Indexed OCR Text

Pages 141-160

عائشة : فقلت : يا رسول الله ، أتنام قبل أن توتر ؟ فقال : يا عائشة ، إن
عيني تنامان ولا ينام قلبي )) .
وفيه: عائشة قالت: (( ما رأيت الرسول يقرأ في شيء من صلاة الليل
جالسًا حتى إذا كبر قرأ جالسًا ، فإذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو
أربعون آية قام فقرأهن ثم ركع )) .
وقد تقدم اختلاف الآثار في عدد صلاته عليه السلام بالليل في باب
[ كيف كانت ] (١) صلاته بالليل و[ كم ] (٢) كان يصلي بالليل،
فأغنى عن إعادته .
وقد اختلف السلف في عدد الصلاة في رمضان ، فذكر ابن أبي
شيبة قال : حدثنا يزيد بن هارون قال: حدثنا إبراهيم [ بن ] (٣)
عثمان ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس (( أن النبي - عليه
السلام - كان يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر )) وروي مثله عن
عمر بن الخطاب ، وعليّ بن أبي طالب ، وأبي بن كعب ، وبه قال
الكوفيون والشافعي ، إلا أن إبراهيم هذا هو جَدَّ بَني شيبة ، وهو
ضعيف ، فلا حجة في حديثه ، والمعروف القيام بعشرين ركعة في
رمضان عن عُمر وعلي .
وقال عطاء : أدركت الناس يصلون ثلاثًا وعشرين ركعة ، الوتر
منها ثلاثًا .
وروى ابن مهدي عن داود بن قيس قال : أدركت الناس بالمدينة في
زمن عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان يصلون ستا وثلاثين ركعة ،
ويوترون بثلاث ، وهو قول مالك وأهل المدينة .
(١) من (( هـ)).
(٢) من (( هـ) وفي ((الأصل)): قد . وهو خطأ.
(٣) من (( هـ)) وهو أبو شيبة العبسي الكوفي قاضي واسط ، وجدّ أبي بكر بن أبي
شيبة كما سيقول المصنف، وجاء في ((الأصل)): إبراهيم عن عثمان. وهو
تصحيف .
- ١٤١ -

وأما قول عائشة : ((يصلي أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن،
ثم أربعًا ثم ثلاثًا )) فقد تقدم في أبواب الوتر أن ذلك مرتب على قوله
عليه السلام: (( صلاة الليل مثنى مثنى)) لأنه مفسّر وقاض على
المجمل، وقد جاء بيان هذا في بعض طرق هذا الحديث ، روى ابن
أبي ذئب ، عن ابن شهاب، عن عروة ، عن عائشة قالت: ((كان
رسول الله قال# يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة بالوتر ، يسلم بين كل
ركعتين )) .
وقيل في قولها : (( يصلي أربعًا ثم أربعًا)) أنه كان ينام بعد الأربع،
ثم يصلي ثم ينام [ بعد الأربع ] (١) ثم يقوم فيوتر بثلاث ، فاحتج
من قال ذلك بحديث الليث ، عن ابن أبي مليكة ، عن يعلى ، عن
أم سلمة أنها وصفت صلاة رسول الله [ بالليل ] (١) وقراءته فقالت :
«کان یصلي ثم ينام قدر ما صلى ، ثم يصلي قدر ما نام ، ثم ينام قدر
ما صلى ، ثم يقوم فيوتر )).
وقال أبو الحسن القابسي : أما قول عائشة للنبي عليه السلام : ((تنام
قبل أن توتر)) فإنها توهمت أن الوتر بإثْر العشاء لا يكون غيره على ما
رأت من أبيها ؛ لأنه كان يوتر بإثْر العشاء ، فلما أتت النبي ورأته
يؤخر وتره إلى الوقت المرغب فيه رأت خلاف ما علمت من فعل
أبيها، فسألته عليه السلام عن ذلك فأخبرها أن عينيه تنامان ولا ينام قلبه
وليس ذلك لأبيها ، وهذه من أعلى مراتب الأنبياء - عليهم السلام -
ولذلك قال ابن عباس : ((رؤيا الأنبياء وحي)) لأنهم يفارقون سائر
البشر في نوم القلب ويساوونهم في نوم العين .
روى أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: ((أن النبي - عليه
(١) من (( هـ)).
- ١٤٢ -

السلام - نام حتى سمع غطيطه ، ثم صلى ولم يتوضأ )) قال عكرمة:
كان رسول الله محفوظًا .
فإن قيل: فإن رسول الله ◌َ له كان يتوضأ من النوم.
قيل له : كان يتوضأ لكل صلاة ، ولا / يبعد أن يتوضأ إذا خامر [١/ ٥ ١/٢٠٦]
قلبه النوم واستولى عليه ، وذلك في النادر كنومه في سفره عن صلاة
الصبح ؛ لِيَسُنَّ لأمته أن الصلاة لا يسقطها خروج الوقت وإن كان
مغلوبًا بنوم أو نسيان .
وفي حديث عائشة الثاني قيامه عليه السلام بالليل .
·قال المهلب : ومعنى قيامه بالليل عند الركوع - والله أعلم - لئلا
يخلي نفسه من فضل القيام في آخر الركعة ، وليكون انحطاطه إلى
الركوع والسجود من القيام ، إذ هو أبلغ وأشد في التذلل والخضوع لله
- عز وجل .
باب : فضل الصلاة بعد ( الطهور ) (١) بالليل والنهار
فيه : أبو هريرة : أن النبي - عليه السلام - قال لبلال: « حدثني بأرجی
عمل عملته في الإسلام ، فإني سمعت دَفَّ نعليك بين يديّ في الجنة .
قال : ما عملت عملا أَرْجی عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة ليل أو
نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي )» .
قال المهلب : فيه دليل أن الله يعظم المجازاة على ما ستر العبد بينه
وبين ربه مما لا يطلع عليه أحد ، ولذلك استحب العلماء أن يكون بين
(١) في (( هـ)) : الوضوء.
- ١٤٣ -

العبد وبين ربه خبيئة عمل من الطاعة يدخرها لنفسه عند ربه ، ويدل
أنها كانت خبيئة بين بلال وبين ربه أن النبي - عليه السلام - لم يعرفها
حتى سأله عنها ، وفي سؤال النبي عن ذلك دليل على سؤال
الصالحين عما يهديهم الله إليه من الأعمال المقتدى بهم فيها ، ويمتثل
رجاء بركتها .
وقوله: ((دف نعليك)) ( قال: و) (١) قال صاحب العين: يقال:
دف الطائر إذا حرك جناحيه ، ورجلاه في الأرض .
باب : ما يكره من التشديد في العبادة
فيه: أنس: (( دخل النبي - عليه السلام - فإذا حبل ممدود بين
ساريتين، فقال : ما هذا الحبل ؟ فقالوا : هذا حبل لزينب فإذا
[فترت](٢) تعلقت به. فقال عليه السلام: لا، حلّوه ، لِيُصَلِّ أحدكم
نشاطَه ، فإذا [ فتر ](٣) فليقعد)).
وفيه : عائشة قالت : (( كانت عندي امرأة من بني أسد ، فدخل عليّ
رسول الله ◌َي فقال : من هذه ؟ قلت : فلانة ، لا تنام بالليل - تذكر من
صلاتها - قال : مه ، علیکم ما تطبقون من الأعمال ، فإن الله لا يملّ حتى
تملّوا ».
إنما يكره التشديد في العبادة خشية الفتور وخوف الملل ؛ ألا ترى
قوله : (( خير العمل ما دام عليه صاحبه وإنْ قَلَّ)) وقد قال تعالى:
﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وما جعل
(١) هكذا في ((الأصل) و(( هـ)). (٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): قصرت.
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل): قصر.
(٤) البقرة : ٢٨٦ .
- ١٤٤ -

عليكم في الدين من حرج)) (١) فكره عليه السلام الإفراط في العبادة ؛
لئلا ينقطع عنها المرء فيكون كأنه رجوع فيما بذله من نفسه لله -تعالى-
وتطوع به، وقد تقدم معنى قوله: ((فإن الله لا يمل حتى تملّوا)) في
كتاب العلم ، ونذكر منه هاهنا طرفًا ، والمعنى أن الله لا يقطع الثواب
عنكم حتى تقطعوا أنتم العمل به بالملل الذي هو من شأنكم ؛ لأن
الملل لا يجوز على الله ولا هو من صفاته ، وإنما أخبر بالملل عنه
تعالى للمساواة بين قسمي الكلام ، كما قال تعالى : ﴿ومكروا ومكر
الله﴾ (٢) .
وقد اختلف السلف في التعلق بالحبل في النافلة عند الفتور
والكسل، فذكر ابن أبي شيبة عن أبي حازم (( أن مولاته كانت في
أصحاب الصفة قالت : وكانت لنا حبال نتعلق بها إذا فترنا ونعسنا في
الصلاة ، فأتانا أبو بكر فقال: اقطعوا هذه الحبال وافضوا إلى الأرض)»
وقال حذيفة في التعلق في الصلاة : إنما يفعل ذلك اليهود .
ورخص في ذلك آخرون ، قال عراك بن مالك : أدركت الناس في
رمضان تربط لهم الحبال يستمسكون بها من طول ( القيام ) (٣).
وفي باب استعانة اليد في الصلاة بعد هذا من كره الاعتماد على
الشيء في الصلاة ومن أجازه .
(١) الحج : ٧٨ .
(٢) آل عمران : ٥٤ .
(٣) في (( هـ)): الليل .
- ١٤٥ -

باب : ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه (١)
فيه : عبد الله بن عمرو: (( قال لي رسول الله : ألم أُخبر أنك تقوم
بالليل وتصوم بالنهار ؟ قلت : إني أفعل ذلك ، قال : فإنك إذا فعلت
ذلك هجمت عينك ، ونَفْهَتْ نفسُك ، وإن لنفسك حقا ، ولأهلك حقا.
٦٠/١ ٢٠-ب] / فصم وأفطر ، وقم ونم )).
قال المهلب : فيه أن من دخل في طاعة الله وقطعها فإنه مذموم ،
وقد عاب الله قومًا بذلك فقال : ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها
عليهم﴾ (٢) فاستحقوا الذم حين لم يَفُوا بما تطوعوا به ، ولا رَعَوهُ
حق رعايته ، فصار رجوعًا منهم عنه ؛ فلذلك لا ينبغي أن يدخل في
شيء من العبادة ويرجع عنها ، بل ينبغي أن يرتقي المرء كل يوم في
دَرَج الخير ، ويرغب إلى الله أن يجعل خاتمة عمله خيراً من أوله ،
ولذلك كان عليه السلام لا يحب من العمل إلا ما دام عليه صاحبه وإن قَلَّ.
فإن كان قطع العمل بمرض أو شغل وضعف عنه فلا لوم عليه ، بل
يرجى له من الله ألا يقطع أجره، فقد جاء عن النبي -عليه السلام- أن
المریض یکتب له أجر ما کان یعمله في صحته، وفي کتاب الله ما یشهد
لذلك قوله: ﴿ثم رددناه أسفل سافلين﴾(٣) يعني بالهرم والضعف ﴿إلا
الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون﴾ (٤) أي غير مقطوع
وإن ضعفوا عن العمل يكتب لهم أجر عملهم في الشباب والصحة .
وقوله : ((إن لنفسك عليك حقا)) يريد ما جعل الله -تعالى- للإنسان
من الراحة المباحة واللذة في غير محرم ، فإن في ذلك قوة على طاعة
الله ونشاطًا إليها ، وكذلك للأهل حق على الزوج أن يوفيهم حقوق
الزوجية ، وأن ينظر لهم فيما لا بد لهم من أمور الدنيا والآخرة .
(١) الترجمة وضع تحتها - في الفتح وطبعة دار الشعب - حديث: ((يا عبد الله،
لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل)» وجاء بعده باب تحته هذا
الحديث الوارد هنا .
(٢) الحديد : ٢٧ .
(٣) التين : ٥ .
(٤) التين : ٦ .
- ١٤٦ -

وقوله : ((هجمت عينك)): غارت . عن أبي عمرو الشيباني .
وقال الأصمعي : هجمت ونفهت : أعيت ، ويقال للمُعْيي : نافه
مُنْفَّه .
باب : فضل من تعار من اللیل فصلی
فيه: عُبادة: قال النبي - عليه السلام -: (( من تعار من الليل فقال : لا
إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء
قدیر، الحمد لله ، وسبحان الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله
(العلي العظيم) (١) ثم قال: اللهم اغفر لي [ أو ] (٢) دعا استجيب له،
فإن توضأ وصلی قُبلت صلاته )) .
وفيه: أبو هريرة قال: قال رسول الله: ((إن أخًا لكم لا يقول الرفث -
يعني عبد الله بن رواحة :
1
وفينا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق معروف من الفجر ساطع
[ أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع ](٣)
يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع))
وفيه : ابن عمر قال: « رأيت كأن بيدي قطعة إستبرق فكأني لا أريد
مکانًا من الجنة إلا طارت إلیه ، و کأن اثنین أتیاني أرادا أن يذهبا بي إلى
النار ، فتلقاهما ملك فقال : لم ترع ، خليا عنه ... )) وذكر الحديث .
قال المؤلف : حديث عُبادة شريف عظيم القدر ، وفيه ما وعد الله
(١) من ((الأصل))، وليست في ((هـ)) ولم ينسبها الحافظ ابن حجر في الفتح
(٤٩/٣) لشيء من روايات الصحيح، وإنما نسبها إلى النسائي وابن ماجه وابن
السنى ، فالله أعلم .
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): و.
(٣) من (( هـ)).
- ١٤٧ -

عباده على التيقظ من نومهم لهجة ألسنتهم بشهادة التوحيد له
والربوبيّة، والإذعان له بالملك ، والاعتراف له بالحمد على جزيل نعمه
التي لا تحصى ، رطبة أفواههم بالإقرار له بالقدرة التي لا تتناهى ،
مطمئنة قلوبهم بحمده وتسبيحه وتنزيهه عما لا يليق بالإلهية من صفات
النقص ، والتسليم له بالعجز عن القدرة عن نيل شيء إلا به تعالى .
فإنه وعد بإجابة دعاء من بهذا دعاه ، وقبول صلاة مَنْ بعد ذلك.
صلى ، وهو تعالى لا يخلف الميعاد ، وهو الكريم الوهاب فينبغي
لكل مؤمن بلغه هذا الحديث أن يغتنم العمل به ، ويخلص نيته لربه
العظيم أن يرزقه حظا من قيام الليل ، فلا عون إلا به ، ويسأله فكاك
رقبته من النار ، وأن يوفقه لعمل الأبرار ، ويتوفاه على الإسلام .
قد سأل ذلك الأنبياء الذين هم خيرة الله وصفوه من خلقه ، فمن
رزقه الله حظا من قيام الليل فليكثر شكره على ذلك ، ويسأله أن يديم
له ما رزقه ، وأن يختم له بفوز العاقبة ، وجميل الخاتمة .
وقوله : ( إن أخًا لكم لا یقول الرَّفَٹ )» وذکر قول ابن رواحة يدل
أن حسن الشعر محمود كحسن الكلام ، وتبين أن قوله عليه السلام
((لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه خيرٌ له من أن يمتلئ شعراً)) أنه
لا يراد به كل الشِّعر ، وإنما المراد به الشعر الذي فيه الباطل والهُجر
من القول ؛ لأنه عليه السلام قد نفى عن ابن رواحة بقوله هذه الأبيات
قول الرفث ، وإذا لم تكن من الرفث فهي في حيِّزِ الحق ، والحق
مرغب فيه ، مأجور عليه صاحبه .
وفي حديث ابن عمر / أن قيام الليل ينجي من النار ، وقد تقدم
[١/ ق ٢٠٧ - ١]
القول [ فيه ] (١) في باب فضل قيام الليل ، وقال صاحب العين :
(١) من (( هـ)).
- ١٤٨ -

التعارّ : السهر والتقلب على الفراش ليلا مع كلام ، أخذه من عرار
الطير وهو صوته .
باب : المداومة على ركعتي الفجر
فيه: عائشة قالت: ((صلى رسول الله وغر العشاء، ثم صلى ثمان
ركعات ، وركعتين جالسًا ، وركعتين بين النداءين ، ولم يكن يدعهما
أبدًا)) .
هذا الحديث يدل على فضل ركعتي الفجر وأنهما من أشرف
التطوع؛ لمواظبته وَل عليهما وملازمته لهما.
روى ابن جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، عن عائشة
قالت: (( ما رأيت رسول الله يُسرع إلى شيء من النوافل إسراعه إلى
ركعتي الفجر ، ولا إلى غنيمة )) وروى قتادة عن زرارة بن أبي أوفى ،
عن سعد بن هشام ، عن عائشة قالت : قال رسول الله: (( ركعتا
الفجر خير من الدنيا وما فيها )) .
وقال أبو هريرة : لا تدع ركعتي الفجر ولو طرقتك الخيل . وقال
عمر: هما أحب إليّ من حمر النعم . وقال إبراهيم : إذا صلى ركعتي
الفجر ثم مات أجزأه من صلاة الفجر. وقال علي: (( سألت النبي -
عليه السلام - عن إدبار النجوم ، فقال : ركعتين ( بعد ) (١) الفجر ))
قال علي : وأدبار السجود : ركعتين بعد المغرب . وروي مثله عن
عمر وأبي هريرة .
واختلف العلماء في الوقت الذي يقضيهما فيه من فاتته ، فقالت
(١) من ((الأصل)) و((هـ)) فإن صح فالمقصود : بعد طلوع الفجر، وقبل صلاة
الصبح ، والله أعلم .
- ١٤٩ -

طائفة : يركعهما بعد صلاة الصبح . هذا قول عطاء وطاوس . ورواية
عن ابن عمر ، ورواية المزني عن الشافعي . وأَبَى ذلك مالك وأكثر
العلماء ؛ لقوله عليه السلام: (( لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع
الشمس )) .
وقالت طائفة : يقضيهما بعد طلوع الشمس . روي ذلك عن ابن
عمر والقاسم بن محمد ، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي
ثور ، ورواية البويطي عن الشافعي ، وقال مالك ومحمد بن الحسن :
يقضيهما بعد طلوع الشمس إن أحب . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف :
لا يقضيهما من فاتته ، وليستا بمنزلة الوتر .
واختلفوا فيمن لم يصلهما وأدرك الإمام في صلاة الصبح أو أقيمت
.عليه ، فقالت طائفة : إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ، روي
ذلك عن عمر وابن عمر [ وأبي هريرة ] (١) وبه قال الشافعي وأحمد
وإسحاق وأبو ثور .
وفيه قول ثان : أنه يصليهما في المسجد والإمام يصلي ، روي ذلك
عن ابن مسعود ، وبه قال الثوري والأوزاعي ، إلا أنهما قالا : إن
خشي أن تفوته الركعتان دخل مع الإمام ، وإن طمع بإدراك الركعة.
الثانية صلاهما ثم دخل مع الإمام . وقال أبو حنيفة مثله ، إلا أنه
قال: لا يركعهما في المسجد . وقال مالك : إن دخل المسجد فلا
يركعهما وليدخل معه في الصلاة ، وإن كان خارج المسجد ولم يخف
أن يفوته الإمام بركعة فليركعهما ، وإن خاف أن تفوته الركعة الأولى
فليدخل وليصل معه ، ثم يصليهما إن أحبّ بعد طلوع الشمس.
(١) من (( هـ).
- ١٥٠ -

باب : الضجعة على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر
فيه: عائشة قالت: ((كان رسول الله وَالله إذا صلى ركعتي الفجر
اضطجع على شقه الأيمن )) .
ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الضجعة بعد ركعتي الفجر سُنَّة
يجب بها العمل ، وممن كان يفعلها : أبو موسى الأشعري ورافع بن
خديج ، ورواية ضعيفة عن ابن عمر ذكرها ابن أبي شيبة ، وروي مثله
عن ابن سيرين وعروة .
وذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الضجعة إنما كان يفعلها للراحة
من تعب القيام ، وكرهوها ، وممن كرهها من السلف : ذكر ابنُ أبي
شيبة قال : قال أبو الصديق الناجي : رأى ابن عمر قومًا قد
اضطجعوا بعد ركعتي الفجر ، فأرسل إليهم فنهاهم ، فقالوا :
نريد بذلك السَّنَّة، فقال ابن عمر : ارجع إليهم فأخبرهم أنها
بدعة .
وعن ابن المسيب قال : رأى ابن عمر رجلا اضطجع بعد الركعتين
فقال : احصبوه . وقال أبو مجلز : سألت ابن عمر عنها ، فقال :
يتلعب بكم الشيطان . وقال ابن مسعود : ما بال أحدكم إذا صلى
الركعتين يتمعك كما يتمعك الحمار . وكرهها النخعي [ و](١) قال
سعيد بن جبير : لا تضطجع بعد الركعتين [ قبل الفجر ، واضطجع
بعد الوتر .
قال المهلب : واضطجاعه عليه السلام بعد الركعتين ] (١) إنما
(١) من (( هـ).
- ١٥١ -

كان في الغِبُّ (١) ؛ لأنه كان أكثر عمله أن يصليهما إذا جاءه المؤذن
للإقامة .
/ باب : من تحدث بعد ( ركعتي الفجر ) (٢) ولم يضطجع
[١/ق٢٠٧ ب ]
فيه: عائشة قالت: ((كان النبي - عليه السلام - إذا صلى (٣) فإن
كنت مستيقظة حدثني ، وإلا اضطجع حتى يؤذن بالصلاة)).
قال المؤلف - رحمه الله - : هذا الحديث يبين أن الضجعة ليست
بسُنَّة ، وأنها للراحة ، فمن شاء فعلها ومن شاء تركها ، ألا ترى
قول عائشة: (( فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع )) فدل [أن](٤)
اضطجاعه عليه السلام إنما كان يفعله إذا عدم التحدث معها ليستريح
من تعب القيام ، وفي سماع ابن وهب قيل : فمن ركع ركعتي
الفجر، أيضطجع على شقه الأيمن ؟ قال : لا . يريد لا يفعله استنانًا؛
لأن النبي - عليه السلام - لم يجعله استنانًا ، وكان ينتظر المؤذن حتى
يأتيه .
فإن قيل : فما وجه تركه علیه السلام الاستغفار حین کان يحدثها إذا
كانت مستيقظة ، وقد مدح الله - تعالى - المستغفرين بالأسحار ؟
فالجواب : أن السحر يقع على ما قبل الفجر كما يقع على ما بعده ،
ومنه قيل للسحور سحورًا ؛ لأنه طعام في السحر قبل الفجر ، وقد
كان عليه السلام أخذ بأوفر الحظ من قيام الليل والاستغفار ، وقد جاء
في حديث التنزل: ((أن الله - تعالى - ينزل إلى سماء الدنيا حين
يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : من يدعوني فأستجيب له ، من يسألني
(١) يعني مرة بعد مرة، أي إنه كان لا يداوم عليهما، ومنه ((زُرْ غبا تزدد حبا)).
(٣) يعني ركعتي الفجر. (٤) من (( هـ)).
(٢) فى ((هـ)) : الركعتين.
- ١٥٢ -

فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له )) فذكر أن الاستغفار المندوب إليه
المرجو بركة إجابته ، هو قبل الفجر ، وليس المستغفر ممنوعًا من أن
يتكلم في حال استغفاره بما به الحاجة إليه من إصلاح شأنه وعلم
ينشره، ولا يخرجه ذلك من أن يسمى مستغفراً .
واختلف السلف في الكلام بعد ركعتي الفجر ، فقال نافع : كان
ابن عمر ربما تكلم بعد ركعتي الفجر [ وقال إبراهيم : لا بأس أن
يسلم ويتكلم بالحاجة بعد ركعتي الفجر ] (١) وعن الحسن وابن سيرين
مثله .
وكره الكوفيون الكلام قبل صلاة الفجر إلا بخير . وكان مالك
يتكلم في العلم بعد ركعتي الفجر ، فإذا سلم من الصبح لم يتكلم مع
أحد حتى تطلع الشمس ، قال مالك : لا يكره الكلام قبل الفجر ،
وإنما يكره بعدها إلى طلوع الشمس .
وممن كان لا يرخص في الكلام بعد ركعتي الفجر ، قال مجاهد :
رأى ابن مسعود رجلا ( يتكلم ) (٢) بعد ركعتي الفجر، فقال: إما أن
تذكر الله وإما أن تسكت . وعن سعيد بن جبير مثله . وقال إبراهيم :
كانوا يكرهون الكلام بعد ركعتي الفجر . وهو قول عطاء . وسئل
جابر بن زيد : هل يفرق بين صلاة الفجر وبين الركعتين قبلها بكلام ؟
قال : لا ، إلا أن يتكلم بحاجة إن شاء .
ذكر هذه الآثار ابن أبي شيبة ، والقول الأول أَوْلى بشهادة السُّنَّة
الثابتة له ، ولا قول لأحد مع السَّنَّة .
واختلفوا في التنفل بعد طلوع الفجر ، فكرهت طائفة الصلاة بعد
الفجر إلا ركعتي الفجر، روي ذلك عن ابن عمر ، وابن عباس ،
وابن المسيب ، ورواية عن عطاء ، وحجتهم حديث موسى بن عقبة ،
(١) من (( هـ)).
(٢) في (( هـ )) : يكلم آخر .
- ١٥٣ -

عن نافع ، عن ابن عمر : أن النبي - عليه السلام - قال: (( لا صلاة
بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر )) ويروى أيضًا من مرسلات ابن
المسيب عن النبي و # وأجاز ذلك آخرون، روي هذا عن طاوس
والحسن البصري ، ورواية عن عطاء قالوا : إذا طلع الفجر فَصَلِّ ما
شئت ، ذكر هذا عبد الرزاق .
باب: ما جاء في التطوع مثنى مثنى
ويذكر ذلك عن عمار وأبي ذر وأنس وجابر بن زيد وعكرمة والزهري
وقال يحيى بن سعيد الأنصاري : ما أدركت فقهاء أرضنا إلا يسلمون
في كل اثنتين من النهار .
فيه: جابر قال: (( كان رسول الله لم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها
كما يعلمنا السورة من القرآن ، يقول : إذا هم أحدكم بالأمر فليركع
ركعتين من غير الفريضة ، ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك ،
وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا
أقدر، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن
هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال : عاجل
[٥/١ ٢٠٨ -] أمري وآجله - فاقدره لي / ويسره لي ، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم
أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال : في
عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني ، واصرفني عنه ، واقدر لي الخير
حيث كان، ثم أرضني به ، قال: ويسمي حاجته)) .
وفيه: أبو قتادة قال [النبي ( 4*] (١): ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا
يجلس حتی یصلي ركعتين )) .
(١) من (( هـ)).
- ١٥٤ -

وفيه : أنس: ((صلى لنا رسول الله ركعتين ثم انصرف )).
وفيه : ابن عمر قال: (( صليت مع النبي - عليه السلام - ركعتين قبل
الظهر، وركعتين بعد الظهر ، وركعتين بعد الجمعة ، وركعتين بعد المغرب،
وركعتين بعد العشاء )).
وفيه : جابر: (( قال عليه السلام وهو يخطب : إذا جاء أحدكم والإمام
بخطب - أو قد خرج - فلیصل ركعتين )) .
وفيه: ابن عمر: (( أن النبي - عليه السلام - صلى ركعتين في وجه
الكعبة)) .
وقال أبو هريرة: « أوصاني النبي - عليه السلام- بركعتي الضحى)).
وقال عتبان : « صلى الرسول في بيتي ر کعتین )) .
واختلف الفقهاء في التطوع بالليل والنهار كيف هو ؟ فقالت طائفة:
هو مثنى مثنى ، هذا قول ابن أبي ليلى ، ومالك ، والليث ،
والشافعي ، وأبي ثور ، وهو قول أبي يوسف ، ومحمد في صلاة
الليل . وقال أبو حنيفة : أما صلاة الليل فإن شئت صليت ركعتين ،
وإن شئت [ صليت ] (١) أربعًا ، وإن شئت صليت ستا ، وإن شئت
ثمانيًا ، وكره أن يزيد على ذلك شيئًا .
قال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد : أما صلاة النهار فإن
شئت صلیت بتكبيرة رکیتین ، وإن شئت أربعًا ، وکرهوا أن يزيد على
ذلك شيئًا . وحجة أبي حنيفة لقوله في صلاة الليل حديث عائشة أنها
قالت : ((كان عليه السلام يصلي بالليل أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن
وطولهن، ثم أربعًا، ثم ثلاثًا)).
فقال لهم أهل المقالة الأولى : ليس في حديث عائشة يصلي أربعًا
(١) من (( هـ)).
- ١٥٥ -

أن الأربع بسلام واحد ، وإنما أرادت العدد في قولها أربعًا ثم أربعًا ثم
ثلاثًا ، بدليل قوله عليه السلام: (( صلاة الليل مثنى مثنى )) وهذا
يقتضي ركعتين ركعتين بسلام بينهما على ما قدمناه في باب كيف كانت
صلاة الليل .
وقد رد الطحاوي على أبي حنيفة وقال : قد روى الزهري ، عن
عروة، عن عائشة : (( أنه عليه السلام كان يسلم بين كل اثنتين منهن ))
قال : وهذا الباب إنما يؤخذ من جهة التوقيف والاتباع لما فعل
رسول الله وَله وأمر به ، وفعله أصحابه من بعده ، فلم نجد عنه من
قوله ، ولا من فعله أنه عليه السلام أباح أن يصلى بالليل بتكبيرة أكثر
من ركعتين ، وهذا أصح القولين عندنا .
وأما صلاة النهار فالحجة لأبي حنيفة ما رواه شعبة عن [ عُبيدة] (١)
عن إبراهيم ، عن سهم بن منجاب ، عن قزعة ، عن [ القَرْثَع](٢)،
عن أبي أيوب الأنصاري، عن الرسول قال: ((أربع ركعات قبل
الظهر لا تسليم فيهن تفتح لهن أبواب السماء )) وقال إبراهيم : كان
عبد الله يصلي قبل الجمعة أربعًا، وبعدها أربعًا ، لا يفصل بينهن
بسلام . وروى عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنه كان يصلي
بالليل ركعتين وبالنهار أربعًا .
قال ابن القصار : فالجواب أن حديث أبي أيوب إنما يدل على فضل
الأربع إذا اتصلت وفعلت في هذا الوقت ، ولا يدل على أن أكثر من
الأربع لا يكون أفضل منها إذا كانت منفصلة ؛ لأنه عليه السلام قد
يذكر فضل الشيء ويكون هناك ما لو قاله أو فعله لكان أفضل ؛ ألا
ترى أنه قال: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة)) أفترى أن ليس رطل تمرٍ
(١) من (( هـ)) وهو ابن مُعَّب الضبي الكوفي، كما يُعلم من ترجمته، وترجمتي
شعبة وإبراهيم وهو النخعي، ووقع في (( الأصل)): عبيد . وهو خطأ.
(٢) هو الضبي الكوفي أيضًا، وجاء في ((الأصل)) و(هـ): ((أبو القرئع)) وهو خطأ .
٠
- ١٥٦ -

أفضل من تمرة ، فإنما نبّه بذكره على أربع ركعات على أن الأكثر يكون
أفضل ، فلو صلى عشرين ركعة يسلم في كل ركعتين لكان أفضل من
أربع متصلة ، فسقط قولهم .
قال غيره : وما أثبته البخاري من الروايات المتواترة عن الرسول في
صلاته ركعتين من طرق في الأوقات المختلفة ، منها قوله عليه السلام:
( إذا دخل أحدكم المسجد فلیرکی رکعتین » يدخل في عمومه إذا دخل
المسجد قبل الظهر ، وفي جميع أوقات النهار والليل المباحة للتنفل .
وكذلك روى ابن عمر: (( أن النبي - عليه السلام - كان يصلي
قبل الظهر ركعتين ، وبعدها ركعتين وبعد المغرب ركعتين، وبعد العشاء
ركعتين))، فهذا كله يفسر حديث أبي أيوب أن الأربع التي حض
عليهن رسول الله / 1983 قبل الظهر إنما أراد اتصالهن ذلك الوقت ؛٢٠٨٥/١١-ب]
لا أَنَّهُ لا سلام بينهن ؛ لِمَا صحّ من صلاته عليه السلام قبل الظهر
وبعدها ركعتين ، فوجب رد ما خالف هذا المعنى إليه ، والله الموفق .
وأما حديث جابر : أن الرسول قال: ((إذا جاء أحدكم والإمام
يخطب فليصل ركعتين)) فإنها قصة السليك . قال الأصيلي : وخالف
شعبة فيه أصحاب عمرو بن دينار سوى ابن جريج وحماد بن زيد وابن
عيينة ، فرووه عن عمرو ، عن جابر: ((أن رجلا جاء إلى المسجد
والنبي عليه السلام يخطب قال له : أصليت ؟ قال : لا . قال : قم
فاركع ركعتين ... )) قصة السليك. وكذلك روى أبو الزبير عن
جابر، فانفرد شعبة بما لم يتابع عليه، ولم تكن زيادة زادها الحافظ
على غيره ، بل هي قصة منقلبة عن وجهها .
وقال يحيى بن معين : [ أحق ] (١) أصحاب عمرو بن دينار
بحديثه سفيان بن عيينة .
(١) في ((الأصل، هـ)): ألحق . وليس لها معنى هنا، إنما الصواب ما أثبت،
والمراد تقديم ابن عيينة في عمرو بن دينار على سائر أصحابه .
- ١٥٧ -

باب : الحديث بعد ركعتي الفجر
قد تقدم هذا الباب فلا معنى لتكراره .
[باب: تعاهد ركعتي الفجر ومن سماهما تطوعًا](١)
فيه: عائشة قالت: (( لم يكن النبي - عليه السلام - على شيء من
النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر)) .
العلماء متفقون على تأكيد ركعتي الفجر ، إلا أنهم اختلفوا في
تسميتها ، فذكر ابن أبي شيبة عن الحسن البصري أنهما واجبتان ،
وذهبت طائفة من العلماء إلى أنهما سُنَّة ، هذا قول أشهب ،
والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور . وأَبّى كثير منهم أن
يسميها سُنّة ، قال مالك في المختصر : ليستا بسُنَّة ، وقد عمل بها.
المسلمون فلا ينبغي تركها . وذكر ابن المواز عن ابن عبد الحكم وأصبغ
أنهما ليستا بسُنَّة ، وهما من الرغائب .
والحجة لمن أوجبهما : ما روي عن النبي - عليه السلام - أنه
قضاهما بعد طلوع الشمس يوم نام عن الصلاة لما قضى الفريضة ،
ولم يأت عنه أنه قضى شيئًا من السنن بعد خروج وقتها غيرهما (٢)
(١) من ( هـ).
(٢) هناك هامش في (( هـ )) لم يعرف قائله وفيه :
قلت : هذا عجيب من هذا الشارح حيث يقول : إنه ما قضى شيئًا من السنن
بعد خروج وقتها غيرهما ، وفي الصحيح نفسه أنه وتقر قضى الركعتين اللتين
بعد الظهر بعد العصر ، وهو حديث أم سلمة المشهور . إذا علمت ذلك كان ما
استدل به على وجوبهما واهيًا، إلا ... الشارح أن يوهيه بأن وقت الظهر
والعصر مشترك فيسلم ما ادعاه . اهـ .
- ١٥٨ -

وحجة من جعلهما سُنَّة : مواظبة الرسول عليهما ، وشدة تعاهده
لهما، [ و] (١) أن النوافل تصير سننًا بذلك . وحجة من لم يسمهما
سُنَّة: قول عائشة: ((لم يكن النبي - عليه السلام - على شيء من
النوافل أشد تعاهدًا منه عليهما )) فجعلتهما من جملة النوافل ، وقد
روى ابن القاسم عن مالك : أن ابن عمر كان لا يتركهما في السفر .
*
باب : ما يقرأ في ركعتي الفجر
فیه : عائشة قالت : « کان النبي - عليه السلام - يصلي بالليل ثلاث
عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء ركعتين خفيفتين )).
وقالت عائشة: ((كان عليه السلام يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة
الصبح، حتى أني لأقول: هل قرأ فيهما بأم الكتاب)).
اختلف العلماء في القراءة في الفجر على أربعة مذاهب ، فقال
الطحاوي : قال قوم : لا يقرأ في ركعتي الفجر . وقال آخرون :
يخفف القراءة فيهما بأم القرآن خاصة . وروي هذا عن عبد الله بن
عمرو بن العاص . وهو قول مالك في رواية ابن وهب وعلي بن زياد
قال : وهو الذي آخذ به في خاصة نفسي .
وقالت طائفة : يخفف فيهما القراءة ، ولا بأس أن يقرأ مع أم
القرآن سورة قصيرة ، رواه ابن القاسم عن مالك في المجموعة ، وهو
قول الشافعي . وروي عن إبراهيم النخعي ومجاهد أنه لا بأس أن
يطيل القراءة فيهما ، ذكره ابن أبي شيبة .
وقال أبو حنيفة : ربما قرأت في ركعتي الفجر حزبي من القرآن ،
وهو قول أصحابه، واحتج لهم الطحاوي فقال: لما كانت ركعتا الفجر
(١) زدتها لاتصال الكلام .
- ١٥٩ -

من أشرف التطوع لقوله عليه السلام : (( ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا
وما فيها )) كان أولى أن يفعل فيها أشرف ما يفعل في التطوع من إطالة
القراءة فيهما ، وهو عندنا أفضل من التقصير ؛ لأنه من طول القنوت
الذي فضله رسول الله وَّ في التطوع على غيره.
وأما من قال : لا قراءة فيهما ، فإنه احتج بحديثي هذا الباب ،
والحجة عليه ما رواه شعبة ، عن محمد بن عبد الرحمن قال :
سمعت عمتي عمرة تحدث عن عائشة (( أن رسول الله كان إذا طلع
[٢٠٩٥/١-١] الفجر صلى ركعتين، أقول: يقرأ (١) فيهما بفاتحة الكتاب؟)) / فهذا
خلاف أحاديث عائشة الأخر؛ لأنها أثبتت في هذا الحديث قراءة أم
القرآن ، فذلك حجة على من نفى القراءة ، وهذا الحديث حجة لمن
قال : يقرأ فيهما بأم القرآن خاصة ، وقد يجوز أن يقرأ فيهما بفاتحة
الكتاب وغيرها ، ويخفف القراءة حتى يقال على التعجب من تخفيفه:
هل قرأ فيهما بفاتحة الكتاب ! .
وحجة من [ قال ] (٢): يقرأ فيهما بأم القرآن وسورة قصيرة ، ما
رواه أبو نعيم ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن مجاهد ، عن
ابن عمر قال: ((رمقت النبي - عليه السلام - أربعًا وعشرين مرة يقرأ
في الركعتين قبل صلاة الغداة ، وفي الركعتين بعد المغرب : قل يا أيها
الكافرون وقل هو الله أحد )) .
وروى أبو وائل ، عن عبد الله مثله، وقال: (( ما أحصي ما
سمعت النبي - عليه السلام - يقرأ بذلك )) وبه كان يأخذ ابن مسعود،
وذكره ابن أبي شيبة ، وقد روي مثله من حديث قتادة عن أنس ، ومن
حديث جابر عن النبي - عليه السلام - في ركعتي الفجر خاصة .
(١) هكذا في ((الأصل)) و((هـ ))، وربما سقط من ههنا: ((هل)) في أول الكلام،
فسيأتى مثله ، والله أعلم .
(٢) من (( هـ)).
- ١٦٠ -