Indexed OCR Text
Pages 261-280
عليه السلام : (( كفنوه في ثوبيه ، ولا تمسوه طيبًا ، ولا تخمروا رأسه))(١) وإنما ترجم له باب الحنوط للميت ؛ لأنه لما قال في هذا الحديث: ((لا تحنطوه)) وكان محرمًا استدل البخاري من هذا أنه إذا لم يكن محرمًا أنه يحنط . واختلف العلماء كيف يكفن المحرم ، فقال الشافعي وأحمد بن حنبل : يكفن المحرم ولا يغطى رأسه ، ولا يقرب طيبًا ؛ لأن حكم إحرامه باق . وهو قول عليّ وابن عباس على ظاهر هذا الحديث . وقال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي : يفعل بالمحرم ما يفعل بالحلال . وهو قول عثمان وعائشة وابن عمر . قال ابن القصار : والحجة لهذا القول قوله عليه السلام: (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ... )) فدل أن بموته تنقطع عنه العبادة ، وقد كفن ابن عمر ابنه، وخمر رأسه يوم مات وهو محرم وقال : لولا أنا حرم لطيبناه [وهذا ] (٢) يدل أن الحديث خاص في ذلك الرجل بعينه . قوله عليه السلام: ((فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا)) كما قال في الشهداء ، فإن الشهيد يبعث يوم القيامة اللون لون الدم ، والريح ريح مسك ، فأخبر عن حال كل من استحق الشهادة ، ثم خص جعفر لما قطعت يداه فقال: (( له جناحان يطير بهما في الجنة )) ولم يقل ذلك في غيره ممن قطعت يداه من الشهداء ، فلذلك خَصَّ ذلك المحرم الذي وقص دون غيره . ويمكن أن يكون ذلك خصوصًا له من أجل أن الله تقبل حجه ، ولا يَعلم أحدٌ بعد الرسول هل تقبل الله حج غيره ممن يموت محرمًا ؟ (١) بعد هذا في ((الأصل)) و((هـ)): قال الأوزاعي: كذا وأظنه تحريفًا، ولم أتبين وجه الصواب فيه ، والله أعلم . (٢) من (( هـ)). - ٢٦١ - ولذلك غسل ابن عمر ابنه بالجحفة ، وخمر رأسه ووجهه ؛ إذ لم يعلم [ هل ] (١) تقبل الله حَجَّهُ ؟ ويدل على ذلك قوله عليه السلام : (( كل كَلْمٍ يكلمه المسلم في سبيل الله ، والله أعلم بمن يكلم في [سبيله] (١))) فأخبر أن ليس كل مكلوم يأتي جرحه اللون لون دم والريح ريح مسك، وإنما ذلك لمن خلصت نيته وجهاده لله ، لا لجميع المكلومين . وقال ابن المنذر في قوله: (( كفنوه في ثوبيه )) دليل أن الكفن من رأس المال. وقوله: ((فوقصته )) تقول العرب: وقص الشيء وقصًا كسر . ولم أجد في اللغة (( أوقصه)) اللفظة التي شك فيها المحدث .. [١/ ٢٢٧٥-D والقصع: القتل / والماء يقصع العطش [أي يقتله ] (١) وقصع القملة: قتلها [ والقعص ] (٢) : القتل المعجل. باب : الكفن في القميص الذي يَكَفّ أو لا يُكَفُّ ـو و فيه: ابن عمر: (( أن عبد الله بن أُبَيُّ لما توفي جاء ابنه إلى النبي - عليه السلام - فقال : أعطني قميصك أكفنه فيه ، وصلِّ عليه ، واستغفرْ له . فأعطاه قميصه ، فقال : آذني أصلي عليه . فآذنه ، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر فقال : أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين ؟ فقال: أنا بین خيرتين ... )) الحديث . وفيه : جابر: (( أتى النبي - عليه السلام - عبد الله بن أُبَيّ بعد ما دُفِنَ. فأخرجه فنفث فيه من ريقه ، وألبسه قميصه )) . قال المؤلف : في هذين الحديثين دليل على جواز الكفن في القميص على ما ذهب إليه أبو حنيفة ، واحتج أصحابه بقصة عبد الله (١) من ( هـ)). (٢) من ((هـ)) وهو الصواب، كما في مشارق الأنوار وغيره، وجاء في ((الأصل)) القصع . - ٢٦٢ - ابن أُبَيّ هذه . وقال أصحاب مالك: إنما دفع النبي - عليه السلام - إليه القميص؛ لأنه كانت لعبد الله بن أُبَيّ يدٌ عند النبي ◌َّ وذلك أن يوم بدر أتي بأسارى ، وكان العباس في جملتهم ، ولم يكن عليه ثوب ، فنظر النبي - عليه السلام - له قميصًا ، فوجدوا قميص عبدالله بن أبي يقدر عليه ، فكساه النبي إياه ، قال ابن عيينة : فكافأه الرسول بأن كفنه في قميصه رجاء أن يخفف عنه من عذابه ما دام ذلك القميص عليه ، ورجاء أن يكون معتقدًا لبعض ما كان يظهره من الإسلام فينفعه الله بذلك ، ويدل على ذلك أن الله إنما أعلمه بأمره ، ونهاه عن الصلاة عليه وعلى غيره بعدما صلى عليه ، وأما حين صلى عليه لم يعلم حقيقة أمره ولا باطنه . قال المهلب : وقوله في الترجمة : [ الكفن ] (١) في القميص الذي يُكَف أو لا يُكَف. إنما صوابه (( يكفي )) بإثبات الياء ، ومعناه طويلا كان ذلك القميص أو قصيراً فإنه يجوز الكفن فيه ، وكان عبد الله بن أُبَيّ طويلا ؛ ولذلك كسا العباسَ قميصه ، وكان العباس بائن الطول. باب : الكفن من جميع المال وبه قال عطاء والزهري وعمرو بن دينار [ وقتادة وقال عمرو بن دينار] (١): الحنوط من جميع المال وقال إبراهيم: يبدأ بالكفن ثم بالدين ثم بالوصية وقال سفيان : أجر القبر والغسل هو من الكفن . فيه : (( أن عبد الرحمن بن عوف أُتي يومًا بطعام ، فقال : قُتل مصعب ابن عمير وكان خيرًا مني فلم نجد ما يكفن فيه إلا بردة ، وقتل حمزة - (١) من ( هـ). - ٢٦٣ - أو رجل آخر - خير مني فلم يوجد ما يكفن فيه إلا بردة ، لقد خشيت أن تكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا ، ثم جعل يبكي)). وترجم له باب إذا لم يوجد إلا ثوب واحد . ذهب جمهور العلماء إلى أن الكفن من رأس المال ، ولا يلتفت إلى شذوذ من شذ فقال : إنه من الثلث . يُروى ذلك عن جلاس بن عمرو ، وروي فيه عن طاوس شذوذ آخر ، قال : إن كان المال كثيراً فهو من رأس المال ، وإن كان يسيرًا فهو من الثلث . وهذا الحكم لا دليل عليه . قال المهلب : و[الحجة الواضحة] (١) للجماعة أن مصعب بن عمير وحمزة لم يوجد لكل واحد منهما ما يكفن فيه ، إلا بردة قصيرة كفنه [ فيها ] (١) رسول الله ولم يلتفت إلى غريم ولا إلى وصية ، ولا وارث ، وبدَّه على ذلك كله ، فدل أنه من رأس المال ، وقاله ابن المنذر . وفيه جواز التكفين في ثوب واحد عند عدم غيره كما ترجم له ، والأصل في ذلك ستر العورة ، وإنما استحب لهما النبي - عليه السلام- التكفين في تلك الثياب التي ليست بسابغة لأنهم فيها قُتلوا ، وفيها يبعثون إن شاء الله . واختلفوا في كفن المرأة ذات الزوج تموت ، فقال الشعبي وأحمد بن حنبل : كفنها من مالها . وقال مالك : كفنها على زوجها إن لم يكن لها مال . وقال ابن الماجشون : هو على الزوج وإن كان لها مال كالنفقة . قال ابن حبيب عن مالك مثل قول ابن الماجشون . وقال أصبغ : لا يكفنها فقيرة كانت أو مَلِيَّةً . (١) من ((هـ)). - ٢٦٤ - وفي حديث عبد الرحمن من الفقه أن العالم ينبغي له أن يُذَكّر بسير [الصالحين] (١) وتقللهم من الدنيا [لتقل ] (٢) رغبته فيها، ويبكي من تأخُّر لحاقه بالأخيار ويشفق من ذلك ؛ ألا ترى أنه بكى وترك الطعام . وفيه أنه ينبغي للمرء أيضًا أن يذكر نعم الله عنده ، ويعترف بالتقصير عن أداء شكرها ، ويتخوف أن يُقَاصَّ بها في الآخرة ، ويذهب سعيه فيها . وقال عبد الواحد : إن قال قائل : لِمَ بكى عبد الرحمن وقد ضمن له النبي الجنة ، وهو أحد العشرة ؟ قيل له : كان الصحابة مشفقين خائفين من طول / الحساب والوقوف له ، مستصغرين لأنفسهم ، [٢٢٧٥/١-ب] راغبين في إعلاء الدرجات ، وإن كانت الجنة قد ضمنت لهم ؛ فلذلك كانوا يبكون خوفًا من التأخر عن اللحاق بالدرجات العلى ، ومن طول الحساب - والله أعلم . باب : إذا لم يجد كفنًا إلا ما يواري به رأسه أو قدمیه غطى رأسه فيه: خبّاب: (( هاجرنا مع رسول الله وَ ﴾ نلتمس وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئًا ، منهم مصعب بن عمير، ومنا من أينعت له ثمرته ، فهو يهدبها . قُتل يوم أحد فلم نجد ما نكفته فیه إلا بردًا ، إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه ، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه ، فأمرنا عليه السلام أن نغطي رأسه ، وأن نجعل على رجليه من الإذخر )) . (١) من (( هـ)). (٢) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): لتكثر . وهو مخالف للسياق. - ٢٦٥ - قال ابن المنذر : وفيه دليل أن الثوب إذا ضاق فتغطية رأس الميت أولى أن يبدأ به من رجليه . وقال المهلب : إنما أمره عليه السلام بتغطية الأفضل إذا أمكن ذلك بعد ستر العورة ، ولو ضاق الثوب عن تغطية رأسه وعورته لغطيت بذلك عورته ، وجعل على سائره من الإذخر ؛ لأن ستر العورة واجب في حال الموت والحياة ، والنظر إليها ومباشرتها باليد تحرم إلا من أحل الله له ذلك من الزوجين . وفي هذا الحديث ما كان عليه صدر هذه الأمة من الصدق في وصف أحوالهم ؛ ألا ترى إلى قوله: (( فمنا من لم يأكل من أجره شيئًا)) [ يعني يكسب من الدنيا شيئًا، ولا اقتناه ، وقصر نفسه عن شهواتها لينالها متوفرة في الآخرة ] (١) و((منا من أينعت له ثمرته )) يعني من كسب المال ، ونال من عرض الدنيا . وفي هذا الحديث أن الصبر على مكابدة الفقر وصعوبته من منازل الأبرار ودرجات الأخيار. وقوله : ((يهدبها )) يقال : هدبت الثمرة : جنيتها ، وهدبت كل حلوبة : حلبتها بأطراف الأصابع . باب : من استعد الكفن في زمن رسول الله وَليم فلم ينكر عليه فيه: سهل بن سعد: (( أن امرأة جاءت النبي بيردة منسوجة فيها حاشيتاها ، قالت : نسجتها بيدي فجئت لأكسوكها . فأخذها النبي - عليه السلام - محتاجًا إليها ، فخرج إلينا وإنها إزاره ، فَحَسْنَهَا فلان فقال: اكسنيها ما أحسنها . قال القوم : ما أحسنتَ ، لبسها النبي - عليه (١) من (( هـ )). - ٢٦٦ - السلام - محتاجًا إليها، ثم سألتَهُ [ وعلمتَ](١) أنه لا يَرُدّ . قال : إني والله ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كفني. قال سهل: فكانت كفنه)). فيه من الفقه جواز إعداد الشيء قبل الحاجة إليه ، وقد حفر قوم من الصالحين قبورهم بأيديهم ليمثلوا حلول الموت فيهم ، وأفضل ما ينظر فيه في وقت المهل وفسحة الأجل الاستعداد للمعاد ، وقد قال عليه السلام: (( أفضل المؤمنين إيمانًا أكثرهم للموت ذكراً ، وأحسنهم له استعدادًا)). قال المهلب : وفيه قبول السلطان للهدية من الفقير ، وفيه ترك مكافأته عليها بخلاف قول من قال إن هدية الفقير للمكافأة . وفيه أنه يسأل السلطان الفاضل والرجل العالم الشيء الذي له القيمة للتبرك به. باب : اتباع النساء الجنائز فيه : أم عطية: (( نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا)). قال ابن المنذر : روينا عن ابن مسعود وابن عمر وأبي أمامة وعائشة أنهم كرهوا للنساء اتباع الجنائز ، وكره ذلك ( أبو أمامة ) (٢) ومسروق والنخعي [ والحسن ] (١) ومحمد بن سيرين، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق . وقال الثوري : اتباع النساء الجنازة بدعة . وروي جواز اتباع النساء الجنازة عن ابن عباس والقاسم وسالم ، وعن الزهري وربيعة وأبي الزناد [ مثله ] (١) ، ورخص مالك في ذلك، وقال : قد خرج النساء قديمًا في الجنائز ، وخرجت أسماء تقود فرس [ الزبير ] (٣) وهي حامل، وقال: ما أرى بخروجهن بأسًا إلا (١) من ( هـ)). (٢) كذا في (( الأصل)) وهي مطموسة في ((هـ)) وقد سبق ذكر أبي أمامة، فذكره هنا إما محرف من غيره ، وإما انتقال نظر من الناسخ ، والله أعلم . (٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): ((ابن الزبير)). - ٢٦٧ - في الأمر المستنكر . قال ابن المنذر : وقد احتج من كره ذلك بحديث أم عطية . قال المؤلف : واحتج به من أجاز ذلك أيضًا . وقال المهلب : هذا الحديث يدل على أن النهي من النبي - عليه السلام - على درجات : فيه نهي تحريم ، ونهي تنزيه ، ونهي كراهية، ٢٢٨٥/١٦- ١) وإنما قالت أم عطية: / ((ولم يعزم علينا)) لأنها فهمت من النبي أن ذلك النهي إنما أراد به ترك ما كانت الجاهلية تقوله من الهجر وزور الكلام وقبيحه ، ونسبة الأفعال إلى الدهر ، فهي إذا تركت ذلك وبدلت منه الدعاء والترحم عليه كان خفيفًا ، فهذا يدل أن الأوامر تحتاج إلى معرفة تلقي الصحابة لها ، وينظر كيف تلقوها . باب : إحداد المرأة على زوجها فيه : أم عطية : ((توفي ابن لها ، فلما كان يوم الثالث دعت بصفرة فتمسحت به ، وقالت : نهينا أن نحد أكثر من ثلاث إلا بزوج )) . . وفيه : زينب بنت أبي سلمة قالت: (( لما جاء نعي أبي سفيان من الشام، دعت أم حبيبة [ بصفرة ] (١) فمسحت بعارضيها وذراعيها ، وقالت : إني كنت عن هذا الغنية لولا أني سمعت النبي - عليه السلام - يقول : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ، إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشراً » . الإحداد : ترك المرأة الزينة كلها من اللباس والطيب والحلي والكحل، وكل ما كان من دواعي الجماع ، يقال : امرأة حادّ ومحدّ . وأباح النبي - عليه السلام - أن تحد المرأة على غير زوجها من ذوي محارمها ثلاثة أيام ، لما يغلب من لوعة الحزن ويهجم من أليم الوجد، ولم يوجب ذلك عليها ، وهذا مذهب الفقهاء ، وحرم عليها من الإحداد ما فوق ذلك . (١) من (( هـ ) - ٢٦٨ - ومما يدل على أن الإحداد في الثلاثة أيام على غير الزوج غير واجب إجماع العلماء على أن من مات أبوها أو ابنها وكانت ذات زوج ، وطالبها زوجها بالجماع في الثلاثة الأيام التي أبيح لها الإحداد فيها أنه يقضى له عليها بالجماع فيها ، ونص التنزيل أن الإحداد على ذوات الأزواج أربعة أشهر وعشرًا واجب . باب : زيارة القبور فیه : أنس قال: « مرَّ النبي - عليه السلام - بامرأة تبکي عند قبر ، فقال : اتقي الله واصبري . فقالت : إليك عني فإنك لم تُصب بمصيبتي . - ولم تعرفه - فقيل لها : إنه النبي - عليه السلام - فأنت باب الرسول فلم تجد عليه بوابين ، فقالت : لم أعرفك ، فقال : إنما الصبر عند الصدمة الأولى )» . كره قوم زيارة القبور ؛ لأنه روي عن النبي - عليه السلام - أحاديث في النهي عنها ، وقال الشعبي : لولا أن رسول الله نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابنتي . قال إبراهيم النخعي : كانوا يكرهون زيارة القبور . وعن ابن سيرين مثله . ثم وردت أحاديث بنسخ النهي وإباحة زيارتها ، روى ابن أبي شيبة عن [ عبد الرحيم ] (١) بن سليمان ، عن يحيى بن الحارث ، عن عمرو بن عامر، عن أنس بن مالك: ((نهى رسول الله وَ 18 عن زيارة القبور ، ثم قال : زوروها ولا تقولوا هُجراً ». وروى معمر عن عطاء الخراساني قال : حدثني عبد الله بن (١) هكذا في مصنف ابن أبي شيبة (٣٤٢/٣) وهو الصواب ، كما يعلم من ترجمته من تهذيب الكمال (٣٦/١٨) وترجمة شيخه : يحيى بن عبد الله بن الحارث الجابر (٤٠٤/٣١). ووقع في الأصل و(( هـ)): عبد الرحمن، وهو وهم. - ٢٦٩ - [بريدة](١) عن أبيه قال: قال رسول الله: ((إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة » وروي من حديث ابن مسعود عن النبي - عليه السلام . وحديث أنس في هذا الباب يشهد لصحة أحاديث الإباحة ؛ لأن النبي - عليه السلام - إنما عرض على المرأة الباكية الصبر ورغبها فيه ، ولم ينكر عليها جلوسها عنده ، ولا نهاها عن زيارته ؛ لأنه عليه السلام لا يترك أحدًاً يستبيح ما لا يجوز بحضرته ولا ينهاه ؛ لأن الله - تعالى - فرض عليه التبليغ والبيان لأمته ، فحديث أنس وشبهه ناسخ لأحاديث النهي في ذلك ، وأظن الشعبي والنخعي لم تبلغهم أحاديث الإباحة - والله أعلم . وكان النبي - عليه السلام - يأتي قبور الشهداء عند رأس الحول فيقول: (( السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار )) وكان أبو بكر وعمر وعثمان يفعلون ذلك . وزار النبي قبر أمه يوم فتح مكة في [ألف مُقَنَّعِ ] (٢) ذكره ابن أبي الدنيا ، وذكر ابن أبي شيبة عن عليّ وابن مسعود وأنس بن مالك إجازة زيارة القبور . وكانت فاطمة تزور قبر حمزة كل جمعة . وكان ابن عمر يزور قبر [ أبيه ] (٣) فيقف عليه ويدعو له . وكانت عائشة تزور قبر أخيها عبدالرحمن وقبره بمكة . ذكر ذلك كله عبد الرزاق . وقال ابن حبيب : لا بأس بزيارة القبور والجلوس إليها ، والسلام عليها عند المرور بها ، وقد (٤) فعل ذلك النبي - عليه السلام - وفي المجموعة : قال علي بن زياد : سئل مالك عن زيارة القبور ، فقال : (١) هو ابن الحصيب ، صحابي ، وهذا حديثه كما عند مسلم رقم (٩٧٧) وغيره، ووقع في (( الأصل، هـ)): يزيد . وهو تصحيف . . (٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): البقيع. وهو خطأ. (٣) من ((هـ)) وفيّ ((الأصل)): ابنه. (٤) من هنا حتى أول كتاب الزكاة ساقط من النسخة ((هـ)). - ٢٧٠ - قد كان نهى / عليه السلام ثم أذن فيه ، فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل [٢٢٨٥/١-ب] إلا خيرًا، لم أر بذلك بأسًا. وروي عنه أنه كان يضعف زيارتها ، وقوله الذي تعضده الآثار وعمل به السلف أولى بالصواب ، والأمة مجمعة على زيارة قبر الرسول وأبي بكر وعمر ، ولا يجوز على الإجماع الخطأ ، قاله المهلب . وكان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي وَّل فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه . رواه معمر ، عن أيوب ، عن نافع . قال المهلب : ومعنى النهي عن زيارة القبور إنما كان في أول الإسلام عند قربهم بعبادة الأوثان واتخاذ القبور مساجد - والله أعلم - فلما استحكم الإسلام ، وقوي في قلوب الناس ، وأمنت عبادة القبور والصلاة إليها ؛ نسخ النهي عن زيارتها ؛ لأنها تذكر الآخرة وتزهد في الدنيا . وقد حدثنا أبو المطرف القنازعي (١) قال : حدثنا أبو محمد بن عثمان، قال أبو عبد الله الشبلي الزاهد : حدثنا محمد بن وضاح ، حدثنا موسى بن معاوية ، عن يحيى بن يمان ، عن طاوس قال : ((كانوا يستحبون ألا يتفرقوا عن الميت سبعة أيام ؛ لأنهم يفتنون ويحاسبون في قبورهم سبعة أيام )). وفي حديث أنس ما كان عليه النبي - عليه السلام - من التواضع والرفق بالجاهل ؛ لأنه لم ينهر المرأة حين قالت له : إليك عني ، وعذرَهَا بمصيبتها . وإنما لم يتخذ بوابين ؛ لأن الله - تعالى - أعلمه أنه يعصمه من الناس ، وفيه أنه من اعتذر إليه بعذر لائح أنه يجب عليه قبوله . (١) انظر: سير أعلام النبلاء (٣٤٢/١٧) . - ٢٧١ - باب : قول الرسول عليه السلام يعذب الميت ببكاء أهله إذا كان النوح من سنته ؛ لقوله تعالى : ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً﴾(١) وقال عليه السلام: (( كلكم راع ومسئول عن رعيته)) فإذا لم يكن من سنته فهو كما قالت عائشة : ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾(٢) وهو كقوله تعالى: ﴿وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء﴾(٣) وما يرخص من البكاء من غير نَوْح ، وقال عليه السلام : (( لا تقتل نفس ظلمًا إلا کان على ابن آدم الأول کفل من دمها ؛ وذلك بأنه أول من سن القتل )) . فيه: أسامة قال: (( أرسلت ابنة النبي - عليه السلام - إليه أن ابنًا لي قُبضٍ فائتنا . فأرسل يقرئ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكلّ عنده بأجل مسمى ، فلتصبر ولتحتسب ، فأرسلت إليه تقسم عليه لیأتینها ، فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبي بن . و كعب ورجال، فرفع إلى النبي الصبي ونفسَه تتقعقع - حسبته أنه قال : كأنها شَنَّ - ففاضت عيناه ، فقال سعد : يا رسول الله ، ما هذا ؟! فقال : هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، فإنما يرحم الله من عباده الرحماء)). وفيه: أنس قال: ((شهدت بنتًا لرسول الله، قال: ورسول الله وَلا ير جالس على القبر ، قال : فرأيت عيناه تدمعان ، قال : فقال : هل منكم رجل لم يقارف الليلة ؟ قال أبو طلحة : أنا . قال: فانزل . فنزل في قبرها)). : وفيه : ابن أبي مليكة قال: (( توفيت بنت لعثمان بمكة وجئت لنشهدها، وحضرها ابن عمر وابن عباس وإني لجالس بينهما - أو قال : جلست إلى أحدهما ، ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي - فقال عبد الله بن عمر لعمرو بن عثمان : ألا تنهى عن البكاء ، فإن رسول الله قال : إن الميت (١) التحريم : ٦ . ، وفاطر : ١٨. (٣) فاطر - ٢٧٢ - ليعذب ببكاء أهله عليه . قال ابن عباس : قد كان عمر يقول بعض ذلك، ثم حَدَّث قال : صدرتُ مع عمر من مكة حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب تحت ظلِّ سَمُرَة ، فقال : ادعه لي . فرجعت إلى صهيب فقلت : ارتحل فالحقَّ أمير المؤمنين ، فلما أصيب عمر دخل صهيب يبكي ويقول: واأخاه ، واصاحباه . قال عمر: يا صهيب ، أتبكي عليّ وقد قال رسول الله : إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ! قال ابن عباس : فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة، فقالت: رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه ، وقالت : حسبكم القرآن : ﴿ولاتزر وازرة وزر أخرى﴾ قال ابن عباس عند ذلك: والله ﴿هو أضحك وأبكى﴾ (١) قال ابن أبي مليكة: والله ما قال [ ابن عمر ] (٢) شيئًا ، قالت عائشة: إنما مَرَّ رسول الله على يهودية يُبكى عليها، فقال: إنكم تبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها » . وفي كتاب المغازي: قالت عائشة: إنما قال رسول الله: (( إنه ليعذب / بخطیئته وذنبه ، وإن أهله لیبکون علیه )) . [١/ق٢٢٩-٢] اختلف أهل العلم في معنى قوله عليه السلام : (( يعذب الميت ببكاء أهله عليه )) فقالت طائفة : معناه أن يوصي بذلك الميت ، فيعذب حينئذ بفعل نفسه لا بفعل غيره ، وإليه ذهب البخاري في قوله: إذا كان النوح من سُنَّتِه . يعني أن يوصي بذلك ، وهو قول أهل الظاهر، وأنكروا قول عائشة ، وأخذوا بحديث عُمر وابن عُمر والمغيرة أن الميت يعذب بما نيح . وقال آخرون : معناه أن يمدح الميت في ذلك البكاء بما كان يمدح به أهل الجاهلية من الفَتْكات والغارات والقدرة على الظلم ، وغير ذلك (١) النجم : ٤٣ . (٢) في ((الأصل)): ابن عباس، وهو وهم، انظر: الفتح (١٨١/٣، ١٩٠). - ٢٧٣ - من الأفعال التي هي عند الله ذنوب، فهم يبكون لفقدها ويمدحونه بها، وهو يعذب من أجلها .. وقال آخرون : معناه أن الميت ليعذب ويحزن ببكاء أهله عليه ، ويسوؤه إتيان ما يكره ربه ، واحتجوا بحديث قَيْلَةً حين ذكر رسول الله أنها قالت : بكيتُ ثم قلت : والله يا رسول الله ، لقد ولدته [حرامًا](١) فقاتل معك يوم الربذة، ثم ذهب [ يمتري ] (٢) لي من خيبر فأصابته حمى فمات . فقال عليه السلام : لو لم تكوني مسكينةٍ لجررناكِ اليوم على وجهك ، أتُغلب إحداكن على أن تصاحب صويحبة في الدنيا معروفًا، حتى إذا حال بينه و(بينه ) (٣) من هو أولى به ، استرجع فقال : رب ( أثبني ) (٤) بما أمضيت ، وأعني على ما أبقيت ، والذي نفس محمد بيده إن إحداكن لتبكي [ فتستعين ] (٥). إليه صويحبة ، فيا عباد الله، لا تعذبوا أمواتكم)). قال الطبري : والدليل على أن بكاء الحي على الميت تعذيب من الحي له ، لا تعذيب من الله ما رواه عوف عن جلاس بن عمرو ؛ عن أبي هريرة قال : ((إن أعمالكم تعرض على أقربائكم من موتاكم، فإن رأوا خيرًا فرحوا به ، وإن رأوا شرًا كرهوه ، وإنهم ليستخبرون الميت إذا أتاهم : من مات بعدهم ، حتى إن الرجل ليسأل عن امرأته هل تزوجت أم لا )) . وروى محمد بن بشار ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك قال : (( كان ابن عمر في جنازة رافع بن خديج بين قامتي السرير فقال : إن الميت ليعذب ببكاء الحي ، فقال: (١) في ((الأصل)) صورتها: ((حنينا))، والمثبت من المعجم الكبير للطبراني (٢٥/ ص ١٠)، والإصابة (٤/ ٣٩٣). (٢) في ((الأصل)): (( يمتر لي))، والتصويب من الإصابة (٣٩٣/٤)، وفي المعجم الكبير : يميراني . والمعنى : يجمع الميرة وهي الطعام يجمع للسفر ونحوه ، المعجم الوسيط (٨٩٣/٢) . (٣) وهكذا في المعجم الكبير. (٤) وفي المعجم : آسني، وفي الإصابة : أنسنى. (٥) في ((الأصل)): فتستعر، وفي الإصابة: فتستعيذ، والمثبت من المعجم الكبير. - ٢٧٤ - ابن عباس : إن الميت لا يعذب ببكاء الحي )) وذهبت عائشة إلى أن أحدًا لا يعذب بفعل غيره ، وهو أمر مجتمع عليه ؛ لقوله تعالى : ﴿ولا تزر واز رة وزر أخرى﴾ ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها﴾(١). وكل حديث أتى فيه النهي عن البكاء فمعناه النياحة عند العلماء ؛ لأن الله - تعالى - أضحك وأبكى ، ولقوله عليه السلام : ((تدمع العين ، ويحزن القلب ، ولا نقول ما يسخط الرب )) وقال الرسول لعمر إذ نهى النساء عن البكاء : ((دعهن يا عمر ، فإن النفس مصابة، والعين دامعة ، والعهد قريب )) ونهى عن النياحة ، ولعن النائحة والُشْقَّة ، ونهى عن شق الجيوب ، ولطم الخدود ، ودعوى الجاهلية. وفي حديث أسامة وأنس في هذا الباب جواز البكاء الخفيف بدمع العين ، قال الشافعي : أرخص في البكاء بلا ندبة ولا نياحة ، وما ذهبت إليه عائشة أشبه بدلائل الكتاب ، وما زيد في عذاب الكافر باستحقاقه لا بذنب غيره ؛ لأنه إذا بُكي عليه بذكر فتكاته وغاراته فهو مستحق للعذاب بذلك ، وأهله يَعُدَّون ذلك من فضائله وهو يعذب من أجلها ، فإنما يعذب بفعله لا ببكاء أهله، هذا معنى قول عائشة: إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه ، وهو موافق لقوله تعالى : ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ وتصويب الشافعي لقول عائشة ، وإنكارها على ابن عمر يشبه أن يكون مذهب مالك ؛ لدلالة ما في موطئه عليه؛ لأنه ذكر حديث عائشة ولم يذكر خلافه عن أحد . وقوله : (( ونفسه تقعقع )) القعقعة : حكاية أصوات الرعد والجلود اليابسة وما أشبه ذلك ، ورجل قعقاع وقعقعان ، وهو الذي يسمع المفاصل رجليه تقعقعًا ، عن صاحب العين ، والشن : القربة (١) الأنعام : ١٦٤. - ٢٧٥ - اليابسة ، ومن أمثالهم : أَلمثلي يقعقع بالشنان ، يريد أن مثلي لا يفزع بذلك . باب : ما يكره من النياحة على الميت وقال عمر : دعهن ببكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة . والنقع : التراب على الرأس . واللقلقة : الصوت . فيه : المغيرة قال : سمعت النبي - عليه السلام - يقول: (( من ينج عليه یعذب بما نیح علیه )) ورواه عمرعن الرسول . وفيه : جابر قيل : (( جيء بأبي يوم أحد وقد مثَّل به حتى وضع بين يدي رسول الله وقد سُجِّي ثوبًا ، فذهبت أريد أن أكشف عنه ، فنهاني قومي ، ثم ذهبت أكشف عنه فنهاني قومي ، فأمر رسول الله فرفع ، ٢٢٩٥/١٦- ب) فسمع صوت صائحة ، فقال : من هذه ؟ / فقالوا : بنت عمرو - أو أخت عمرو - فقال : فلمَ ؟ تبكي أو لا تبكي ، فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتی رفع » . قال المؤلف : النوح محرم ؛ لأنه من دين الجاهلية ؛ ألا ترى أن النبي - عليه السلام - كان يشترط على النساء في مبايعتهن على الإسلام ألا يَنُحْن ، وهذا الباب يدل على أن النهي عن البكاء على الميت إنما هو إذا كان فيه نوح ، ويدل على جواز البكاء بغير نوح قول عمر : دعهن يبكين ما لم يكن نقع أو لقلقة ، فأباح لهن البكاء بغير نوح ، وحديث المغيرة حجة لذلك ؛ لشرطه عليه السلام فيه أنه يعذب. بما نیح عليه ، فدليله أن البكاء بغير نوح لا عذاب فيه ، وحديث جابر نص في ذلك ؛ لأن زوجة جابر بكت عليه بحضرة الرسول ، فلم يزد على أكثر من تسليتها بقوله: ((إن الملائكة أظلته بأجنحتها حتى رفع » - ٢٧٦ - فسلاها عن حزنها عليه بكرامة الله له ، ولم يقل لها أنه يعذب بيكائك عليه . قال عبد الواحد : إن قيل : كيف أباح عمر لنسوة خالد البكاء عليه ما لم يكن نقع أو لقلقة ، ونهى صُهيبًا عن البكاء عليه في الباب الذي قبل هذا ؟ فالجواب : إنما نهى صهيبًا ؛ لرفعه لصوته بقوله : واأخاه، واصاحباه ، وخشي أن يكون رفعه لصوته من باب ما نهي عنه . باب : ليس منا من شق الجيوب فيه : عبد الله: قال عليه السلام: (( ليس منا من لطم الخدود ، وشق الجيوب ، ودعا بدعوى الجاهلية )) . وترجم له باب ليس منا من ضرب الخدود وباب ما ينهى عنه من الويل ودعوى الجاهلية . قال المهلب: قوله: (( ليس منا)) أي ليس متأسيًا بسنتنا ، ولا مقتديًا بنا ، ولا ممتثلا لطريقتنا التي نحن عليها ، كما قال عليه السلام: ((ليس منا من غشنا)) لأن لطم الخدود وشق الجيوب من أفعال الجاهلية . وقال الحسن في قوله تعالى : ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ (١) قال: لا ينحن ، ولا يشققن ، ولا يخمشن ، ولا ينشرن شعرًا ، ولا يدعون ويلا . وقد نسخ الله ذلك بشريعة الإسلام ، وأمر بالاقتصاد في الحزن والفرح ، وترك الغلو في ذلك ، وحَضَّ على الصبر عند المصائب واحتساب أجرها على الله ، وتفويض الأمور كلها (١) الممتحنة : ١٢ . - ٢٧٧ - إليه ، فقال تعالى: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ (١) فحق على كل مسلم مؤمن عَلِمَ سرعة الفناء ووشك الرحيل إلى دار البقاء ألا يحزن على فائت من الدنيا ، وأن يستشعر الصبر والرضا ؛ لينال هذه الدرجات الرفيعة من ربه ، وهي الصلاة والرحمة والهدى ، وفي واحد من هذه المنازل سعادة الأبد ، وهبنا الله الصبر والرضا بالقضاء إنه كريم وهاب . باب : رثاء النبي عليه السلام لسعد بن خولة فيه : سعد : (( عادني النبي - عليه السلام - في حجة الوداع من وجع اشتد بي ... )) الحديث إلى قوله: (( اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ، ولا تردهم على أعقابهم ، لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله أن مات بمكة) . قال أبو عبد الله بن أبي صفرة : قوله : (( يرئي له رسول الله أن مات بمكة)) من قول سعد في بعض الطرق ، وأكثر الطرق أنه من قول الزهري ، وليس هو من قول الرسول ، وسعد بن خولة زوج سبيعة الأسلمية ، وإنما توجع له إذ مات بمكة في الأرض التي هاجر منها ، وكان يحب له أن يموت في مهاجره المدينة ؛ ولذلك قال عمر : اللهم ارزقني شهادة في سبيلك ، ووفاة ببلد رسولك . لأنه حرام على المهاجر الرجوع إلى وطنه الذي هجره لله ؛ ولذلك قال عليه السلام : (( لا يبقين مهاجر بمكة بعد قضاء نسكه فوق ثلاث)) . وكان عثمان وغيره لا يطوفون طواف الوداع إلا ورواحلهم قد (١) البقرة : ١٥٦ . - ٢٧٨ - رُحِّلَت، وذكر البخاري أن سعد بن خولة شهد بدراً ، ثم انصرف إلى مكة ومات بها، وأنه من المهاجرين . خلاف قول عيسى بن دينار الذي قال : إنه أسلم ولم يهاجر ، وكان من مهاجرة الحبشة الهجرة الثانية ، وشهد بدرًا ابن خمس وعشرين سنة ، وشهد أحدًا والخندق والحديبية ، وتوفي بمكة عند زوجته سبيعة الأسلمية في حجة الوداع وهي حامل ، ثم وضعت بعد موته بليال فتمت عدتها ، ذكره مسلم عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، وعن يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب قال : توفي سعد بن خولة في حجة الوداع . وقال الطبري : مات سعد بن خولة بمكة سنة سبع في الهدنة التي كانت بين رسول الله / وبين أهل مكة عام الحديبية ، فخرج سعد بن [١/ ٢٣٠٥-١] خولة مجتازًا لا لحج ولا لجهاد ؛ لأنه لم يفرض حينئذ الحج ، وأما سعد بن أبي وقاص ، فإنما خرج إلى مكة حاجا ، ولو مات فيها لم يكن في معنى سعد بن خولة الذي رثى له النبي - عليه السلام - لأن من خرج لفرض وجب عليه وأدركه أجله فلا حرج عليه ولا إثم ، ولا يقال له : بائس ، ولا يسمى تارك لدار هجرته . وروي عن الأعرج قال: ((خَلَّ النبي ◌ََّ على سعد رجلا وقال: إن مات بمكة فلا تدفنه بها» . وقوله: ((اللهم أمض لأصحابي هجرتهم )) أي تردهم إلى المدينة دار الهجرة . وقوله: ((ولا تردهم على أعقابهم)) يقال لكل من رجع إلى حال دون ما كان عليه : رجع على عقبه وحَارَ ، ومنه قوله: أعوذ بك من الحَوْرِ بعد الكَوْرِ ، أي من النقصان بعد الزيادة . - ٢٧٩ - باب : ما ينهى عن الحلق عند المصيبة فيه: أبو موسى: (( أن رسول الله وَلقوله برئ من الصالقة والحالقة والشاقة)» . قال المهلب: قوله : (( برئ منه )) أي : لم يرض بفعله فهو منه برئ في وقت ذلك الفعل ، لا أنه بريء من الإسلام . وقال صاحب الأفعال : حلقت المرأة عند المصيبة : ولولت ، والصلق : شدة الصوت، وفي الحديث: (( ليس منا من صلق أو حلق عند المصيبة)) والحالق : التي تحلق شعرها عند المصيبة ، والشاقة: التي تشق ثيابها . باب : من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن فيه: عائشة: (( لما قتل زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة جلس النبي - عليه السلام - يُعرف فيه الحزن ، وأنا أنظر من صائر الباب - شق الباب- فأتاه رجل فقال : إن نساء جعفر وذكر بكاءهن ، فأمره أن ينهاهن ، فذهب ثم أتاه الثانية، لم يُطِعْنَهُ، فقال: انْهَهُنّ ، فأتاه الثالثة. فقال : والله غلبتنا يا رسول الله ، فزعمَتْ أنه قال : فاحث في أفواههن التراب ، فقلت : أرغم الله أنفك ، لَمْ تفعلْ ما أمرك رسولَ الله، ولم تترك رسول الله من العَنَاء » . وفيه: أنس: (( قنت رسول الله شهرًا حين قُتل القراء ، فما رأيت رسول الله حزن حزنًا أشد منه » . قال الطبري : إن قال قائل : إن أحوال الناس في الصبر متفاوتة ، فمنهم من يظهر حزنه على المصيبة في وجهه بالتغير له ، وفي عينيه بانحدار الدموع ، ولا ينطق بالسيئ من القول ، ومنهم من يظهر ذلك في وجهه ، وينطق بالهُجر المنهي عنه ، ومنهم من يجمع ذلك كله ، - ٢٨٠ -