Indexed OCR Text

Pages 521-540

في سبيل الله﴾ (١) ودليل قوله عليه السلام: ((لأن يأخذ أحدكم حبله
فيحتطب خير له من أن يسأل الناس )) بيان ما روي عنه عليه السلام من
قوله : (( لا تحل الصدقة لذي مرة سوي )) أن معناه [ الخصوص ؛ لأن
قوله ] (٢) تعالى : ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون
ضربًا في الأرض﴾ (١) يدل أنه لو زال عنهم الإحصار لقدروا على
الضرب في الأرض ، ودل ذلك على أنهم ( ذو ) (٣) مرة أقوياء،
وقد أباح لهم تعالى أخذ الصدقة بالفقر خاصة ، وكذلك قوله : «
لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب )) يدل على هذا المعنى ؛ لأنه لا يقدر
على ذلك إلا ذو المرة السوي ، ولم تحرم عليه المسألة .
قال الطحاوي : وقوله عليه السلام: (( لا تحل الصدقة لغني ولا
الذي مرة سوي )) رواه سفيان عن سعد بن إبراهيم ، عن ريحان بن
يزيد ، عن عبد الله بن [ عمرو ] (٤) عن النبي - عليه السلام - ورواه
أبو بكر بن عياش عن أبي حصين ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن
أبي هريرة ، عن النبي - عليه السلام - فذهب قوم إلى الأخذ ( بهذا
الحديث)(٥) وقالوا: لا تحل الصدقة لذي مرة سوي، وجعلوه كالغني.
هذا قول الشافعي ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وأبي عبيد ، ذكره ابن
المنذر . وذكر ابن القصار أنه قول عبد الله بن [ عمرو ] (٣) راوي
الحديث عن النبي - عليه السلام .
وخالفهم آخرون فقالوا : كل فقير من قوي وزَمِنِ فالصدقة له
حلال ، وتأولوا قوله: (( لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ))
أن معناه الخصوص ، هذا قول الطبري ، قال : إنه لا خلاف بين
جميع علماء الأمة أن الصدقة المحرمة التي يكون / أصلها محبوسًا [٢/ ٢٢ -ب]
(١) البقرة : ٢٧٣ .
(٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): خصوص لقوله .
(٣) هكذا في ((الأصل)) و(( ح )) بلفظ الإفراد .
(٤) من (( ح)) وفي ((الأصل)): عمر. خطأ. (٥) في (( ح)): بهذه الآثار.
- ٥٢١ -

:
وغلتها صدقة على الغني والفقير أنه يجوز للأغنياء أخذها وتملكها ،
فمعلوم بذلك أن الصدقات التطوع لم تدخل في هذا الحديث ، وإنما
عني بها الصدقات المفروضة للفقراء في بعض الأحوال، ولذلك أجمعوا
على أن غنيا في بلده لو كان في سفر فذهبت نفقته ، فلم يجد ما
يتحمل به إلى بلده أن له أن يأخذ من الصدقة المفروضة [ما يتحمل به
إلى موضع ماله ، فمعلوم بذلك أن الحديث معناه الخصوص، وأنه
معني به من الصدقة المفروضة ] (١) بعضها لما ذكرناه، ولأن الله قد
جعل في الصدقة المفروضة حقا لصنوف من الأغنياء وهم المجاهدون
في سبيل الله ، والعاملون عليها ، وأبناء السبيل الذين لهم ببلدهم
غنى ، وهم منقطع بهم في سفرهم ، فكذلك ذو المرة السوي في حال
تعذر الكسب عليه ، جاز له الصدقة المفروضة ، فأما التطوع منها ففي
كل الأحوال .
وقال الطحاوي : لا تحرم الصدقة بالصحة إذا أراد بها سد فقره ،
وإنما تحرم عليه إذا أراد بها التكثر والاستغناء ، يدل على ذلك ما رواه
شعبة عن عبد الملك بن عمير ، عن زيد بن عقبة قال : سمعت سمرة
ابن جندب، عن النبي - عليه السلام - قال: ((المسائل (١) كدوح
يكدح بها الرجل وجهه ، فمن شاء أبقى [ على ] (٢) وجهه ، ومن
شاء تركه ، إلا أن يسأل ذا سلطان أو في أمر لا يجد منه [ بدا] (٣)))
قد أباح في هذا الحديث المسألة في كل أمر لابد من المسألة فيه ، وذلك
إباحة المسألة بالحاجة لا بالزمانة .
وروى يحيى بن سعيد عن مجالد ، عن الشعبي ، عن وهب بن
[خنبش] (٤) قال: ((جاء رجل إلى النبي - عليه السلام - وهو
(١) جاءت في شرح المعاني (١٨/٢): السائل. وهي خطأ. (٢) من (( ح)).
(٣) من (( ح)) وفي (( الأصل)): بد ..
(٤) من (ح) ومثله في تهذيب الكمال (١٢٨/٣١)، وفي (( الأصل)): حسن. خطأ.
- ٥٢٢ -

واقف بعرفة فسأله رداءه ، فأعطاه إياه ، فذهب به ثم قال النبي : (( إن
المسألة لا تحل إلا من فقر مدقع أو غرم مفظع ، ومن سأل الناس
ليثري به ؛ فإنه خموش في وجهه، ورضف یأکله من جهنم ، إن قلیل
فقليل، وإن كثير فكثير)) . فأخبر عليه السلام في هذا الحديث أن
المسألة تحل بالفقر والغرم ، ولا يختلف في ذلك حال الزمن والصحيح.
وكانت المسألة التي أباحها النبي - عليه السلام - هي للفقر لا لغيره،
وكان تصحيح الأخبار عندنا يوجب أن من قصد إليه النبي - عليه
السلام - بقوله: (( لا تحل الصدقة لذي مرة سوي )) هو غير من
استثناه في هذه الأحاديث [ و] (١) أن الذي تحرم عليه الصدقة من
الأصحاء ، هو الذي يريد أن يكثر ماله بالصدقة ، حتى تصح هذه
الآثار وتتفق معانيها، ولا تتضاد ، وتوافق معنى الآية المحكمة ،
و[هي] (٢) قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾(٣) الآية؛
لأن كل من وقع عليه اسم صنف من تلك الأصناف فهو من أهل
الصدقة التي جعلها الله لهم في كتابه وسنة رسوله زَمنًا كان أو
صحيحا، وهذا الذي حملنا عليه ( وجوه ) (٤) هذه الآثار هو قول أبي
حنيفة وأبي يوسف ومحمد .
قال المؤلف : وهو قول مالك أيضًا ، وروى المغيرة عنه أنه يعطى
القوي البدن من الزكاة ولا يمنع لقوة بدنه، من (( المجموعة)) .
*
باب : خرص التمر
فيه : أبو حميد: (( غزونا مع رسول الله غزوة تبوك ، فلما جاء وادي
القرى إذا امرأة في حديقة لها ، فقال عليه السلام لأصحابه :
(١) من (( ح)).
(٣) التوبة : ٦٠ .
(٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): هو .
- ٥٢٣ -

اخرصوا ، وخرص رسول الله عشرة أوسق ، فقال لها : أحصي ما يخرج
منها ، فلما أتينا تبوك قال : أما إنها ستهب الليلة ربح شديدة ، [ فلا
يقومن أحد ، ومن كان معه بعير فليعقله ، فعقلناها وهبت ربح
شديدة](١) فقام رجل فألقته بجبل طيء ، وأهدى ملك أيلة للنبي -
عليه السلام - بغلة بيضاء ، و کساه بردًا ، و کتب له ببحرهم ، فلما أتى
وادي القرى قال للمرأة : كم جاء حديقتك ؟ قالت : عشرة أوسق
خرص رسول الله . قال النبي - عليه السلام - : إني متعجل إلى المدينة ،
فمن أراد منكم أن يتعجل معي فليتعجل ، فلما - قال ابن بكار (٢) كلمة
معناها - أشرف على المدينة ، قال : هذه طابة ، فلما رأى أُحُدًا قال : هذا
جبل يحبنا ونحبه ، ألا أخبركم بخير دور الأنصار ؟ قالوا: بلى ، قال :
دور بني النجار، ثم دور بني عبد الأشهل ، ثم دور بني ساعدة أو دور:
بني الحارث بن الخزرج ، وفي كل دور الأنصار - يعني - خير )).
قال الطحاوي : ذهب قوم إلى أن [ الثمرة ] (٣) [ التي يجب فيها
العشر تخرص ] (٤) وهي رطب تمرًا فيعلم مقدارها فتسلم إلى أربابها،
ويملك بذلك حق الله فيها ويكون ( عليه ) (٥) مثلها مكيلة ذلك تمراً ،
وكذلك يفعل بالعنب ، واحتجوا بحديث أبي حميد ، وفيه أن النبي -
عليه السلام - خرصها وقال لأصحابه : اخرصوا . وأنه بعث عبد الله
ابن رواحة إلى خيبر فخرص عليهم النخل أول ما يطيب [الثمر ] (٦).
(١) ليست في (( ح)).
(٢) هو سهل بن بكار ، شيخ البخاري في هذا الحديث ، كما في الفتح (٤٠٢/٣ -
٤٠٣) .
(٣) من (ح)) وفي ((الأصل)): التمرة .
(٤) من ((ح)) وفي ((الأصل)): يجب فيها الخرص.
(٥) في ( ح )): عليها
(٦) من ( ح)) وفي ((الأصل)): التمر .
- ٥٢٤ -

قال ابن المنذر: ممن كان يرى الخرص: عمر بن الخطاب / والقاسم بن [٢/ ق٢٣-١]
محمد والحسن البصري وعطاء والزهري ومالك والشافعي وأبو ثور ،
وعامة أهل العلم ، وخالف ذلك أبو حنيفة وأصحابه وقالوا : ليس في
شيء من الآثار المروية [ بالخرص ] (١) أن الثمرة كانت رطبًا في وقت
ما خرصت ، وكيف يجوز أن تكون رطبًا فيجعل لصاحبها فيها حق
الله بمكيلة ذلك تمرًا يكون عليه نسيئة ، وقد نهى رسول الله عن ذلك .
قال الطحاوي : ووجه الخرص عندنا إنما أريد بخرص ابن رواحة
ليعلم مقدار ما في أيدي كل قوم من الثمار ، فيؤخذ منه بقدره وقت
الصرام [ لا ] (٢) أنهم يملكون منه شيئا [ مما ] (٣) يجب لله ببدل،
لا يؤخذ منهم ذلك الوقت ، ويدل على ذلك حديث أبي حميد
الساعدي وهو قوله : (( فخرصها رسول الله وخرصناها عشرة أوسق،
وقال : أحصها حتى نرجع إليك - إن شاء الله)) فدل هذا أنها لم
تملك بخرصهم إياها ما لم تكن مالكة له قبل ذلك ، وإنما أرادوا أن
يعلموا مقدار ما في نخلها ، ثم يأخذون منها الزكاة وقت الصرام على
حسب ما يجب فيها ، هذا معنى الخرص عندنا .
قالوا : وقد قيل في الخرص أنه كان في أول الزمان على ما قال
أهل المقالة الأولى من تمليك الخراص أصحاب الثمار حق الله فيها ،
وهي رطب ، ببدل يأخذونه منهم تمرًا ، ثم نسخ ذلك بنسخ الربا
والمزابنة ، قال غيره : وقالوا : إن الخرص لا يوجب العلم والإحاطة،
وقد يختلف فهو كالتبخيت والظن [ اللذين ](٤) لا يجوز الحكم بهما.
قال ابن القصار : وما هرب منه أبو حنيفة من تضمين أرباب
(١) من (( ح)) وفي ((الأصل)): الخرص. (٢) من ((ح)) وفي ((الأصل)): إلا.
(٤) من ((ح)) وفي ((الأصل)): الذي .
(٣) من (( ح)).
- ٥٢٥ -

الأموال حق الفقراء ، فإن أصحاب مالك ، وأصحاب الشافعي لا يضمنون
أرباب الأموال ؛ لأن الثمرة لو [ تلفت ] (١) بعد الخرص لم يضمنهم
شيئًا .
قال ابن المنذر : أجمع من يحفظ عنه العلم أن الخارص إذا خرص
( التمر) (٢) ثم أصابته جائحة لا شيء عليه إذا كان ذلك قبل الجداد.
قال ابن القصار : لأننا نخرصها حتى يتصرف أصحاب الثمار
بالأكل والبيع وغير ذلك إن اختاروا ، فحينئذ يضمنون حق الفقراء ؛
لأننا لو منعناهم من التصرف لحقتهم المشقة والضرر ، ولو أبحنا لهم
التصرف نقص حق ( الفقراء ) (٣) فكان الحظ في خرصها عليهم ليعلم
مقدار ما يجب للفقراء ، فإن سلمت أخذنا القدر الذي يجب لهم ؛
إلا أن يتصرفوا فيها فحينئذ يضمنون .
ومن الحجة [ لنا ] (٤) أن النبي - عليه السلام - نهى عن المزابنة ،
وأرخص في العرايا أن تباع بخرصها ، فأجاز البيع إذا لم يقصد به
المزابنة في الخرص ليعلم حظ المساكين ويحفظ عليهم وليس ببيع ،
والخرص أولى أن يجوز ، وقد ثبت ذلك عن عائشة فقالت : ((خرص
النبي - عليه السلام - لئلا يتلف حق المساكين ، وليحصي الزكاة قبل
أن تؤكل)) لأنه لو منع رب المال من الاستمتاع بماله لأدى ذلك إلى
الإضرار به ، فكان في الخرص رفق برب المال والفقراء .
وأما قولهم : فإن الخرص منسوخ بنسخ الربا ، فالجواب : أن بعض
آية الربا منسوخة بالخرص ومخصوصة [ به ] (٥) كما خصت الحوالة
من بيع الدين بالدين ، والقرض من بيع الذهب والفضة بمثلهما إلى
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): بلغت. كذا .
(٣) في (( ح)): المساكين ..
(٢) في ( ح)) : الثمر .
(٥) من ( ح)).
(٤) من (( ح)) وفي (( الأصل)) : له .
- ٥٢٦ -

أجل ، والإقالة والشركة من بيع الطعام قبل قبضه ، وكذلك العرية
و[بيعها] (١) من جملة المزابنة [ حين ] (٢) لم يقصد بها المغابنة
و[المكايسة] (٣) والخرص ليس بربا (لأنه لا نبيع) (٤) شيئًا بأكثر منه،
وإنما هو ليعرف حق المساكين ، وقد أنفذ [ الأئمة بعد ] (٥) النبي -
عليه السلام - الخراص، وجرى العمل بذلك ، فهي سنة معمول بها.
وأما قولهم : فإن الخرص ظن ، فإن الحكم قد ورد في الشريعة
بغالب الظن كثيراً مع جواز وقوع الاختلاف فيه ، وعدم الإحاطة ؛
ألا ترى أن الحكم بقيم المتلفات إنما هو بالاجتهاد ، وكذلك أمور
(الديانات ) (٦) المستدل عليها من العقليات والشرعيات قد صار أكثرها
معرضًا للخلاف ومنازعة العقلاء ، ولم يجب مع ذلك بطلان
الاستدلال، ولأن اختلاف المستدلين إنما هو لخطأ في الاستدلال، وكذلك
حكم الحاكم قد يجوز مع الخطأ ، ولم يجب لذلك بطلان حكمه .
وأما خرص العنب فإنما هو بحديث عتاب بن أسيد ، رواه
( عبد الرحمن بن إسحاق و) (٥) ابن عيينة عن الزهري ، عن سعيد
ابن المسيب، [ مرسل ](٧) عن عتاب بن أسيد قال: «أمرني رسول الله
وَ ال أن أخرص العنب وآخذ زكاته زبيبًا، كما تؤخذ زكاة النخل تمرًا».
[٢/ ق٢٣ -ب)
وأجمعوا أن / الخرص في أول ما يطيب [ الثمر ] (٨) ويزهي بصفرة
أو حمرة ، وكذلك العنب إذا جرى فيه الماء وصلح للأكل ، واختلفوا
فيما يأكله الرجل من ثمره وزرعه قبل الحصاد والجداد ، هل يُحْسب
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل)) : نفعها - كذا .
(٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): حتى - كذا .
(٣) من ((ح)) وفي ((الأصل)) كأنها : المكاسبة .
(٤) في (( ح)): لأنه لأنا لا نبيع.
(٥) من (( ح )).
(٦) في (( ح)) : الديات.
(٧) ليست في (( ح)).
(٨) من (( ح)) وفي ((الأصل)): التمر .
- ٥٢٧ -

عليه أم لا ؟ فقال مالك والثوري وأبو حنيفة وزفر : يحسب عليه
ذلك، وقال الليث والشافعي : لا يحسب عليه ، ويترك له الخارص ما
يأكله أهله رطبًا ولا يخرصه ، والحجة لهما ما رواه الثوري عن يحيى
ابن سعيد ، عن بشير بن يسار قال : كان عمر بن الخطاب يأمر
الخراص أن يخففوا ، وأن يرفعوا عنهم قدر ما يأكلون . قال الشافعي:
قوله تعالى : ﴿وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ (١) يدل أنه لا يحتسب
بالمأكول قبل الحصاد ، وحمل [ مالك ومن وافقه ] (٢) قوله تعالى :
﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ (١) على العموم ، أي : آتوا حق جميع
المأكول والباقي .
قال المهلب : فيه [ من الفقه ] (٢) أن الإمام يدرب أصحابه
ويعلمهم أمور الدنيا كما يعلمهم أمور الآخرة ، وفيه من علامات
النبوة؛ لأنه أخبر عليه السلام عن الريح التي هبت قبل كونها ، وهذا
لا يعلم إلا بالوحي ، وفيه جواز قبول هدايا المشركين ، وسيأتي
[مذاهب العلماء ] (٣) في ذلك في كتاب الهبة - إن شاء الله .
وقوله: ((جبل يحبنا ونحبه)) يعني : أهل الجبل ؛ لقوله تعالى:
﴿واسأل القرية التي كنا فيها﴾ (٤) يريد أهلها [ قال الخطابي: فحمل
الكلام على عمومه وحقيقته أولى من حمله على المجاز وتخصيصه من
غير دليل ، وقد ثبت (( أن رسول الله ارتج حراء (٥) تحته فقال :
اثبت، فليس عليك إلا نبي أو ... فسكن)) وأخبره اللحم المسموم أنه
مسموم ، فلم ينكر حب الجبل ] (٦) .
(١) الأنعام : ١٤١ .
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)): ما العلماء.
(٢) من (( ح)).
(٤) يوسف : ٨٢ .
(٥) وروى أيضًا أنه أُحُد، انظر مسند أحمد (١٨٨/١، ١٨٩)، (٣٣١/٥ -
٣٤٦).
(٦) ليس في (( ح)).
- ٥٢٨ -

باب : العشر فيما [يسقى ] (١) من [ ماء ] (٢) السماء والماء
الجاري ولم ير عمر بن عبد العزيز في العسل شيئًا
فيه : ابن عمر قال عليه السلام: (( فيما سقت [ السماء و](٢) العيون
وكان عثريا العشر، و[فيما ] (٣) سقي بالنضح نصف العشر)).
قال أبو عبيد : العثري والعذي ما [ سقته ] (٤) السماء ، وما سقته
الأنهار والعيون فهو سيح وغيل ، والبعل : ما شرب بعروقه من
الأرض من غير سقي سماء ولا غيرها ، والنضح ما سقي بالسواقي ،
وقال غيره : وأجمع العلماء على القول بظاهر هذا الحديث في المقدار
المأخوذ ، وذلك العشر في البعل وفيما سقت العيون والأنهار ، لأن
المؤنة فيه قليلة ، وما سقي بالدلو فنصف العشر في الحبوب والثمار
التي تجب فيها الزكاة على ما نذكره - إن شاء الله - فأما مقدار المأخوذ
منه فهو في قوله عليه السلام: (( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)).
واتفق جمهور العلماء بالحجاز والعراق والشام على أن التأويل
عندهم في قوله عليه السلام: (( فيما سقت السماء والعيون العشر ،
وفيما سقي بالنضح نصف العشر )) إذا كان الذي سقته السماء خمسة
أوسق، وهو مثل قوله: ((في الرقة ربع العشر)) مع قوله: (( ليس
فيما دون خمس أواق صدقة )) لأنا نقضي بالخاص على العام ، والعام
قوله: (فيما سقت السماء العشر)) وقوله: ((وفي الرقة ربع العشر)).
والخاص قوله عليه السلام: ((ليس فيما دون [ خمسة ] (٥) أوسق
(٢) من ( ح)).
(١) من ( ح)) وفي ((الأصل)): سفي.
(٣) من (( ح) وفي ((الأصل)): ما .
(٤) من (( ح)) وفي ((الأصل)): سقت.
(٥) من (( ح)) وفي ((الأصل)): خمس.
- ٥٢٩ -

صدقة ، وليس فيما دون خمس أواق صدقة )) هذا قول مالك ،
والثوري ، والأوزاعي ، والليث ، وأبي يوسف ، ومحمد ،
والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وقال النخعي وأبو
حنيفة وزفر : الزكاة في كل ما أخرجت الأرض من قليل ذلك وكثيره
العشر أو نصف العشر ، ولم يعتبروا خمسة أوسق في مقدار المأخوذ
منه ، وهذا خلاف السنة والعلماء ، وقد تناقض أبو حنيفة في هذه
المسألة ؛ لأنه استعمل المجمل والمفسر في قوله عليه السلام: (( في.
الرقة ربع العشر)) مع قوله : (( ليس فيما دون خمس أواق صدقة )).
ولم يستعمله في قوله عليه السلام: (( فيما سقت السماء العشر )) مع
قوله : (( ليس فيما دون [ خمسة ] (١) أوسق صدقة )) وكان يلزمه
القول به .
ولا زكاة في العسل عند مالك والشافعي ، وهو مذهب ابن عمر ،
وقال أبو حنيفة : فيه العشر ، وقال ابن المنذر : وليس في وجوب
الزكاة فيه خبر يثبت عن النبي ، ولا إجماع ، فلا زكاة فيه .
[٢/ ق٢٤-٢]
/ باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة
فيه : أبو سعيد: قال النبي - عليه السلام -: (( ليس في أقل من
خمسة أوسق صدقة ، ولا في أقل من خمس من الإبل صدقة ، ولا في
أقل من خمس أواق من الورق صدقة )) .
قال أبو عبد الله [ البخاري ] (٢): هذا تفسير الأول ؛ لأنه لم يوقت
في الأول، يعني حديث ابن عمر: (( فيما سقت السماء العشر ))
(٢) من ( ح)).
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): خمس .
- ٥٣٠ -

وبيَّن في هذا ووقت ، فالزيادة مقبولة ، والمفسر يقضي على المجمل إذا
رواه أهل الثبت، كما روى الفضل بن عباس ((أن النبي - عليه
السلام - لم [ يصل ] (١) في الكعبة)) وقال بلال: قد ((صلى)).
فأخذ بقول بلال ، وترك قول الفضل .
قال المؤلف : هذا الذي رواه البخاري عليه أئمة الفتوى
[بالأمصار](٢) وأن الخمسة الأوسق هو بيان المقدار المأخوذ منه العشر أو
نصف العشر ، وشذَّ أبو حنيفة وزفر في ذلك ، وقيل أنهما خالفا
الإجماع ، فأوجبا العشر أو نصف العشر في قليل ما تخرجه الأرض
وكثيره ، وخالفه صاحباه في ذلك .
وقال ابن القصار : الحجة عليه أن ما طريقه المواساة في الصدقات
يقتضي أوله حدا ونصابا كالذهب [والفضة ] (٣) والماشية، والنصاب
إنما وضع في المال لمبلغ الحد الذي يحمل المواساة من غير إجحاف
لرب المال ، ولا تعذر عليه ، وخالف أيضًا أبو حنيفة معنى آخر من
[هذا ] (٣) الحديث، فأوجب العشر أو نصف العشر في البقول
والرياحين والفواكه ، وما لا يوسق كالرمان والتفاح والخوخ وشبه
ذلك، والجمهور على خلافه لا يوجبون الزكاة إلا فيما يوسق ويقتات
ويدخر ، قال مالك : السنة عندنا في الحبوب التي يدخرها الناس
ويأكلونها ، أن يؤخذ منها العشر أو نصف العشر إذا بلغ ذلك خمسة
أوسق [ والوسق: ستون صاعًا، والصاع: أربعة أمداد بمد ] (٤)
النبي - عليه السلام - وما زاد على خمسة أوسق ففيه الزكاة بحساب
ذلك ، قال : والحبوب التي فيها الزكاة : الحنطة والشعير، والسلت،
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): يصلى.
(٢) من ((ح)) وفي ((الأصل)): والأمصار.
(٣) من ( ح)).
(٤) من ((ح)) وفي (( الأصل)): بصاع. بدلا مما بين الحاجزين.
- ٥٣١ -

والذرة ، والدُّخْن، والأرز، والحمص ، والعدس، و(الجلبان) (١)
[ واللوبيا والفول والجلجلان ] (٢) وما أشبه ذلك من الحبوب التي
تصير طعامًا يؤخذ منها الزكاة بعد أن يصير حبا ويحصد ، والناس
مصدقون فيما رفعوه من ذلك ، ولا زكاة في البقول والخضر كلها
والتوابل .
قال ابن القصار : لم ينقل عن النبي - عليه السلام - أحد
بالحجاز أنه أخذ من البقول والفواكه الزكاة ، ومعلوم أنها كانت
عندهم بالمدينة ، وأهل المدينة متفقون على ذلك [ عاملون ] (٣) به إلى
وقتنا [ هذا ] (١) ومحال أن یکون في ذلك زکاة ولا تؤخذ مع وجود
هذه الأشياء عندهم وحاجتهم إليها ، ولو أخذ منها مرة واحدة لم يجز
أن يذهب عليهم حتى يطبقوا على خلافه إلى هذه الغاية .
باب أخذ صدقة التمر عند صرام النخل وهل
يترك الصبي فيمس تمر الصدقة
فيه : أبو هريرة قال: ((كان رسول الله يؤتى بالتمر عند صرام النخل ،
فيجيء هذا بتمره وهذا بتمره ، حتى يصير كومًا من تمر ، فجعل الحسن:
والحسين يلعبان بذلك التمر فأخذ أحدهما تمرة فجعلها في فيه ، فنظر
إليه رسول الله فأخرجها من فيه فقال : أو ما علمت أن آل محمد لا
یأکلون الصدقة )» .
قال بعض أهل العلم : سنة أخذ صدقة التمر عند جداده ؛ لقوله
تعالى : ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ (٤) فإن أخرجها عند محلها فسرقت
(١) في ( ح)) : الجكبان .
(٣) من ( ح)) وفي ((الأصل)): عاملين.
(٢) من (( ح )).
(٤) الأنعام : ١٤١ .
- ٥٣٢ -

أو سقطت فقال مالك وأبو حنيفة : يجزئ عنه ، وهو قول الحسن
البصري ، وقال الزهري والثوري وأحمد : هو ضامن لها حتى يضعها
مواضعها . وقال الشافعي : إن كان بقي له من ماله ما فيه زكاة زكَّاه،
وحجة القول الأول أن إخراجها موكول إليه ، وهو مؤتمن على
إخراجها ، فإذا أخرجها من ماله و( جعلت ) (١) في يده ( جعلت)(١)
[ يده ] (٢) كيد الساعي ، وقد اتفقنا أن يد الساعي يد أمانة ، فإذا
قبض الزكاة ولم يفرط في دفعها وتلفت بغير صنعه لم يضمن ،
فكذلك رب المال ؛ لأن الزكاة ليست متعلقة بذمته ، وإنما تجب في
ماله، وإذا أخر إخراج الزكاة حتى / [ هلكت ] (٣) فقال مالك وأبو [٢/ ق٢٤-ب]
حنيفة والشافعي : إذا أمكن الأداء بعد حلول الحول وفرط حتى هلك
المال فعليه الضمان .
قال المهلب : وفيه من الفقه دفع الصدقات إلى السلطان ، وفيه أن
المسجد قد ينتفع به في أمر جماعة المسلمين لغير الصلاة ؛ ألا ترى أن
رسول الله ويقول جمع فيه الصدقات وجعله مخزنًا لها ، وكذلك أمر أن
يوضع فيه مال البحرين وأن يبات عليه حتى قسمه فيه ، وكذلك كان
يقعد فيه للوفود والحكم بين الناس ، ومثل ذلك مما هو أبين [ منه ] (٢)
لعب الحبشة بالحراب ، وتعلم المثاقفة ، وكل ذلك إذا كان شاملا
لجماعة المسلمين ، وإذا كان العمل لخاصة الناس فيكره مثل الخياطة
[والجزارة] (٤)، وقد كره قوم التأديب في المسجد ، لأنه خاص ،
ورخص فيه آخرون لما يرجى من نفع تعلم القرآن فيه ، وفيه جواز
دخول الأطفال في المسجد واللعب فيه بغير ما يسقط حرمته [ إذا ] (٥)
(١) في ((ح)): حصلت. (٢) من (( ح)). (٣) من (ح)) وفي ((الأصل)): هلك.
(٤) من (( ح)) وفي ((الأصل)): الخزارة - كذا .
(٥) من (( ح)) وفي ((الأصل)): إذ - خطأ.
- ٥٣٣ -

كان الأطفال ممن إذا نهوا انتهوا ، وفيه أنه ينبغي أن يجنب الأطفال ما
يجنب الكبار من المحرمات ، وفيه أن الأطفال إذا نهوا عن الشيء
يجب أن يعرفوا لأي شيء نهوا عنه ، ليكبروا على العلم ليأتي عليهم
وقت التكليف وهم على علم من الشريعة .
وقال الطبري : وفيه الدليل على أن لأولياء الصغار المعاتبة وتجنيبهم
التقدم على ما يجب على الأصحاء البالغين الانزجار عنه ، والحول
بينهم وبين ما حرم الله على عباده فعله ، وذلك أن النبي - عليه
السلام- استخرج التمرة من الصدقة من في الحسن ، وهو طفل لا
تلزمه الفرائض ، ولم تجر عليه الأقلام ، ولا شك [ أنه ] (١) لو أكل
تمر جميع الصدقات لم تلزمه تبعة عند الله ، وإن لزم ماله غرمه ، فلم
يخله رسول الله يأكل لا من أجل ما كان يلزمه من ضمان ذلك ،
ولكن من أجل أنه كان مما حرم الله على أهل التكليف من أهل بيته ،
فبان بذلك أن الواجب على ولي الطفل والمعتوه إن رآه قد تناول خمرًاً
يشربها أو لحم خنزير يأكله أو مالا لغيره ليتلفه أن يمنعه من فعله ،.
ويحول بينه وبين ذلك ، وفيه الدليل الواضح على صحة قول القائلين
أن على ولي الصغيرة المتوفى عنها زوجها أن يجنبها الطيب والزينة
والمبيت عن (٢) المسكن الذي تسكنه والنكاح، وجميع ما يجب على
البوالغ المعتدات اجتنابه ، وخطأ قول من قال : ليس ذلك على
الصغيرة اعتلالا منهم أنها غير متعبدة بشيء من الفرائض ، لأن الحسن
كان لا تلزمه الفرائض ، فلم يكن لإخراج التمرة من فيه معنى إلا من
أجل ما كان على النبي من منعه ما على المكلفين الامتناع منه من أجل
أنه وليّه .
(١) من (( ح)).
(٢) من ((الأصل)) و((ح)) والمقصود: في غير مسكنها الذي تسكنه.
- ٥٣٤ - ٠ ٠

باب: من باع ثماره [ أو نخله ] (١) أو أرضه أو زرعه وقد وجب فيه
العشر أو الصدقة فأدی الزکاة من غیرہ أو باع ثماره ولم تجب فيها
الصدقة وقول النبي عليه السلام: (( لا تبيعوا الثمرة حتى يبدو
اصلاحها )) فلم [ يحظر ] (٢) البيع بعد الصلاح على أحد ولم
یخص من وجبت عليه الزكاة ممن لم تجب
وفيه : ابن عمر ( نهى النبي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها ، وكان
إذا سئل عن صلاحها قال : حتى تذهب [ عاهتها ] (٣))).
وفيه: [ أنس ] (١) (( أن النبي نهى عن بيع الثمار حتى تزهي، [قال :
وما تزهي؟] (١) قال: حتى [ تحمار] (٤))).
اختلف العلماء في هذه المسألة ، فقال مالك : من باع أصل حائطه
أو أرضه ، وفي ذلك زرع أو ثمر قد بدا صلاحه وحل بيعه ، فزكاة
ذلك الثمر على البائع إلا أن يشترطها ( على ) (٥) المبتاع ، ووجه قوله
أن المراعاة في الزكاة إنما تجب بطيب الثمرة ، فإذا باعها ربها وقد طاب
أولها فقد باع ماله وحصة المساكين معه ، فيحمل على أنه قد ضمن
ذلك ويلزمه .
وقال أبو حنيفة : المشتري بالخيار بين إنفاذ البيع ورده ، فالعشر
مأخوذ من الثمرة من يد المشتري ، ويرجع على البائع بقدر ذلك ،
ووجه قوله في العشر مأخوذ من الثمرة ؛ لأن سنة الساعي أن يأخذ
الزكاة من كل ثمرة يجدها ، فوجب الرجوع على البائع بقدر ذلك ،
كالعيب الذي يرجع بقيمته ، وقال الشافعي في أحد قوليه : إن البيع
فاسد ؛ لأنه باع ما يملك وما لا يملك ، وهو نصيب المساكين
(٢) من ((ح)) وفي (( الأصل)): يحضر.
(١) من (( ح)).
(٣) من ((ح)) وفي (( الأصل)): عاهته .
(٤) من ((ح)) وفي ((الأصل)): تحمر. (٥) ليست في (( ح)).
- ٥٣٥ -

--
[٢/ ٢٥- ١] / ففسدت الصفقة، وعلى هذا القول رد البخاري بقوله في هذا
الباب فلم [ يحظر ] (١) البيع (بعد الصلاح ) (٢) على أحد ، ولم
[يخص](٣) من وجبت عليه الزكاة ممن لم تجب ، والشافعي منع البيع
بعد الصلاح فخالف إباحة النبي - عليه السلام - لبيع الثمار إذا بدأ
صلاحها ، واتفق مالك وأبو حنيفة والشافعي أنه إذا باع أصل الثمرة
وفيها ثمر لم [ يبد ] (٤) صلاحه أن البيع جائز ، والزكاة على المشتري
لقوله تعالى : ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ (٥) وأما الذي ورد فيه نهي
النبي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها هو بيع الثمرة [خاصة] (٦) دون
الأصل ؛ لأنه يخشى عليه أن لا تتم الثمرة ، فيذهب [مال] (٦)
المشتري في غير [عوض ] (٦) وإن ابتاع رقبة الثمرة ، وإن كان فيها
ثمر لم [ يبد ] (٧) صلاحه ، فهو جائز ، لأن البيع إنما وقع على
الرقبة لا [ ثمرتها ] (٨) التي لم تظهر بعد ، فهذا الفرق بينهما .
باب : هل يشتري الرجل صدقته ولا بأس أن يشتري
صدقة غيره لأن النبي عليه السلام إنما نهى المتصدق
خاصة عن الشراء ولم ينه غيره
فيه : ابن عمر (( أن عمر تصدق بفرس في سبيل الله ، فوجده
يباع، فأراد أن يشتريه ، ثم أتى النبي عليه السلام فاستأمره فقال :
(٢) ليست في ( ح)).
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): يخص .
(٣) من ((ح)) وفي ((الأصل)): يحظر .
(٤) من (( ح)) وفي ((الأصل)): يبدو .
(٦) من (( ح).
(٥) الأنعام : ١٤١٠
(٧) من (( ح)) وفي ((الأصل)): يبدو .
(٨) من ((ح)) وفي ((الأصل)): ثمر فيها . خطأ.
- ٥٣٦ -

لا تعد في صدقتك)) فبذلك كان ابن عمر [ لا] (١) يترك أن يبتاع شيئًا
تصدق به إلا جعله صدقة .
وقال عمر : « حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده،
فأردت أن أشتريه وظننت أنه يبيعه برخص ، فسألت النبي - عليه
السلام- فقال : لا تشتره ، ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم ،
فإن العائد في صدقته کالعائد في قیئه )) .
كره أكثر العلماء شراء الرجل صدقته لحديث عمر في الفرس ،
وهو قول مالك والليث والكوفيين والشافعي ، وسواء عندهم صدقة
الفرض أو التطوع . فإن اشترى أحد صدقته لم يفسخ بيعه ، والأولى
به التنزه عنها، وكذلك قولهم فيما يخرجه المكفر عن كفارة اليمين مثل
الصدقة سواء .
قال ابن المنذر : ورخص في شراء الصدقة : الحسن وعكرمة وربيعة
والأوزاعي ، وقال ابن القصار : قال قوم : لا يجوز لأحد أن يشتري
صدقته ، ويفسخ البيع ، ولم يذكر [ قائلي ] (٢) ذلك، ويشبه أن
يكونوا أهل الظاهر ، وحجة من لم يفسخ البيع أن الصدقة راجعة إليه
بمعنى غير معنى الصدقة ، كما خرج لحم بريرة ، وانتقل عن معنى
الصدقة المحرمة على النبي - عليه السلام - إلى [ معنى ] (١) الهدية
المباحة له .
قال ابن القصار: وقد قال عليه السلام: (( لا تحل الصدقة لغني إلا
لخمسة )) وذكر منهم من اشتراها بماله ، ولم يفرق بين أن يكون
المشتري لها صاحبها أو غيره ، ورواه أبو سعيد الخدري ، وقد تقدم
في باب قوله تعالى : ﴿وفي الرقاب﴾ (٣) قبل هذا .
(١) من (( ح)).
(٢) من ((ح)) وفي ((الأصل)): قائلوا .
(٣) البقرة: ١٧٧ . التوبة: ٦٠.
- ٥٣٧ -

وأجمعوا أن من تصدق بصدقة ثم ورثها أنه حلال له ، وروى
سفيان عن عبد الله بن عطاء، عن [ ابن بريدة ] (١) عن أبيه ((أن
امرأة جاءت إلى النبي - عليه السلام - فقالت : يا رسول الله ، إني
تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت ، قال : وجب أجرك ، ورَدَّها
عليك الميراث)) فإن قيل : فلم كرهتم شراءه إياها ؟
قيل : لئلا يحابيه الذي تصدق عليه بها فيصير عائدًا في بعض
صدقته ؛ لأن العادة أن الذي تصدق عليه بها يسامحه إذا باعها ، وقد
أخبر النبي - عليه السلام - في لحم بريرة أنه إذا كانت الجهة التي يأخذ
بها الإنسان غير جهة الصدقة جاز ذلك ، ومن ملكها بماله لم يأخذها
من جهة الصدقة ، فدل هذا المعنى أن النهي في حديث عمر في
الفرس محمول على وجه التنزه لا على التحريم ؛ لأن المتصدق عليه
بالفرس لما ملك بيعه من سائر الأجانب ، وجب أن يملكه من المتصدق
عليه ، دليله إن وهب له جاز أن يشتريه الواهب .
وقال الطبري : معنى حديث عمر في النهي عن شراء صدقة التطوع.
خاصة ، لأنه لا صدقة في الخيل ، فيقال : إن الفرس الذي تصدق به
عمر كان من الصدقة الواجبة ، وصح أنه لم يكن [ حبيسًا ] (٢) لأنه
لو كان [حبيساً ] (٣) لم يكن ليباع ، فعلم أنه كان مما تطوع به عمر
( قال غير الطبري : ولا يكون الحبس إلا لينفق عليه المحبس من
ماله ، وإذا خرج خارج إلى العدو دفعه إليه مع نفقته ، على أن يغزو
به ويصرفه إليه ، فيكون موقوفًا على مثل ذلك ، فهذا لا يجوز بيعه
[٢/ ق٢٥-ب] بإجماع، وأما إذا / جعله في سبيل الله وملكه الذي دفعه إليه فهذا
يجوز بيعه ) (٣).
(١) من ((ح)). (٢) من ((ح)) وفي ((الأصل)): حبسًا. (٣) ليست في ((ح))
- ٥٣٨ -

قال الطبري : والدليل على جواز شراء صدقة الفرض وصحة البيع
فيها ما ثبت عن الرسول فيمن وجبت ( عليه ) (١) سن من الإبل فلم
تکن عنده ، وکان عنده دونها أو فوقها أن يأخذ ما وجد ویرد دراهم أو
[ غنماً] (٢) إن كان أخذ أفضل من الذي له [ وإن كان الذي وجد
عنده دون، أن يأخذه ويلزمه ] (٣) دراهم أو [ غنمًا ] (٤) وهذا لا شك
أخذ عوض وبدل من الواجب على رب المال ، وإذا جاز تملك الصدقة
بالشراء قبل خروجها من يد المتصدق بعوض ، فحكمها بعد القبض
كذلك ، وبنحو ذلك قال جماعة من العلماء (حدثنا محمد بن بزيع ،
حدثنا بشر بن مفضل، عن) (١) الأشعث (أن) (٥) الحسن (حدثهم)(١)
أن عمر بن الخطاب كان لا يكره أن يشتري الرجل صدقته إذا خرجت
من يد صاحبها إلى غيره ، وهو قول الحسن وابن سيرين ، فأما إن (٦)
رجعت إلى المتصدق صدقته بميراث أو هبة من المتصدق عليه [ أو
غيره](١) فإنه لا يكره له تملكها ، ولا يكون عائدًا [في صدقته ] (١)
لحديث بريرة وسيأتى الكلام في حديث عمر في كتاب الجهاد في باب:
إذا حمل على فرس في سبيل الله فرآها تباع، وفي كتاب الأوقاف ،
وفي آخر كتاب الهبات على حسب ما يقتضيه التبويب - إن شاء الله .
باب : ما يذكر في الصدقة للنبي عليه السلام
فيه : أبو هريرة قال: (( أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها
في فيه ، فقال النبي - عليه السلام -: كخ كخ. ليطرحها ، ثم قال : أما
شعرت أنا لا نأكل الصدقة )).
(١) ليس في ( ح)).
(٣) من (( ح)).
(٥) في ( ح)): عن .
(٢) من ((ح)) وفي ((الأصل)): غنم.
(٤) من ((ح)) وفي ((الأصل)): ثمنها .
(٦) جاء في ((الأصل)): إن كان.
- ٥٣٩ -

.-
قال المؤلف : اختلف العلماء في الصدقة المحرمة على آل النبي ،
فقال الطحاوي : قال أبو يوسف ومحمد : يحرم على بني هاشم
صدقة الفريضة والتطوع ، وكره أصبغ بن الفرج لهم فيما بينهم وبين
الله أن يأخذوا من التطوع .
وقال الطحاوي : اختلف في ذلك قول أبي حنيفة ، فروي عنه مثل
هذا القول ، وروي عنه أن صدقة الفريضة وسائر الصدقات حلال لبني
هاشم ، وقال مالك : الصدقة المحرمة عليهم هي الزكاة لا التطوع ،
وذكر الطبري عن أبي يوسف أنه يحل لبني هاشم الصدقة بعضهم من
بعض ، ولا يحل لهم من غيرهم، وذكر الطحاوي أن علة أبي حنيفة
في ذلك أن الصدقات إنما كانت محرمة عليهم من أجل ما جعل لهم
في الخمس من سهم ذوي القربى ، فلما انقطع عنهم ذلك ورجع إلى
غيرهم بموت رسول الله حل بذلك لهم ما كان حرم عليهم .
قال المؤلف : فأما أهل المقالة الأولى فإنهم أخذوا بعموم النهي ،
فكرهوا جميع [ أنواع ] (١) الصدقات ، ولا يصح تأويلهم ؛ لأن هذه
[التمرة] (١) التي أخرج النبي - عليه السلام - من في الحسن بن
علي كان من تمر الصدقة المفروضة التي كان يقسمها النبي-عليه السلام.
قال الطحاوي : وإنما حرم على بني هاشم من الصدقات لقرابتهم،
مثل ما حرم على الأغنياء لأموالهم ، فأما الصدقة التي يراد بها طريق
الهبات ، وإن سميت صدقات فلا تدخل في التحريم ؛ ألا ترى لو أن
رجلا أوقف داره على غني أن ذلك جائز ، ولا يمنعه ذلك غناه ،
وحكم ذلك خلاف حكم سائر الصدقات من الزكوات والكفارات
(١) من ( ح)).
- ٥٤٠ -