Indexed OCR Text

Pages 321-340

وإن كان أقرأهم ؛ لما ذكرنا من جهلهم بسنة الصلاة ، وأجاز إمامته :
الثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي / وإسحاق .
[١/ ق١٣٤ -ب]
وأما إمامة الصبي الذي لم يحتلم فأجازها : الحسن البصري ، وهو
قول الشافعي ، وإسحاق ، وأبي ثور . وكرهها : عطاء ، والشعبي،
وهو قول مالك ، والثوري ، وأبي حنيفة .
وأجاز الإمامة من المصحف : ابن سيرين ، والحكم بن [عتيبة](١)،
وعطاء ، والحسن ، وكان أنس يصلي وغلامه خلفه يمسك له
المصحف، فإذا [ تعايا ] (٢) في آية فتح عليه، وأجازه مالك في قيام
رمضان ، وكرهه النخعي ، وسعيد بن المسيب ، والشعبي ، ورواية
عن الحسن ، وقال : هكذا يفعل النصارى .
باب : إذا لم يتم الإمام وأتم من خلفه
فيه: أبو هريرة: أن نبي الله قال: (( يُصَلُّونَ لكم ، فإن أصابوا فلكم،
وإن أخطئوا فلكم وعليهم )) .
قال المهلب : فيه جواز الصلاة خلف البر والفاجر إذا خيف منه .
وفيه : أن الإمام إذا نقص ركوعه وسجوده أنه لا تفسد صلاة من
خلفه ، إلا أن ينقص فرض الصلاة ، فلا يجوز اتباعه ، فإن خيف منه
صلى معه بعد أن يصلي في بيته وتكون الصلاة نافلة ، وقال غيره :
قوله: (( فإن أصابوا فلكم )) أي : أصابوا الوقت ، وكذلك قوله :
((وإن أخطئوا)) يعني: الوقت، وكذلك [ كان ] (٣) بنو أمية يؤخرون
(١) في (( الأصل)) و( هـ)): عيينة وهو تصحيف.
(٢) من ((هـ)) يقال: تعايا بالأمر: لم يُطِقّ إحكامه. وتعايا عليه الأمر : أعجزه
فلم يهتد لوجهه . والعِيّ : عدم الاهتداء لوجه المراد ، والعجز عن أدائه .
المعجم الوسيط (٦٤٢/٢)، وفي ((الأصل)): تعلم يا . كذا .
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): كانوا.
- ٣٢١ -

( الصلاة ) (١) تأخيراً شديداً، ويدل على صحة هذا ما رواه أبو بكر
ابن عياش ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله قال : قال
رسول الله: (( لعلكم تدركون أقوامًا يصلون الصلاة لغير وقتها ، فإذا
أدركتموهم فصلوا في بيوتكم في الوقت الذي تعرفون ، ثم صلوا
معهم ، واجعلوها سبحة )) ورواه ثوبان ، وأبو ذر ، عن نبي الله ،
فهذا الحديث يفسر حديث أبي هريرة ، ويدل أن قوله عليه السلام :
((فإن أخطئوا فلكم )) يعني : صلاتكم في بيوتكم في الوقت ، وكذلك
كان جماعة من السلف يفعلون ، روي عن ابن عمر أن الحجَّاج لما أَخَّرَ
الصلاة بعرفة ، صلى ابن عُمر في رَحْلِهِ ، وثمَّ ناس، ووقف ، قال :
فأمر به الحجاج فحبس ، وكان الحجاج يؤخر الصلاة يوم الجمعة ،
وكان أبو وائل يأمرنا أن نصلي في بيوتنا ، ثم نأتي المسجد ، وكان إبراهيم
يصلي في بيته ، ثم يأتي الحجاج فيصلي معه ، وفعله مسروق مع زياد .
. وكان عطاء وسعيد بن جبير في زمن الوليد إذا أخر الصلاة أومأا في
مجالسهما ، ثم صليا معه ، وفعله مكحول مع الوليد أيضًا ، وهو
مذهب مالك في أئمة الجور إذا أخروا الصلاة عن وقتها ، وقد روي
عن بعض السلف أنهم كانوا لا يعيدون الصلاة معهم ، وروى ابن أبي
شيبة ، عن وكيع قال : حدثنا بسام قال : سألت أبا جعفر محمد بن
علي عن الصلاة خلف الأمراء . فقال: ( صَلِّ) (٢) معهم ، قد كان
الحسن والحسين [ يعتدان ] (٣) الصلاة خلف مروان. قلت : إن الناس
كانوا يزعمون أن ذلك تقية . قال : وكيف إن كان الحسن بن علي
(٢) في (( هـ)) : صلي .
(١) في ((هـ)): الوقت.
(٣) بلا نقط في ((الأصل)) و((هـ)) وقد فتشت عن هذا الأثر في المصنف فلم أقف
عليه ، لكن في سنن البيهقى (١٢٢/٣) عن الشافعي أبنا حاتم بن إسماعيل
عن جعفر بن محمد عن أبيه أن الحسن والحسين رضي الله عنهما كانا يصليان
خلف مروان ، قال : فقال : ما كانا يصليان إذا رجعا إلى منازلهما ؟ فقال :
لا والله ما كانا يزيدان على صلاة الأئمة))، فأثبت الذي يوافق هذا المعنى،
والله تعالى أعلم .
- ٣٢٢ -

ليسبُّ مروان في وجهه وهو على المنبر حتى يولي ! وقيل لجعفر بن محمد :
كان أبوك يصلي إذا رجع إلى البيت ؟ فقال : لا والله ، ما كان يزيد
على صلاة الأئمة . وقال إبراهيم : كان عبد الله يصلي معهم إذا أخروا
عن الوقت قليلاً ، ويرى أن مأثم ذلك عليهم .
باب : إمامة المفتون والمبتدع
وقال الحسن : صل وعليه بدعته
فيه : ( عبيد ) (١) الله بن عدي بن الخيار (( أنه دخل على عثمان وهو
محصور فقال : إنك إمام عامة ، ونزل بك ما ترى ، ويصلي لنا إمام فتنة
ونتحرج . فقال : [ الصلاة ] (٢) أحسن ما يعمل للناس [ فإذا أحسن
الناس ](٣) فأحسن معهم، وإن أساءوا فاجتنب إساءتهم)) .
وقال الزهري : لا نرى أن نصلي خلف المخنث إلا من ضرورة لا بد
منها .
وفيه : أنس قال : قال النبي - عليه السلام - لأبي ذر: (( اسمع وأطع
ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة )».
اختلف العلماء في تأويل قوله: (( ويصلي لنا إمام فتنة )) فقال ابن
وضاح : إمام الفتنة عبد الرحمن بن [ عديس ] (٤) البلوي ، هو
الذي أجلب على عثمان بأهل مصر . وروى ابن وهب ، عن ابن
لهيعة ، عن يزيد بن عمرو المعافري أنه سمع أبا ثور الفهمي أنه رأى
ابن عديس صلى لأهل المدينة الجمعة وطلع منبر الرسول فخطب .
(١) في (( هـ)): عبد. خطأ .
(٢) من (( هـ ))، وفي (( الأصل)): الصلاح . كذا .
(٤) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): عبد اليسر . وهو خطأ.
(٣) من (( هـ )) .
- ٣٢٣ -

:
والقول [ الثاني ](١) : قال أبو جعفر الداودي : معنى قوله: ((يصلي
لنا إمام فتنة)) أن غير إمامهم يصلي لهم في حين فتنة ، ليس أن ذلك
الإمام يدعو إلى فتنة ويسعى فيها ويدل على ذلك قول عثمان :
((الصلاة أحسن ما يعمل الناس ، فإذا أحسنوا فأحسن معهم ، وإذا
أساءوا فاجتنب إساءتهم )) ولم يذكر الذي أمهم بمكروه ، وذكر أن
فعله من أحسن الأعمال ، وحذره من الدخول في الفتنة .
[١/ ق١٣٥-١] وقال غيره : والدليل على صحة هذا التأويل أنه قد صلى / بالناس
في حصار عثمان جماعة من الفضلاء منهم : أبو أيوب ، وسهل بن
حنيف، وابنه أبو أمامة ، ذكره عمر بن [ شبَّة ] (٢) بإسناد عن هشام
ابن عروة ، عن ( أبيه ) (٣) قال : صلى بالناس يوم الجمعة سهل بن
حنيف . قال عمر بن [ شبّة ] (٢) حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا
يوسف ابن الماجشون ، قال : أخبرنا عقبة بن مسلم المزني أن آخر
خرجة عثمان يوم الجمعة ، وعليه حلة حمراء مصفرًا رأسه ولحيته
بورس ، فما خلص إلى المنبر حتى ظن أن لن يخلص ، فلما استوى
عليه حصبه الناس ، فقام رجل من بني غفار فقال : والله لنغرينك إلى
جبل الدخان ، فلما نزل حيل بينه وبين الصلاة ، وصلى بالناس أبو
أمامة ابن سهل بن حنيف . فقال عمر بن [ شبة ] (٢) وحدثنا محمد
ابن جعفر ، حدثنا معمر ، عن الزهري، عن عروة ، عن عبيد الله
ابن عدي بن الخيار قال : دخلت على عثمان وهو محصور ، وعليّ
يصلي بالناس فقلت : يا أمير المؤمنين ، إني أتحرج الصلاة مع هؤلاء
وأنت الإمام . فقال : إن الصلاة أحسن ما عمل [به ... الحديث] (٤)
وقال [ جويرية ] (٥) عن نافع : لما كان يوم النحر جاء عليّ فصلى
(١) في ((الأصل)) و((هـ)): ((الثالث)) ولم يتقدم إلا قول واحد!
(٢) في ((الأصل، وهـ)»: شَيبة. وهو خطأ.
(٣) فى (( هـ)) أمية، وهو خطأ.
(٤) من (( هـ )).
(٥) من ((هـ)) وفى ((الأصل)): جويرة.
- ٣٢٤ -
...
٠٠٠

بالناس وعثمان محصور ، وقال الزهري : صلى سهل بن حنيف
وعثمان محصور، وصلى يوم العيد علي بن أبي طالب وقال الحلواني:
حدثنا [ المسيب ] (١) بن واضح قال : سمعت ابن المبارك يقول : ما
صلى عليّ بالناس حين حوصر عثمان إلا صلاة العيد وحدها .
قال يحيى بن آدم : ولعلهم قد صلى بهم رجل بعد رجل . قال
(الداودي ) (٢): لم يكن في القائمين على عثمان أحد من الصحابة
إنما كانت فرقتان : فرقة مصرية ، وفرقة كوفية ، فلم يعتبوا عليه شيئًا
إلا خرج منه بريئًا ، فطالبوه بعزل من استعمل من بني أمية فلم يستطع
ذلك وهو على تلك الحالة ، ولم يخل بينهم وبينهم لئلا يتجاوزوا
فيهم القصد ، وصبر واحتسب .
وروي عنه أنه رأى النبي - عليه السلام - تلك الليلة في المنام ،
فقال له: ((قد قمصك الله قميصًا ، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه)»
يعني الخلافة ، وكان قد أخبر عليه السلام أنه يموت شهيدًا على بلوى
تصيبه ، فلذلك لم ينخلع من الخلافة ، وأخذ بالشدة على نفسه طلبًا
لعظيم الأجر ، ولينال الشهادة التي بشره الرسول بها .
قال [ الداودي ] (٢): فلما طال الأمر صلى أبو أيوب
[الأنصاري](٣) بالناس مُدَّةً؛ لأن الأنصار لم يكن منهم أحد يدعي
الخلافة ، ثم كَفَّ أبو أيوب وصلى أبو أمامة بن سهل بن حنيف ،
وصلى بهم صلاة العيد علي بن أبي طالب ؛ لأنه لا يقيم الجمع
والأعياد إلا الأئمة ومن يستحق الإمامة ، وفعل ذلك عليّ لئلا تضاع
سنة ببلد الرسول .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): الليث. وهو خطأ.
(٢) في (( هـ )) : الدراوردي . وهو خطأ.
(٣) من (( هـ)).
٠
- ٣٢٥ -

ففي هذا من الفقه : المحافظة على إقامة الصلوات ، والحض على
شهود الجمعات في زمن الفتنة ؛ خشية انخراق الأمر وافتراق الكلمة وتأكيد
الشتات والبغضة ، وهذا خلاف قول بعض الكوفيين أن الجمعة بغير وال
لا تجزئ، وقال محمد بن ( الحسن ) (١) : لو أن أهل مصر مات
واليهم جاز لهم أن يقدموا رجلا منهم فيصلي بهم حتى يقدم عليهم والٍ ...
وقال مالك والأوزاعي والشافعي : تجوز الجمعة بغير سلطان كسائر
الصلوات . قال مالك : إن لله فرائض لا ينقضها أنْ وَلِيهَا وال أو لم
يَلْهَا ، منها الجمعة .
قال الطحاوي - في صلاة عليّ العيد بالناس وعثمان محصور - :
هذا أصل في كل سبب يُخلِّف الإمام عن الحضور أَنَّ عَلَى المسلمين
إقامة رجل يقوم به ، وهذا كما فعل المسلمون يوم مؤتة ، لما قتل الأمراء
اجتمعوا على خالد بن الوليد ، وأيضًا فإن المتغلب والخارج على الإمام
تجوز الجمعة خلفه، فمن كان في طاعة الإمام أحرى بجوازها خلفه.
قال المهلب : فيه أن الصلاة وراء من تكره الصلاة خلفه أَوْلَى من
تفرق الجماعة ؛ لقول عثمان : فإذا أحسنوا فأحسن معهم . فغلب
الإحسان في جماعتهم على الإحسان في التورع عن الصلاة في زمن
الفتنة منفردًا، وأما الإساءة التى أمرنا باجتنابها، فهي المعاصي التي لا يلزم
أحدًا فيها طاعة مخلوق ، فإذا غلب عليها كان له أن يأخذ بالرخصة أو
يأخذ بالشدة ، فلا يجيب إليها [وإن] (٢) كان في ذلك ( ... ) (٣).
واختلف العلماء في الصلاة خلف الخوارج وأهل البدع ، فأجازت
طائفة الصلاة خلفهم ، [ روي ] (٤) عن ابن عمر أنه صلى خلف
(١) هو الشيباني، وفي ((هـ)): الحسين . وهو خطأ.
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فإن. وهو خطأ.
(٣) كلمة صورتها في ((الأصل)) و((هـ)): ((تلافه)) فلعلَّ الصواب ((إتلافه))
والله أعلم .
(٤) من (( هـ)).
- ٣٢٦ -

الحجاج وصلى خلفه ابن أبي ليلى وسعيد بن جبير ، وخرج عليه ،
وقال الحسن : لا يضر المؤمن صلاته خلف المنافق ، ولا تنفع المنافق
صلاة المؤمن خلفه . وقال النخعي : كانوا يصلون وراء الأمراء ما
كانوا وكان أبو وائل يجمع مع المختار / وقال جعفر بن برقان: سألت (١/ ق١٣٥ -ب]
ميمون بن مهران عن الصلاة خلف رجل يذكر أنه من الخوارج فقال :
أنت لا تصلي له إنما تصلي لله ، قد كنا نصلي خلف الحجاج وكان
حروريا أزرقيا . وأجاز الشافعي الصلاة خلف من أقام الصلاة ، وإن
کان غير محمود في دينه .
وكرهت طائفة الصلاة خلفهم ، وروى أشهب عن مالك قال : لا
أحب الصلاة خلف الإباضية والواصلية ، ولا السكنى معهم في بلد.
وقال عنه ابن نافع : وإن كان المسجد إمامه قدريا فلا بأس أن يتقدمه
إلى غيره . قال ابن القاسم : رأيت مالكًا إذا قيل له في إعادة الصلاة
خلف أهل البدع توقف ولا يجيب . قال ابن القاسم: وأرى عليه
الإعادة في الوقت .
وقال أصبغ : يعيد أبدًا . قال ابن وضاح : قلت لسحنون : ابن
القاسم يرى الإعادة في الوقت ، وأصبغ يقول : يعيد أبدًا . فما تقول
أنت ؟ قال : لقد جاء الذي رأى عليه الإعادة أبدًا ببدعة أشد من
صاحب البدعة . قال سحنون : وإنما لم تجب عليه الإعادة ؛ لأن
صلاته لنفسه جائزة ، وليس بمنزلة النصراني ؛ لأن صلاة النصراني
لنفسه لا تجوز .
وقال الثوري في القدري : لا تقدموه . وقال أحمد : لا تصل
خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعيًا إلى هواه ، ومن صلى خلف
الجهمي والرافضي يعيد ، وكذلك القدري إذا رَدَّ الأحاديث . قال
غيره: وقوله عليه السلام: (( اسمع وأطع)) يدل على أن طاعة المتغلب
- ٣٢٧ -

واجبة ؛ لأنه لما قال: ((حبشي))، وقد قال: ((الخلافة في قريش)).
دل أن الحبشي إنما يكون متغلبا ، والفقهاء مجمعون على أن طاعة
المتغلب واجبة ما أقام على الجمعات والأعياد والجهاد وأنصف المظلوم.
في الأغلب ، فإن طاعته خير من الخروج عليه ؛ لما في ذلك من.
تسكين الدهماء وحقن الدماء ، فضرب عليه السلام المثل بالحبشي إِذْ
هو غاية في الذم ، وإذْ أمر بطاعته لم يمنع من الصلاة خلفه ، فكذلك
المذموم ببدعة أو فسق .
قال المهلب : قوله : اسمع وأطع لحبشي . يريد في المعروف لا في
المعاصي ، فتسمع له وتطيع في الحق ، وتعفو عما يرتكب في نفسه
من المعاصي ما لم يأمر بنقض شريعة ولا بهتك حرمة لله - تعالى -
فإذا فعل ذلك فعلى الناس الإنكار عليه بقدر الاستطاعة ، فإن لم
يستطيعوا لزموا بيوتهم أو خرجوا من البلدة إلى موضع الحق إن كان
موجودًا .
وأما قول الزهري : لا نصلي خلف المخنث إلا من ضرورة . فوجه
ذلك أن الإمامة عند جميع العلماء موضع للكمال واختيار أهل الفضل،
والمخنث مشبه بالنساء ، فهو ناقص عن رتبة من يستحق الإمامة .
وإنما ذكر البخاري هذه المسألة في هذا الباب - والله أعلم - لأن
المخنث مفتتن في تشبهه بالنساء ، كما أن إمام الفتنة والمبتدع كل واحد
منهم مفتون في طريقته فلما شملهم معنى الفتنة شملهم الحكم ،
فكرهنا إمامتهم [ إلا ] (١) من ضرورة .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): لا.
- ٣٢٨ -

باب : من يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواءً إذا كانا اثنين
فيه : ابن عباس: (( بتُّ عند خالتي ميمونة ، فصلى رسول الله العشاء ،
ثم جاء فصلی أربع ركعات، ثم نام، ثم قام ، فجئت فقمت عن يساره ،
فجعلني عن يمينه ، فصلى خمس ركعات ، ثم صلى ركعتين ، ثم نام
حتى سمعت غطيطه - أو قال: خطيطه - ثم ( قام) (١) إلى الصلاة )).
وترجم له باب ((إذا قام عن يسار الإمام فحوله إلى يمينه لم تفسد
صلاته )) .
اختلف العلماء في الإمام إذا أم واحدًا ، أين يقيمه ؟ فقالت طائفة:
يقيمه عن يمينه ، روي ذلك عن عمر بن الخطاب ، وابن عمر ،
وعروة بن الزبير ، وهو قول مالك ، والثوري ، والأوزاعي ،
و[أبي] (٢) حنيفة، والشافعي، وإسحاق، على ما جاء في هذا الحديث.
وفيها قول ثان روي عن سعيد بن المسيب أنه قال : يقيمه عن يساره
[ وهذا خلاف الحديث ] (٣) فلا معنى له .
وفيها قول ثالث روي عن النخعي قال : إن كان خلفه رجل واحد
فليقم خلفه ما بينه وبين أن يركع ، فإن جاء أحد وإلا قام عن يمينه .
ذكره ابن المنذر ، وهذا يدل أنه لا تجوز صلاة المنفرد خلف الصف
وحده، وسيأتي الكلام في ذلك مستوعبًا في باب إذا ركع دون الصف
بعد هذا - إن شاء الله - ونذكر هاهنا منه طرفًا .
قال ابن القصار : وقولهم مناقض (٤) ؛ لأنه إذا صح عقده للصلاة
وحده / خلف الصف ، فينبغي أن يجوز له فيه عمل الصلاة ؛ لأنه [١/ ١٣٦-١]
لا يخرجه منها إلا حدث ينقض وضوءه ، وقد قام ابن عباس عن يسار
(١) في (( هـ )»: خرج .
(٣) من (( هـ)).
(٢) من ((هـ )) وفي ((الأصل)): أبو .
(٤) كذا في (( الأصل)) و(( هـ)).
- ٣٢٩ -

النبي ، فأداره عن يمينه ، ولم يأمره بابتداء الصلاة ولا بإعادتها ، ولو
لم يُجزه لأمره ( بالإعادة ) (١) .
ث
وفيه : أن العمل اليسير في الصلاة جائز .
ويقال : غط النائم غطيطًا : صوّت في نومه ، والخطيط - بالخاء -
لا يعرف .
باب : إذا لم ينو الإمام أن يؤم ثم جاء قوم فأمهم
فيه : ابن عباس أنه قال: (( بت عند خالتي ميمونة ، فقام النبي يصلي
من الليل ، فقمت أصلي معه ، فقمت عن يساره ، فأخذ برأسي ،
فأقامني عن یمینه )) .
اختلف العلماء في هذا الباب ، فقال الثوري ، وإسحاق ، ورواية
عن أحمد : على المأموم الإعادة إذا لم ينو الإمام أن يؤتم به في صلاته
وقال أبو حنيفة : إذا نوى الإمام جاز أن يصلي خلفه الرجال وإن لم
ينوهم ، ولا يجوز للنساء أن يصلين خلفه إلا أن ينويهن .
ولابن القاسم في العتبية نحو قول أبي حنيفة فيمن أَمَّ النساء ، سئل
ابن القاسم عن إمام صلى برجال ونساء ، فقام الرجل عن يمينه والنساء
خلفهما فأحدث الإمام ، فقدم صاحبه هل يصلي بالنساء اللاتي خلفه
؟ قال : يصلي المستخلف [ بالنساء ] (٢) وإن لم يستخلفه الإمام إِذا
نوى أن يكون إمامهن . وقال مالك في المدونة : ولا بأس أن تأتم بمن
لم ينو أن يؤمك في الصلاة . وهو قول الشافعي .
(١) في ( هـ ): بالابتداء وكلاهما صحيح.
(٢) من ((هـ)) وفى ( الأصل)): والنساء.
- ٣٣٠ -

وذكر الطحاوي أن قول زفر كقول مالك والشافعي : أنه يجوز
للمرأة الائتمام بمن لم ينو إمامتها .
وقال ابن القصار : ولا إشكال في أنه لا يحتاج إلى نية الإمامة ،
والمراعاة في هذا نية المأموم أن يكون مأمومًا ؛ لأنه إذا كان مأمومًا
سقطت عنه القراءة والسهو ؛ لأن الذي قد دخل في الصلاة وحده قد
دخل على أنه تلزمه القراءة والسهو ، وأن أحدًا لا يتحملها عنه،
والمأموم يدخل مقتديًا بغيره ، فالقراءة والسهو عنه ساقطان ، فهو
يحتاج إلى نية الائتمام ، ولو جاز أن يحتاج الإمام إلى نية الإمامة لجاز
أن يقال : يحتاج إلى أن يُعيّن في صلاته من يصلي خلفه من الرجال
والنساء حتى لو جاء أحد ممن لم ينوه لم يجز أن ( يصلي ) (١) خلفه.
وحديث ابن عباس حجة لمالك ومن وافقه ؛ لأن ابن عباس جاء
والنبي يصلي بالليل ، فجعله على يمينه ، فمن ادعى أن النبي نوى أن
يؤم ابن عباس في تلك الصلاة فعليه الدليل ، وأما قول أبي
حنيفة، فلو قلبه عليه قالب فقال : إن نوى أن يكون إمامًا جاز للنساء
أن يصلين خلفه ولم يجز للرجال ، لم يكن له فرق ولم تكن الحجة
لهم إلا كالحجة عليهم ، وأيضًا فإن النساء كن يصلين خلف النبي -
عليه السلام - ولم ينقل عنه أحد أنه عينهن بالنية ، ولا حصل منه
تعلیم ذلك.
باب : إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج فصلى
فيه : جابر بن عبد الله: (( أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي ثم
(١) فى ((هـ)) : يدخل.
- ٣٣١ -

يرجع فيؤم قومه ، فصلى العشاء فقرأ بالبقرة ، فانصرف الرجل ( فكان
معاذ) (١) ينالُ منه، فبلغ الرسول فقال: فتّان، فتّان ، فتّان - ثلاث
مرات - وأمره بسورتين من أوسط المفصل )) .
وترجم له باب من شكا إمامه إذا طول .
لما أمر الرسول بالتخفيف كان من طول بالناس عاصيا ، ومخالفة
العاصي جائزة ؛ لأنه لا طاعة إلا في المعروف .
وقد احتج أصحاب الشافعي بأن النبي لم ينكر على الرجل الذي
خرج من صلاة معاذ ولا أمره بالإعادة ، قال ابن القصار : واختلفوا
فيمن دخل مع إمام في صلاة فصلى بعضها هل يجوز له أن يخرج منها
فيتم منفردًا ؟ قال الشافعي : يجوز له أن يخرج منها بعذر أو بغير
عذر، وقال أبو حنيفة : لا يجوز له .
والأمر عندي محتمل لأن مالكًا قال في الإمام إذا أحدث وقد مضى
بعض صلاته أنه يستخلف من يتم بهم ، فإن لم يفعل قدموا من يتم
بهم ، فإن لم يفعلوا وصلوا وحدانًا فإنه يجزئهم إلا في الجمعة ؛ لأنها
[١/ ١٣٦٥- بـ] لا تكون إلا بجماعة، وهؤلاء / ، فإن كان إمامهم بدأ بالخروج فقد
اختاروا ترك تمامها بجماعة ، ويجوز أن لا يجزئه إذا أخرج نفسه من
غير عذر .
ويكون الفرق بينهما أنه إذا كان الإمام باقيًا في الصلاة فإن الصلاة
متعلقة به ، فما دام باقيًا فقد تعلقت صلاتهم بصلاته فلم تجز مخالفته
باختيار المأمومين الخروج منها لغير عذر ؛ لأنه يؤدي إلى الشتات وإلى
ترك ما ألزمه نفسه من الجماعة التي هو مندوب إليها ، وإذا دخل
الإنسان في طاعة وجب عليه المضي فيها إلا أن يطرأ عليه عذر .
(١) في ((هـ)): فكأن معاذًا.
- ٣٣٢ -

ويجوز أن يستدل بهذا الحديث من رأى الخروج من إمامة الإمام إذا
فعل في صلاته ما لا يجوز له كالمصلي خامسةً أو رابعةً في المغرب أو
ثالثة في الصبح ، فيسبح به قيامًا . قال ابن المواز : إن قعدوا ينتظرونه
حتى يتم الركعة بطلت صلاتهم ، وكذلك المسافر إن قام من اثنتين
فسبحوا به فتمادى سلموا وتركوه ، وهذه رواية ابن وهب وابن كنانة
عن مالك؛ لأنهم إن انتظروه وهو جاهل أو عامد فسدت عليه وعليهم،
وإن كان ساهيًا لزمهم سجود السهو معه ، وهذه خير من رواية ابن
القاسم عن مالك في المدونة أنهم ينتظرونه ويسلمون معه ويعيد هو في
الوقت . قال ابن المواز : إنما أمرهم بذلك مالك في هذه الرواية
لاختلاف الناس في صلاة المسافر ، وأما الحضري فلو انتظروه لبطلت
صلاتهم .
باب : تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود
فيه : أبو مسعود: (( أن رجلا قال : والله يا رسول الله إني لأتأخر عن
صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا . فما رأيت رسول الله في موعظة
أشد غضبًا منه يومئذ ، ثم قال : إن منكم منفرين ، فأيكم ما صلى
بالناس فليتجوّز ، فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة )).
وترجم له باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء .
وروى ذلك أبو هريرة عن الرسول .
فيه دليل أن أئمة الجماعة يلزمهم التخفيف لأمر رسول الله لهم
بذلك ، وقد بَيّن في هذا الحديث العلة الموجبة للتخفيف ، وهي غير
مأمونة على أحد من أئمة الجماعة ؛ فإنه وإن علم قوة من خلفه فإنه
- ٣٣٣ -

لا يدري ما يحدث بهم من الآفات ، ولذلك قال : وإذا صلى لنفسه
فليطوّل ما شاء ؛ لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره ، وقد
ذكر الله الأعذار التي من أجلها أسقط [ فرض ] (١) قيام الليل عن
عباده فقال : ﴿ علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في
الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ﴾ (٢) فينبغي
للأئمة التخفيف مع إكمال الركوع والسجود ؛ ألا ترى أنه عليه السلام
قال للذي لم يتم ركوعه ولا سجوده: ((ارجع [ فصل ] (٣) فإنك لم
تصل)) وقال: ((لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع
والسجود )).
وممن كان يخفف الصلاة من السلف : أنس بن مالك ، قال ثابت:
صليت معه العتمة [ فتجوز ] (٤) ما شاء الله . وكان سعد إذا صلى في
المسجد خفف الركوع والسجود وتجوّز ، وإذا صلى في بيته أطال
الركوع والسجود والصلاة ، فقلت له ، فقال : إنا أئمة يقتدى بنا .
وصلى الزبير بن العوام صلاة خفيفة فقيل له : أنتم أصحاب رسول الله
أخف الناس صلاة ، فقال : إنا نبادر هذا الوسواس . وقال عمار:
احذفوا هذه الصلاة قبل وسوسة الشيطان . وكان أبو هريرة يتم الركوع
والسجود ويتجوز ، فقيل له : هكذا كانت صلاة رسول الله ؟ فقال :
نعم وأَجْوَزَ . وقال [ عمرو ] (٥) بن ميمون : لما طعن عمر تقدم
عبدالرحمن بن عوف ، فقرأ ( بأقصر ) (٦) سورتين في القرآن: إنا
أعطيناك الكوثر ، وإذا جاء نصر الله . وكان إبراهيم يخفف الصلاة ؛
(١) من ((هـ)).
(٢) المزمل : ٢٠ .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): صل .
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فتجاوز.
(٥) من ((هـ) وفي ((الأصل)): عمر . وهو خطأ.
(٦) في (( هـ)) : بأخصر.
- ٣٣٤ -

ويتم الركوع والسجود ، وقال أبو مجلز : كانوا يتمَّون ويوجزون ،
ويبادرون الوسوسة ، ذكر الآثار كلها ابن أبي شيبة في مصنفه .
باب : الإيجاز في الصلاة وإكمالها
فيه: أنس: (( كان النبي - عليه السلام - يوجز الصلاة ويكملها)).
وقد دخل الكلام في معنى هذا الباب في الباب الذي قبله ، فأغنى
عن إعادته .
وروى الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون الأودي
قال : لو أن رجلا أخذ شاة عزوزًا لم يفرغ من لبنها حتى أصلي
الصلوات الخمس أتم ركوعها وسجودها .
قال أبو ( عبد الله) (١): وإنما أراد التجوّز في الصلاة / قال أبو عبيد(٢): [١٣٧/١-١]
والعزوز : الضيقة [الإحليل ] (٣). يقال: عزت الشاة وتعززت :
إذا صارت كذلك، وأما الواسعة [ الإحليل] (٣) فإنها [الثَّرُور](٤).
باب : من أخف الصلاة عند بكاء الصبي
فيه: أبو قتادة: (( أن نبي الله قال: إني لأقوم في الصلاة ، فأريد أن أطول
فيها ، فأسمع بكاء الصبي ، فأتجوّز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه)) .
(١) في (( هـ ): عبيد .
(٢) ((غريب الحديث)) له: (٣٧٦/٤).
(٣) من المصدر السابق ، وهو مخرج البول ، ومخرج اللبن من الثدي والضرع
(المعجم الوسيط: ١٩٤/١). وجاء في ((الأصل)) و(( هـ): ((الأحلبين))
والظاهر أنها تصحیف ؛ فإني لم أُرَ لها معنى هنا ◌ٍ.
(٤) من المصدر السابق، وفيه زيادة: ((وقد ثَرَّتْ، تَثْرُّ، وَتُثُرُّ، ثَرَّا)) اهـ. يقال:
ثَرَت الشاة والناقة : غزر لبنها ، فهي ثارة، وَثرة ، وثرور ، وثرارة المعجم
الوسيط (٩٥/١). وفي ((الأصل)) و((هـ)): ((المزور)) كذا وهو تحريف.
- ٣٣٥ -

وفيه: أنس قال: (( ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من
الرسول ، وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه)) . :
[ فيه أنه ] (١) كان يتجوز السجود في الصلاة لأمور الدنيا خشية
إدخال المشقة على النفوس .
وقد يجوز أن يحتج بهذا الحديث من قال أنه جائز للإمام إذا سمع
خفق النعال وهو راكع أن يزيد في ركوعه شيئًا ليدركه [الداخلون ](٢)
فيها ؛ لأنه [ في ] (٣) معنى تجوّز النبي - عليه السلام - من أجل بكاء
الصبي . وممن أجاز ذلك : الشعبي ، و( الحسن ) (٤) وعبد الرحمن
ابن أبي ليلى ، وقال آخرون : ينتظرهم ما لم يشق على أصحابه .
هذا قول أحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وقال مالك : لا ينتظرهم ؛
لأنه يضر بمن خلفه ؛ لأنه لو فعل ذلك و[ لعله يسمع ] (٥) آخر بعد
ذلك فينتظره فيضر بمن معه ، وهذا قول الأوزاعي ، وأبي حنيفة ،
والشافعي، وقالوا : يركع كما كان يركع .
واستدل أهل المقالة الأولى أنه لما كان تجوّزه في صلاته لا يخرجه
منها ، دل أن الزيادة فيها شيئًا لا تخرجه من الصلاة ، ولما أجمعوا أنه
جائز للإمام أن ينتظر الجماعة ما لم يخف فوت الوقت جاز للراكع
أيضًا ذلك ما لم يخف فوت الوقت .
باب : إذا صلى ثم أم قومًا
فيه : جابر قال : ((كان معاذ يصلي مع الرسول ثم يأتي قومه فيصلي بهم».
اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث ، فذهبت طائفة أنه يجوز
(١) في ((الأصل، هـ)) : وفيه أنس أنه . وهو وهم .
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): الداخلين كذا .
(٣) من (( هـ)).
(٥) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): سمع.
(٤) في (( هـ)): النخعي .
- ٣٣٦ -

أن يصلي الرجل نافلة ويأتم [ به ] (١) فيها من يصلي الفريضة . هذا
قول عطاء وطاوس ، وبه قال الأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وأبو
ثور، واحتجوا بظاهر هذا الحديث .
وقالت طائفة : لا يجوز لأحد أن يصلي فريضة خلف من يصلي
نافلة، ومن [ خالفت ] (٢) نيته نية الإمام في شيء من الصلاة لم
يعتد بها . هذا قول الزهري ، وربيعة ، ومالك ، والثوري ،
و[أبي](٣) حنيفة، وأصحابه، واحتجوا بقوله: ((إنما جعل الإمام
ليؤتم به ، فلا تختلفوا عليه)) . ولا اختلاف أكثر من اختلاف النيات
التي عليها مدار الأعمال .
قالوا : وأما حديث معاذ فيحتمل أن يكون في أول الإسلام وقت
عدم القُرَّاء ، ووقت لا عوض للقوم من معاذ ، فكانت حال ضرورة
لا تجعل أصلا يقاس عليه . قاله المهلب .
وقال الطحاوي : يحتمل أن يكون ذلك وقت كانت الفريضة تصلى
مرتين ، فإن ذلك قد كان يفعل في أول الإسلام حتى نهى عنه عليه
السلام . حدثنا حسين بن نصر ، حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا
[حسين] (٤) المعلم ، عن عمرو بن شعيب ، عن سليم مولى ميمونة
قالت : (( أتيت المسجد فرأيت ابن عمر جالسًا والناس يصلون ،
فقلت: ألا تصلي مع الناس ؟ فقال : صليت في رحلي ، إن رسول الله
نهى أن تصلي فريضة في يوم مرتين )) والنهي لا يكون إلا بعد الإباحة،
فقد كان المسلمون في بدء الإسلام يصلون في منازلهم ، ثم يأتون
المسجد ، فيصلون تلك الصلاة على أنها فريضة ، فنهاهم عن
(١) من (( هـ)).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): خالف.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): أبو - كذا .
(٤) من ((هـ )) وفي ((الأصل)): حسن . وهو خطأ.
- ٣٣٧ -

ذلك ، وأمر بعد ذلك من جاء إلى المسجد وأدرك تلك الصلاة أن
يجعلها نافلة ، وترك ابن عمر الصلاة يحتمل أن يكون تلك الصلاة
لا تطوع بعدها ، فلم يجز أن يصليها ؛ إذ لا تطوع ذلك الوقت ؛
لأنه قد روي عنه أنه سئل عمن صلى في بيته ثم أدرك تلك الصلاة في
المسجد أيتهما صلاته ؟ قال : الأولى .
حدثنا أبو بكر حدثنا ( حبان ) (١) عن همام ، عن قتادة ، عن
عامر الأحول ، عن [ عمرو ] (٢) بن شعيب ، عن خالد بن أيمن.
المعافري قال : كان أهل العوالي يصلون مع الرسول فنهاهم النبي أن
يعيدوا الصلاة في يوم مرتين . قال عمرو : فذكرته لسعيد بن المسيب،
فقال : صدق ..
واحتج أهل المقالة الأولى فقالوا : ما اعتللم به من قوله عليه
السلام: (( إنما جعل الإمام ليؤتم به )) لا حجة لكم فيه ؛ لأنه إنما أمر
[١٣٧٥/١ - ب) بالائتمام فيما يظهر من أفعال الإمام / وأما النية فمغيبة عنه ، ومحال
أن نؤمر باتباعه فيما يخفى علينا من أفعاله ، وفي الحديث نفسه دليل .
يدل على ما قلناه ، وذلك قوله : فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ..
وروى [ قتيبة ] (٣) عن الليث، عن ابن شهاب في هذا الحديث.
((فإذا كبر فكبروا ، وإذا سجد فاسجدوا )) فعرفهم عليه السلام بما
يقتدى فيه بالإمام ، وهو ما ظهر من أفعاله ، وأما معاذ فإنه كان يصلي
مع الرسول فرضه ، لا يجوز غير ذلك لقوله عليه السلام: ((إذا أقيمت.
الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة )) فكيف يجوز أن ينويها نافلة فيخالف أمره،
عليه السلام ويرغب عن أداء فرضه معه ، مع علمه بفضل صلاته
(١) هو ابن هلال. وفي ((هـ)): حباب . وهو خطأ.
(٢) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): عمر . وهو خطأ.
(٣) من ((هـ)) وهو ابن سعيد، وفي ((الأصل)): ((ابن قتيبة)) وهو وهم.
- ٣٣٨ -

معه . وقد روى ابن جريج عن عمرو بن دينار قال : أخبرني جابر أن
معاذًا كان يصلي مع رسول الله العشاء ، ثم يرجع إلى قومه فيصلي
بهم ، هي له تطوع ولهم فريضة .
قال الطحاوي : واحتج عليهم أهل المقالة الثانية بأن هذا الحديث قد
رواه ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، ولم يذكر فيه : هي له تطوع
ولهم فريضة . فيجوز أن يكون ذلك من قول ابن جريج ، أو من قول
عمرو ، أو من قول جابر وأي هذه الثلاثة كان فليس في الحديث ما
يدل على حقيقة فعل معاذ أنه كان بأمر رسول الله ، ولا أن رسول الله
لو أُخبر به لأقرَّه أو غيَّره، وهذا عمر بن الخطاب لما أخبره رفاعة بن
رافع أنهم كانوا يجامعون على عهد رسول الله ولا يغتسلون حتى يُنزلوا،
قال عمر : فأخبرتم الرسول بذلك ، فرضيه لكم ؟! قال : لا. فلم
يجعل عمر ذلك حجة ، وكذلك هذا الفعل لم يكن فيه دليل أن معاذًا
فعله بأمر نبي الله .
وقد روينا عن الرسول ما يدل على خلاف قولهم، حدثنا يحيى
(ابن ) (١) صالح الوحاظي، حدثنا سليمان بن بلال ، عن عمرو بن يحيى
المازني ، عن معاذ بن رفاعة الزرقي ((أن رجلا من بني سلمة يقال له
سليم لقي النبي - عليه السلام - فقال : إنا نظل في أعمالنا فنأتي
حين نمسي ، فنصلي مع معاذ ، فيطول علينا. فقال عليه السلام: (( يا معاذ
لا تكن فتانًا، إما أن تصلي معي ، وإما أن تخفف على قومك)» فقوله لمعاذ
هذا يدل على أنه كان عند رسول الله يفعل أحد الأمرين : إما الصلاة معه،
وإما الصلاة مع قومه، ولم يكن يجمعهما ؛ لأنه قال : إما أن تصلي معي ،
ولا تصلي بقومك، وإما أن تخفف بقومك ، أي ولا تصلي معي، فثبت بهذا
(١) في ((هـ)) : عن . وهو خطأ.
- ٣٣٩ -

الأثر أنه لم يكن من الرسول لمعاذ في ذلك شيء متقدم ، ولو كان منه
عليه السلام في ذلك أمر كما قال أهل المقالة الأولى ، لاحتمل أن
يكون في وقت كانت الفريضة تصلى مرتين .
فهذا وجهٌ من طريق الآثار ، وأما من طريق النظر فإنا رأينا صلاة
المأموم مضمنة بصلاة الإمام في صحتها وفسادها ؛ وذلك أن الإمام إذا
سها وجب على من خلفه لسهوه ما يجب عليه ، ولو سهوا هم ولم
يسه هو لم يجب عليهم ما يجب عليه إذا سها ، فلما ثبت أن.
المأمومين يجب عليهم حكم السهو بسهو الإمام ، و[ ينتفي ] (١) عنهم
حكم السهو بانتفائه عن الإمام ، ثبت أن حكمهم في صلاتهم حكم
الإمام في صلاته ، وأن صلاتهم مضمنة بصلاته ، وإذا كان كذلك لم
يَجُزْ أن تكون صلاتهم خلاف صلاته .
باب : من أسمع الناس تكبير الإمام
فيه : عائشة قالت : (( لما مرض الرسول مرضه الذي مات فيه ، وأمر أبا
بكر بالصلاة خرج النبي ، فلما رآه أبو بكر أراد أن يتأخر ، فأشار إليه أن
صل ، فتأخر أبو بكر وقعد الرسول إلى جنبه ، وأبو بكر يسمع الناس
التكبير )) .
إنما أقام الرسول أبا بكر ليسمع الناس تكبيره ، ويظهر [ إليهم
أفعاله] (٢)؛ لأنه كان ضَعُفَ عن إسماعهم ، فأقامه لهم ، ليقتدوا به
في حركاته ؛ إذ كان جالسًا وهم قيام ، ولم يمكنهم كلهم رؤيته .
وفيه من الفقه : جواز رفع المُذكِّر صوته بالتكبير والتحميد في الركوع
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): ينتهي - كذا .
(٢) من ((هـ)) وفي (( الأصل)) : أفعالهم وهو خطأ.
- ٣٤٠ -