Indexed OCR Text

Pages 1-20

شْعُ صَحِيعُ الْيَارِيُ
لابْن بطّا
أُبِيّ الحَيَسْ عَلِيَ بْ خَلْفُ بن ◌ُعَبْ أَلُلتُ
ضَبَطَ نِصَّهُ وَعَلّق عَليه
أُبُوتِيَمْ يَاسِرِينْ إِبْرَاهِيم
الجزء الَائى
مكتبة الرشد
الرياض

[ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ](١)
كتاب الصيام
باب : وجوب صوم رمضان
وقول الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾ (٢) الآية.
فيه: طلحة بن عبيد الله: ((أن أعرابيا جاء إلى الرسول ثائر الرأس فقال:
يا رسول الله، أخبرني (ماذا) (٣) فرض الله عليٌّ من الصلاة ؟ قال:
الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئًا /، قال: أخبرني بما فرض [ الله](١)
عليّ من الصيام؟ قال: شهر رمضان إلا أن تطوع [ شيئًا] (١) قال:
أخبرني بما فرض الله عليّ من الزكاة ؟ فأخبره رسول الله [ بشرائح] (٤)
الإسلام ، قال : والذي أكرمك بالحق لا أتطوع شيئًا ولا أنقص مما
[فرض ] (٥) الله عليّ شيئًا ، فقال رسول الله : أفلح إن صدق ، أو دخل
الجنة إن صدق )) .
[٢/ق٣١-١]
وفيه : ابن عمر: « صام النبي عاشوراء وأمر بصيامه ، فلما فرض
رمضان ترك)» وكان عبد الله بن عمر لا يصومه إلا أن يوافق صومه.
وفيه: عائشة: (( أن قريشًا كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية ثم أمر
رسول الله بصيامه حتى فرض رمضان ، وقال رسول الله : من شاء
فليصمه ، ومن شاء ( فليفطره) (٦))).
(١) من (( ح)).
(٢) البقرة : ١٨٣ .
(٣) في ( ح )) : بما
(٤) من (( ح)) وفي ((الأصل)) : شرائع.
(٥) من (ح)) وفي ((الأصل)): افترض.
(٦) في ( ح) : أفطره .
-٥ -

وقال المؤلف : قوله تعالى : ﴿ كتب عليكم الصيام ﴾ أي فرض
[عليكم ] (١) كما فرض على الذين من قبلكم ، والكتاب في اللغة
بمعنى الوجوب والفرض، قال الله - تعالى - : ﴿ كتب عليكم
القصاص﴾ (٢) بمعنى فرض، وقال ابن عباس في هذه الآية: كان
[كتاب ] (٣) الصيام على أصحاب محمد أن الرجل كان يأكل ويشرب
وينكح ما بينه وبين أن يصلي العتمة [ أو ] (٤) يرقد ، فإذا صلى العتمة
أو رقد منع من ذلك إلى مثلها من القابلة ، فنسختها هذه الآية :
﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث﴾ (٥) الآية وروي (( أن صرمة بن مالك
كان شيخًا كبيرًاً جاء إلى أهله وهو صائم ، فدعا بعشائه فقالوا : امهل
حتى نجعل لك طعامًا سَخِنا تفطر عليه ، فوضع الشيخ رأسه فنام
فجاءوا بطعامه فقال : قد كنت نمت ، فلم يطعم ، فبات ليلته
يتسلق(٦) ظهرا لبطن ، فلما أصبح أتى النبي - عليه السلام- فنزلت
هذه الآية : ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط
الأسود ﴾ (٥) الآية .
وجاء عمر بن الخطاب فأراد أهله فقالت إنها قد كانت نامت ،
فظن أنها اعتلت عليه فواقعها، وفعل مثل ذلك كعب بن مالك ، فذكر
ذلك للنبي - عليه السلام - فنزلت : ﴿ علم الله أنكم كنتم تختانون
أنفسكم﴾ إلى قوله: ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل ﴾ (٥) وقد تقدم
الكلام في قوله: ((والله لا أزيد على هذا ولا أنقص)) وقوله عليه السلام:
(( أفلح إن صدق )) في كتاب الإيمان ، فأغنى عن إعادته هاهنا ..
(١) من (( ح)).
(٢) البقرة : ١٧٨.
... (٥) البقرة : ١٨٧.
(٣) من ((ح)) وفي ((الأصل)): كتب .
(٤) من ( ح)) وفي (( الأصل)): و.
(٦) أورده السيوطي في الدر المنثور (١٩٨/١) بلفظ: يتقلب . وعزاه إلى وكيع.
وعبد بن حميد .
- ٦ -

قال المهلب : وفيه أن أداء الفرائض يوجب الجنة ، وأن عمل السنن
والرغائب يوجب الزيادة في الجنة .
قال الطبري : وأما الآثار في صيام عاشوراء ، فإن أهل العلم
اختلفوا في حكم صومه اليوم ، هل هو في فضله وعظيم ثوابه على
مثل ذلك الذي كان عليه قبل أن يفرض رمضان ؟ فقالت طائفة : كان
ذلك [ يومًا ] (١) تصومه اليهود شكرًا لله على أن نجى موسى وبني
إسرائيل من البحر ، وأغرق فرعون ، فصامه رسول الله وأمر بصومه،
فلما فرض رمضان لم يأمر بصومه ولم ينه عنه ، فمن شاء صامه ومن
شاء تركه .
وقال آخرون : لم يزل رسول الله يصومه ويحث أمته على صومه
حتى مضى بسبيله عليه السلام ، روي هذا عن ابن عباس قال: (( ما
رأيت رسول الله يومًا يتحرى فضله إلا يوم عاشوراء وشهر رمضان)).
فإن قيل : فما وجه كراهية ابن عمر صومه ؟ قيل : نظير كراهية من
كره صوم رجب إذا كان شهرًا تعظمه الجاهلية ، فكره أن يعظم في
الإسلام ما كان يعظم في الجاهلية ، من غير تحريم صومه على من
صامه، ولا مؤيسه من الثواب الذي وعد الله صائمه على لسان رسوله
إذا صامه مبتغيًا بصومه ثواب الله ، لا مريدًا به إحياء سنة أهل الشرك،
وكذلك صوم رجب ، وسيأتي بقية القول في هذا المعنى في باب صوم
عاشوراء [ بعد هذا ] (٢) إن شاء الله .
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): يوم.
(٢) من ( ح)).
- ٧ -

باب : فضل الصوم
فيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( الصيام جنة ، فلا يرفث
ولا يجهل ، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل : إني صائم - مرتين -
والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك،
يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ، الصيام لي وأنا أجزي به ،
والحسنة بعشر أمثالها)) .
قوله: ((الصيام جنة )) أي: ستر من النار ، ومنه قيل للترس
مجن؛ لأن صاحبه يستتر به. وقوله: (( فلا يرفث )) فالرفث هاهنا :
الفحش والخنا ، و[الجهل: ما ] (١) لا يصلح من القول والفعل ،
قال الشاعر :
[٢/ ق٣١ -ب]
فنجھل فوق جهل الجاهلینا
/ ألا لا يجهلن أحد علينا
والجهل : السفه
قال المهلب : واختلف أهل العلم في معنى قوله: ((فليقل إني
صائم )» فقيل : يقول : إني صائم للذي يشاتمه ، ليكف عن شتمه ،
واستدل بعضهم بقول مريم : ﴿إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم
اليوم إنسيا ﴾ (٢) فكان حكم الصيام عند مريم وأهل زمانها أن لا يتكلموا
فيه ، وكان هذا متعارفًا عندهم ، وقال ابن جريج : قلت لعطاء :
أبلغك أنه يؤمر الإنسان إذا دعي إلى طعام أن يقول : إني صائم ؟ قال:
( سمعنا ) (٣) أبا هريرة يقول: إذا كنت صائمًا فلا تساب ولا تجهل ،
فإن جهل عليك فقل : إني صائم .
وروي عن ابن مسعود : إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم
فليقل : إني صائم ، وقاله قتادة والزهري ، وقالت طائفة : معنى قوله:
(( فليقل إني صائم)) أي يذكر نفسه بذلك ولا يجهر به [ ولا يراجع به
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): والجهل وما ....
(٢) مريم : ٢٦ .
(٣) في ( ح ): سمعت
٠ - ٨ -

من سبه ] (١) لأنه إذا تكلم به فقد أظهر [ نيته ] (٢) وربما دخل فيه
الرياء، قال ثابت: ومعنى القول هاهنا: [ العلم ] (١) قال الشاعر:
إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل
خلوت ولكن قل علي رقيب
ومثله قول مجاهد في قوله تعالى : ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد
منكم جزاءً ولا شكورًا﴾ (٣) قال : أما إنهم لم يتكلموا به ولكن علمه
الله من قلوبهم ، فأثنى عليهم به ليرغب في ذلك راغب ، وعلى هذا
المعنى يدل قوله في الحديث: (( الصيام لي وأنا أجزي به )) [ ولا يكون
لله خالصًا إلا بانفراده بعلمه دون الناس)).
وقوله : (( الصيام لي وأنا أجزي به )) ] (١) فالصيام وجميع الأعمال
لله ، لكن لما كانت الأعمال الظاهرة يشرك فيها الشيطان بالرياء
وغيره، وكان الصيام لا يطلع عليه أحد إلا الله فيثيبه عليه على قدر
خلوصه لوجهه ، جاز أن يضيفه تعالى إلى نفسه .
قال الطبري : ألا ترى قوله في الحديث : ((يدع طعامه وشرابه
وشهوته من أجلي)) وكان ابن عيينة يقول في قوله: ((إلا الصوم فإنه
لي )) قال: لأن الصوم هو الصبر، يصبر الإنسان نفسه [ عن ] (٤)
المطعم والمشرب والمنكح ، ثم قرأ : ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير
حساب ﴾ (٥) وهذا كله إنما يكون فيما خلص لله من الرياء ( قال
عبد الواحد ) (٦) أيضًا: قوله عليه السلام عن الله - تعالى - أنه قال:
(( من عمل عملا أشرك فيه غيري فهو له ، وأنا أغنى الشركاء عن
(١) من (( ح)).
(٣) الإنسان : ٩ .
(٥) الزمر : ١٠ .
(٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): منه .
(٤) من ((ح)) وفي ((الأصل)): عند.
(٦) ليس في ( ح )).
- ٩ -

الشرك)) فجعل عمل الرياء لغيره ، وجعل ما خلص من الرياء له
تعالى ، وقال آخرون : إنما خص الصوم بأن يكون هو الذي يتولى
جزاءه ؛ لأن الصوم لا يظهر من ابن آدم بلسان ولا فعل فتكتبه الحفظة،
إنما هو نية في القلب ، وإمساك عن المطعم والمشرب ، فيقول: أنا
أتولى جزاءه على ما أحب من التضعيف ، وليس على كتاب كتب ،
وهذا القول ذكره أبو عبيد .
قال الطبري : والصواب عندي القول الأول، وأما [ معنى ] (١)
قوله: ((وأنا أجزي به)) فأنا المنفرد بجزائه على عمله ذلك لي بما لا يعلم
كنه مبلغه غيري ، إذ كان غير الصيام من أعمال الطاعة قد علم غيري
بإعلامي إياه أن الحسنة [ فيها ] (٢) بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.
قال المؤلف : ( وقد روى يحيى بن بكير عن مالك في هذا الحديث.
بعد قوله) (٣): ((الحسنة بعشر أمثالها)) فقال: ((كل حسنة بعشر
أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به )) ..
فخص الصيام بالتضعيف على سبعمائة ضعف في هذا الحديث ،
وقد نطق التنزيل بتضعيف النفقة في سبيل الله أيضا كتضعيف الصيام ،
فقال عز وجل : ﴿ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة
أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء﴾ (٤)
وجاء في ثواب الصبر مثل ذلك وأكثر ، فقال تعالى : ﴿ إنما يوفى
الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ (٥) [ فيحتمل] (٦) - والله أعلم -
أن تكون هاتان الآيتان نزلتا على النبي - عليه السلام - بعد ما أعلمه الله
(٢) من (( ح)) وفي (( الأصل)): فيه.
(١) من (( ح)).
(٣) في (( ح)): ويبين هذا ما رواه يحيى بن يحيى ويحيى بن بكير في هذا الحديث
بعد قوله .
(٤) البقرة: ٢٦١.
(٥) الزمر : ١٠.
(٦) من ((ح)) وفي ((الأصل)): فيحمل.
- ١٠ -

ثواب الصيام ؛ لأنه لا ينطق عن الهوى ، والفضائل إنما تدرك من
طريق الوحي .
وقال ( عبد الواحد ) (١) : أما قول من قال : كل عمل تكتبه
الحفظة إلا الصيام فإنما هو نية في القلب ، وإمساك عن المطعم
والمشرب فلا يكتب فغير صحيح ؛ لأن الحفظة تعلم الإمساك عن
الأكل وهو حقيقة إذا اطلعت على الإمساك عن الأكل في خلوته فقد
علمت صيامه ؛ لأنه ليس يرائي أحد الحفظة ، ولا ينتفع بالرياء إلا إذا
أكل في الباطن ، فإذا كف عن الأكل في الباطن وتمادى على ذلك فقد
علمت صيامه / 1 وليس أيضًا قول من تأول في قوله : ﴿ إني نذرت
للرحمن صومًا﴾ (٢) ] (٣) أن مريم كانت صائمة في ذلك [الوقت] (٤)
صواب، بدليل قوله تعالى في الآية : ﴿وهزي إليك بجذع النخلة
تساقط عليك رطبًا جنيا فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر
أحدًا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ﴾ (٥)
فأخبر أن ذلك كان بعد أكلها وشربها، ويشهد لذلك أنها كانت نفساء،
والنفساء لا تصوم، وإنما معنى قولها: ﴿إني نذرت للرحمن صوماً﴾(٢)
أي : إمساكًا عن الكلام ، والعرب تقول : صام، إذا أمسك عن
الكلام ، فإن قيل : فكيف نذرت أن تمسك عن الكلام وقد قيل لها :
﴿فقولي﴾؟ قيل : المراد هاهنا : تقول بالإشارة بدليل قوله بعد هذا:
فأشارت إليه﴾ (٦) الآية. وقال زيد بن أسلم : كانت بنو إسرائيل
يصومون من الكلام كما يصومون من الطعام ولا يتكلمون إلا
بذكر الله .
[٢ / ق٣٢-١]
وقوله: (( لخلوف فم الصائم)) [ بضم الخاء ، هو مصدر خلف
(١) في ( ح)): غيره.
(٢) مريم : ٢٦ .
(٣) من (( ح))، ومطموسة في الأصل .
(٥) مريم ٢٥، ٢٦ .
(٤) من (( ح )).
(٦) مريم ٢٩ .
- ١١ -

فمه يخلف ] (١) يعنى تغير رائحته في آخر النهار ؛ لأن الفم يتغير بترك
الطعام ، قال أبو عبيد : خلف اللبن وغيره : تغير ريحه وطعمه ،
[وقال صاحب العين: الخالف: اللحم المتغير الريح، قال الخطابي: فأما
الخلوف بفتح الخاء، فهو الذي يعد ثم يخلف ، قال النمر بن تولب:
جزى الله عني جمرة ابنة
نوفل جزاء خلوف بالخلالة كاذب](١)
وقوله : (( أطيب عند الله من ريح المسك)) يريد أزكى عند الله
وأقرب إليه ؛ لأن الله - تعالى - لا يوصف بالشم (٢)، ( قال عبد
الواحد : ومعنى) (٣) قوله: ((عند الله)) يريد في الآخرة، أي :
يجازيه يوم القيامة [ بتطييب ] (٤) نكهته الكريهة في الدنيا حتى تكون
كريح المسك، والدليل على أنه أراد الآخرة بقوله: ((عند الله )) قوله
[ تعالى] (١): ﴿وإن يوماً عند ربك﴾ (٥) يريد أيام الآخرة ، ومن
هذا الباب [ قوله ] (١) عليه [ السلام ] (١) في الشهيد: (( أنه يأتي
يوم القيامة وجرحه ( يثعب دمًا ) (٣) اللون لون الدم والريح ريح
المسك)) فأخبر أنه يجازي الشهيد في الآخرة بأن يجعل رائحة دمه
الكريهة في الدنيا كريح المسك في الآخرة .
۔۔
(١) من ( ح)).
(٢) لا حاجة لمثل هذا التأويل ، ويسعنا ما أطلقه الله وأطلقه رسوله في صفات الله
عز وجل ، بلا تأويل ، أو تشبيه ، أو تعطيل ، وسبق التنبيه على ذلك في
مواضع من هذا الكتاب ، وهو مذهب الصحابة ومن تبعهم بإحسان ، فتمسك
به تسلّم ، والله الهادي إلى سواء السبيل .
(٣) ليس في (( ح)).
(٤) من ((ح)) وفي ((الأصل)): تطيب .
(٥) الحج : ٤٧ .
- ١٢ -

باب : الصوم كفارة
فيه : حذيفة (( قال عمر : من يحفظ حديث النبي - عليه السلام - في
الفتنة ؟ قال حذيفة : أنا سمعته يقول : فتنة الرجل في أهله وماله وجاره
تكفرها الصلاة والصيام والصدقة ، قال : ليس أسأل عن ذه ، إنما أسأل
عن التي تموج ( كما يموج) (١) البحر )) الحديث .
الفتنة عند العرب : الابتلاء والاختبار ، وهي في هذا الحديث شدة
حب الرجل لأهله ، و[ شغفه ](٢) بهن ، كما روى عبد الله بن بريدة
عن أبيه قال: (( رأيت رسول الله يخطب ، فجاء الحسن والحسين
عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان ، فنزل رسول الله فرفعهما
ووضعهما في حجره ، ثم قال : صدق الله ﴿إنما أموالكم وأولادكم
فتنة﴾ (٣) رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته)). وسمع عمر
ابن الخطاب رجلا يستعيذ بالله من الفتنة فقال له: أتدعو الله ألا يرزقك
مالا وولدًا ! ( فاستعذ ) (٤) بالله من مضلات الفتن .
وقال ابن مسعود : لا يقل أحدكم : اللهم إني أعوذ بك من الفتنة،
فليس أحد إلا وهو مشتمل على فتنة ؛ لأن الله يقول : ﴿إنما أموالكم
وأولادكم فتنة ﴾ (٣) فأيكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلات الفتن .
ومن فتنة الأهل أيضًا الإسراف والغلو في النفقة عليهن ، والشغل
بأمورهن عن كثير من النوافل ، وفتنته في ماله أن يشتد سروره [ به](٥)
حتى يغلب عليه ، وهذا مذموم ؛ ألا ترى أن النبي لما نظر إلى عَلَم
الخميصة في الصلاة ردها إلى أبي جهم وقال: (( كاد يفتنني)) فتبرأ مما
خشي منه الفتنة . وكذلك عرض لأبي طلحة حين كان يصلي في
حائطه فطار دُبْسِيّ (٦) فأعجبه ( فأتبعه بصره ) (٧) ثم رجع إلى صلاته
(١) في (( ح)): كموج. (٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): شفقته.
(٣) التغابن : ١٥ .
(٥) من ( ح )).
(٤) في ( ح)): استعذ .
(٦) (( دُبسي)) بضم الدال هو ذكر نوع من الحمام ذوات الأطواق وهي الفواخت.
(٧) في (( ح)): فجعل يتبعه بصره ساعة.
- ١٣ -

فلم يَدْرِ كَمْ صلى ؛ فقال : لقد لحقني في مالي هذا فتنة ، فجاء إلى
النبي فذكر ذلك له فقال : هو صدقة یا رسول الله فضعه حيث شئت.
ومن فتنة المال أيضًا ألا يصل منه أقاربه ، ويمنع معروفه أجانبه ، وفتنته
في جاره أن يكون أكثر مالا منه وحالا ، فيتمنى مثل حاله ، وهو معنى
قوله تعالى : ﴿وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون﴾ (١) فهذه
الأنواع وما شابهها مما يكون من الصغائر فدونها تكفرها أعمال البر ،
ومصداق ذلك في قوله تعالى : ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ (٢)
قال أهل التفسير : الحسنات هاهنا : الصلوات الخمس ، والسيئات .
الصغائر .:
باب : الريان للصائمين
فيه : سهل قال: قال النبي - عليه السلام -: ((إن في الجنة بابا يقال له.
[٣٢٥/٢ -ب] الريان ، يدخل منه الصائمون يوم القيامة / لا يدخل أحد منه غيرهم ،
يقال : أين الصائمون ؟ فيقومون لا يدخل أحد غيرهم ، فإذا دخلوا
أغلق ، فلم يدخل منه أحد )) .
وفيه : أبو هريرة قال: قال النبي - عليه السلام -: (( من أنفق زوجين
في سبيل الله نودي من أبواب الجنة يا عبد الله ، هذا خير ، فمن كان من
أهل الصلاة دعى من باب الصلاة ، ومن كان من أهل الجهاد [ دعي ](٣)
من باب الجهاد ، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان ، ومن
كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ، قال أبو بكر : بأبي أنت
وأمي يا رسول الله ، ما على من يدعى من تلك الأبواب من ضرورة ،
(١) الفرقان: ٢٠ .
(٢) هود : ١١٤ .
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)»: نودي.
٠ =
- ١٤ -

فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها ؟ قال : نعم ، وأرجو أن تكون
منهم )) .
قال المهلب : إنما أفرد الصائمين بهذا الباب ليسارعوا إلى الري من
عطش الصيام في الدنيا إكرامًا لهم واختصاصًا، و[ ليكون ] (١)
دخولهم في الجنة هينًا غير متزاحم عليهم عند أبوابها ، كما خص
النبي أبا بكر الصديق بباب في المسجد يقرب منه خروجه إلى الصلاة
ولا يزاحمه أحد ، وأغلق سائرها إكرامًا له وتفضيلاً .
ومعنى قوله : ((زوجين)) أي : شيئين ، كدينارين أو ثوبين ، وشبه
ذلك ، والحجة لذلك ما رواه حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد
وحميد ، عن الحسن ، عن صعصعة بن معاوية ، عن أبي ذر ، أن
النبي - عليه السلام - قال : (( من أنفق زوجين من ماله ابتدرته حجبة
الجنة )) ثم قال : (( بعيرين ، شاتين ، حمارين، درهمين)) قال
حماد: أحسبه قال: (( خفين)).
وروى [ أسد بن موسى، نا مبارك بن فضالة، عن الحسن ] (٢)
عن صعصعة قال : لقيت أبا ذر بالربذة وهو يسوق بعيرا له عليه
مزادتان قال : سمعت النبي - عليه السلام - يقول: (( ما من مسلم
ينفق من [ كل ] (٢) ماله زوجين في سبيل الله إلا استقبلته حجبة الجنة
كلهم يدعوه إلى ما عنده)) قلت: زوجين [ من ] (٢) ماذا ؟ قال: إن
كان صاحب خيل ففرسين ، وإن كان صاحب إبل فبعيرين ، وإن كان
صاحب بقر فبقرتين ، حتى عد أصناف المال .
فإن قال قائل : إن النفقة إنما تسوغ في باب الجهاد وباب الصدقة ،
فكيف تكون في باب الصلاة والصيام ؟
(١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): ليكن.
(٢) من (( ح)).
- ١٥ -

( قال عبد الواحد : معنى زوجين أراد نفسه وماله - والله أعلم -
قال المؤلف: ) (١) والعرب تسمي ما يبذله الإنسان من نفسه واجتهاده
نفقة فيقول أحدهم فيما تعلم من العلم أو صنعة من سائر الأعمال :
أنفقت في هذا عمري ، وبذلت فيه نفسي ، قال حبيب [ بن
أوس](٣): كم بين قوم إنما نفقاتهم مال وقوم ينفقون نفوسًا.
قال المهلب : فتكون النفقة على هذا الوجه في باب الصلاة والصيام
من الجسم بإتعابه له ، فإن قيل : كيف تكون النفقة في زوجين ، وإنما
نجد الفعل في هذا الباب نفقة الجسم لا غير ؟ فالجواب : أن نفقة المال
مقترنة بنفقة الجسم في ذلك ؛ لأنه لابد للمصلي والصائم من قوت
يقيم رمقه ، وثوب يستره ، وذلك من فروض الصلاة ، ويستعين بذلك
على طاعة الله - تعالى - فقد صار منفقًا لزوجين : لنفسه وماله ، وقد
تكون النفقة في باب الصلاة ، أن يبني لله مسجدًا للمصلين ، لدلالة
قوله: ((من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتا في الجنة)) والنفقة في
--
الصيام إذا فَطَّر صائمًا فكأنما صام يومًا ويعضده قوله تعالى: ﴿وعلى
الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ (٣) فجعل الإطعام للمسكين عوضًا
من صيام يوم ، وأبواب الجنة ثمانية ، وإنما ذكر منها في الحديث أربعة
[ وروي عن النبي ◌َّ: ((إن من أبواب الجنة أبواب الواطئين)) (٤).
ذكر إسماعيل بن أبي خالد عن يونس بن خباب قال : أخبرت أن
رسول الله وَل قال: ((إن للجنة ثمانية أبواب منها: باب للصائمين،
وباب للمجاهدين ، وباب للمتصدقين ، وباب للواطئين ، وليس أحد
من هذه الأصناف يمر بخزنة الجنة إلا كلهم يدعوه : هلم إلينا يا
(١) ليس في ( ح )).
(٣) البقرة : ١٨٤
(٢) من (( ح.)).
(٤) كذا - وهو من (( ح)) فقط - وسيأتي مثله ، ولم أقف عليه.
-١٦ -

عبد الله)) ومن أبواب الجنة ] (١) باب الكاظمين الغيظ والعافين عن
الناس .
وذكر ابن البراء في كتاب الروضة عن أحمد بن حنبل قال : حدثنا
روح عن أشعث ، عن الحسن قال : إن لله في الجنة بابًا لا يدخله إلا
من عفا عن مظلمة ، فقال [ أحمد ] (٢) لابنه : يا بني ما خرجت من
دار أبي إسحاق حتى أحللته ومن معه إلا رجلين : ابن أبي دؤاد ،
وعبد الرحمن [ ابن إسحاق ] (٣) فإنهما طلبا دمي، وأنا أهون على الله
من أن يُعَذِّبَ في أحدًا ، أشهدك أنهم في حلّ .
ومنها باب التوبة ، روي عن ابن مسعود أنه سأله رجل عن ذنب
ألمّ به ، هل له من توبة ؟ فأعرض عنه ابن مسعود ، ثم التفت فرأى
عينيه تذرفان ، فقال : إن للجنة ثمانية أبواب كلها تفتح وتغلق إلا
باب التوبة فإن عليه ملكًا موكلاً به لا يغلق ، فاعمل ولا تيأس .
ووجه الإنفاق في ذلك ما يتقوى به على طاعة الله ، ويتحلل من
المحارم التي سلفت منه ، ويؤدي المظالم إلى أهلها ، ويمكن أن يكون
[ الباب الباقي] (٤) باب المتوكلين الذين يدخلون / الجنة في سبعين [٢/ ٣٣٥-١]
ألفا من باب واحد ، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم ، وجوههم
كالبدر: الذين لا يسترقون ، ولا يكتوون ، ولا يتطيرون ، وعلى ربهم
يتوكلون، ووجه الإنفاق في ذلك أنهم ينفقون على أنفسهم في حال
المرض المانع لهم من التصرف في طلب المعاش ، صابرين على ما
أصابهم ، وينفقون على من أصابه ذلك البلاء من غيرهم .
ومنها: باب الصابرين لله على المصائب، المحتسبين الذين يقولون عند
(٢) من ( ح )) .
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): فمن الأربعة الباقية.
(٣) من ((ح)) وفي ((الأصل)): بن أبي إسحاق . خطأ.
(٤) من ((ح)) وفي ((الأصل)): من الثلاثة الباقية.
- ١٧ -

نزولها : ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ (١) الآية ، ومنها: باب الحافظين
فروجهم والحافظات المستعفين بالحلال عن الحرام ، وغير المتبعين
للشهوات ، ووجه الإنفاق في ذلك : الصداق والوليمة والإطعام حتى
اللقمة يضعها في فيٌّ امرأته والله أعلم بحقيقة الثلاثة الأبواب .
فإن قيل : فإذا جاز أن يسمى استعمال الجسم في طاعة الله نفقة ،
فيجوز أن يدخل في معنى الحديث (( من أنفق نفسه في سبيل الله
فاستشهد وأنفق كريم ماله)) ؟ قيل : نعم وهو أعظم أجرًا من الأول
ويدل على ذلك ما رواه سفيان عن الأعمش ، عن أبي سفيان ،
عن جابر قال: (( قال رجل : يا رسول الله ، أي الجهاد أفضل ؟
قال: أن يعقر جوادك ويهراق دمك » .
( قال عبد الواحد: ) (٢) فإن قيل: هل يدخل في ذلك صائم
رمضان، والمزكي لماله ، ومؤدي الفرائض؟ قيل: المراد بالحديث النوافل
وملازمتها والتكثير منها ، فذلك الذي يستحق أن يدعى من أبوابها
[لقوله: ((فمن كان من أهل كذا)) ] (٣).
قال المهلب : قول أبي بكر : ما على أحد يدعى من تلك الأبواب
[من] (٣) ضرورة ، يريد أنه من لم يكن إلا من أهل خصلة واحدة من
هذه الخصال ، ودعي من باب تلك الخصلة ، فإنه لا ضرورة عليه ؛.
لأن الغاية المطلوبة دخول الجنة .
وقوله : (( هل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها ؟ قال : نعم ))
يريد أن من كان من أهل الصلاة والجهاد والصيام والصدقة أنه يدعى
منها كلها ، فلا ضرورة عليه في دخوله من أي باب شاء ، لاستحالة
دخوله منها کلها معا، ولا يصح دخوله إلا من باب واحد، ونداؤه منها
كلها إنما هو على سبيل الإكرام والتخيير له في الدخول من أيها شاء .
(١) البقرة : ١٥٦ .
(٣) من ( ح ))
(٢) ليس في ( ح )).
- ١٨ -

( قال عبد الواحد : ) (١) وفيه أن أعمال البر [ كلها ] (٢) يجوز
أن يقال فيها [ في ] (٢) سبيل الله ولا يخص بذلك الجهاد وحده .
#
باب : هل یقال رمضان أو شهر رمضان
ومن رأى ذلك [ كله](٢) واسعًا، وقال عليه السلام: ((من صام
رمضان )) وقال: (( لا تقدموا رمضان ))
فيه: أبو هريرة قال: قال النبي - عليه السلام -: ((إذا (جاء)(٣)
رمضان فتحت أبواب السماء ، وغلقت أبواب جهنم ، وسلسلت
الشياطين)) .
وفيه: ابن عمر قال: قال النبي - عليه السلام -: (( إذا رأيتموه
فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن غم عليكم فاقدروا له )) يعني
هلال رمضان .
قال ابن النحاس : كان عطاء ومجاهد يكرهان أن يقال : رمضان ،
قالا : وإنما نقول ما قال الله - تعالى - : ﴿شهر رمضان ﴾ (٤) لأنا
لا ندري لعل رمضان اسم من أسماء الله .
قال: وهذا قول ضعيف ؛ لأنا [ وجدنا ] (١) النبي - عليه
السلام- قال : ((رمضان)) بغير شهر، فقال: (( من صام رمضان ))
و(( لا تقدموا رمضان)) والأحاديث كثيرة في ذلك.
وأبواب السماء في هذا الحديث يراد بها أبواب الجنة بدليل قوله في
الحديث : ((وغلقت أبواب جهنم)) وقد تبيّن هذا المعنى في رواية مالك
عن عمه أبي سهيل بن مالك ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أنه قال :
(١) ليس في ( ح)).
(٣) في (( ح)): دخل .
(٢) من ( ح)).
(٤) البقرة : ١٨٥.
- ١٩ -

رمضان فتحت أبواب الجنة ، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين»
وهذا حجة [ في أن الجنة ] (١) في السماء، [وتأول ] (٢) العلماء في
قوله: (( فتحت أبواب الجنة وسلسلت الشياطين )) معنيين :
أحدهما أنهم يسلسلون على الحقيقة ، فيقل أذاهم ووسوستهم ،
ولا يكون ذلك منهم كما هو في ( غير ) (٣) رمضان ، وفتح أبواب
الجنة على ظاهر الحديث .
والثاني على المجاز ، ويكون المعنى في فتح [ أبواب ] (٤) الجنة ما
فتح الله على العباد فيه من الأعمال المستوجب بها الجنة من الصلاة
والصيام وتلاوة القرآن ، وأن الطريق إلى الجنة في رمضان [ أسهل](٥).
والأعمال فيه أسرع إلى القبول ، وكذلك أبواب النار تغلق بما قطع
عنهم من المعاصي ، وترك الأعمال المستوجب بها النار ، ولقلة ما
يؤاخذ الله العباد بأعمالهم السيئة، يستنقذ منها ببركة الشهر [أقوامًا](٦)
ويهب المسيء للمحسن ، ويتجاوز عن السيئات ، فهذا معنى الغلق
[٣٣٥/٢-ب] / وكذلك قوله: ((سلسلت الشياطين)) يعني أن الله يعصم فيه
المسلمين أو أكثرهم في الأغلب عن المعاصي والميل إلى وسوسة
الشياطين وغرورهم ، ذكره الداودي والمهلب ..
واحتج المهلب لقول من جعل المعنى على الحقيقة فقال : ويدل على
ذلك ما يذكر من تغليل الشياطين ومردتهم بدخول أهل المعاصي كلها
في رمضان في طاعة الله ، والتعفف عما كانوا عليه من الشهوات ،
وذلك دلیل بیّن .
(١) من ( ح)).
(٢) من ((ح)) وفي ((الأصل)): تأويل.
(٣) ليس في (( ح)).
(٤) من (( ح)) وفي ( الأصل)) : باب .
(٥) من (( ح)) وفي ((الأصل)) : سهل.
(٦) من ((ح)) وفي ((الأصل)): قومًا .
٢٠٠ -