Indexed OCR Text

Pages 301-320

وقد روى يونس ، عن ابن وهب أنه سمع من يقول ذلك ، قال
إبراهيم : كان الأسود إذا كان في الجنازة نساء مشى أمامها، وإذا لم
يكن معها نساء مشى خلفها .
قال ابن المنذر : ومن تبع الجنازة حيثما مشى منها فليكثر ذكر الموت
والفكر في صاحبهم ، وأنهم صائرون إلى ما صار إليه ، وليستعد
للموت وما بعده ، سهل الله لنا الاستعداد للقائه برحمته .
وسمع أبو قلابة صوت قاصّ فقال: كانوا يعظمون الموت بالسكينة.
وآلَى ابنُ مسعود ألا يكلم رجلا رآه يضحك في جنازة . وقال مطرف
ابن عبد الله : كان الرجل يلقى الخاصّ من إخوانه في الجنازة له عهد
عنده ، فما يزيده على التسليم ، ثم يُعرض عنه كأن له عليه موجدة ؛
اشتغالا بما هو فيه ، فإذا خرج من الجنازة سَائَلَهُ عن حاله .
وفي سماع أشهب : قال أسيد بن الحضير / : لو كنتُ في حالتي (٢٣٤/١-١]
كلها مثلي في ثلاث : إذا ذكرت النبي - عليه السلام - وإذا قرأت
سورة البقرة ، وما شهدت جنازة قط فحدَّثْتُ نفسي إلا بما يقولُ ويقالُ
له إذا انصرف .
*
باب: من صَفّ صَفَّيْن أو ثلاثة على الجنازة خلف الإمام
فيه: جابر: (( أن النبي - عليه السلام - صلى على النجاشي ، فكنت
في الصف الثاني أو الثالث )) .
الصفوف على الجنازة من سُنّة الصلاة عليها ، وقد روى مالك بن
هبيرة ، أن النبي - عليه السلام - قال: (( ما من مسلم يصلي عليه
ثلاث صفوف من المسلمين إلا أوجب)) .
- ٣٠١ -

قال الطبري : فينبغي لأهل الميت إذا لم يُخش عليه التغيّر أن ينتظروا
اجتماع قومٍ تقوم منهم ثلاث صفوف لخبر مالك بن هبيرة .
وقد روى الطبري من حديث أبي هريرة وعائشة عن النبي - عليه
السلام - قال : (( ما من مسلم صلى عليه مائة من المسلمين إلا شفعوا
فيه)) وحديث ابن عباس عن النبي - عليه السلام - قال: (( ما من
رجل يقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم
الله )).
فإن قال قائل : ما وجه اختلاف العدد في هذه الأحاديث الواردة
فيمن يصلي على الميت فيغفر له بصلاتهم ؟ قيل : وجه ذلك - والله
أعلم - أنها وردت جوابًا لسؤال سائلَيْن مختلفَيْن ؛ لأنه عليه السلام
لم يكن ينطق عن الهوى ، فكأن سائلا سأله من صلى عليه مائة رجل
هل يشفعون فيه ؟ قال : نعم . وسأله آخر : من صلى عليه أربعون
رجلا ؟ فقال مثل ذلك . ولعله لو سُئل عن أقل من أربعين لقال مثل
ذلك .
وقد بيّنا في حديث مالك بن هبيرة ما يدل على أقل من أربعين ؛
لأنه قد يمكن أن تكون الثلاث صفوف أقل من أربعين ، كما يمكن أن
تكون أكثر ، وإنما عَيْن المائة والأربعين في الأحاديث المتقدمة وهو من
حيز الكثرة ؛ لأن الشفاعة كلما كثر المشفعون فيها كان أَوْكَدَ لها ، ولا
تخلو جماعة من المسلمين لهم هذا المقدار أن يكون فيها فاضل لا ترد
شفاعته، أو يكون اجتماع هذا العدد بالضراعة إلى الله شفيعًا عنده.
باب : الصفوف على الجنازة
فيه: أبو هريرة قال: (( نعى النبي - عليه السلام - إلى أصحابه
النجاشي ، ثم تقدم فصفوا خلفه، فكبر أربعًا)) .
- ٣٠٢ -
۔۔

وفيه : ابن عباس : (( أن النبي - عليه السلام - أتى قبر منبوذ فصفهم
فكبروا أربعًا )).
وفيه : جابر قال : قال النبي - عليه السلام -: (( قد توفي اليوم رجلٌ
صالح من الحبش ، فهلم فصلوا عليه ، فصففنا فصلى بنا النبي - عليه
السلام - علیه ونحن صفوف )) .
قال المؤلف : يحتمل أن يترجم البخاري - رحمه الله - هذا الباب
والذي قبله خلافًا لعطاء ، فإن ابن جريج قال : قلت لعطاء : أفحق
على الناس أن يسوّوا صفوفهم على الجنائز كما يسوونها في الصلاة ؟
قال : لا ؛ لأنهم قوم يكبرون ويستغفرون . وروى حميد عن أنس
قال: (( لما جاءت وفاة النجاشي للنبي - عليه السلام - وصَلَّى عليه ،
قال بعض أصحابه: صَلَّى عَلَى علج ، فنزلت: ﴿وإن من أهل
الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم ﴾ (١) الآية)).
باب : صفوف الصبيان مع الرجال على الجنازة
فيه : ابن عباس: (( أن النبي - عليه السلام - مَرّ بقبر دفن ليلا فقال :
متى دفن هذا ؟ فقالوا : البارحة . قال : أفلا آذنتموني ؟ قالوا : دفناه في
ظلمة الليل ، فكرهنا أن نوقظك . فقام فصففنا خلفه ، قال ابن عباس :
وأنا فيهم فصلى عليه )) .
قال المؤلف : فيه صلاة الصبيان مع الرجال على الجنائز ؛ لأن ابن
عباس كان حينئذ صغيرًا ، وفيه من الفقه أنه ينبغي تدريب الصبيان على
جميع شرائع الإسلام ، وحضورهم مع الجماعات ليستأنسوا إليها ،
وتكون لهم عادة إذا لزمتهم ، وإذا ندبوا إلى صلاة الجنازة ؛ ليدربوا
(١) آل عمران : ١٩٩ .
- ٣٠٣ -

عليها ، وهي من فروض الكفاية على البالغين ، فأحرى أن يندبوا إلى
صلاة الفريضة ، التي هي فرض عين على كل بالغ ، وقد روي عن
(٢٣٤/١- ب] الرسول أنه قال: ((مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر)) /
وقد تقدم ذلك في كتاب الصلاة .
باب : سنّة الصلاة على الجنائز
وقال الرسول: (( من صلى على الجنازة)) وقال: ((صلوا على
صاحبكم)) وقال: ((صلوا على النجاشي )) فسماها صلاة ليس فيها
رکوع ولا سجود ولا يتكلم فيها وفيها تکبیر وتسلیم ، وكان ابن عمر
لا يصلي إلا طاهرًا، ولا يصلي عند طلوع الشمس ولا غروبها ، ويرفع
يديه . قال الحسن : أدركت الناس وأحقّهم بالصلاة على جنائزهم من
رضوه لفرائضهم . إذا أحدث يوم العيد أو عند الجنازة يطلب الماء
ولا يتيمم ، وإذا انتهى إلى الجنازة وهم يصلون دخل معهم بتكبيرة ،
وقال ابن المسيب : يكبر بالليل والنهار والسفر والحضر أربعًا . وقال
أنس: التكبيرة الواحدة استفتاح للصلاة . وقال تعالى : ﴿ولا تصل
على أحد منهم مات أبدًا ﴾ (١) وفيه صفوف وإمام .
وفيه : ابن عباس: (( أن النبي - عليه السلام - صلى على قبر منبوذ،
فأمَّنَا ، فصففنا خلفه فقلنا: يا [أبا عمرو] (٢) من حدَّثُك؟ قال : ابن
عباس )) .
(١) التوبة : ٨٤ .
(٢) هو أبوٍ عمرو عامر بن شراحيل الشعبيٍ، وهو القائل في هذه الرواية : أخبرني
من مَرّ مع نبيكم ◌َّ على قبر منبوذ فأمَّنا فصففنا خلفه، فقلنا : يا أبا عمرو ،
من حدثك ؟ قال : ابن عباس - رضي الله عنهما . رواه عنه أبو إسحاق
الشيباني سليمان بن أبي سليمان .
ووقع في الأصل: ((أبا عُمر)). وهو تحريف.
- ٣٠٤ -

قال المؤلف : غرض البخاري الرد على الشعبي ، فإنه أجاز الصلاة
على الجنازة بغير طهارة ، قال : لأنها دعاء ليس فيها ركوع
ولا سجود. والفقهاء مجمعون من السلف والخلف على خلاف قوله ،
فلا يلتفت إلى شذوذه .
وأجمعوا أنها لا تصلى إلا إلى القبلة ، ولو كانت دعاء كما زعم
الشعبي لجازت إلى غير القِبلة ، واحتجاج البخاري في هذا الباب
يكفي بعضه ، وهو أن النبي سماها صلاة ، وقول السلف الذين
ذكرهم في الباب أن حكمها عندهم حكم الصلاة في أن لا تصلى
إلا بطهارة ، وفيها تكبير وسلام ، ولا تصلى عند طلوع الشمس
ولا غروبها ، وأن الرسول أَمَّهم فيها وصلوا خلفه ، كما فعل في
الصلاة، إلا أنهم اختلفوا في صلاتها إذا خشي فوتها بالتيمم ، فقال
مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور : ولا تصلي إلا بطهارة ، ولا يجوز
التيمم لها ، وأجاز التيمم لها إذا خاف فوتها : عطاء وسالم والنخعي
والزهري وربيعة والليث والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي وابن وهب
صاحب مالك .
وقال ابن حبيب : الأمر في ذلك واسع . واحتج هؤلاء بأن صلاة
الجنازة لها مزية على سائر النوافل ؛ لأنه قد اختلف فيها ، فقيل : إنها
فريضة على الكفاية . وقيل : إنها سُنَّة مؤكدة . فإذا خيف عليها
الفوت جاز استدراك فضيلتها بالتيمم .
واحتج أهل المقالة الأولى فقالوا : أجمع أهل [ العلم ] (١) على
أن من خاف فوت الجمعة ، أنه لا يجوز له التيمم مثل أن يدرك الإمام
في الركعة الثانية ، فإن تيمم أدركها مع الإمام ، وإن توضأ فاتته ،
فكلهم قال: لا يتيمم وإن فاتته الجمعة. فالذي يخاف فوت الجنازة
(١) ليست في ((الأصل)) والسياق يقتضيها أو نحوها.
- ٣٠٥ -

أَوْلى بذلك ؛ لأنها صلاة تفتقد إلى القبلة مع القدرة ، وفيها تكبير
وسلام ، والتيمم طهارة ضرورية ، وصلاة الجنازة لا ضرورة إليها ؛
لأنه لا يخلو إما أن يكون وحده فيتوضأ ويصلي ، أو يكون مع غيره
ممن هو على وضوء ، وإن كان ذلك الغير إذا صلى عليها كفى ،
وسقطت عن غيره ، قال ابن القصار : وهذا لازم لهم .
واختلفوا في رفع اليدين في تكبير الجنازة ، فقال مالك في المدونة :
لا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى، وروى مطرف وابن الماجشون
مثله ، وإليه ذهب الكوفيون والثوري . وروى ابن وهب عن مالك أنه
يعجبه الرفع في كل تكبيرة ، وروي مثله عن ابن عمر وسالم وعطاء
والنخعي ومكحول والزهري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق ..
وذكر ابن حبيب عن ابن القاسم أنه لم يكن يرى الرفع في الأولى
ولا في غيرها ، قال ابن أبي زيد : والمعروف عن ابن القاسم الرفع
في الأولى ، خلاف ما ذكره عنه ابن حبيب .
واختلفوا في التسليم على الجنازة ، فقال كثير من أهل العلم :
يسلم واحدة ، روي ذلك عن علي وابن عباس وابن عمر وجابر وأبي
هريرة وأبي أمامة بن سهل وأنس وجماعة من التابعين ، وهو قول
مالك وأحمد وإسحاق .
وقال الكوفيون: يسلم تسليمتين . واختلف قول الشافعي على
القولين . وقال مالك في المجموعة : ليس عليهم رَدّ السلام على
الإمام ، وروي عنه ابن غانم قال : يرد على الإمام من سمع كلامه . ..
وكره أكثر العلماء الصلاة على الجنازة في غير مواقيت الصلاة ،
[١/ ٥ ٢٣٥- ١) روي ذلك عن ابن عمر أنه كان يصلي عليها بعد العصر / حتى تصفر.
الشمس ، وبعد الصبح حتى يسفر ، ونحوه عن الأوزاعي والثوري
والكوفيين وأحمد وإسحاق ، وكرهوا الصلاة عليها عند الطلوع ،
:
٠
- ٣٠٦ -

وعند الغروب ، وعند الزوال - زادوا وقتًا ثالثًا - وخالفهم الشافعي
فقال : لا بأس بالصلاة عليها أي ساعة شاء من ليل أو نهار، وقال :
إنما ورد النهي في التطوع ، لا في الواجب والمسنون من الصلوات .
واحتج الكوفيون بحديث عقبة بن عامر قال : « ثلاث ساعات نهانا
رسول الله أن نصلي فيها ونقبر فيها موتانا : عند طلوع الشمس حتى
تبيض ، وعند انتصاف النهار حتى تزول ، وعند اصفرار الشمس حتى
تغيب )) .
وقول الحسن : (( أحق الناس بالصلاة على جنائزهم من رضوه
الفرائضهم )) . فإن أهل العلم اختلفوا مَنْ أحق بالصلاة عليها الولي أو
الوالي ؟ فقال أكثر أهل العلم : الوالي أحق من الولي ، روي عن
علقمة والأسود والحسن وجماعة ، وهو قول مالك وأبي حنيفة
والأوزاعي وأحمد وإسحاق . إلا أن مالكًا قال في الوالي والقاضي:
إن كانت الصلاة إليهم فهم أحق من الولي .
وقال مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ : ليس ذلك إلى من إليه
الصلاة من قاضٍ ، أو صاحب شرطة ، أو خليفة الوالي الأكبر ، وإنما
ذلك إلى الوالي الأكبر الذي تؤدى إليه الطاعة .
وقال أبو يوسف والشافعي : الولي أحق من الوالي . واحتج
أصحاب الشافعي بقوله : ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾ (١)
فهم أَوْلى من غيرهم في كل شيء إلا أن تقوم دلالة .
وحجة القول الأول ما رواه الثوري ، عن [ أبي ] (٢) حازم قال :
((شهدت الحسين بن علي قدّم سعيد بن العاص يوم مات الحسن بن
عليّ - رضي الله عنهما - وقال له : تقدم ، فلولا السَّنَّة ما قدمتك .
(١) الأنفال: ٧٥. (٢) سقط من ((الأصل))، وهو أبو حازم سلمة بن دينار.
- ٣٠٧ -

وسعيد يومئذ أمير المدينة)) . وقال ابن المنذر : ليس في هذا الباب
أعلى من هذا ؛ لأن جنازة [ الحسن ] (١) شهدها عوام الناس من
أصحاب الرسول والمهاجرون والأنصار ، فلم يُنكر ذلك منهم أحد ،
فدل أنه كان عندهم الصواب .
باب : فضل اتباع الجنائز
وقال زید بن ثابت : إذا صليت فقد قضيت الذي عليك . وقال حميد
ابن هلال : ما علمنا على الجنازة من إذن ، ولكن من صلى ثم رجع فله
قيراط .
... ...
وفيه : ابن عمر: أنه حَدَّث أن أبا هريرة يقول: (( من تبع الجنازة فله
قيراط. فقال : أكثرَ أبو هريرة علينا، فصدَّقَتْ - يعني: عائشة - أبا هريرة
وقالت : سمعت رسول الله ێ بقوله )).
اختلف العلماء في الانصراف من الجنازة ، هل يحتاج إلى إذن أم
لا؟ فروي عن زيد بن ثابت وجابر بن عبد الله وعروة بن الزبير
والقاسم بن محمد وقتادة وابن سيرين وأبي قلابة أنهم كانوا ينصرفون
إذا وريت الجنازة ولا يستأذنون ، وهو قول الشافعي وجماعة من
العلماء . ولمالك وأصحابه جواز الانصراف قبل الصلاة عليها وبعدها
دون إذن ، سأذكره في الباب بعد هذا - إن شاء الله تعالى .
وقالت طائفة : لا بد من الإذن في ذلك ، روي هذا عن عمر وابن
مسعود وابن عمر وأبي هريرة ، والمسور بن مخرمة والنخعي أنهم كانوا
لا ينصرفون حتى يستأذنوا. وروى ابن عبد الحكم عن مالك قال : لا
يجب لمن شهد جنازة أن ينصرف عنها حتى يُؤذن له إلا أن يطول ذلك.
(١) في ((الأصل)): ((الحسين)) وهو خطأ.
- ٣٠٨ -

والقول الأول أَوْلى بالصواب بدليل قوله عليه السلام : (( من شهد
جنازة فله قيراط ، ومن شهد حتى تدفن كان له قيراطان )) لأن قوله :
(( حتى تدفن)) لفظ حَضّ وترغيب ، لا لفظ حتم ووجوب ؛ ألا ترى
قول زيد بن ثابت : إذا صليت فقد قضيت الذي عليك .
*
باب : من انتظر حتى تدفن
فيه : أبو هريرة قال: قال عليه السلام: (( من شهد الجنازة حتى يصلي
فله قيراط ، ومن شهد حتى تدفن كان له قيراطان ، قيل : وما القيراطان؟
قال : مثل الجبلين العظيمين )) .
قد قلنا أن الحديث يدل على أنه لا يحتاج إلى إذن في الانصراف من
الجنازة ؛ لأنه أخبر عليه السلام أن من شهد الصلاة فله قيراط ، ومن
شهد الدفن فله قيراطان. / فوكله عليه السلام إلى اختياره أن يرجع [١/ق٢٣٥ -ب]
بقيراط من الأجر إن أحب ، أو بقيراطين ، فدل على تساوي حكم
انصرافه بعد الصلاة وبعد الدفن في أنه لا إذن عليه لأحد فيه ، حين رد
الاختيار إليه في ذلك ، هذا مفهوم الحديث .
وقد أجاز مالك وبعض أصحابه لمن شيع الجنازة أن ينصرف منها قبل
أن يصلي عليها ، في سماع أشهب قال : سألت مالكًا : هل يحمل
الرجل الجنازة وينصرف ولا يصلي عليها ؟ قال : لا بأس بذلك - إن
شاء الله . وروى عنه ابن القاسم أنه لا ينصرف قبل الصلاة إلا لحاجة
أو علَّة. قال ابن القاسم : وذلك واسع لحاجة أو غيرها ، وليست
بفريضة - يعني : إذا بقي من يقوم بها .
قال ابن حبيب : لا بأس أن يمشي الرجل مع الجنازة ما أحب ،
وينصرف عنها قبل أن يصلي عليها . قاله جابر بن عبد الله .
- ٣٠٩ -

باب : الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد
فيه: أبو هريرة: ((نعى لنا رسول الله وَلفر النجاشي صاحب الحبشة اليوم
الذي مات فيه فقال : استغفروا لأخيكم )) .
وقال أبو هريرة: ((أن الرسول صف بهم بالمصلَّى، فكبر عليه أربعًا)).
وفيه : ابن عمر : (( أن اليهود جاءوا إلى الرسول برجل منهم وامرأة
زنيا، فأمر بهما فَرُجما قريبًا من موضع الجنائز عند باب المسجد )) .
قال المؤلف : المصلَّى موضع يُصلَّى فيه على الجنائز، وإنما ذَكرَ
المسجد في هذه الترجمة لاتصاله بمصلى الجنائز ، فلذلك ترجم له .
قال ابن حبيب : إذا كان مُصلى الجنائز قريبًا من المسجد أو لاصقًا به
مثل مصلى الجنائز بالمدينة ، فإنه لاصق بالمسجد من ناحية السوق ؛ فلا
بأس بوضع الجنائز في المصلى خارجًا من المسجد ، وتمتد الصفوف
بالناس في المسجد كذلك .
قال مالك : فلا يعجبني أن يصلى على أحد في المسجد . وهو قول
ابن أبي ذئب وأبي حنيفة وأصحابه ، وروي مثله عن ابن عباس .
قال ابن حبيب: ولو فعل ذلك [ فاعل ] (١) ما كان ضيقًا ولا.
مكروهًا؛ فقد صلى رسول الله وَله على سهيل بن بيضاء في المسجد،
وصلى صهيب على عمر في المسجد ، وهو قول عائشة ، وقال ابن
المنذر : صُلي على أبي بكر وعمر في المسجد ، وأجاز الصلاة في
المسجد : الشافعي وأحمد وإسحاق .
وقال إسماعيل بن إسحاق : لا بأس بالصلاة على الجنازة في
المسجد إذا احتيج إلى ذلك . وحجة من لم ير الصلاة في المسجد ما
رواه ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة ، عن أبي هريرة ، عن
الرسول أنه قال: (( من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له )).
(١) في (( الأصل)): فاعلا.
- ٣١٠ -

قال الطحاوي : فلما اختلفت الآثار في هذا الباب ، احتجنا إلى
كشف ذلك لنعلم المتأخر ، فكان في حديث عائشة دليل أنهم تركوا
الصلاة على الجنائز في المسجد بعد أن كانت تفعل فيه حتى ارتفع ذلك
من فعلهم ، وذهبت معرفته على عامتهم .
وفي إنكار من أنكر ذلك على عائشة ، وهم يومئذ أصحاب رسول
الله دليل أنهم قد كانوا علموا في ذلك خلاف ما علمتْ ، وقال الذين
احتجوا بصلاة رسول الله صل على سهيل بن بيضاء في المسجد:
الحجة في رسول الله ، وفيه الأسوة الحسنة ، ألا ترى قول عائشة : ما
أسرع ما نسي الناس (١) . وليس من نسي علمًا بحجة على من ذكره
وعلمه ، ولو كان قولها خطأ عندهم لما سكتوا عن تبيينه لها . وقال
إسماعيل بن إسحاق : وما روي عن الرسول أنه قال: (( من صلى
على ميت في المسجد فلا شيء له )) فإسناده ضعيف لا يثبت ، وقاله
ابن المنذر أيضًا .
باب : ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور
ولما مات الحسن بن الحسن بن علي ضَربت امرأتُه القبة على قبره سَنَّةً ،
ثم رفعت فسمعوا صائحًا يقول : ألا هل وجدوا ما فقدوا ؟ فأجابه آخر:
بل بئسوا فانقلبوا .
فيه: عائشة قالت: (( قال عليه السلام في مرضه الذي مات فيه: لعن الله
اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . قالت : ولولا ذلك
/ لأبرز قبره غير أنني أخشى أن يتخذ مسجداً )).
[١/ق٢٣٦-١]
قال المهلب : هذا النهي من باب قطع الذريعة ؛ لئلا يَعبد قبرَهُ
الجهالُ كما فعلت اليهود والنصارى بقبور أنبيائها .
(١) في ((الأصل)): ما أسرع وروي عنها: ما أسرع ما نسى الناس. كذا .
- ٣١١ -

روى ابن القاسم عن مالك في العتبية أنه كره المسجد على القبور ،
فأما مقبرة دائرة يبنى عليها مسجد يُصلى فيه فلا بأس به . في سماع
أشهب قال مالك : أول من ضرب على قبر فسطاطًا عمر ، ضرب
على قبر زينب بنت جحش زوج النبي - عليه السلام - وأوصى أبو
هريرة أهله عند موته ألا يضربوا عليه فسطاطًا. و[ هو ] (١) قول أبي
سعيد الخدري وسعيد بن المسيب، ذكره ابن وهب في موطئه .
قال ابن حبيب : ضرب الفسطاط على قبر المرأة أجوز منه على قبر
الرجل ، فأُجيز وكُره ، ومن كرهه فإنما كرهه من جهة السمعة ،
وضربته عائشة على قبر أخيها ، فنزعه ابن عمر ، وضربه محمد ابن
الحنفية على قبر ابن عباس فأقام عليه ثلاثة أيام .
ومعنى ضرب القبة على الحسن حين ضربت عليه : سكنت وصلي
فيها ، فصارت مسجدًا على القبر ، وإنما أورد ذلك دليلا على الكراهية
لقول الصائح: ((ألا هل وجدوا ... )) القصة .
باب : الصلاة على النفساء إذا ماتت
من نفاسها فقام وسطها
وترجم له باب من أين يقوم من المرأة والرجل .
قال الطحاوي : ذهب قوم إلى الأخذ بحديث سمرة (٢) وقالوا:
هذا المقام الذي ينبغي أن يقومه المصلي على الجنازة على المرأة
والرجل، روي ذلك عن النخعي ، وهو قول أبي حنيفة .
وخالفهم في ذلك آخرون وقالوا : أما المرأة فهكذا يقام عند
(١) كأنه سقط من الناسخ
(٢) هو قوله رضي الله عنه: ((صليت وراء النبي وَ﴿ على امرأة ماتت في نفاسها،
فقام علیھا وسطها )»
- ٣١٢ -

وسطها ، وأما الرجل فعند رأسه . روي هذا عن أبي يوسف وأحمد
ابن حنبل . وروى ابن غانم ، عن مالك قال : يقوم عند وسط المرأة
ولم يذكر الرجل . والحجة لأبي يوسف وأحمد ما روى إبراهيم بن
مرزوق قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق ، حدثنا هشام ، حدثنا أبو
غالب قال : ((رأيت أنس بن مالك صلى على رجل فقام عند رأسه ،
وجيء بجنازة امرأة فقام عند وسطها ، فقال له العلاء بن زياد : يا أبا
حمزة ، هكذا كان يفعل رسول الله ؟ قال : نعم)) .
قال الطحاوي : فبيّن أنس في هذا الحديث أن النبي - عليه
السلام- كان يقوم من المرأة عند وسطها على ما في حديث سمرة ،
وزاد عليه حكم الرجل في القيام منه للصلاة عند رأسه ، فهو أولى من
حديث سمرة .
وقال أبو يوسف : إنما يقوم من المرأة عند وسطها ؛ لأنها مستورة
بالنعش ، ومن الرجل حيال صدره ؛ لأنه إن قام وسطه وقع بصره
على فرجه ، ولعل ذلك أن يبدو .
قال الطحاوي : وزعم زاعم أن قيام المصلي عند وسط المرأة إنما
كان لعلة أنه لم تكن نعوش ، فكان يقوم بحيال عجيزتها يسترها عن
القوم ، وذلك محال ؛ لأن النعوش قد اتخذت في خلافة أبي بكر ،
وكان أول من اتخذت له فاطمة بنت رسول الله ؛ لأنها قالت لهم عند
وفاتها : إني امرأة ضئيلة يراني الناس بعد وفاتي ، فأحب أن يستر
نعشي بالثياب . وقالت أم سليم وأسماء بنت عميس أنهما [ رأتا ] (١)
في أرض الحبشة النعوش ، وأنها للناس مغطاة ، فاتخذ لها نعش ،
فاتخذت فيه وبقي الناس إلى يومنا هذا على ذلك.
وفي المسألة قول ثالث ذكره سحنون في المدونة عن ابن مسعود قال:
يقوم عند وسط الرجل ، وفي المرأة عند منكبيها . وذكر ابن المنذر عن
(١) في ((الأصل)»: رأت . وهو خلاف الجادة.
- ٣١٣ -

الحسن قال : لا يبالي أين قام من الرجل ومن المرأة . وبه قال ابن
شعبان ، وهذان القولان خلاف حديث سمرة وحديث أنس ، ولا
حجة لهما .
باب : التكبير على الجنازة أربعًا
قال حميد: صلى بنا أنس فكبر ثلاثًا ، فقيل له : لمَ ؟ فاستقبل القبلة
فكبر الرابعة ، ثم سلم .
:
فيه : أبو هريرة : (( أن الرسول نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه،
وخرج بهم إلى المصلى نصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات )) .
وجمهور الفقهاء على أن تكبير الجنازة أربع ، روي ذلك عن عمر
[٢٣٦٥/١-ب) ابن الخطاب وزيد بن ثابت وابن عمر وابن أبي أوفى / والبراء بن
عازب وأبي هريرة وعقبة بن عامر ، وهو قول عطاء ومالك والثوري
والكوفيين والأوزاعي وأحمد والشافعي .
واختلف الصحابة فيها من ثلاث إلى تسع ، وما سوى الأربع
شذوذ لا يلتفت إليه ، وقال النخعي: قبض رسول الله والناس
مختلفون ، فمنهم من يقول : كبر النبي أربعًا ، ومنهم من يقول :
خمسًا وسبعًا ، فلما كان عمر جمع الصحابة فقال : انظروا أمرًا
تجتمعون عليه ، فأجمع رأيهم على أربع تكبيرات ، فيحتمل أن يكون
ما روي عن الصحابة من خلاف في ذلك كان قبل اجتماع الناس على
أربع ، وحديث النجاشي أصح ما روي في ذلك .
وقد صلى أبو بكر الصديق على النبي - عليه السلام - فكبر أربعًا،
وصلى عمر على أبي بكر فكبر أربعًا ، وصلى صهيب على عمر فكبر
أربعًا، وصلى الحسن بن عَلِيٍّ عَلَى عليٌّ فكبر أربعًا ، وصلى عثمان
على جنازة فكبر أربعًا ، وعن ابن عباس وأبي هريرة والبراء مثله ،
فصار الإجماع منهم قولا وعملا ناسخًا لما خالفه ، وصار إجماعهم
- ٣١٤ -

حجة ، وإن كانوا فعلوا في عهد النبي - عليه السلام - خلافه لأنهم
مأمونون على ما فعلوا كما هم مأمونون على ما رووا .
فإن قيل : فكيف يكون ذلك ناسخًا ، وقد كبّر عليّ بعد ذلك أكثر
من أربع تكبيرات ؛ على سهل بن حنيف ستًا ، وعلى أبي قتادة سبعًا؟
قيل له : إن عليا فعل ذلك لأن أهل بدر كان حكمهم في الصلاة
عليهم أن يزاد فيها من التكبير على ما يكبر على غيرهم من سائر
الناس، والدليل على ذلك ما رواه ابن أبي زياد ، عن عبد الله بن
مَعْقل قال : صليت مع عليّ [ عَلَى جنازة ، فكبر عليها خمسًا ، ثم
التفت فقال: ((إنه من أهل بدر)) ثم صليت مع عليٌّ عَلَى ] (١) جنائز
، كل ذلك يكبر عليها أربعًا .
قال الطحاوي : فكان هذا حكم الصلاة على أهل بدر ، وقد
حدثني القاسم بن جعفر، حدثني [ زيد] (٢) بن [ أخزم] (٣)،
حدثنا يعلى بن عبيد ، حدثنا سليمان بن بشير قال : صليت خلف
الأسود بن يزيد وهمام بن الحارث والنخعي فكانوا يكبرون أربعًا أربعًا،
قال همام : وجمع عمر بن الخطاب الناس على أربع إلا على أهل بدرٍ
فإنهم كانوا يكبرون عليهم خمسًا وستًا وسبعًا .
قال مالك : وإن صلى خلف من يكبر الخامسة فلا يسلم إلا بسلامه،
ورواه عنه ابن الماجشون ، وقاله مطرف . وروى ابن القاسم عن مالك
في العتبية أن المأموم يقطع بعد الرابعة ، وكذلك في سماع ابن وهب
وهو قول أبي حنيفة .
ولم يحفظ عن النبي - عليه السلام - أنه سلم على الجنازة من
طريق الرواية ، وأجمع الصحابة والتابعون وأئمة الفتوى بعده على
(١) سقط من ((الأصل))، كأنه بسبب انتقال بصر الناسخ، وأثبته من شرح معاني
الآثار (٤٩٧/١) ومنه ينقل المؤلف .
(٢) في (( الأصل ): يزيد، وهو خطأ، والمثبت من شرح المعاني وكتب الرجال.
(٣) في (( الأصل)): أخرم بالراء ، وهو تصحيف ، والتصويب كالسياق.
- ٣١٥ -

السلام فيها ، إلا أن الفقهاء اختلفوا هل يُسلم واحدة أو اثنتين ، وأكثر
السلف والخلف على أنها تسليمة واحدة ، وروي عن الشعبي أنه يُسلّم
تسليمتين ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه . وقال الثوري : واحدة عن
يمينه .
باب : قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة
وقال الحسن : يقرأ على الطفل بفاتحة الكتاب ، ويقول : اللهم اجعله
لنا سلفًا وفرطًا وأجراً.
وفيه: طلحة بن عبد الله بن عوف قال: « صليت خلف ابن عباس على
جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب ، فقال : لتعلموا أنها سُنَّة)) .
واختلف العلماء في القراءة بفاتحة الكتاب على الجنازة ، فروي عن
ابن مسعود وابن الزبير وابن عباس و( عثمان بن حبيب ) (١) وأبي أمامة
ابن سهل بن حنيف أنهم كانوا يقرءون فاتحة الكتاب على ظاهر حديث
ابن عباس ، وهو قول مكحول والحسن البصري ، وبه قال الشافعي
وأحمد وإسحاق ، وقالوا : ألا ترى قول ابن عباس : ((لتعلموا أنها
سُنَّة)) والصاحب إذا قال سُنَّة فإنما يريد سُنَّة رسول الله وَلَيهِ ..
وذكر أبو عُبيد في ((فضائل القرآن)» عن مكحول قال : أم القرآن
قراءة ومسألة ودعاء . ومن كان لا يقرأ على الجنازة وينكر ذلك : عمر
ابن الخطاب وعليّ بن أبي طالب وابن عمر وأبو هريرة، ومن التابعين:
عطاء وطاوس وسعيد بن المسيب وابن سيرين وسعيد بن جبير والشعبي
والحكم ، وبه قال مالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه ، قال
(١) كذا في ((الأصل)) ولم أره في شيء من الكتب ، وأخشى أن يكون محرفًا عن
(« سهل بن حنيف ؟ راجع مصنف ابن أبي شيبة (٢٩٢/٣).
.- ٣١٦ -

مالك : الصلاة على الجنازة إنما هو دعاء ، وليس قراءة فاتحة الكتاب
معمولا بها ببلدنا .
قال الطحاوي : يحتمل أن تكون قراءة من قرأ فاتحة الكتاب من
الصحابة على وجه الدعاء لا على وجه / التلاوة، وقالوا: إنها سُنّة، [١/ ق٢٣٧-١]
يحتمل أن الدعاء سُنّة ؛ لما روي عن جماعة من الصحابة والتابعين
أنهم أنكروا ذلك ، ولما لم يقرءوا بعد التكبيرة الثانية دل أنه لا يقرأ فيما
قبلها ؛ لأن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة ، ولما لم يتشهد في آخرها دل
أنه لا قراءة فيها .
باب : الصلاة على القبر بعد ما يدفن
فيه : ابن عباس: (( أن النبي - عليه السلام - مر على قبر منبوذ فأمَّهم
وصلوا خلفه )) .
وفيه : أبو هريرة: ((أن أسودَ - رجل أو امرأة - كان يقم المسجد
فمات، ولم يعلم الرسول بموته ، فذكره ذات يوم فقال : ما فعل ذلك ؟
قالوا : مات يا رسول الله، قال : أفلا آذنتموني ؟! قالوا : كان كذا وكذا
فحقروا شأنه ، فقال : دلوني على قبره، فأتى قبره فصلى عليه )) .
اختلف العلماء فيمن فاتته الصلاة على الجنازة ، هل يصلي على
قبرها ؟ فروي عن عليّ وابن مسعود وعائشة أنهم أجازوا ذلك ، وبه
قال الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق ، واحتجوا بأحاديث هذا
الباب وغيرها ، وقالوا : لا يصلى على قبر إلا قرب ما يدفن ، وأكثر
ما حَدُّوا فيه شهرًاً ، إلا إسحاق فإنه قال : يصلي الغائب من شهر إلى
[ ستة أشهر] (١)، والحاضر إلى ثلاثة.
(١) كان في ((الأصل)): شهر، وهو خطأ بلا شك، وسيأتي في باب: ((الصلاة=
- ٣١٧ -

وكره قوم الصلاة على القبر ، وروي عن ابن عمر أنه كان إذا انتهى
إلى جنازة قد صلي عليها دعا وانصرف ولم يصل عليها ، وهو قول
النخعي والحسن البصري ومالك والثوري وأبي حنيفة والليث .
وقال ابن القاسم : قلت لمالك : فالحديث الذي جاء عن النبي -
عليه السلام - أنه صلى على قبر امرأة ؟ قال : قد جاء هذا الحديث
ليس عليه العمل . وقال أبو الفرج : صلاة النبي على من دُفِن خاص
له، لا يجوز لغيره ؛ لقوله عليه السلام: (( إن هذه القبور مملوءة
ظلمة حتى أصلي عليها )) .
وقال أبو حنيفة : لا يصلى على ( قبر ) (١) مرتين إلا أن يصلي عليها
غير وليها ، فيعيد وليها الصلاة عليها . وقال الطحاوي : يسقط
الفرض بالصلاة الأولى إذا صلى عليها الولي ، والصلاة الثانية لو
فعلت لم تكن فرضًا فلا يصلى عليها ؛ لأنهم لا يختلفون أن الولي إذا
صلى عليه لم يجز له إعادة الصلاة ثانية لسقوط الفرض ، وكذلك
غيره من الناس إلا أن يكون الذي صلى عليها غير الولي فلا يسقط حق
الولي ؛ لأن الولي كان إليه فعل فرض الصلاة على الميت .
وما روي عن الرسول في إعادة الصلاة ؛ فلأنه كان إليه فعل فرض
الصلاة ، فلم يكن يسقطه فعل غيره ، وقد كان عليه السلام تَقَدَّم
إليهم أن يُعلموه ، وقد قال عليه السلام: (( لا يموت منكم ميت ما
دمت بين أظهركم إلا آذنتموني به ، فإن صلاتي عليه رحمة )) .
وقد ذكر ابن القصار نحو هذه الحجة سواء ، واحتج أيضًا بالإجماع
في ترك الصلاة على قبر الرسول ، ولو جاز ذلك لكان قبره أولى أن
= على الشهيد)» (ص ٣٣٢) قول المصنف: وأكثر ما حُدَّ في ذلك ستة أشهر
فالراجح أن الصواب هنا كذلك ، والله أعلم .
(١) كذا في ((الأصل))، ويظهر أن الصواب: ((جنازة))، والله أعلم.
- ٣١٨ -

يُصلَّى عليه أبدًا ، ثم كذلك أبو بكر وعمر ، فلما لم ينقل أن أحدًا
صلى عليهم ، كان ذلك من أقوى الدلالة على أنه لا يجوز .
واختلفوا فيمن دُفن ونُسيت الصلاة عليه ، فقال أبو حنيفة ومحمد :
يصلى على القبر ما بينهم وبين ثلاث . وقال ابن وهب : إذا ذكروا
ذلك عند انصرافهم من دفنه ، فإنه لا ينبش وليصلوا على قبره ،
سمعت هذا . وقاله يحيى بن يحيى ، وروى موسى وعيسى عن ابن
القاسم أنه يخرج بحضرة ذلك ويصلى عليه ، وإن خافوا أن يتغير .
وقاله عيسى بن دينار ، وروى موسى عن ابن القاسم قال : وكذلك
إذا نسوا غسله مع الصلاة عليه .
وفي المبسوط : روى ابن نافع عن مالك إذا نسيت الصلاة حتى يفرغ
من دفنه لا ينشره ، ولا يصلى على قبره ، ولكن يدعون له ، وهو
قول أشهب وسحنون ، ولم ير بالصلاة على القبر .
وقوله: (( يقم المسجد )) يعني يكنسه ، يقال : قم فلان بيته يقمه ،
إذا كنسه ، والقمامة : الكناسة ، والمقمة المكنسة ، ومنه قولهم : اقتم
فلان ما على الخوان ، إذا أكل ( ... ) (١) كالبيت المكنوس ،
والقميم ييس البقل ، وقمت الشاة : رعت ، والإقمام : ضرب
الفحل الإبل ، يقال : أقم الفحل الإبل إذا ضربها .
وقال الخطابي : حديث ابن عباس يروى على وجهين : أحدهما :
أن يجعل المنبوذ نعتًا [ للقبر ] (٢) ومعناه أنه قبر منبوذ عن القبور،
والوجه الآخر : أن تكون الرواية على إضافة القبر إلى المنبوذ ، معناه:
(١) كلمة غير مقروءة في ((الأصل)) والمعنى: أكله فلم يدع منه شيئًا .
(٢) من غريب الحديث للخطابي (١/ ٥٤٠) (٥٢٨/٣) ووقع في ((الأصل)):
للقطيع ، وهو تحريف .
- ٣١٩ -

أنه مرّ بقبر لقيط فصلى عليه ، والمنبوذ الملقوط، وهو [ المزكوم ] (١)
أيضًا، يقال: [ زكمت] (١) به أمه فهو [ زكمة ] (١) فلان . :
*
/ باب : الميت يسمع خفق النعال
فيه : أنس : قال النبي - عليه السلام -: ((إذا وضع العبد في قبره ،
[١/ ق٢٣٧ -ب]
وتُوُلِّي و[ ذهب ] (٢) أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم ، أتاه ملكان
فأقعداه فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل محمد ؟ فيقول :
أشهد أنه عبد الله ورسوله ، فيقال : انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله
به مقعدًا من الجنة . قال عليه السلام: فيراهما جميعًا، وأما الكافر
والمنافق فيقول: لا أدري ، كنت أقول ما يقول الناس ، فيقال : لا دريت
ولا تليت . ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه ، فيصيح صيحة
يسمعها من يليه إلا الثقلين )» .
قوله عليه السلام في الميت: (( إنه يسمع قرع نعالهم))، وكلامه
مع الملكين يبين قوله : ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ (٣) أنه على
غير العموم . قال المهلب : ولا معارضة بين الآية والحديث ؛ لأن كل
ما نسب إلى الموتى من استماع النداء والنوح ، فهي في هذا الوقت
عند الفتنة أول ما يوضع الميت في قبره أو متى شاء الله أن يرد أرواح
الموتى ردها إليهم لما شاء ﴿ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ (٤) ثم
قال بعد ذلك : لا يسمعون ، كما قال تعالى : ﴿إنك لا تسمع
الموتى﴾ (٥) ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ (٣) وفيه أن فتنة القبر
(١) من غريب الحديث للخطابي (١/ ٥٤٠) يعني بالزاي المعجمة، ووقع في
(الأصل)) بالراء المهملة وهو تصحيف، وراجع مادة (((كم)) من القاموس وغيره.
(٣) فاطر : ٢٢ .
:
(٢) في (( الأصل : ذهبت .
(٥) النمل : ٨٠ .
(٤) الأنبياء : ٢٣ .
- ٣٢٠ -