Indexed OCR Text

Pages 321-340

حق ، وهو مذهب أهل السّنّة ، وسيأتي الكلام فيه في بابه - إن
شاء الله .
وأما قوله : (( يسمعها من يليه )) فالذي يليه هم الملائكة الذين يلون
فتنته ومسألته في قبره ، والثقلان : الجن والإنس منعهم الله سماع
صيحته إذا دفن في قبره ، فإن قال قائل : الجن من الثقلين ، وقد
منعهم الله سماع هذه الصيحة ، ولم يمنعهم سماع كلام الميت إذا
حمل ، وقال : قدموني قدموني ، فما الفرق بين ذلك ؟ قيل : إن
كلام الميت حين يحمل إلى قبره هو في حكم الدنيا ، وليس فيه شيء
من الجزاء والعقوبة ؛ لأن الجزاء لا يكون إلا في الآخرة ، وإنما كلامه
اعتبار لمن سمعه وموعظة ، فأسمعها الله الجن ؛ لأنه جعل فيهم قوة
يثبتون بها عند سماعه ولا يضعفون بخلاف الإنسان الذي كان يصعق
لو سمعه ، وصيحة الميت في القبر عند فتنته هي عقوبة وجزاء ،
فدخلت في حكم الآخرة ، فمنع الله الثقلين - اللذين هما في دار
الدنيا - سماعَ عقوبته وجوابه في الآخرة ، وأسمعه سائر خلقه .
وقوله : (( لا دريت ولا تليت )) الأصل فيه تلوت ، فردوه إلى الياء
ليزدوج الكلام، هذا قول ثعلب. وقال ابن السكيت: (( تليت ))
هاهنا اتباع ولا معنى لها . وقال ابن الأنباري : إنما قيل للجن
والإنس: الثقلان ؛ لأنهما كالثقل للأرض وعليها ، والثقل بمعنى
الثقيل، وجمعها : أثقال ، ومجراهما مجرى قول العرب مِثْل وَمثيل،
وشبه وشبيه ، وكانت العرب تقول للرجل الشجاع : ثقل على
الأرض، فإذا مات أو قتل : سقط ذلك عنها .
قالت الخنساء ترثي أخاها :
حلت بها الأرض أثقالها
أبعد ابن عمرو من الربذة
- ٣٢١ -

باب : من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها
فيه: أبو هريرة قال: (( أُرسل ملك الموت إلى موسى ، فلما جاءه
صكّهُ، فرجع إلى ربُّه فقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت . فرد الله
إلیه عينه ، فقال : ارجع فقل له : يضع يده على متن ثور ، فله بكل ما
غطت يده بكل شعرة سَنَة . قال : أي رب ، ثم ماذا ؟ قال : ثم الموت .
قال : فالآن. فسأل الله أن يدفنه من الأرض المقدسة رميةً [بحجر](١)،
قال رسول الله : لو كنت ثَمّ لأریتکم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب
الأحمر)).
قال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة : أنكر بعض أهل البدع
والجهمية هذا الحديث ودفعوه ، وقالوا : لا يخلو أن يكون موسى
عرف ملك الموت أو لم يعرفه ، فإن كان عرفه فقد ظلمه واستخف
برسول الله ، ومن استخف برسول الله فهو مستخف بالله ، وإن كان
لم يعرفه فرواية من روى أنه كان يأتي موسى عيانًا لا معنى لها .
قال الجهمي : وزعمت الحشوية أن الله لم يقاصص الملك من
اللطمة وفقء العين ، والله - تعالى - لا يظلم أحداً.
قال ابن خزيمة : وهذا اعتراض من أعمى الله بصيرته ، ولم يبصره
رشده ، ومعنى الحديث صحيح على غير ما ظَنَّهُ الجهمي ، وذلك أن
موسى عليه السلام لم يبعث الله إليه ملك الموت وهو يريد قبض روحه
حينئذ ، وإنما بعثه إليه اختبارًاً وابتلاء ، كما أمر الله خليله إبراهيم بذبح
ابنه ، ولم يُرد تعالى إمضاء الفعل ولا قتل ابنه ، فقداه بذبح عظيم
﴿ونادیناه أن یا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ﴾ (٢) ولو أراد قبض روح
[١/ ٢٣٨٥-١] موسى / حين ألهم ملك الموت لكان ما أراد ؛ لقوله تعالى: ﴿ إنما
قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ (٣).
(١) في ((الأصل)): ((حجر))، والمثبت من الفتح (٢٤٥/٣)، ومثله سيأتي في
الشرح هنا (ص ٣٢٥) .
(٢) الصافات: ١٠٤، ١٠٥.
(٣) النحل : ٤٠.
- ٣٢٢ -

وكانت اللطمة مباحة عند موسى إذا رأى شخصًا في صورة آدمي قد
دخل عنده لا يعلم أنه ملك الموت ، وقد أباح الرسول فقء عين الناظر
في دار المسلم بغير إذن ، رواه بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة أن
النبي - عليه السلام - قال: ((من اطلع في دار قوم بغير إذن ، ففقاً
عينه فلا دية ولا قصاص )) ومحال أن يعلم موسى أنه ملك الموت ويفقأ
عينه ، وكذلك لا ينظره إلا بعلمه .
وقد جاءت الملائكةُ خليلَ الله إبراهيم ولم يعرفهم في الابتداء حتى
أعلموه أنهم رسل ربهم ، قال تعالى : ﴿ولما جاءت رسلنا إبراهيم
بالبشرى قالوا سلاما قال سلام ... ﴾ إلى ﴿خيفة﴾ (١) ولو علم
إبراهيم في الابتداء أنهم ملائكة الله لكان من المحال أن يقدم إليهم
عجلا ؛ لأن الملائكة لا تطعم ، فلما وجس منهم خيفة قالوا : لا تخف
إنا أرسلنا إلى قوم لوط ، وقد أخبر الله أن رسله جاءت لوطًا فسيء
بهم وضاق بهم ذرعًا ، ومحال أن يعلم في الابتداء أنهم رسل الله
ويضيق بهم ذرعًا ، أو يَسيء بهم .
وقد جاء الملك إلى مريم فلم تعرفه ، واستعادت منه ، ولو علمت
مريم في الابتداء أنه ملك جاء يبشرها بغلام يبرئ الأكمه والأبرص
ويكون نبيا ما استعاذت منه ، وقد دخل الملكان على داود في شبه
آدميين يختصمان عنده ولم يعرفهما وإنما بعثهما الله ليتعظ بدعوى
أحدهما على صاحبه ، ويعلم أن الذي فعله لم يكن صوابًا فتاب إلى
الله وندم ، قال تعالى : ﴿ وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر
راكعًا﴾ (٢) فكيف يُستنكر ألا يعرف موسى ملك الموت حين دخل
عليه، وقد جاء جبريلُ النبيَّ وَ* [وسأله] (٣) عن الإيمان والإسلام في
صورة لم يعرفه النبي - عليه السلام - ولا أحد من أصحابه ، فلما
(١) هود : ١٦٩- ٧٠ .
(٢) ص : ٢٤ .
(٣) ليست في ((الأصل)) والسياق يقتضيها.
- ٣٢٣ -

ولَّى أخبر النبي أنه جبريل وقال : (( ما أتاني في صورة قط إلا عرفته ،
غير هذه المرة )) وكان يأتيه في بعض الأوقات مرة في صورة ، ومرة في
صورة أخرى ، وأخبر عليه السلام أنه لم ير جبريل في صورته التي
خلق عليها إلا مرتين .
وأما قول الجهمي : إن الله لم يقاصص ملك الموت من اللطمة،
فهو دليل على جهل قائله ، ومَنْ أخبره أن بين الملائكة وبين الآدميين
قصاص ! ومن أخبره أن ملك الموت طلب القصاص من موسى فلم
يقاصصه الله منه ! وقد أخبرنا الله - تعالى - أن موسى قتل نفسًا ولم
يقاصص الله منه لقتله .
وقيل : إذا كانت اللطمة [ غير ] (١) مباحة يكون حكمها على كل
الأحوال حكم العمد ، فيه القصاص ، أو تكون في بعض الأحوال
خطأ تجب فيه الدية على العاقلة ، وما الدليل أن فقء عين ملك الموت
كان عمدًا فيه القصاص دون أن يكون خطأ ، وهل تَرْكُ القصاص من
موسى لملك الموت لو كان فقأ عين الملك عمدًا ، وكان حكم الملائكة
مع بني آدم القصاص كحكم الآدميين ، إلا كترك القصاص من موسى
لقتيله ، وكترك القصاص من أحد بني آدم لأخيه .
وقد يأمر النبي - عليه السلام - بالأمر على وجه الاختبار والابتلاء،
لا على وجه الإمضاء لأمره ، كما أمر عليه السلام بإقامة الحد على
الرجل الذي زعمت المرأة أنه وطئها من غير إقرار الرجل ولا إقامة بينة
عليه ( فبان للنبي في المتعفف من الوطء ، وصح عنده أن الذي رمته به
المرأة كان زنا ) (٢)، وهذا كأمر سليمان بن داود بقطع الصبي باثنين ،
وإنما أراد أن يختبر مَنْ أُمَّ الصبي ؛ لأن الأم أحنى على ولدها وأشفق،
فلما رضيت [ إحداهما ] (٣) بقطع الصبي، ورضيت الأخرى بدفعه
-
(١) ليست في ((الأصل))، وأظنها سقطت من الناسخ سهوًا، فإن المعنى لا
يستقيم بدونها .
(٢) هكذا السياق في (( الأصل))، وفيه شيء.
(٣) زدتها ليتم المعنى
- ٣٢٤ -

إلى الثانية ؛ بان عنده وظهر أن أم الصبي اختارت حياة ابنها ، وكذلك
بعث الله ملك الموت إلى موسى للابتلاء والاختبار .
وقد أخبرنا نبينا عليه السلام أن الله -تعالى- لم يقبض نبيا قط حتى
يريه مقعده من الجنة ويخيره، فلا يجوز أن يؤمر ملك الموت بقبض
روحه قبل أن يريه مقعده من الجنة، وقبل أن يخيره- والله ولي التوفيق.
ومعنى سؤال موسى أن يدنيه من الأرض المقدسة - والله أعلم -
الفضل من دُفن في الأرض المقدسة من الأنبياء والصالحين ، فاستحب
مجاورتهم في الممات ، كما يستحب جيرتهم في المحيا ؛ ولأن
الفضلاء يقصدون المواضع الفاضلة ، ويزورون قبورها ويدعون لأهلها.
قال المهلب : إنما سأل الدنو من الأرض المقدسة ليسهل على نفسه،
وتسقط عنه المشقة التي تكون على من هو بعيد منها من المشي وصعوبته
عند البعث والحشر. قال غيره: ومعنى بعده منها (( رمية بحجر ))
ليعمي قبره ؛ لئلا يعبدَ قبرَهُ جهالُ أهل ملته ، ويقصدونه بالتعظيم -
والله أعلم - لأن النبي - عليه السلام - أخبر أن اليهود تفعل ذلك
بقوله: (( لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ذلك)).
[١/ق٢٣٨ -ب]
باب : الدفن بالليل / ودفن أبو بكر ليلا
فيه: ابن عباس قال: (( صلى النبي على رجل بعد ما دفن بليلة ، قام
هو وأصحابه وكان يسأل عنه فقال : من هذا ؟ قالوا : فلان دُفن
البارحة، فصلوا عليه )).
قال ابن المنذر : أجاز أکثر العلماء الدفن بالليل ، فممن دُفن بالليل
أبو بكر الصِّدِّيق ، دفنه عمر بن الخطاب بعد صلاة العشاء ، ودُفنت
عائشة وعثمان بن عفان بالليل أيضًا ، ودَفن عليَّ بن أبي طالب زوجته
فاطمة ليلا ، فَرَّ بِهَا من أبي بكر أن يصلي عليها ؛ كان بينهما شيء ،
- ٣٢٥ -

رواه ابن جريج عن عمرو بن دينار ، أن حسن بن محمد أخبره بذلك
وقال : أوصته فاطمة بذلك .
ورخص في ذلك عقبة بن عامر وسعيد ابن المسيب وعطاء ، وهو
قول الزهري والثوري والكوفيين وابن أبي حازم ومطرف بن عبد الله ،
ذكره ابن حبيب ، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق .
وكان الحسن البصري يكره الدفن بالليل ، والدفن بالليل مباح ؛
لأن الرسول صلى على الذي دفن بالليل وعلى المسكينة ، ولم ينكر
ذلك عليهم .
وذكر الطحاوي من حديث جابر وابن عمر (( أن النبي - عليه
السلام - نهى عن الدفن ليلا )) وقد يكون النهي عن ذلك ليس من
طريق كراهية الدفن بالليل ، أراد رسول الله أن يصلي على جميع
موتى المسلمين لما لهم في ذلك من الفضل والخير ، وروي عن أبي
هريرة: (( أن النبي - عليه السلام - دخل المقبرة فصلى على رجل بعد
ما دفن فقال : ملئت هذه القبور نورًا بعد أن كانت مظلمة عليهم»١٠٪
وقيل : إنما نهى عن ذلك لمعنى آخر رواه أشعث عن الحسن (( أن
قومًا كانوا يسيئون أكفان موتاهم ، فنهى رسول الله عن دفن الليل ))
وأخبر الحسن أن النهي عن الدفن ليلا إنما كان لهذه العلة ، وقد روى
جابر بن عبد الله نحواً من ذلك .
روى ابن لهيعة عن [ عبيد الله ] (١) بن أبي جعفر ، عن أبي الزبير
[عن جابر] (٢) قال: ((خطب بنا النبي - عليه السلام - فذكر رجلا
من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل فدفن ليلا » فزجر أن يقبر
الرجل ليلا لكي يصلي عليه، إلا أن يضطر إلى ذلك، وقال: ((إذا
(١) من شرح المعاني (٥١٤/١) وكتب الرجال، ووقع في ((الأصل)): عبد الله.
وهو خطأ .
(٢) ليس في ((الأصل))، وزدتها من شرح المعاني ، والسياق يدل عليه .
- ٣٢٦ -

وارى أحدكم أخاه فليحسن كفنه )) . قال الطحاوي : فجمع في هذا
الحديث العلتين اللتين قيل : إن النهي كان من أجلهما . قال
الطحاوي: وقد فعل ذلك رسول الله ، وروى ابن إسحاق عن فاطمة
بنت محمد ، عن عمرة، عن عائشة قالت: (( ما علمنا بدفن
رسول الله وَ ﴿ حتى سمعنا بصوت [ المساحي] (١) من آخر الليل ليلة
الأربعاء)) .
وقال عقبة بن عامر: ((ثلاث ساعات كان رسول الله وَ ل ينهانا أن
نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا : حين تطلع الشمس حتى ترتفع ،
وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل ، وحين تضيف الشمس إلى
الغروب حتى تغرب)) فدل أن ما سوى هذه الأوقات بخلافها في
الصلاة على الموتى ودفنهم .
باب : بناء المسجد على القبور
فيه: عائشة قالت: (( لما اشتكى النبي - عليه السلام - ذكر بعض نسائه
كنيسة رأينها بالحبشة يقال لها : مارية ، فذكر من حسنها وتصاوير فيها
فرفع رأسه فقال : أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره
مسجدًا ، ثم صوروا فيه تلك الصور ، أولئك هم شرار الخلق )) .
لأنهم كانوا يعبدون تلك القبور ؛ ولذلك نهى عليه السلام أن
يتخذوا قبره مسجداً ؛ قطعًا للذريعة في ذلك لئلا يعبد الجهال قبره ،
وقد تقدم هذا المعنى في باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور.
(١) جمع ((مسحاة)) وهي المجرفة من الحديد - وهكذا وقعت في شرح المعاني
(٥١٤/١) وجاءت في ((الأصل)): المسامي. وهو تحريف.
- ٣٢٧ -

باب : من يدخل قبر المرأة
فيه: أنس قال: (( شهدنا بنت رسول الله مل ورسول الله جالس على
القبر ، فرأيت عينيه تدمعان فقال : هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة ؟
قال أبو طلحة: أنا، قال: فانزل في قبرها)) قال ابن المبارك: [ قال
فليح] (١) أراه يعني : الذنب .
قوله عليه السلام: (( يقارف الليلة)) أراد الجماع ، وليس كما قال
[فليح ] (١) أنه الذنب ؛ لأن المقارفة أيضًا عند العرب: المجامعة .
قال أبو عبيد: في حديث عائشة ((كان النبي وَّ﴾ يصبح جنبًا في
رمضان من قراف غير احتلام ، ثم يصوم ) قال أبو عبيد : القراف
هاهنا : الجماع ، وكل شيء خالطته وواقعته فقد قارفته . وقد روى
البخاري في تاريخه ما يشهد لذلك قال : حدثنا عبد الله بن محمد
المسندي قال : حدثنا عفان قال : حدثنا حماد ، عن ثابت ، عن
أنس قال: (( لما ماتت رقية قال رسول الله: لا يدخل القبر رجل
قارف أهله الليلة ، فلم يدخل عثمان القبر)) .
قال البخاري : لا أدري ما هذا والنبي لم يشهد رقية ! وقال
الطبري: روى أنس (( أن النبي - عليه السلام - لما نزلت أم كلثوم
[٥/١/ ٢٣٩-١) بنت النبي - عليه السلام - في قبرها قال: لا ينزل في قبرها / أحد
قارف الليلة)) فَذِكْرُ رقية فيه وهم - والله أعلم. ولذلك [ ذكر ] (٢)
ـع
البخاري في هذا الباب حديث أنس قال : (( شهدنا بنت النبي.
ولم يذكر فيه رقية ، ولم يذكر حديث المسندي في هذا ، وهذا يدل
على صواب قول الطبري - والله أعلم .
وذكر البخاري أن أم كلثوم كانت تحت عثمان بن عفان بعد رقية ابنة
النبي .
(١) من الصحيح المطبوع مع الفتح (٢٤٨/٣)، وهو ابن سليمان أحد رجال إسناد
هذا الحديث، وفي ((الأصل)): فليلج . وهو تحريف .
(٢) ليست في ((الأصل)) ويقتضيها السياق.
- ٣٢٨ -

وذهب العلماء إلى أن زوج المرأة أَوْلى بإلحادها من الأب والولد ،
ولا خلاف بينهم أنه يجوز للفاضل غير الولي أن يلحد المرأة إذا عدم
الولي ، ولما كان النبي - عليه السلام - أولى بالمؤمنين من أنفسهم ،
ولم يجز لأحد التقدم بين يديه في شيء؛ لقوله تعالى : ﴿ لا تقدموا
بين يدي الله ورسوله ﴾ (١) لم يكن لعثمان أن يتقدم بين يدي رسول الله
في إلحاد زوجته .
وأما قوله عليه السلام: (( هل فيكم أحد لم يقارف أهله الليلة ؟))
فيحتمل أن يستدل على معناه بقوله في حديث المسندي: (( فلم يدخل
عثمان القبر» ودل سكوت عثمان وتركه المشاحة في إلحاد أهله أنه قد
كان قارف تلك الليلة بعض خدمه ؛ لأنه لو لم يقارف لقال : أنا لم
أقارف فأتولَّى إلحاد أهلي ، بل كان يحتسب خدمته في ذلك من أزكى
أعماله عند الله ، وكان أولى من أبي طلحة لو ساواه في ترك المقارفة.
فأراد عليه السلام أن يمنعه إلحادها حين لم يمنعه حزنه بموت ابنة
رسول الله ، وانقطاع صهره منه ، عن المقارفة تلك الليلة على طراوة
حزنه وحادث مصابه لمن لا عوض منها ، وقد قال عليه السلام : ((كل
سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي )) رواه عمر بن الخطاب
وابن عباس وأبو رافع والمسور ، كلهم عن النبي - عليه السلام -
ذكرها كلها الطبري .
فعاقبه عليه السلام بأن حرمه هذه الفضيلة ، وكان عثمان كثير الخدم
والمال، وفيه فضل عثمان وإيثاره الصدق حتى لم [ يَدَّع ] (٢) تلك
الليلة ترك المقارفة ، وإن كان عليه بعض الغضاضة في إلحاد غيره
لزوجته .
(١) الحجرات : ١ .
(٢) في ((الأصل)): يدعى . وهو خلاف الجادة .
- ٣٢٩ -

باب : الصلاة على الشهيد
فيه : جابر قال: (( كان عليه السلام يجمع بين الرجلين من قتلى أحد
ثم يقول : أيهم أكثر أخذًا للقرآن ؟ فإذا أشير له إلى أحدهما ، قدمه في
اللحد، ولم يصل عليهم )) .
وفيه : عقبة بن عامر: (( أن النبي - عليه السلام - خرج يومًا فصلى
على أهل أُحُد صلاته على الميت ، ثم انصرف إلى المنبر فقال : إني فرط
لكم، وأنا شهيد عليكم ، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن ، وإني
أعطيت مفاتيح خزائن الأرض ، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا
بعدي ، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها )) .
وترجم لحديث جابر باب دفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد ،
وباب من لم ير غسل الشهيد وباب من [ يقدم ](١) في اللحد .
اختلف العلماء في هذا الباب ، فقال مالك : الذي سمعته من أهل
العلم والسُّنَّة أن الشهداء لا يغسلون ، ولا يصلى على أحد منهم ،
ويدفنون في ثيابهم التي قتلوا فيها ، وهو قول عطاء والنخعي والحكم
والليث والشافعي وأحمد . وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي :
يصلى عليه ولا يغسل ، وهو قول مكحول . وقال عكرمة : لا يغسل
الشهيد ؛ لأن الله قد طيبه ، ولكن يصلى عليه . وقال سعيد بن
المسيب والحسن البصري : يغسل الشهيد ويصلى عليه ؛ لأن كل ميت
يجنب .
وحجة مالك ومن وافقه حديث جابر أنهم لم يُغسلوا ولم يُصلى
عليهم ، وأيضًا فإن النبي قال في دم الشهيد: ((اللون لون دم،
والريح ريح المسك)) وقد روي في الحديث ((إذا كان يوم القيامة
(١) من الصحيح المطبوع مع الفتح (٢٥٢/٣)، وفي ((الأصل)): لم . كذا .
- ٣٣٠ -

وبعث الله العباد ، قام الشهداء من قبورهم ، ووثبوا على خيولهم
مستشفعين إلى الله بذلك)) فوجب ألا تغير أحوالهم أخذًا بالسَّنَّة التي
رواها جابر في قتلى أُحُد . قال ابن القصار : ويوم أُحُد قتل فيه
سبعون نفسًا ، فلا يجوز أن تخفى الصلاة عليهم .
وقوله عليه السلام : (( اللون لون دم والريح ريح مسك )) نهي عن
الصلاة عليه ؛ لأنه ميت لا يغسل فوجب ألا يصلى عليه ، دليله
السقط الذي لم يستهل ، وإذا سقط فرض الطهارة سقط فرض
الصلاة، قال الله - تعالى - : ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله
أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ (١) وقال عليه السلام: (( صلوا
على موتاكم )) وقد نفى الله عنهم الموت وأوجب لهم الحياة ، فلا تجب
الصلاة عليهم .
واحتج أبو حنيفة ومن وافقه بحديث عقبة بن عامر: (( أن النبي -
عليه السلام - صلى على أهل أُحُد بعد ثماني سنين صلاته على الميت))
/ وبما روي أنه صلى على حمزة سبعين صلاة، قالوا: فلو لم تجز [١/ق٢٣٩ -ب]
الصلاة على الشهداء ما صلى عليهم ، روي ذلك من حديث ابن
عباس وابن الزبير ، فأما حديث ابن الزبير فرواه أحمد بن عبد الله بن
يونس عن أبي بكر بن عياش ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مقسم ،
عن ابن عباس (( أن رسول الله كان يوضع بين يديه يوم أُحُد عشرة
فيصلي عليهم وعلى حمزة ، ثم يرفع العشرة ، وحمزة موضوع ، ثم
يوضع عشرة فيصلي عليهم وعلى حمزة معهم ، يكبر عليهم سبع
تكبيرات حتى فرغ )) وحديث ابن الزبير ذكره ابن إسحاق عن يحيى بن
عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن جده .
وقال أهل المقالة الأولى : يحتمل أن يكون حديث ابن عباس وابن
(١) آل عمران : ١٦٩ .
- ٣٣١ -

الزبير أنه صلى على قتلى أُحُد على من حمل فعاش ، حتى تستعمل
الأحاديث ، ويجوز أن يكون صلى عليهم أي : دعا لهم، وعلى هذا
يتأول حديث عقبة أنه دعا لهم كما يدعى للميت بالمغفرة والرحمة ؛
لأن الصلاة من النبي لأمته هي بمعنى الدعاء لهم؛ ألا ترى قوله تعالى:
وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ (١) أن المراد به الدعاء لهم .
والدليل على صحة هذا التأويل حديث ( ابن إسحاق، عن عبد الله
ابن عمرو بن العاص) (٢) قال: أخبرني أبو مويهبة ، مولى النبي -
عليه السلام - قال: قال لي رسول الله وَخلال: ((إني قد أمرت أن
أستغفر لأهل البقيع ، فاستغفر لهم ثم انصرف فقال لي : إن الله قد
خيرني في مفاتيح خزائن الأرض والخلد فيها ثم الجنة ، أو لقاء ربي ،
فاخترت لقاء ربي )» :.
وأصبح رسول الله من ليلته تلك فبدأه وجعه الذي مات فيه، فكأن
خروجه إلى البقيع كالمودع الأحياء والأموات ، حتى نعيت إليه نفسه ،
فهذا تفسير حديث ابن عباس وابن الزبير وحديث عقبة ، وأن الصلاة
فيها بمعنى الدعاء والاستغفار ، كما دل عليه كتاب الله .
وأما صلاته على حمزة فهو خصوص له ؛ لأنه كبر عليه سبع
تكبيرات ، وهم لا يقولون بأكثر من أربع ، وحمزة مخصوص بإعادة
الصلاة عليه لو صح ذلك ، لإجماع العلماء أنه لا يجوز أن يصلى
على قبر لم يصل عليه إلا بحدثان ذلك ، وأكثر ما حُدَّ في ذلك ستةٍ
أشهر ..
(١) التوبة : ١٠٣ .
(٢) هكذا وقع الإسناد في ((الأصل)) وبين ابن إسحاق وعبد الله بن عمرو في هذا
الإسناد اثنان ، كما في مسند أحمد (٤٨٩/٣) - وفيه خطأ في اسم شيخ ابن
إسحاق - وقد وقع في هذا الإسناد اختلاف كثير ، راجع : الإصابة (١٨٨/٤)
ترجمة أبي موهبة رضي الله عنه .
- ٣٣٢ -

وقد عارض حديث ابن عباس وابن الزبير ما روى أسامة بن زيد ،
عن الزهري ، عن ابن عباس ((أن النبي لم يصل على أحد من قتلى
أُحُد غير حمزة )) فصار مخصوصًا بذلك ؛ لأنه وجده في القتلى قد
جرح ومُثُّل به، فقال: (( لولا أن تجزع عليه صفية لتركته حتى يحشره
الله من بطون الطير والسباع ، فكفنه في نمرة إذا خمر رأسه بدت
رجلاه، وإذا خمر رجليه بدا رأسه، ولم يصل على أحد غيره ، وقال:
أنا شهيد عليكم اليوم)) ويشهد لهذا المعنى حديث جابر ، وهذا أَوْلى
ما قيل به في هذا الباب ؛ لأنه أصح من الأحاديث المعارضة له ،
وقول سعيد بن المسيب والحسن مخالف للآثار ، فلا وجه له .
واختلف الفقهاء إذا جرح في المعركة ثم عاش بعد ذلك ، أو قتل
ظلمًا بحديدة أو غيرها فعاش ، فقال مالك : يغسل ويصلى عليه . وبه
قال الشافعي . وقال أبو حنيفة : إن قتل ظلمًا في المصر بحديدة لم
يغسل ، وإن قتل بغير الحديدة غسل .
وحجة مالك ما رواه نافع عن ابن عمر أن عمر غُسل وصلي عليه ؛
لأنه عاش بعد طعنته وكان شهيدًا . قال ابن القصار : ولم ينكر هذا
أحد من الصحابة . قال : وكذلك جرح عليّ بن أبي طالب فعاش ثم
مات من ذلك ، فغسل وصلي عليه ، ولم ينكره أحد .
قال الطبري : وفيه من الفقه أن الموت إذا كثر في موضع بطاعون أو
غيره ، أو كثر القتل في معركة حتى تعظم المؤنة في حفر قبر لكل
رجل منهم ، أن تدفن الجماعة منهم في حفرة واحدة ، كالذي فعل
عليه السلام في جمع مشركي بدر في قليب واحد، وهم سبعون رجلا.
واختلفوا في دفن الاثنين والثلاثة في قبر ، فكره ذلك الحسن
البصري ، وأجازه غير واحد من أهل العلم فقالوا : لا بأس أن يدفن
الرجل والمرأة في القبر الواحد ، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي
وأحمد وإسحاق ، غير أن الشافعي وأحمد قالوا ذلك في موضع
- ٣٣٣ -

الضرورات . وحجتهم حديث جابر المتقدم ، وقال : يقدم أسنهم
وأكثرهم أخذاً للقرآن ، ويقدم الرجل أمام المرأة .
قال المهلب : وهذا خطاب للأحياء أن يتعلموا القرآن ولا يغفلوه
حين أكرم الله حملته في حياتهم وبعد مماتهم .
والفَرَط : المتقدم . والنمرة : كساء من شعر أو شقة من شعر .
عن الطبري . وقال ابن السكيت : إذا نسج الصوف وجعل له هدب،
فهي نمرة وبرد وشملة .
[١/ ق ٢٤٠- ١]
/ باب : الإذخر والحشيش في القبر
فيه : ابن عباس: قال عليه السلام: (( إن الله حرم مكة فلم تحل لأحد
قبلي ولا تحل لأحد بعدي ، أحلت لي ساعة من نهار ، لا يختلى
خلاؤها، ولا يعضد شجرها ، ولا ينفر صيدها ، ولا تلتقط [ لقطتها ](١)
إلا المُعَرِّف ] (٢) قال العباس: إلا الإذخر لصاغتنا وقبورنا. فقال: إلا
الإذخر)) ."
قال المؤلف : اتفق العلماء على جواز قطع الإذخر خاصة من منبته
بمكة ، وأن غيره من النبات محرم قطعه ، وأما الحشيش فإنه الورق
الساقط والعشب المنكسر ، ويجوز عند العلماء استعماله ، وإنما يحرم
قطعه من منبته فقط ..
وفي هذا الحديث جواز استعمال الإذخر وما جانسه من الحشيش
الطيب الرائحة في قبور الأموات ، وأهل مكة يستعملون من الإذخر
(دريره ) (٣) ويطيبون بها أكفان الموتى ، ففهم البخاري أن ما كان من
(١) في ((الأصل)): لقيطها، والتصويب من الفتح (٢٥٣/٣).
(٢) من الصحيح المطبوع مع الفتح (٢٥٣/٣)، وفي ((الأصل)): لعرف . كذا.
(٣) هكذا صورتها في ((الأصل)).
- ٣٣٤ -

النبات في معنى الإذخر ، فهو داخل في الإباحة ، كما أن المسك وما
جانسه من الطيب في الحنوط داخل في معنى إباحة الكافور للميت ،
وسيأتي معنى هذا الحديث في آخر كتاب الحج في أبواب أحكام
الحرم- إن شاء الله تعالى .
باب : هل يُخْرج الميت من القبر واللحد لعلّة
ءِ
فيه: جابر: (( أتى النبيّ ◌َّ عبدَ الله بن أُبَيِّ بعد ما أدخل حفرته فأمر به
فأخرج ، فوضع على ركبتيه ونفث في فيه من ريقه ، وألبسه قميصه -
فالله أعلم - وكان كسا عباسًا قميصًا )) .
قال ( أبو هريرة) (١): (( وكان على النبي قميصان ، فقال له ابن
عبدالله : يا رسول الله ، ألبس أبي قميصك الذي يلي جسدك ، قال
سفيان : فيرون أن النبي - عليه الصلاة والسلام - ألبس عبد الله قميصه
مكافأةً لما صنع )) .
وفيه : جابر: (( لما حضر أُحُدُ دعاني أبي من الليل ، فقال : ما أراني إلا
مقتولا في أول من يقتل من أصحاب رسول الله وَار وإني لا أترك بعدي
أعز عليّ منك غير نفس رسول الله وَلّ﴿ وإن عليّ دَيْنًا فاقضٍ ، واستوصِ
بأخواتك خيرًا . فأصبحنا فكان أول قتيل ، ودفنت معه آخر
(١) قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث رقم (١٣٥٠): وقع في رواية أبي
ذر وغيره (( أبو هارون )) ووقع في كثير من الروايات ((وقال أبو هريرة )) وكذا
في مستخرج أبي نعيم وهو تصحيف ، وأبو هارون المذكور جزم المزي بأنه
موسى بن أبي عيسى الحناط - بمهملة ونون - المدني ، وقيل : هو الغنوي ،
واسمه : إبراهيم بن العلاء من شيوخ البصرة ، وكلاهما من أتباع التابعين ،
فالحديث معضل ، وقد أخرجه الحميدي في مسنده عن سفيان ، فسماه :
عيسى، ولفظه: ((حدثنا عيسى بن أبي موسى، فهذا المعتمد. اهـ .
كذا وقع في الفتح، والصواب (( موسى بن أبي عيسى ) كما تقدم في كلام
المزي ، وكما يعلم من المراجع المعتمدة ، أفاده المعلق على فتح الباري .
- ٣٣٥ -

في قبره ، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر ، فاستخرجته بعد ستة
أشهر ، فإذا هو كيوم وضعته هُنَيَّةً غيرَ أُذُنُه )) .
قال المهلب : في هذا الحديث جواز إخراج الميت بعد ما يدفن إذا
كان لذلك معنى ، مثل أن ينسى غسله أو ما أشبه ذلك . قال ابن
المنذر : اختلف العلماء في النبش عمن دفن ولم يغسل ، فكلهم يجيز
إخراجه وغسله ، هذا قول مالك والثوري والشافعي ، إلا أن مالكًا
قال : ما لم يتغير - في رواية علي بن زياد عنه .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا وضع في اللحد وغطي بالتراب ،
ولم يغسل ، لم [ ينبغ ] (١) لهم أن ينبشوه من قبره ، وهو قول
أشهب ، والقول الأول أصح ؛ بدليل حديث جابر .
ولذلك اختلفوا فيمن دفن بغير صلاة ، قال ابن القاسم : يخرج
بحدثان ذلك ما لم يتغير حتى يغسل ويصلى عليه . وهو قول
سحنون، وقال أشهب : إن ذكروا ذلك قبل أن يهال عليه التراب ،
أخرج وصلي عليه ، وإن أهالوا عليه التراب فليترك ، وإن لم يُصل
عليه ، وروى ابن نافع عن مالك في المبسوط : إذا نُسيت الصلاة على
الميت حتى يفرغ من دفنه ، لا أرى أن ينبشوه لذلك ، ولا يصلى على
قبره ، ولکن يدعون له .
ومن كتاب ابن سحنون : وإذا نسوا في القبر ثوبًا أو كساءً لرجل ،
فإنه ينبش ويخرج ، وفي العتبية قال سحنون : ولو ادعى رجل أن
الثوب الذي على الكفن له أو كان خاتماً أو دينارًا ، فإن كان ذلك
يعرف ، أو أَقَرَّ بِهِ أهل الميت ، ولم يَدَّعُوه لهم أو للميت ، جعل لهم
سبيل إلى إخراج الميت . وفي سماع عيسى عن ابن القاسم : إذا دفن:
(١) في ((الأصل)) : ينبغي . !
- ٣٣٦ -

في ثوب ليس له فلينبش لإخراجه لربه ، إلا بأن يطول أو يروح الميت
فلا أرى لذلك سبيلا .
وفي قول جابر: (( نفث عليه من ريقه)) حجة على من قال : إن
ريق ابن آدم ونخامته نجس، وهو قول يروى عن [ سَلْمان ] (١)
الفارسي ، والعلماء كلهم على خلافه، والسنن وردت بردِّه، ومعاذ الله
أن يكون ريق النبي نجسًا، وينفثه على وجه التبرك به /، وهو صلى الله [١/ ق ٢٤٠ -ب]
عليه عَلَّمنا النظافة والطهارة ، وبه طهرنا الله من الأدناس .
وجماعة الفقهاء يقولون بطهارة ريق ابن آدم ونخامته على نص هذا
الحديث ، وفيه أن الشهداء لا تأكل الأرض لحومهم ، ويمكن أن يكون
ذلك في قتلى أُحُد خاصة ، ويمكن أن يشركهم في ذلك غيرهم ممن
خصه الله بذلك من خيار خلقه ، ومثل هذا الحديث ما روى مالك في
الموطأ ، عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، أنه بلغه أن عمرو بن
الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين كانا قد حفر السيل قبريهما ،
وهما ممن استشهد يوم أُحُد ، فحفر عنهما ليُغيّرا من مكانهما ،
فَوُجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس ، وكان أحدهما قد جرح فوضع
يده على جرحه ، فدفن وهو كذلك ، فأميطت يداه عن جرحه ثم
أرسلت فرجعت كما كانت ، وكان بين أُحُد وبين يوم حُفْر عنهما
[ست] (٢) وأربعون سنة .
وروى ابن عيينة ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : لما أراد معاوية
أن يُجريَ العَيْنَ بِأُحُد ، نودي بالمدينة : من كان له قتيل فليأت . قال
جابر : فأتيناهم فأخرجناهم رطابًا يتثنون ، فأصابت المسحاة أصبع
(١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عنه (١/ ١٤٠) ووقع في ((الأصل)): سليمان.
وهو تحريف .
(٢) في (( الأصل)): ستة.
- ٣٣٧ -

رجل منهم فانفطرت دمًا . وقال سفيان : بلغني أنه حمزة بن عبد
المطلب ، وهذا الوقت غير الوقت الذي أخرج فيه جابر أباه من قبره
*
باب : (الشق واللحد ) (١) في القبر
:
( وسمي اللحد ؛ لأنه في ناحية ملتحدًا معتدلا ، ولو كان مستقيمًا
لكان جرفًا ) (٢).
فيه : جابر : « كان النبي - عليه السلام - يجمع بين الرجلین من قتلی
أُحُد ، ثم يقول : أيهم أكثر أخذًا للقرآن ؟ فإذا أشير له إلى أحدهما ،
قدمه في اللحد ، فقال : أنا شهيد على هؤلاء ... )) الحديث .
قال عيسى بن دينار : اللحد أحب إلى العلماء ؛ لأن النبي - عليه
السلام - لُحدَ له ، ونصب على لحده اللبن ، ولَحَد عليه السلام لابنه
إبراهيم ونصب عليه اللبن ، ولحد لأبي بكر وعمر ، وأوصى عمر
أهله: إذا وضعتموني في لحدي فأفضوا بخدي إلى الأرض . وأوصى
ابن عمر أن يلحد له ، واستحب ذلك النخعي ومالك وأبو حنيفة
وأصحابه وإسحاق ، وقالوا : هذا الذي اختار الله لنبيه .
وقال عيسى بن دينار : اللحد : أن يحفر له تحت الجرف في حائط.
قبلة القبر . وفي سماع ابن غانم : اللحد والشق كل واسع ، واللحد
أحب إليّ . وقال الشافعي : إن كانت أرضًا شديدة لُحد لهم، وإن
كانت رقيقة شق لهم . وقد روي عن الرسول من حديث جرير وغيره
(١) في الصحيح المطبوع مع الفتح (٢٥٨/٣) اللحد والشق، ولم يذكر الحافظ ابن
حجر في الفتح غيره، فالله أعلم .
(٢) ما بين القوسين ليس في المطبوع من الصحيح ، ولم يشر إليه الحافظ في الفتح.
- ٣٣٨ -

أنه قال: (( اللحد لنا، والشق لغيرنا)) ولهذا الحديث - والله أعلم -
كره الشق .
باب : إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه
وهل يعرض على الصبي الإسلام
وقال الحسن وشريح وإبراهيم وقتادة : إذا أسلم أحدهما فالولد مع
المسلم، وكان ابن عباس مع أمه من المستضعفين ، ولم يكن مع أبيه على
دین قومه ، وقال : الإسلام يعلو ولا يُعلى .
وفيه : ابن عمر قال: (( انطلق النبي - عليه السلام - في رهط قبَل ابن
صياد، حتى وجدوه يلعب مع الصبيان عند ( أكم) (١) بني مَغَالة ، وقد
قارب ابن صياد الحلم، فلم يشعر حتى ضرب النبي بيده ، ثم قال لابن
صياد : تشهد أني رسول الله ؟ فنظر إليه ابن صياد فقال : أشهد أنك
رسول الأميين ، فقال ابن صياد للنبي - عليه السلام - : أتشهد أني
رسول الله ؟ فرفضه وقال : آمنت بالله ورسله ، فقال له : ماذا ترى ؟ قال
ابن صياد : يأتيني صادق وكاذب ، فقال عليه السلام : خلط عليك
الأمر ، ثم قال له النبي - عليه السلام - : إني قد خبأت لك خبًا ، فقال
ابن صياد : هو الدخ . فقال له : اخسأ ، فلن تعدو قدرك ، فقال عمر : با
رسول الله ، دعني أضرب عنقه ، فقال رسول الله : إن يك هو فلن تسلط
عليه ، وإن لم يك هو فلا خير لك في قتله)).
وقال سالم عن ابن عمر: (( انطلق بعد ذلك النبي - عليه السلام -
(١) في الصحيح المطبوع (٢٥٩/٣): أطم. قال ابن حجر (٢٦١/٣): بضمتين ،
بناء كالحصن . ١ هـ. ولم يشر إلى وقوعها في شيء من الروايات كما هنا ،
والأكم هو التل .
- ٣٣٩ -

وأبي بن كعب إلى النخل التي فيها ابن صياد وهو [ يختل ] (١) أن
يسمع من ابن صياد شيئًا قبل أن يراه ابن صياد ، فرآه النبي - عليه
السلام - وهو مضطجع(٢) له فيها رمرمة ، فرأت أم ابن صياد رسول الله
فقالت لابن صياد : يا صاف - وهو اسم ابن صياد - هذا محمد . فثار
ابن صياد ، فقال النبي - عليه السلام -: لو تركته بَيّن)) وقال شعيب :
زمزمة [ فرصه ] (٣) .
وفيه: أنس قال: (( كان غلام يهودي يخدم النبي - عليه السلام -
فمرض ، فأتاه الرسول يعوده فقعد عند رأسه ، فقال له : أسلم. فنظر
إلى أبيه ، فقال : أطع أبا القاسم . فخرج النبي وهو / يقول : الحمد لله
الذي أنقذه من النار )) .
[١/ق٢٤١-١]
وفيه : ابن عباس: (( كنت أنا وأمي من المستضعفين ، أنا من الولدان ،
وأمي من النساء )) .
قال ابن شهاب : يصلى على كل مولود توفي ، وإن كان لغَيَّة من أجل
أنه ولد على فطرة الإسلام ، يَدْعِي أبواه الإسلام ، أو أبوه خاصة ، وإن
كانت أمه على غير الإسلام إذا استهل صارخًا صُلِّي عليه ، ولا يصلى
على من لا يستهل من أجل أنه سقط ، وأن أبا هريرة كان يحدث ، قال
النبي - عليه السلام -: (( ما من مولود يولد إلا على الفطرة ، فأبواه
يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، هل
تحسون فيها من جدعاء ... )) الحديث .
قال المهلب : يُصلَّى على الصبي الصغير المولود في الإسلام ؛ لأنه
(١) بالخاء المعجمة الساكنة بعدها مثناة مكسورة أي : يخدعه ، والمراد : أنه كان
يريد أن يستغفله ليسمع كلامه وهو لا يشعر، قاله ابن حجر في الفتح (٢٦١/٣).
ووقع في ((الأصل)): يخيل. بياء - آخر الحروف - قبل اللام، وهو تصحيف.
(٢) يعني فيّ قطيفة. كما في الصحيح المطبوع مع الفتح (٢٥٩/٣).
(٣) في ((الأصل)) بالضاد المعجمة، والصواب في رواية شعيب أنها بالمهملة كما
في فتح الباري لابن حجر (٢٦٢/٣) ورويت: فرفصه، انظر الفتح.
- ٣٤٠ -