Indexed OCR Text

Pages 21-40

باب : من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا ونية
وقالت عائشة عن النبي: (( يبعثون على نياتهم ))
فيه: أبو هريرة عن النبي - عليه السلام -: (( من قام ليلة القدر إيمانًا
واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا
غفر له ما تقدم من ذنبه )) .
قوله : ((إيمانًا)) يريد تصديقًا [ بفرضه و] (١) بالثواب من الله -
تعالى - على صيامه وقيامه، وقوله: (( احتسابًا)) يريد بذلك يحتسب
الثواب على الله ، وينوي بصيامه وجه الله ، وهذا الحديث دليل بيّن
أن الأعمال [ الصالحة ] (١) لا تزكو ولا تتقبل إلا مع الاحتساب
وصدق النيات، كما قال عليه السلام: (( الأعمال بالنيات ، ولكل
امرئ ما نوى)) وهذا يرد قول زفر، فإنه زعم أنه [ يجزئ ] (٢) صوم
رمضان بغير نية ، وقوله مردود بهذه الآثار ، وإذا صح أنه لا عمل
إلا بنية، صح أنه لا يجزئ صوم رمضان إلا ( بنية ) (٣) من الليل،
کما ذهب إليه الجمهور .
وخالف ذلك أبو حنيفة والأوزاعي وإسحاق وقالوا : [ يجزئه ] (٢)
التبييت قبل الزوال ، ولا سلف لهم في ذلك، والنية إنما ينبغي أن
تكون متقدمة قبل العمل ، وحقيقة التبييت في اللغة يقتضي زمن
الليل، وروي هذا [ عن ] (١) ابن عمر وحفصة وعائشة، ولا مخالف
لهم ، وقد تقدم ما للعلماء في قوله عليه السلام: ((الأعمال بالنيات)»
في آخر كتاب الإيمان ، في باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة .
-
(١) من (( ح)).
(٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): يجوز .
(٣) في ( ح)): بتبييت .
- ٢١ -

باب : أجود ما كان النبي عليه السلام يكون في رمضان
فيه : ابن عباس قال: (( كان النبي - عليه السلام - أجود الناس
بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان
جبريل يلقاه كل ليلة ( في ) (١) رمضان ( حتى ينسلخ ) (٢) يعرض
[النبي] (٣) - عليه السلام - عليه القرآن ، فإذا لقيه جبريل كان أجود
بالخير من الريح المرسلة )) .
قال المهلب : وامتثل النبي - عليه السلام - في هذا قول الله -
تعالى - وأمره بتقديم الصدقة بين يدي نجوى الرسول الذي كان أمر به
تعالى عباده ، ثم عفا عنهم ، الإشفاقهم من ذلك ، فامتثل عليه
السلام ذلك عند مناجاته جبريل صلى الله عليه وعلى جميع الملائكة ،
وقد تقدم هذا المعنى في كتاب بدء الوحي .
قال ( المهلب ) (٤) : وفيه بركة مجالسة الصالحين وأن فيها تذكار
لفعل الخير ، وتنبيها على الازدياد من العمل الصالح ، ولذلك أمر
عليه السلام بمجالسة العلماء ، ولزوم حلق الذكر ، وشبه الجليس
الصالح بالعطار إن لم يصبك من متاعه لم تعدم طيب ريحه .
ألا ترى قول لقمان لابنه : يا بني جالس العلماء ، وزاحمهم
بركبتيك ، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة ، كما يحيي الأرض
الميتة بوابل السماء ، وقال مرة أخرى : فلعل أن تصيبهم رحمة فتنالك
معهم ، فهذه ثمرة مجالسة أهل الفضل ولقائهم .
وفيه بركة أعمال الخير ، وأن بعضها يفتح بعضًا ، ويعين على
بعض؛ ألا ترى أن بركة الصيام ، ولقاء جبريل وعرضه القرآن عليه زاد
(١) في ( ح)): من .
(٣) من (( ح)).
(٢) ليس في (( ح )).
(٤) في (( ح)) : المؤلف.
- ٢٢ -

في جود النبي - عليه السلام - وصدقته حتى كان أجود من الريح
المرسلة .
( قال عبد الواحد : ونزول جبريل في رمضان للتلاوة دليل عظيم
لفضل تلاوة القرآن فيه ، وهذا أصل تلاوة الناس للقرآن في كل
رمضان، تأسيًا به وَّلله، ومعنى مدارسة جبريل للنبي - عليه السلام-
فيه ؛ لأنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن، كما نص الله - تعالى)(١).
وفيه أن المؤمن كلما ازداد عملاً صالحًا وفتح له باب من الخير فإنه
ينبغي له أن يطلب بابا آخر ، وتكون عينه ممتدة في الخير إلى فوق
عمله، ويكون ( خائفا وجلاً ) (١) / غير معجب بعمله، طالبًا [٢/ ف،٣٤-١)
للارتقاء في درجات الزيادة.
#
باب : من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم
فيه : أبو هريرة قال : قال النبي - عليه السلام -: (( من لم يدع قول
الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)) .
قال المهلب : فيه دليل أن حكم الصيام الإمساك عن الرفث وقول
الزور ، كما يمسك عن الطعام والشراب ، وإن لم يمسك عن ذلك
فقد تنقص صيامه وتعرض لسخط ربه وترك قبوله منه .
وقال غيره : وليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه إذا لم يدع قول
الزور ، وإنما معناه التحذير من قول الزور ، وهذا كقوله عليه السلام:
(( من باع الخمر فليشقص الخنازير)) يريد أي يذبحها ، ولم يأمره
بشقصها ، ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم شارب الخمر ، فكذلك
حذر الصائم من قول الزور والعمل به ليتم أجر صيامه ، فإن قيل :
(١) ليس في ( ح)).
- ٢٣ -

فما معنى قوله : ((فليس لله حاجة )) والله لا يحتاج إلى شيء؟ قيل
معناه : فليس لله إرادة في صيامه فوضع الحاجة موضع الإرادة .
باب : [هل ] (١) يقول إني صائم إذا شتم
فيه : أبو هريرة قال: قال النبي - عليه السلام -: (( كل عمل ابن آدم له
إلا ( الصيام ) (٢) فإنه لي وأنا أجزي به ، والصيام جنة ، وإذا كان يوم
صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ؛ فإن ( سابه ) (٣) أحد أو قاتله
فليقل : إني امرؤ صائم ، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم
أطيب عند الله من ريح المسك ، للصائم فرحتان يفرحهما : إذا أفطر
فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه )) .
قال الداودي : تخصيصه في هذا الحديث ألا يرفث ولا يجهل ،
وذلك لا يحل في غير الصيام ، وإنما هو تأكيد لحرمة الصوم عن
الرفث والجهل ، كما قال تعالى : ﴿ قد أفلح المؤمنون الذين هم في
صلاتهم خاشعون ﴾ (٤) والخشوع في الصلاة أوكد منه في غيرها ،
وقال في الأشهر الحرم : ﴿ فلا تظلموا فيهن أنفسكم ﴾ (٥) فأكد حرمة
الأشهر الحرم ، وجعل الظلم فيها آكد من غيرها ، فينبغي للصائم أن
يعظم من شهر رمضان ما عظم الله ورسوله ، ويعرف ما لزمه من
حرمة الصيام .
:[ قال غيره ] (٦): واتفق جمهور العلماء على أن الصائم لا يفطره
السب والشتم والغيبة ، وإن كان مأمورًا أن ينزه صيامه عن اللفظ
(١) من ( ح)) وفي ((الأصل)): من.
(٣) في (( ح)) : شاتمه
(٥) التوبة : ٣٦.
(٢) في ( ح)): الصوم .
(٤) المؤمنون : ١ - ٢
(٦) من ( ح ))
- ٢٤ -

القبيح ، وقال الأوزاعي : إنه يفطر بالسب والغيبة ، واحتج بما روي
أن الغيبة تفطر الصائم .
قال ابن القصار : معناه أنه يصير في معنى المفطر في سقوط الأجر
لا أنه يفطر في الحقيقة ، كقوله تعالى : ﴿ولا يغتب بعضكم بعضًا
أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا﴾ (١) [ ومن اغتاب ] (٢) فلم
يكن آكلا [ لحم أخيه ميتًا ] (٢) في الحقيقة، وإنما يصير في معناه ،
ويجوز أن يكون في معنى التغليظ ، كما قال : الكذب مجانب
للإيمان، فإن قيل : فما معنى قوله: ((فليقل إني صائم)) والمندوب إليه
أن يستتر بعمله ليكثر ثوابه ؟ قيل : إذا قال : إني صائم ؛ ارتدع
و[علم] (٣) أنه إذا اجترأ عليه في صوم كان أعظم في الإثم،
[فليعلم] (٤) أيضًا أن الصوم يمنع من الرد عليه ، ومثل هذا لا يكره إذا
كان لعذر ، وقيل معناه : أن يقول ذلك لنفسه ، وقد تقدم [ هذا
المعنى في باب فضل الصوم ] (٢).
باب : الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة
فيه : ابن مسعود قال : كنا مع النبي - عليه السلام - فقال: (( من
استطاع الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم
يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء )) .
[ قال المؤلف ] (٢): ندب النبي - عليه السلام - لأمته النكاح ،
ليكونوا على كمال من أمر دينهم ، وصيانة لأنفسهم في غض أبصارهم
(١) الحجرات : ١٢ .
(٢) من ( ح)) .
(٣) من (( ح)) وفي (( الأصل)): علمه .
(٤) من (( ح)) وفي ((الأصل)): ويمنع.
- ٢٥ -

وحفظ فروجهم [ لما يخشى على من زين الله في قلبه ] (١) حب
أعظم الشهوات ، ثم علم عليه السلام أن الناس كلهم لا يجدون
طولا إلى النساء وربما خافوا العنت بفقد النكاح فعوضهم منه ما
يدافعون به ( سورة ) (٢) شهواتهم ، وهو الصيام.
(«فإنه وجاء)) والوجاء: ( القطع) (٣) يعنى: أنه مقطعة للانتشار
وحركة العروق التي تتحرك عند شهوة الجماع ، وأصل الوجاء عند
العرب أن ترض البيضتان ، يقال : وجأ فلان الكبش ، وهو كبش
[٢/ ق٣٤- ب) موجوء ، فإذا سلت البيضتان / فهو الخصي ، وفي كتاب العين :
وجأت الرجل ضربته .
والباءة في كلام العرب : الجماع، وتجمع بآء (٤) ، كما تجمع
الراءة رآء .
باب: قول النبي عليه السلام: (( إذا رأيتم الهلال
فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا ))
وقال عمار : من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم .
فيه : ابن عمر قال عليه السلام: (( لا تصوموا حتى تروا الهلال،
ولا تفطروا حتى تروه ؛ فإن غم عليكم فاقدروا [ له ] (٥) )).
وقال ابن عمر : قال النبي - عليه السلام -: (( الشهر تسع وعشرون
ليلة فلا تصوموا حتى تروا الهلال ؛ فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثین)) .
(١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): لما يخش عليه من جبله الله ، بل على من زين
الله في قلبه
(٢) يعني : حِدَّتّها .
(٤) انظر: اللسان (٣٦/١) مادة ((بوأ)).
(٣) في (( ح)): القتل. كذا ..
(٥) من ( ح)) ..
-٢٦ -

وقال أبو هريرة : قال النبي - عليه السلام -: (( صوموا لرؤيته وأفطروا
لرؤيته ؛ فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين )) .
ذهب كافة الفقهاء إلى أن معنى قوله عليه السلام: (( فاقدروا له ))
مجمل يفسره قوله: ((فأكملوا العدة ثلاثين يومًا)) [ ولذلك] (١)
جعل مالك في الموطأ (( فأكملوا العدة ثلاثين يوماً )) بعد قوله :
((فاقدروا له )) كما صنع البخاري ؛ لأنه مفسر ومبين لمعنى قوله :
((فاقدروا له)) وحكى محمد بن سيرين أن بعض التابعين كان يذهب في
معنى قوله عليه السلام: (( فاقدروا له )) إلى اعتباره بالنجوم ، ومنازل
القمر ، وطريق الحساب ، ويقال : إنه مطرف بن الشخير .
وقوله عليه السلام: (( فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين
[يومًا](٢))) نص في أنه عليه السلام لم يرد اعتبار ذلك بالنجوم
والمنازل، لأنه لو كلف ذلك أمته لشق عليهم ؛ لأنه لا يعرف النجوم
والمنازل إلا قليل من الناس ، ولم يجعل الله - تعالى - في الدين من
حرج ، وإنما أحال عليه السلام على إكمال ثلاثين يومًا ، وهو شيء
يستوي في معرفته الكل ، وقد انضاف إلى أمره باعتبار العدد ثلاثين
عند عدم الرؤية [ فعله ] (٣) في نفسه.
فروي عن عائشة أنها قالت : ((كان رسول الله يتحفظ من شعبان ما
لا يتحفظ من سائر الشهور ، فإذا رأى هلال رمضان صام ، وإن غم
عليه عد شعبان ثلاثين يومًا وصام )) ولو كان هاهنا علم آخر لكان
يفعله أو يأمر به .
وجمهور الفقهاء على أنه لا يصام رمضان إلا بيقين من خروج
(١) من (( ح)) وفي ((الأصل)): كذلك.
(٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): يوم .
(٣) من ((ح)) وفي ((الأصل)): بفعله.
- ٢٧ -

شعبان:، إما برؤية الهلال أو إكمال شعبان ثلاثين يومًا ، وكذلك لا يقضي
بخروج رمضان إلا بيقين مثله ، لأنه ممكن في الشهر أن يكون تسعة
وعشرين يومًا ، فالرؤية تصحح ذلك وتوجب اليقين كإكمال العدة
ثلاثين يقينًا، هذا معنى قوله: ((فاقدروا له)) عند العلماء ، ولابن
عمر فيه تأويل شاذ لم يتابع عليه وسنذكره في باب نهي النبي عن
صيام يوم الشك - إن شاء الله .
وقال الطبري : أما حديث ابن عمر أن النبي - عليه السلام - قال:
((الشهر تسع وعشرون (ليلة) (١))) فإن معناه: الشهر الذي نحن فيه
( و) (٢) الذي قد علمتم إخباري عنه؛ لأن الألف واللام إنما
تدخلهما العرب في الأسماء إما لمعهود قد عرفه المخبر والمخبَر ، وإما
للجنس العام من ( المشهور ) (٣) ومعلوم أن النبي - عليه السلام - لم
يقصد بذلك الخبر عن الجنس العام ؛ لأنه لو كان كذلك لم يقل :
((صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته)) فأحال على الرؤية، ونحن نرى
(الشهر يكون ) (٤) مرة ثلاثين ومرة تسعة وعشرين فعلم أن قوله:
((الشهر تسع وعشرون )) أن ذلك قد يكون في بعض الأحوال ، وقد
جاء هذا عن ( ابن عمر عن ) (١) النبي - عليه السلام - [ بينا في
قوله ] (٥) (( (إنا) (٦) أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر [ هكذا
وهكذا ] (٧) يعني: مرة ( تسعًا﴾ (٨) وعشرين، ومرة ثلاثين)).
وروي ( عن ) (١) عروة عن عائشة أنها أنكرت قول من قال أن النبي-
عليه السلام - قال: ((الشهر تسع وعشرون)) [ وقالت ] (٩) لا والله
بيبي
(١) ليس في (( ح)).
(٣) في ( ح)): الشهور. وهو خطأ .
(٥) من ((ح)). وفي ((الأصل)): بينا أنه قال.
(٧) من ( ح)). وفي (الأصل)): كذا وكذا.
(٩) زيادة مني أظنها سقطت من الناسخين.
(٢) في ( ح)): أو .
(٤) في ( ج)) : الشهور تكون .
(٦) في ((ح)): نحن.
.(٨) في ( ح )" : تسعة .
٠ - ٢٨ -

ما قال كذلك ، إنما قال حين هَجَرَنَا : لأهجرنكم شهرًا. وأقسم على
ذلك ، فجاءنا حين ذهب تسع وعشرون ليلة ، فقلت : يا رسول الله،
إنك أقسمت شهرًا! فقال: إن الشهر كان تسعًا وعشرين ليلة)).
باب : شهرا عيد لا ينقصان
[٢/ ق٣٥-١]
/ فيه: أبو [ بكرة] (١) قال النبي - عليه السلام -: (([ شهرا عيد](٢)
لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة)).
اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث على وجهين ، فذكر أحمد
ابن عمرو البزار أن معناه : لا ينقصان جميعًا في سنة واحدة . قال
(المهلب ) : (٣) وقد روى زيد بن عقبة ، عن سمرة بن جندب ، عن
النبي - عليه السلام - أنه قال: (( شهرا عيد لا يكونان ثمانية وخمسين
يومًا ».
والوجه الثاني قال المهلب : معناه : أنه لا ينقص عند الله - تعالى
أجر العاملين فيهما ، وإن كانا ناقصين في العدد .
قال الطحاوي : وقد دفع قوم التأويل الأول [ بالعيان ] (٤) قالوا:
لأنا قد وجدناهما ينقصان في أعوام ، ويجتمع ذلك في كل واحد
منهما ، فدفعوا ذلك بهذا ، وبحديث رسول الله أنه قال : (صوموا
لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ؛ فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين)». وبقوله :
((إن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين ويكون ثلاثين)) فأخبر أن ذلك جائز
في كل شهر من الشهور ؛ إذ لم يخص بذلك شهراً من سائر
الشهور، فدل [ على ] (٤) أن شهر رمضان وذى الحجة وما
(١) من ( ح)، وفي (( الأصل)): بكر . خطأ.
(٢) من ( ح)، وفي ((الأصل)): شهران لا ينقصان، شهرا عيد.
(٣) ليسٍ في ( ح)).
(٤) من ( ح )).
- ٢٩ -

--- -
سواهما قد يكونان تشعًا وعشرين ، وقد يكونان ثلاثين ، فثبت بذلك
أن معنى قوله : ((شهرا عيد لا ينقصان)) ليس على نقصان العدد ،
ولكنه على نقصان الأحكام ، والوجه عندنا أنهما لا ینقصان وإن كانا
تسعًا وعشرين فهما شهران كاملان ؛ لأن في أحدهما الصيام ، وفي
الآخر الحج ، والأحكام في ذلك متكاملة غير ناقصة ، ويدل على
ذلك قوله عليه السلام: (( من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما
تقدم من ذنبه)) فمن صامه ناقصًا أو تاما كان أجره [واحداً] (١).
قال المؤلف : فإن قال قائل : إن كان أراد بقوله عليه السلام
((لا ينقصان)): من الأجر والحكم [و] (٢) إن كانا ناقصين في العدد،
فإنا نجد رمضان يصام كله ، فيكون مرة تاما ومرة ناقصًا ، ونقصانه في
آخره ، وذو الحجة إنما يقع الحج في العشر الأول منه ، فلا حرج على
أحد في نقصانه ولا تمامه ؛ لأن العبادة منه في أوله خاصة .
قيل : قد يكون في أيام الحج من النقصان والإغماء مثل ما يكون
في آخر رمضان، وذلك أنه قد يغمى هلال [ ذي ] (٣) القعدة ويقع فيه
غلط بزيادة يوم أو نقصان يوم ، فإذا كان ذلك ، وقع وقوف الناس
بعرفة [مرة ] (٤) ( اليوم الثامن من ذي الحجة ، ومرة اليوم العاشر
منه) (٥) ، وقد اختلف العلماء في ذلك، فقالت طائفة: من وقف
بعرفة بخطأ شامل لجميع أهل الموقف في يوم قبل يوم عرفة أو بعده أنه
مجزئ عنه ؛ لأنهما لا ينقصان عند الله من أجر المتعبدين بالاجتهاد ،
كما لا ينقص أجر رمضان الناقص . وهو قول عطاء والحسن وأبي
حنيفة والشافعي .
واحتج أصحاب الشافعي على جواز ذلك بصيام من الْتَبَسَت عليه
الشهور أنه جائز أن يقع صيامه قبل رمضان أو بعده ، قالوا : كما
(١) من (ح)) وفي ((الأصل)): وافرًا.
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)»: ذو .
(٤) من ((ح)) وفي ((الأصل)): من.
(٢) من (( ح)).
(٥) هكذا في (( الأصل)) و( ح )
- ٣٠ -

يجزئ حج من وقف بعرفة قبل يوم عرفة أو بعده ، وروى يحيى بن
يحيى عن ابن القاسم أنهم إن أخطئوا ووقفوا بعد يوم عرفة يوم النحر
[ أنه ] (١) يجزئهم، وإن قدموا الوقوف يوم التروية [ لم يجزئهم
وأعادوا الوقوف من الغد ] (٢) وهذا يخرج على أصل مالك فيمن
التبست عليه الشهور فصام رمضان ثم تبين له أنه أوقعه بعد رمضان أنه
يجزئه ، ولا يجزئه إذا أوقعه قبل رمضان ، كمن اجتهد وصلى قبل
الوقت أنه لا يجزئه .
وقد قال بعض العلماء : إنه لا يقع وقوف الناس اليوم الثامن أصلا؛
لأنه لا يخلو ( من ) (٣) أن يكون الوقوف برؤية أو إغماء ، فإن كان
برؤية وقفوا اليوم التاسع ، وإن كان بإغماء وقفوا اليوم العاشر .
باب: قول النبي عليه السلام: (( لا نكتب ولا نحسب))
فيه : ابن عمر قال : قال النبي - عليه السلام: (( إِنا أمة أمية لا نكتب
ولا نحسب ، الشهر هكذا وهكذا - يعني : مرة تسعة وعشرين ومرة
ثلاثین )» .
قال (المؤلف) (٤): فيه بيان، لقوله عليه السلام: (([ فاقدروا
له])» (٥) أن معناه إكمال العدد ثلاثين يومًا ، كما تأول الفقهاء ،
(١) من (( ح)).
(٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): أعادوا الوقوف من الغد ولم يجزئهم. وما في
((ح )) أحسن .
(٣) ليس في (( ح)).
(٤) في (( ح)): المهلب .
(٥) من ( ح)) وفي (( الأصل)): اقدروا .
- ٣١ -

ولا اعتبار في ذلك بالنجوم والحساب ، وهذا الحديث ناسخ لمراعاة
النجوم بقوانين التعديل، وإنما المعول على الرؤية [ في ] (١) الأهلة
[٣٥٥/٢- ب) التي جعلها الله مواقيت / للناس في الصيام والحج والعدد والديون ،
وإنما لنا أن ننظر من علم الحساب ما يكون عيانا أو كالعيان ، وأما ما
غمض حتى لا يدرك إلا بالظنون وتكييف الهيئات الغائبة عن الأبصار،
فقد نهينا عنه ، وعن تكلفه .
وعلة ذلك أن رسول الله إنما بعث ( إلى ) (٢) الأميين الذين لا يقرءون
الكتاب ، ولا يحسبون بالقوانين الغائبة ، وإنما يحسبون الموجودات
عيانا .
باب : لا يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين
فيه : أبو هريرة قال: قال النبي - عليه السلام -: (( لا يتقدمن أحدكم
رمضان بصوم يوم او یومین إلا أن یکون رجل کان یصوم صومه فليصم
ذلك الیوم )» .
قال المؤلف : ذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز أن يصام آخر يوم من
شعبان تطوعًا إلا أن يوافق صومًا كان يصومه ، وأخذوا بظاهر هذا
الحديث ، وروي ذلك عن عمر وعلي وعمار وحذيفة وابن مسعود .
ومن التابعين سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي [ والحسن ] (١) وابن
سيرين ، وهو قول الشافعي ، وكان ابن عباس وأبو هريرة يأمران أن
يفصل بين شعبان ورمضان بفطر يوم أو يومين ، كما استجبوا أن
يفصلوا بين صلاة الفريضة والنافلة بكلام أو قيام أو تقدم أو تأخر ،
وقال عكرمة : من صام يوم الشك فقد عصى الله ورسوله .
(١) من (( ح)).
(٢) في ( ح)): في .
- ٣٢ -

وأجازت طائفة صومه تطوعا ، روي عن عائشة وأسماء أختها أنهما
[ كانتا ] (١) تصومان يوم الشك، وقالت عائشة: لئن أصوم ( آخر
يوم ) (٢) من شعبان أحب إلي من أن أفطر يومًا من رمضان . وهو
قول مالك والأوزاعي وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق .
قال ابن القصار : وحجة هذا القول أنا إنما نكره صوم يوم الشك
قطعًا أن يكون من رمضان أو على وجه المراعاة خوفا أن يكون من
رمضان ، فيلحق بالفرض ما ليس من جنسه ، فأما إذا أخلص النية
للتطوع ، فلم يحصل فيه معنى الشك، فإنما نيته أنه من شعبان ، فهو
كما يصومه عن نذر أو قضاء رمضان ، وإنما النهي عن أن يصومه على
أنه إن كان من رمضان فذاك وإلا فهو تطوع .
واختلفوا إذا صامه على أنه من رمضان ، قال مالك : سمعت أهل
العلم ينهون عن أن يصام اليوم الذي يشك فيه من شعبان إذا نوى به
رمضان ، ويرون أنه من صامه على غير رؤية ، ثم جاء الثبت أنه من
رمضان أن عليه قضاءه ، قال مالك : وعلى هذا الأمر عندنا .
وفيه قول آخر ، ذكر ابن المنذر عن عطاء وعمر بن عبد العزيز
والحسن أنه إذا نوى صومه من الليل على أنه من رمضان ثم علم
بالهلال أول النهار أو آخره أنه يجزئه ، وهو قول الثوري والأوراعي
و[ أبي] (٣) حنيفة وأصحابه ، وذهب ابن عمر إلى أنه يجوز صيامه
إذا حال [ دون منظر ] (٤) الهلال ليلة ثلاثين من شعبان غيم [ و] (٥)
سحاب ويجزئهم من رمضان ، وإن ثبت بعد ذلك أن شعبان من تسع
(١) من ( ح)) وفي ((الأصل)): كان.
(٢) في (( ح)): يومًا .
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)): أبو .
(٤) من ( ح)) وفي (( الأصل)) : دونه .
- ٣٣ -
(٥) من (( ح)).

وعشرين وبه قال أحمد بن حنبل ، وهو قول شاذ ، وهذا صوم يوم
الشك ، وهو خلاف للحديث فلا معنى له ، وقول أهل المدينة أولى
لنهيه عليه السلام أن يتقدم صوم رمضان [ و] (١) لقول عكرمة
وعمار: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم .
باب : قول الله تعالى: ﴿ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى
نسائكم﴾(٢) الآية
فيه : البراء : (( كان أصحاب النبي - عليه السلام - إذا كان الرجل
صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر ؛ لم یأکل ليلته ولا یومه حتی
يمسي ، وإن قيس بن صرمة كان صائمًا فأتى امرأته للإفطار فقال لها :
أعندك طعام ؟ قالت : لا ، ولكن أنطلق فأطلب لك ، وكان يومه يعمل
فغلبته [ عيناه] (٣) ، فجاءته امرأته فلما رأته قالت : خيبة لك ، فلما
انتصف النهار غشي عليه ، فذكر ذلك للنبي - عليه السلام - فنزلت
هذه الآية: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث﴾ (٢) الآية ففرحوا بها فرحًا
شديدًا، ونزلت: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض﴾(٢).
قال المؤلف : ذكر إسماعيل بن إسحاق عن / زيد بن أسلم
وإبراهيم التيمي قالا : كان المسلمون في أول الإسلام يفعلون كما يفعل
أهل الكتاب ، إذا نام أحدهم لم يطعم حتى تكون القابلة ، فنسخ الله
ذلك ، وقال مجاهد : كان رجال من المسلمين يختانون أنفسهم في
ذلك ، فعفا الله عنهم ، وأحل لهم الأكل والشرب والجماع بعد
.[٢/ ق٣٦-١]
(١) من ( ح )).
(٢) البقرة : ١٨٧ .
(٣) من ( ح)) وفي ((الأصل)): عينه .
- ٣٤ -

الرقاد وقبله في الليل كله ، وقال ابن عباس : الرفث : الجماع ،
وقال: ﴿وابتغوا ما كتب الله لكم ﴾ (١): الولد، وهو قول مجاهد
والحسن والضحاك وجماعة ، وقال زيد [ بن أسلم ] (٢): ﴿وابتغوا
ما كتب الله لكم ﴾ (١) : الجماع ، وقد روى أبو الجوزاء عن ابن عباس
أنه قال : ابتغوا ليلة القدر ، قال إسماعيل : وقولهم أنه الجماع ، فهو
مذهب حسن ؛ لأن الذي كتب لهم يدل [ على ] (٢) أنه شيء لهم
في خاصة أنفسهم ، وأنه شيء قد وجب لهم ، فكان المعنى - والله
أعلم- ﴿فالآن باشروهن﴾ (١) أي: جامعوهن ﴿وابتغوا ما كتب الله
لكم﴾ (١) أي: [ ما ] (٢) أحل الله لكم من ذلك بعد أن كان
محظورًا عليكم ، فهو شيء أوجب لهم ، والولد ليس بشيء أوجب
لهم ولا كتب ( لهم ) (٣) لأنه قد يولد [لرجل] (٤) ولا يولد لآخر.
وأما رواية أبي الجوزاء عن ابن عباس في ليلة القدر فهو مما كتب
للمسلمين، وهو شيء لا يدفع ، غير أن الكلام قد [ سيق ] (٥) في
معنى الجماع - والله أعلم .
باب : قول الله - تعالى -: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط
الأبيض ﴾ (١) الآية
فيه : ( البراء عن النبي عليه السلام)
قال (٦) عدي: (( لما نزلت ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط
الأسود من الفجر﴾ (١) عمدت إلى عقال أبيض وإلى عقال أسود
(١) البقرة : ١٨٧ .
(٢) من (( ح)).
(٤) من (( ح)) وفي ((الأصل)): للرجل.
(٣) في (( ح)): عليهم .
(٥) من ((ح))، وفي ((الأصل)): سبق.
(٦) ليس في (( ح)).
- ٣٥ -

فجعلتهما تحت وسادتي ، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي ،
فغدوت على رسول الله فذكرت ذلك له ، فقال: إنما ذلك سواد الليل
وبیاض النهار )) .
وفيه : سهل قال : [ أنزلت ] (١): ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم
الخيط الأبيض من الخيط الأسود ﴾ (٢) ولم ينزل ﴿من الفجر﴾ (٢)
وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض
والخيط الأسود، ولا يزال يأكل [ ويشرب ](٣) حتى يتبين له رؤيتهما ،
فأنزل الله بعد: ﴿من الفجر﴾ (٢) فعلموا أنه إنما يعني: الليل والنهار.
[ قال المؤلف ] (٣): قال أبو [ عبيد] (٤): الخيط الأبيض هو
الصبح المصدق ، والخيط الأسود هو الليل ، والخيط هو ( النور)(٥).
قال ابن المنذر : اختلف العلماء في الوقت الذي يحرم فيه الطعام
والشراب على من يريد الصوم ، فذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي
وأبو ثور [ إلى ] (٣) أنه يحرم الطعام [ والشراب ] (٣) عند اعتراض
الفجر الآخر في الأفق ، وروي معنى هذا عن عمر بن الخطاب وابن
عباس ، وهو قول عطاء وعوام علماء الأمصار ، وفيه قول [ ثان ](٦).
رويناه عن أبي بكر الصديق وعلي وحذيفة وابن مسعود وغيرهم ،
فروينا عن سالم بن [ عبيد ] (٧) أن أبا بكر الصديق نظر إلى الفجر
مرتين ثم تسحر في الثالثة ، ثم قام فصلى ركعتين ، ثم أقام بلال
الصلاة ، وعن علي أنه قال حين صلى الفجر : الآن حين يتبين لكم
الخيط الأبيض من الخيط الأسود . وروينا عن حذيفة أنه لما طلع الفجر
تسحر ثم صلى ، ورؤينا عن ابن مسعود مثله .
.---
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): نزلت.
(٢) البقرة : ١٨٧ .
(٣) من ( ح)).
(٥) في (( ح)) : اللون.
(٤) في (( ح)): عبيدة:
(٦) من (( ح)) وفي (( الأصل)): ثاني.
(٧) من ((ح)) وفي ((الأصل)): عتبة. وأظنه خطأ.
- ٣٦ -

قال المؤلف : وزاد الطحاوي : فلما صلى حذيفة قال : هكذا فعل
رسول الله غير أن الشمس لم تطلع ، وروى حماد عن أبي هريرة أنه
سمع النداء والإناء على يده فقال : أحرزتها ورب الكعبة ، وقال
هشام بن عروة : كان عروة يأمرنا بهذا ، يعني إذا سمع النداء والإناء
على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه ، ورواه الحسن عن النبي -
عليه السلام - مرسلاً .
وقال مسروق : لم يكونوا يعدون الفجر فجركم ، إنما كانوا يعدون
الفجر الذي يملأ الطرق والبيوت ، قال ابن المنذر : فتأول بعضهم قوله
في حديث عدي بن حاتم: (( إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار))
قال: فبياض النهار أن ينتشر في الطرق والسكك والبيوت وقت صلاة
المسفرين بصلاة الصبح ، وذكر إسحاق بن راهويه عن وكيع أنه سمع
الأعمش يقول : لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت .
قال إسحاق - بعد أن ذكر ما ذكرناه عن أبي بكر وعلي وحذيفة -:
هؤلاء / لم يروا فرقًا بين الأكل وبين الصلاة المكتوبة ، رأوا أن تصلى [٢/ق٣٦ -ب]
المكتوبة بعد طلوع الفجر المعترض [ ورأوا الأكل بعد طلوع الفجر
المعترض ] (١) ( صباحًا ) (٢) حتى يتبيّن بياض النهار من سواد الليل،
ومال إسحاق إلى القول الأول ، ثم قال - من غير أن يطعن على
هؤلاء الذين تأولوا الرخصة في الوقت - : فمن أكل في ذلك الوقت
فلا قضاء عليه ولا كفارة إذا كان متأولا .
واحتج أصحاب مالك للقول الأول فقالوا : الصائم يلزمه اغتراف
طرفي النهار ، وذلك لا يكون إلا بتقدم شيء وإن قل من السحر وأخذ
[ شيء ] (٣) من الليل ؛ لأن عليه أن يدخل في إمساك أول جزء من
(١) من (( ح)).
(٢) هذا ما ظهر لي في قراءتها من ((ح)) وهي مطموسة في ((الأصل)) فالله أعلم.
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)): شيئا.
- ٣٧ -

اليوم بيقين ، كما أن عليه أن يدخل في أول رمضان بيقين ، والأكل
مناف لأول جزء من الإمساك ، فينبغي له أن يقدم الإمساك ليتحقق له
أنه حصل في طلوع الفجر ممسكا ، ومن أكل حتى يتبين له الفجر
ويعلمه فقد حصل أكلا في أول اليوم .
وذكر الطحاوي حديث حذيفة ولم يذكر حديث أبي بكر ولا علي،
ولا فعل أبي هريرة وابن مسعود ، ثم قال : فدل حديث حذيفة على
أن أول وقت الصيام طلوع الشمس ، وأن ما قبل طلوع الشمس ففي
حكم الليل ، وهذا يحتمل عندنا أن يكون بعد ما أنزل الله : ﴿وكلوا
واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ (١) قبل أن
ينزل: ﴿من الفجر﴾ (١) [على] (٢) ما في حديث سهل، ثم أنزل
الله بعد ذلك : ﴿من الفجر﴾ وذهب علم ذلك على حذيفة، وعلمه
غيره ، فعمل حذيفة بما علم [ إذ لم يعلم الناسخ، وعلم غيره] (٣)
الناسخ فصار إليه، ومن علم شيئا أولى ممن لم [ يعلمه ] (٤) فدل ما
ذكرناه على أن الدخول في الصيام من طلوع الفجر ، وعلى أن الخروج
منه بدخول الليل ، ثم كان قوله تعالى : ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾
غاية لم يدخلها في الصيام .
قال المؤلف : فكما لم يدخل أول ( الليل ) (٥) في الصيام ،
فكذلك لا يدخل أول النهار في الإفطار .
واختلفوا فيمن أكل وهو شاك في طلوع الفجر ، فقالت طائفة :
الأكل والشرب مباح حتى يتيقن طلوع الفجر [الآخر] (٢) وروى
سفيان ، عن أبان، عن أنس بن مالك، عن أبي بكر الصديق قال: إذا
(١) البقرة : ١٨٧ .
(٣) من (ح)) وفي ((الأصل)): ولم يعلم.
(٤) من ((ح)) وفي ((الأصل)): يعلم.
(٢) من ( ح)).
(٥) في (( ح)) : النهار - كذا .
- ٣٨ -
...

نظر الرجلان إلى الفجر فقال أحدهما : طلع ، وقال الآخر : لم
يطلع [ فليأكلا ] (١) حتى يتبين لهما ، وعن ابن عباس قال : أحل الله
الأكل والشرب ما شككت . وروى وكيع ، عن عمارة بن زاذان ،
عن مكحول قال: رأيت ابن عمر أخذ دلوا من زمزم ثم قال لرجلين:
أطلع الفجر ؟ فقال أحدهما: لا، وقال الآخر: [ نعم ] (٢) فشرب،
ومكحول هذا ليس بالشامي ، وهو قول عطاء وأبي حنيفة والأوزاعي
والشافعي وأحمد وأبي ثور ، كلهم قال : لا قضاء عليه ، وليس كمن
يأكل وهو يشك في غروب الشمس .
وقال مالك : من أكل وهو شاك في الفجر فعليه القضاء . وقال
ابن حبيب : والقضاء عنده استحباب ، إلا أن يعلم أنه أكل بعد الفجر
فيصير واجبًا كمن أفطر وظن أنه قد أمسى ثم ظهرت الشمس . واحتج
ابن حبيب لقول من أباح الأكل بالشك قال : هو القياس ؛ لقول الله:
﴿ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض﴾. قال ابن الماجشون:
وهو العلم به، وليس الشك علمًا به ، ولكن الاحتياط أن لا يأكل في
[ الشك ] (٣) .
ومن حجة العراقيين في سقوط القضاء قالوا : إذا شك في طلوعه
فالأصل بقاء الليل ، وقد قال تعالى : ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين
لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ﴾ فلم يمنعهم من الأكل
حتى يستبين لهم الفجر ، قاله الثوري ، وهذا قد أکل قبل أن یتبین له،
فلا معنى للقضاء .
قالوا : ومذهب العلماء البناء على اليقين ، ولا يوجَبُ [الشيء] (٤)
بالشك، والليل عنده يقيني، فلا يُزال إلا بيقين، وبهذا وردت السنة في
(١) من (( ح)) وفي ((الأصل)): فليأكل.
(٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): لا - كذا .
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)): شك .
(٤) من (( ح)) وفي ((الأصل)): الشك - كذا.
- ٣٩ -

قوله عليه السلام: (( من شك في صلاته فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا،
فليَيْن على اليقين )) ومن شك هل زالت الشمس لم تلزمه الصلاة .
قالوا : وقد اتفقنا أنه إذا أكل يوم [ الشك ] (١) أنه لا قضاء عليه إذا
لم يتبين أنه من رمضان ، ومسألتنا كذلك ، وقد أكل في زمن يجوز أن
يكون من الليل ، ويجوز أن يكون من النهار ، فلم يلتفت إلى
التجويز مع استصحاب حكم الليل ، كما لم يوجب الإعادة في يوم
الشك مع استصحاب حكم شعبان . قالوا : وهذه المسألة مبنية على
أصولنا فيمن تيقن بالطهارة ثم شك في الحدث .
[٢/ ق٣٧-أ]
واحتج أصحاب مالك الإيجاب القضاء فقالوا : الطعام والشراب
يحرم عند اعتراض الفجر الآخر ، وصوم رمضان [عليه ] (٢) بيقين،
ولا يسقط حكم الصوم إلا بيقين ، ومن شك هل أكل بعد الفجر أو
قبله فليس يتيقن دخوله في الإمساك / ، وهو كمن شك في غروب
الشمس [فأكل، وكمن شك في زوال الشمس فلا ] (٣) تجزئه الصلاة؛
لأن الوقت عليه بيقين ، وكذلك لو شك في دخول رمضان فصام على:
الشك لم يجزئه [عن] (٤) رمضان، وكذلك لو شك هل كبر للإحرام
لم يجزئه؛ لأن عليه الدخول في الصلاة بيقين كما يدخل في وقتها
بيقين، كذلك عليه أن يدخل في أول جزء من اليوم بيقين، كما عليه أن
يدخل في أول رمضان بيقين، أعني باعتقاد صحيح، قاله ابن القصار.
وقد فرق ابن حبيب بين من أكل وهو ( شاك ) (٥) في الفجر ،.
وبين من أكل وهو شاك في غروب الشمس ، وسنذكر ذلك في باب
إذا أفطر [ في ] (٦) رمضان ثم طلعت عليه الشمس - إن شاء الله .
(١) من (( ح)) وفي ((الأصل)): شك. (٢) من (( ح)).
(٣) من ((ح)) وفي ((الأصل)): لا. (٤) من (( ح)) وفي ((الأصل))؛ من.
(٦) من ((ح)) وفي ((الأصل)): من .
(٥) في ( ح)) : يشك ..
- ٤٠ -