( ح))، وفي ((الأصل)): عن .
- ١٣٧ -

يصم الثلاثة الأيام في العشر ، يصومها بعد أيام التشريق ، وهو قول
الحسن وعطاء ، واحتج ( الكوفيون ) (١) بما روى إسماعيل (بن)(٢).
محمد بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه ، عن جده قال: (( أمرني
رسول الله أن أنادي أيام منى أنها أيام أكل وشرب ، ولا صوم فيها )).
يعني أيام التشريق ، وروته عائشة ، وعمرو بن العاص ، وعبد الله بن
[ حذافة] (٣)، وأبو هريرة كلهم عن النبي - عليه السلام - فلما
تواترت هذه الآثار بالنهي عن صيام أيام التشريق ، وكان نهيه عن
ذلك بمنى والحاج (٤) مقيمون بها ، وفيهم المتمتعون والقارنون ولم
يستثن منهم أحدًا ، دخل في ذلك المتمتعون والقارنون وغيرهم ، قال
ابن القصار : ومن حجة مالك قوله تعالى : ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى
الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في
الحج﴾(٥)، ولا خلاف بين العلماء أن هذه الآية نزلت يوم التروية ،
وهو الثامن من ذي الحجة ، فعلم أنه أباح لهم صومها ، وأنهم صاموا
فيها ؛ لأن الذي بقي من العشر الثامن والتاسع ، والثامن الذي نزلت
فيه الآية لا يصح صومه ؛ لأنه يحتاج إلى تبييت من الليل ، والعاشر.
يوم النحر ، والإجماع أنه لا يصام ، فعلم أنهم صاموا بعد ذلك .
وقول ابن عمر وعائشة: (( لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن
إلا لمن لم يجد الهدي)) يرفع الإشكال في ذلك ، قال المهلب : ومن
حجة مالك أيضًا [ قول عمر بن الخطاب ] (٦) في يوم الفطر والنحر :.
((هذان يومان نهى رسول الله عن صيامهما : يوم فطركم من صيامكم،
(١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): الكوفيين. (٢) في (( ح)): عن - خطأ.
(٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): خذافة - خطأ .
(٤) كذا في ((الأصل))، و((ح)): بلفظ الإفراد.
(٥) البقرة : ١٩٦.
(٦) في ((الأصل))، و((ح)): قول النبي، وهو وهم، وقد سبق هذا الحديث في.
(باب صوم يوم الفطر)).
- ١٣٨ -

والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم)) ، فخص اليومين بالنهي ، وبقيت
أيام التشريق مباحة ، فأما قوله عليه السلام : (( فإنها أيام أكل وشرب))
فإنما يختص بذلك من لم يكن عليه صوم واجب ، فعلى هذا تتفق
الأحاديث ، وفي إباحة صيامها للمتمتع حجة لمالك فيما ترجح قوله
فيه فيمن يبتدئ صوم الظهار ( في ) (١) ذي القعدة ، وقال : عسى أن
يجزئه إن نسي أو غفل إذا أفطر يوم النحر وصام أيام التشريق ، ثم
وصل اليوم الذي أفطره ، رجوت أن يجزئه ، ويبتدئه أحب إلي ،
وإنما [ قال ذلك؛ لأن صوم المتمتع صوم واجب، وإنما ] (٢) ينهى
عن صيامها من ليس عليه صوم واجب ، وقال غير واحد عن مالك :
إن اليوم الرابع لم يختلف قوله فيه ، أنه يصومه من نذره ، ومن يصل
فيه صيامًا واجبًا ، ولا يبتدأ فيه ، ولا يصام تطوعًا ، وقال ابن المنذر:
مذهب ابن عمر في صيام هذه الثلاثة الأيام من حين يحرم بالحج
وآخرها يوم عرفة ، وهذا معنى قول البخاري عن ابن عمر : (( الصيام
لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة)).
قال ابن المنذر : وجماعة الفقهاء لا يختلفون في جواز صيامها بعد
الإحرام بالحج ، إلا عطاء فإنه قال : إن صامهن حلالاً أجزأه ، وهو
قول أحمد بن حنبل ، قال أبو بكر : لا يجب الصوم على المتمتع إلا
بعد الإحرام ، فمن صام قبل ذلك كان تطوعًا ، ولا يجزئه عن
فرضه، وفي قوله تعالى : ﴿ فصيام ثلاثة أيام في الحج ﴾ أبين البيان أنه
لا يجزئه صيامها في غير الحج ، وهذا يرد أيضًا ما روي عن علي
والحسن وعطاء .
#
*
(١) في (( ح)): من .
(٢) من ( ح)).
- ١٣٩ -

باب: صيام يوم عاشوراء وإذا أصبح ولم [ ينو ](!)
الصيام ثم صام
فيه: ابن عمر قال: (( قال النبي - عليه السلام - يوم عاشوراء: إن
شاء صام، وإن شاء أفطر )) .
وفيه: عائشة: ((كان النبي - عليه السلام - أمر بصيام [ يوم ] (٢)
عاشوراء ، فلما فرض رمضان كان من شاء صام ، ومن شاء أفطر)) .
وقال معاوية : يا أهل المدينة ، أين علماؤكم ، سمعت النبي - عليه
السلام - يقول : (( هذا يوم عاشوراء ، ولم يكتب الله عليكم صيامه ،
وأنا صائم، فمن شاء فليصم ، ومن شاء فليفطر )) .
وفيه : ابن عباس قال: (( قدم النبي - عليه السلام - المدينة، فرأى
[٢/ ق٥٤-] اليهود تصوم يوم عاشوراء / [فقال] (٢): ما هذا؟ (قالوا) (٣): هذا
يوم صالح ، هذا يوم نَجی الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى -
عليه السلام - قال : فأنا أحق بموسى منكم ، فصامه وأمر بصيامه )) .
وقال ابن عباس: (( ما رأيت النبي - عليه السلام - يتحرى صيام يوم
فضله علی غیره إلا هذا الیوم : يوم عاشوراء ، وهذا الشهر )) یعنی شھر
رمضان .
وفيه : سلمة: (( أمر النبي - عليه السلام - رجلاً من أسلم أن أذن في
الناس [ أن ] (٢) من كان أكل فليصم بقية يومه ، ومن لم يكن أكل
فليصم ، فإن اليوم يوم عاشوراء )) .
(٢) من ( ح )
(١) من (( ح))، وفي ((الأصل)»: ينوي.
(٣) في ( ح)): قال.
- ١٤٠ -