Indexed OCR Text
Pages 221-240
((إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان))، فإذا تجاوز الله عن الناسي إثم تضييعه ، وأمر بأداء الفرض ، فكان العامد المنتهك لحدود الله غير ساقط عنه الإثم ، بل الوعيد الشديد متوجه عليه ، كان الفرض أولى ألا يسقط عنه ويلزمه قضاؤه . وقد أجمعت الأمة على أن من ترك يومًا من شهر رمضان عامدًا من غير عذر أنه يلزمه قضاؤه ، فكذلك الصلاة، ولا فرق بين ذلك ، والله الموفق . باب : ما يكره من السَّمَرِ بعد العشاء فيه: أبو برزة (( أن الرسول قال# كان يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها، [ و] (١) كان يَنْفَتَلُ من صلاة الغداة حين يعرف أحدنا جليسه)). في حديث طويل . قال المهلب : إنما كره عليه السلام السمر بعد العشاء ، لئلا يزاحم بقية الليل بالنوم ، فتفوته صلاة الصبح في جماعة ، وقال خَرَشَةُ بنُ الحُرِّ : رأيت عمر بن الخطاب يضرب الناس على الحديث بعد العشاء، ويقول : أسمرًا أول الليل ونومًا آخره ؟! وقال سلمان الفارسي : إياكم وسمر أول الليل ، فإنه مهدمة لآخره ، فمن فعل ذلك فليصل ركعتين قبل أن يأوي إلى فراشه . وكان إبراهيم وابن سيرين ، يكرهان الكلام بعد العشاء . وأما السمر بالعلم و [ الفقه ] (٢)، وأفعال (الخير ) (٣) فجائز، قد فعله النبي وَّه، وأصحابه ، وسيأتي في الباب بعد هذا إن شاء الله ، وقد تقدم اختلافهم في النوم قبل هذا فأغنى عن إعادته . (١) من ( هـ)). (٢) من ((هـ)) وهو الأنسب وفي الأصل: ((البر)). (٣) في ((هـ)): البر. - ٢٢١ - فإن قال قائل: إن قول أبي برزة: ((وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف أحدُنا جليسه)). معارض لقول عائشة: ((إن النساء كن ينصرفن من صلاة الفجر مع رسول الله وكن متلفعات بمروطهن لا يُعرفن. من الغَلَسِ )). قيل : لا تعارض بينهما ، وذلك أن تلفعهن وتسترهن بمروطهن مانع من معرفتهن ، وكان الرجال يصلون ووجوههم بادية بخلاف زي النساء وهيئاتهن ، وذلك غير مانع للرجل من معرفة جليسه ، فلا تعارض بين شيء من ذلك بحمد الله . باب : السمر في الفقه والخير بعد العشاء فيه : قُرَّة بن خالد قال: (( انتظرنا الحسن ، ورَاتَ علينا حتى قربنا من وقت قيامه فجاء وقال : دعانا جيراننا هؤلاء ، ثم قال : قال أنس (انتظرنا) (١) الرسول وَ﴾ ذات ليلة حتى كان شطر الليل يبلُغُه، فجاء فصلى ( لنا ) (٢) ، ثم خطبنا ، فقال : ألا إن الناس قد صلوا ، ثم رقدوا، وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة . قال الحسن : وإن القوم لا يزالون في خير ما انتظروا الخير» . وفيه: عبد الله بن عمر قال: (( صلى النبي - عليه السلام - صلاة العشاء في آخر حياته ، فلما سلم ، قام النبي فقال: [ أرأيتكم ] (٣) ليلتكم هذه، فإن رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض (١) في ((هـ)): نظرنا، وهي رواية الأكثر، وقال ابن حجر في الفتح (٨٣/٢) وفي رواية الكشميهني : انتظرنا وهما بمعنى . (٢) في (( هـ )): بنا . (٣) من (هـ))، وفي ((الأصل)): أريتكم. - ٢٢٢ - أحد . فوهل الناس في مقالة النبي إلى ما يتحدثون في هذه الأحاديث عن مائة سنة ، وإنما قال الرسول : لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض. یرید بذلك أنها تخرم ذلك القرن )) . وهذه الآثار تدل على أن السمر المنهي عنه بعد العشاء ، إنما هو فيما لا ينبغي من الباطل واللغو ، ألا ترى استدلال الحسن البصري حين سمر عند جيرانه لمدارسة العلم ، بسمر النبي إلى قرب من شطر الليل في شغله بتجهيز الجيش ، ثم خرج فصلى بالناس ، ثم خطبهم مؤنسًا لهم من طول انتظارهم ، ومعرفًا لهم ما يستحقون عليه من جزيل الأجر ، فقال: (( إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة)، ومثل ذلك قوله: ((إن رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم / على ظهر الأرض [ أحد] (١))). فأبان بفعله عليه السلام أن [١١٨٥/١-١] السمر في العلم والخير مرغب فيه . وروى ابن أبي شيبة ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة، عن عمر، قال: ((كان رسول الله وَل يسمر عند أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين ، وأنا معه )) . وروى ابن بكير ، عن ابن لهيعة ، عن ابن هبيرة ، عن عبد الله بن رزين أن عليا صلى بهم ذات ليلة العتمة ، فقعدوا ، واستفتوه حتى أذن بصلاة الصبح ، فقال : قوموا فَأَوْتِروا فإنا لم نوتر . وكان ابن سيرين ، والقاسم ، وأصحابه يتحدثون بعد العشاء . وقال مجاهد : يكره السمر بعد العشاء إلا لمصلٍ أو مسافرٍ أو دارسٍ علم . (١) من (( هـ.)). - ٢٢٣ - ۔۔۔ وقوله عليه السلام : ((إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها)) : تعليم منه لهم للعلم ، وكذلك إعلامه لهم أن رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد ، إعلام منه لهم أن أعمار أمته ليست بطول أعمار من تقدم من الأمم السالفة ، ليجتهدوا في العمل ، وقد بَيَّن ذلك في حديث آخر ، فقال: (( أعمار أمتي من الستين إلى السبعين وأقلهم من يجاوز ذلك )) . وأما قول أنس بن مالك: (( انتظرنا رسول الله ◌َل حتى كان شطر الليل يبلغه )) فهكذا وقع هذا الكلام في جميع النسخ ، وقد روى جابر ابن عبد الله هذا الحديث بنحو هذا المساق ، وكشف فيه صواب اللفظ، وذكر فيه الشغل الذي منعه من الخروج إلى الصلاة ، وهو أنه اشتغل بتجهيز جيش . رواه الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، قال: « جهز رسول الله ذات ليلة جيشًا ، حتى قرب نصف الليل أو بلغه ... )) وذكر هذا الحديث . وقد ذكرته بتمامه في باب فضل العشاء ، فأبان هذا اللفظ معنى حديث أنس ، وتقدير الكلام فيه : حتى كان شطر الليل - أو كاد في أخرى - يبلغه ، والعرب قد تحذف (كاد)» كثيراً من كلامها لدلالة الكلام عليه ، كقولهم في : أظلمت الشمس ، كادت تظلم . قال الشاعر : نظراً يزيل مواطئ الأقدام يتعارضون إذا التقوا في موطن فلم يقل يكاد يزيل ، ولكنه نواها في نفسه ، ومنه قوله تعالى : ﴿وبلغت القلوب الحناجر ﴾ (١) أي كادت من شدة الخوف تبلغ الحلوق ، ذكره ابن قتيبة . ١ (١) الأحزاب : ١٠ . - ٢٢٤ - وقوله: ((فوهل الناس)). قال صاحب الأفعال : وَهَلَ إلى الشيء وَهْلًا : ذهب وَهْمه إليه ، ويقال : كلمت فلانًا وما ذهب وَهَلي إلا إلى فلان، وما وَهَلت إلا إليه . من العين. باب : السمر مع الأهل والضيف فيه: عبد الرحمن بن أبي بكر (( أن أصحاب الصفة ، كانوا ناسًا فقراء ، وأن الرسول وسلم قال: من كان عنده طعام اثنين، فليذهب بثالث ، وإن أربع فخامس أو سادس . وإن أبا بكر جاء بثلاثة ، وانطلق النبي - عليه السلام - بعشرة ، قال : فهو أنا ، وأبي ، وأمي - ولا أدري هل قال: وامرأتي - وخادم بيننا وبين بيت أبي بكر ، ثم إن أبا بكر تعشى عند الرسول ، ثم لبث حيث [ صُلِيَت ] (١) العشاء ، ثم رجع فلبث حتى تعشى النبي لة، فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله ، قالت له امرأته : ما حبسك عن أضيافك - أو قالت ضيفك - [ قال ] (٢) : أو ما عشيتهم ، قالت : أَبَوْا حتى تجيء ، قد عُرِضُوا فَأَبُوا ، قال : فذهبت أنا فاختبأت ، فقال: يا غُنْثَرُ - فجدَّع وسَبَّ - وقال: كلوا لا هَنيئًا . فقال: والله لا أطعمه أبدًا وأَيْمُ الله ، ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها ، قال : فشبعوا ، وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك ، فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي أو أكثر ، فقال لامرأته : يا أخت بني فراس ما هذا؟ قالت : لا وقُرّة عيني ، لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات . فأكل منها أبو بكر وقال : إنما كان ذلك من الشيطان - يعني يمينه - ثم أكل منها لقمة ، ثم حملها إلى النبي - عليه السلام - ، فأصبحت عنده ، (١) من ((هـ))، والسلطانية، وفي ((الأصل)): صلينا. (٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)»: قالت. - ٢٢٥ - وكان بيننا وبين قوم عَقْدٍ ، فمضى الأجلُ، [ ففرقنا ] (١) اثني عشر رجلا مع كل رجل منهم أناس ، الله أعلم كم مع كل رجل ، فأكلوا منها أجمعون )) أو كما قال . فيه : السمر مع الأضياف ، كما ترجم وهذا كما قدمنا من السمر في المباح وطلب الفضيلة ؛ لأن تلك كانت أخلاقهم وأحوالهم ، فلا يجوز السمر إلا في مثل ذلك من طلب الأجر / ، والمباح . [١/ ق١١٨ -ب] قال المهلب : وفيه أن للسلطان إذا رأى بقوم مَسْغَبَةً أن يفرقهم على أهل الوجود بقدر ما لا يجحف بهم ، ألا ترى أن من كان عنده طعام اثنين ذهب بثالث ١٠ قال غيره : وهذا على سنته في قوله - عليه السلام -: (( طعام الاثنين: كافي الثلاثة)) والكفاية غير (الاتساع) (٢) في الشبع. قال المهلب : ومن هذا أخذ عمر بن الخطاب فعله في عام الرمادة، إذ كان يلقي على أهل كل بيت مثلهم من الفقراء ، ويقول : لن يهلك امرؤ على نصف قوته . قال غيره : وإنما فعله عمر لأن الضرورة كانت عام الرمادة أشد ، وقد تأول سفيان بن عيينة في المواساة في المساغب قوله تعالى : ﴿ إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ﴾ (٣)، ومعناه : أن المؤمنين تلزمهم القربة في أموالهم لله - تعالى - عند توجه الحاجة إليهم ، ولهذا قال كثير من العلماء : إن في المال حقوقًا سوى الزكاة، وإنما جعل رسول الله وَّجله على الاثنين واحدًا، وعلى الأربعة واحدًا، وعلى الخمسة واحدًا ، ولم يجعل على الأربعة والخمسة بإزاء ما يجب (١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): عرفنا. (٢) كتب أمامها في هامش (الأصل)): التناهي، وأمام علامة الحاشية ((ح)). (٣) التوبة : ١١١ . - ٢٢٦ - الاثنين مع الثالث - والله أعلم - لأن صاحب العيال أولى أن يرفق به ، وضيق معيشة الواحد والاثنين أرفق بهم من ضيق معيشة (الجماعات ) (١) . وفيه : أكل الصديق عند صديقه ، وإن كان عنده ضيف ، إذا كان في داره من يقوم بخدمتهم ومؤنتهم . قال المهلب : وفيه أن الولد والأهل يلزمهم من التحفل بأمور الضيف ، مثل ما يلزم صاحب المنزل . وفيه : أن للرجل أن يسب أهله وولده على تقصيرهم [ ببر ] (٢) أضيافه وأن يغضب لذلك . وفيه : أن الأضياف ، ينبغي لهم أن يتأدبوا ، وينتظروا صاحب الدار، ولا يتهافتوا على الطعام دونه . قال غيره : وفيه جواز أكل الأضياف دون صاحب الدار إذا ( حان الطعام ) (٣) ؛ لأن تأنيب أبي بكر لأهله يدل أن الضيف أولى بذلك من رب الدار . قال المهلب : وفيه أن من حلف على شيء ورأى غيره خيراً منه أنه يحنث نفسه ، ويأتي الذي هو خير منه ، ويكفر يمينه ، ومن الخير : الأكل من طعام ظهرت فيه البركة ، وقد نهى الرسول عن الأيمان [في] (٤) ترك البر والتقوى وفعل الخير ، فمن هاهنا حنث رسول الله وَلة والصالحون أنفسهم ، وهو قوله تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة الأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس ﴾ (٥) ، فحنث رسول الله نفسه في الشراب الذي شربه في بيت زوجته ، وحنث أبو بكر أيضًا نفسه في قصة مسطح . (١) فى ((هـ)) : الجماعة. (٣) في (( هـ)): جاء بالطعام. (٥) البقرة : ٢٢٤ . (٢) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): بين. كذا. (٤) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): و. - ٢٢٧ - - وفيه : رفع ما يُرجى بركته ، وإهداؤه لأهل الفضل ، كرفع أبي بكر بقية الطعام المبارك إلى رسول الله وإلى من بحضرته . وفيه: أن آثار الرسول وَللّه قد تظهر على يدي غير النبي البركة النبي - عليه السلام - ، فتصح المعجزة منها في زمانه ، وتجوز في غير زمانه من ذلك ما ليس بخرق عادة . وقول أبي بكر: (( كُلُوا لاهَنِيثًا)) إنما خاطب بذلك أهله لا أضيافه. وفيه : أن الصديق الملاطف يجمل ( منه ) (١) أن يهدي إلى الجليل من إخوانه يسير الهدية . وقولها : (( قد عُرضوا )) يريد أن خادم أبي بكر وابنه ومن رتب لخدمة الأضياف عرضوا الطعام على أضيافهم ، فأبوا من أكله إلا بحضرة أبي بكر (*) [ وقد جاء هذا المعنى منصوصًا في بدء الخلق في باب : علامات النبوة في الإسلام في هذا الكتاب . وقوله: ((ياغُنْثَرُ )) هو من قول العرب: رجل أَغْثَر : أحمق . من ابن دريد . والغَثْرَاءِ : سفلة الناس وغوغاؤهم ، فبنى فنعلا من أغثر على المبالغة في السَّبِّ من هذا المعنى ، وفنعل موجود في اللغة ، كقولهم: جندب وقنفذ . عن الأخفش . وقال الخطابي : غنثر مأخوذ من الغثارة ، وهي الجهل ، يُقال رجل غثر وأغثر إذا كان جاهلا ، وامرأة غثراء ، وفي فلان غثارة ، والنون في الغنثر زائدة ، وإنما سميت الضبع غثرًا لحمقها ، وحكى بعض أهل اللغة الغنثرة : شرب الماء من غير عطش، ورواه الخطابي من (١) من الأصل، لكن في حاشيته: ((به))، وكتب أمامها (ح))، وهو كذلك في (( هـ )) . (*) من أول هنا سقط كبير من ((هـ)) ينتهي إلى ما قبل باب ((كم بين الأذان والإقامة))، وسيأتي التنبيه على آخره - إن شاء الله. - ٢٢٨ - طريق محمد بن المثنى ، عن سالم بن نوح العطار ، عن الجريري، عن أبي عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر : يا عنتر (١) ، والعنتر (١): الذباب، شبهه به تصغيرًاً له وتحقيرًا لقدره ، وحكي العنتر (١) : الذباب، عن ثعلب عن ابن الأعرابي ، وقال : إنما سمي عنترًاً (١) لصوته . وقال غيره: العنتر (١) : الأزرق من الذباب. قال المؤلف : والمحفوظ عن الرواة : يا غنثر ، بالغين المعجمة بنقطة من فوقها. وقوله: ((فجدَّع)) يعني تنقص وعاب / وأصل [١١٩٥/١-] الجدع في اللغة : القطع ، يقال : جدعت الأنف وغيره قطعته . باب : بدء الأذان وقوله تعالى : وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ﴾ (٢) وقوله : ﴿ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ﴾(٣) فيه : أنس قال : ذكروا النار والناقوس ؛ فذكروا اليهود والنصارى ، فَأُمرَ بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة . وفيه : ابن عمر قال: (( كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ليس بنادي لها ، فتكلموا يومًا في ذلك ، فقال بعضهم : ( أنتخذ ) (٤) ناقوسًا مثل ناقوس النصارى ، وقال بعضهم: بل بوقًا مثل قرن اليهود ، فقال عمر : أفلا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة ؟ وقال رسول الله *: يا بلال، قم [ فناد ] (٥) بالصلاة )). (١) في كل هذه المواضع من الأصل بالغين المعجمة والثاء المثلثة وهو خطأ ، والصواب بالعين المهملة ، والتاء المثناة كما في ((غريب الحديث)) للخطابي (٦/٢ - ٧) . (٢) المائدة : ٥٨ .. (٣) الجمعة : ٩ . (٤) في المطبوع: ((اتخذوا)). (٥) في ((الأصل)): فنادي . بإثبات الياء . - ٢٢٩ - اختلف العلماء في وجوب الأذان ، فعند مالك وأبي حنيفة والشافعي : الأذان سنة . وقال عطاء ومجاهد : الأذان فرض ، وهو قول الأوزاعي ، واحتجوا بأن النبي - عليه السلام - أمر بلالا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ، وأمرُه على الوجوب ، وحجةُ أهل المقالة الأولى أن أصل الأذان إنما يكون عن رؤيا رآها عبد الله بن زيد ، فأصبح إلى النبي فأخبره برؤياه ، فبينا هو يقصها إذ جاء عمر فقال : ((والله لقد رأيته مثل الذي رأى . فقال عليه السلام لعبد الله بن زيد : قم فألق على بلال فإنه أندى منك صوتًا )) من رواية أهل المدينة والكوفة . فأما رواية أهل المدينة فرواية ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن عبد الله بن زيد ، عن أبيه مثله . وأما رواية أهل الكوفة فرواية شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : حدثنا أصحاب محمد (( أن عبد الله بن زيد أُري الأذان في المنام، فأتى النبي - عليه السلام - فأخبره ، فقال عَلِّمه بلالا )). قال ابن القصار : فكان أصل الأذان عن رؤيا ومشورة ، ولو كان واجبًا لابتدأه الرسول ولم يأخذه عن منام أحد ، فإن قيل : فإن الأمر وإن جرى كذلك فقد يحصل واجبًا بعد ذلك ، ألا ترى أن نبي الله حَكَّمَ سعدًا في سبي بني قُرَيظة فكان حكمه واجبًا، و(معاذًا) (١) تبع الرسول في صلاةٍ ثم مضى فقال عليه السلام : (( سن لكم معاذ سنة فاتبعوها )) . قيل : إن معادًا وسعدًا لا يجوز أن يفعلا شيئًا بين يدي النبي إلا عن أمر ظهر لهما من دینه عليه السلام ، بدلالة نَصبها لهما، وليس كذلك الأذان إنما كان عن رؤيا، وأما قوله: (( أُمِرَ بلال أن يشفع الأذان: ويوتر الإقامة)) . فليس في ظاهره إيجاب ولا ندب ، وإنما هو للشفع (١) التقدير: وأن معاذًا، وقد تكون ((أن )) سقطت من الناسخ . - ٢٣٠ - والوتر ، وهل الأصل واجب أم لا ؟ يحتاج إلى دلالة. والرسول قد يأمر بصفات في السّنة ، ولا يدل أنها واجبة ، بل إذا فعلت ودخل فيها وجب أن تفعل بصفاتها . باب : الأذان مثنى مثنى فيه: أنس قال: (( أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة)) (١) . ورواه خالد الحذاء عن أبي قلابة ، عن أنس بن مالك ولم يقل فيه إلا الإقامة . اختلف العلماء في صفة الأذان ، فقال مالك ، والليث ، وأبو يوسف: الأذان مثنى مثنى، وأوله: (( الله أكبر الله أكبر )) مرتين . وقال أبو حنيفة ، والثوري ، والشافعي : الأذان مثنى مثنى ، وأوله : ((الله أكبر الله أكبر)) أربع مرات . واحتج هؤلاء بروايات رويت في حديث أبي محذورة وعبد الله بن زيد فيها: (( الله أكبر الله أكبر)» أربع مرات . قالوا : وهي زيادة يجب قبولها . واحتج أهل المقالة الأولى بأنه قد روي من طرق صحاح في أذان أبي محذورة وعبد الله بن زيد: ((الله أكبر)) مرتين ، وكذلك في أذان سعد القرظ ، قالوا : فلما وردت الآثار على هذا الاختلاف ، ورأينا أهل المدينة يعملون : خَلَفُهم عن سَلَفِهم على المرتين لا يزيدون عليها، وينقلونه نقلاً متواتراً يقطع العذر ، سقط معه حكم الزائد . وقول أنس : ((أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة)). حجة في ذلك أيضًا ؛ لأن شفع الأذان تثنية ، وإذا قال : الله أكبر أربع مرات فقد خالف الخبر بذلك ، ولم يشفع الأذان كله ، ولم يكن هناك خبر (١) الظاهر أنه قد سقط من هنا: ((إلا الإقامة))، وهي رواية أيوب عن أبي قلابة، وسيأتي خلوّ رواية خالد الحذاء منها . - ٢٣١ - يعضد عملهم ، فكان عملهم أقوى من كل شيء يرد من طريق خبر الواحد ؛ لأن الأذان مما يتكرر كل يوم خمس مرات ، ولا يؤخذ [٥/١ ١١٩ -ب] قياسًا، علمنا أنهم علموا / ذلك من جهة الرسول ◌َ﴿؛ فوجب الرجوع إلى ما هُم عليه كما رجع من خالفهم إلى صَاعِهم ومُدِّهم وقالت طائفة : الاختلاف في هذه الآثار كلها يدل على الإباحة ، فمن شاء أن يؤذن بكل ما روي منها ؛ لأنه قد ثبت عن الرسول جميعٌ ذلك ، كما المتوضئ بالخيار ، إن شاء توضأ مرة مرة ، وإن شاء مرتين مرتين ، هذا قول أحمد وإسحاق والطبري. باب: الإقامةُ واحدة إلا قولَهُ «قد قَامَت الصلاةُ )» ! فيه: أنس قال: (( أمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة)). قال إسماعيل (١) : فذكرته لأيوب فقال : إلا الإقامة . اختلف العلماء في الإقامة فقال مالك ، وأهل الحجاز ، والأوزاعي: الإقامة فرادى . وبه قال أحمد وإسحاق ، وقال الشافعي: الإقامة فرادى إلا قوله: ((قد قامت الصلاة)). فإنه يقولها مرتين .. وفي مختصر ابن شعبان مثله . قال الثوري وسائر الكوفيين ؛ الإقامة مثنى مثنى كلها مثل الأذان . واحتجوا بما رواه هشام عن عامر الأحول، عن مكحول ، عن ابن محيريز ، عن أبي محذورة أن الإقامة مثنى مثنى ، قالوا : وهو قول علي بن أبي طالب وأصحاب ابن مسعود . وحجةُ الشافعي ما رواه أيوب من قوله : إلا الإقامة فهي شفع (١) هو ابن إبراهيم المعروف بابن عليّة أحد رجال هذا الإسناد .. - ٢٣٢ - قال : ويبيّن ذلك ما رواه شعبة عن أبي جعفر الفراء ، عن مسلم- مؤذن كان لأهل الكوفة - عن ابن عمر قال : (( كانت الإقامة على عهد الرسول وَله* مرة مرة، غير أنه إذا قال: قد قامت الصلاة، قالها مرتين)). واحتج أهل المقالة الأولى بما رواه خالد الحذاء عن أبي قلابة ، عن أنس قال: ((أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة)). قال أبو محمد الأصيلي: وقوله: ((إلا الإقامة))، هو من قول أيوب وليس من الحديث ، قال ابن القصار : وكذلك رواه ابن جريج، عن عطاء ، عن أبي محذورة (( أن الرسول علمه الأذان شفعًا والإقامة وتراً)) ، ومثله في رواية عبد الله بن زيد ، وسعد القرظ ، فإن قال الشافعي : قول أيوب : إلا الإقامة زيادة في الحديث والزيادة يجب قبولها ، قيل : الزائد أولى ما لم يعارض ما هو أقوى منه ، وذلك عمل أهل المدينة وإجماعهم خلف عن سلف على إفراد الإقامة، ومحال أن يذهب عليهم شيء من جهة الرسول وَّل مما يجري في اليوم والليلة خمس مرات ويعلمه غيرهم ، ولو صحت زيادة أيوب وما رواه الكوفيون من تثنية الإقامة ؛ لجاز أن يكون ذلك في وقت ما ، ثم ترك لعمل أهل المدينة على الآخر الذي استقر الأمر عليه ، ولا يجوز أن يظن بهم أنهم خالفوا ولا قصدوا العناد ، وبمثل هذا احتج ابن القصار على من خالف مالكًا في كثير من المسائل، فاحتج بنقلهم وفعلهم في ترك الزكاة في الخضر والأجناس بالمد والصاع على من خالفهم . * باب : فضل التأذين فيه : أبو هريرة: قال عليه السلام: ((إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له - ٢٣٣ - ضُرَاط حتى لا يسمع التأذين ، فإذا قضي النداء أقبل ، حتى إذا ثوِّبَ بالصلاة أدبر ، حتى إذا قضي التثويب أقبل ، حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول له : اذْكُرْ كذا ، اذْكُرْ كذا لمَا لَمْ يکن یذکرُ ، حتى يصلي الرجل لا يدري کم صلی » . في هذا الحديث عظم فضل الأذان ، وأن الشيطان ينافره ما لا ينافر سائر الذكر ، ألا ترى أنه يقبل عند قراءة القرآن ويدبر عند الأذان ، وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال : إذا تغولت لكم الغيلان فأذنوا . وحكى مالك أن زيد بن أسلم استعمل على معذر من معاذر بني سليم كان انقطع عمله لما يتخيل فيه من الجن ، فأمرهم زيد أن يؤذنوا فيه ، ففعلوا ذلك فما تخيل لهم بعد ذلك جن ، قال مالك : وأعجبني ذلك من رأي زيد بن أسلم . فاختلف العلماء في معنى هروبه عند الأذان ولا يهرب من الصلاة وفيها قراءة القرآن ، فقال المهلب : إنما يهرب - والله أعلم - من: اتفاق الكل على الإعلان بشهادة التوحيد وإقامة الشريعة كما يفعل يوم [١/ ق١٢٠-١] عرفة لما يرى من اتفاق الكل / على شهادة التوحيد الله - تعالى -. وتنزل الرحمة عليهم ، وييئس أن يردهم عما أعلنوا به من ذلك ، وأيقن بالخيبة بما تفضل الله عليهم من ثواب ذلك ، ويذكر معصية الله. ومضادته أمره فلم يملك الحديث لما استولى عليه من الخوف . وقال غيره : إنما ينفر عن التأذين لئلا يشهد لابن آدم بشهادة التوحيد لقوله عليه السلام: (( لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة )) ، وليس قول من قال : إنما ينفر من الأذان لأنه دعا إلى الصلاة التي فيها السجود الذي أَبَاهُ بشيء ؛ لأنه قد أخبر عليه السلام أنه إذا قضى التثويب أقبل يُذكِّرُه ما لم يَذْكُرْ ، يخلط عليه. صلاته، وكان فراره من الصلاة التي فيها السجود أولى لو كان كما زعموا .. - ٢٣٤ - : وروى ابن أبي شيبة ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله وَله: ((إذا نادى المنادي بالأذان هرب الشيطان حتى يكون بالروحاء - وهي ثلاثون ميلا من المدينة)). وذكر ( ابن سفيان ) (١) عن سعيد بن المسيب قال : بلغنا أنه إن خرج من المسجد بين الأذان والإقامة أنه سيصاب بمصيبة . وذكر عن أبي هريرة أنه كان في المسجد فأذن المؤذن فخرج رجل ، فقال أبو هريرة : (( أما هذا فقد عصى الله ورسوله ، أمرنا رسول الله وَ لّ إذا سمعنا الأذان ألا نخرج حتى نصلي)) ويحتمل أن يكون معنى هذا النهي - والله أعلم - لئلا يشبه فعل الشيطان في هروبه لئلا يسمع النداء . وقال الطبري: قوله: ((إذا ثُوِّبَ بالصلاة)) يعني صرخ بالإقامة مرة بعد مرة أخرى ورُجِّعَ ، وكُل مُرددٍ صوتًا فهو مُثُوب ، ولذلك قيل للمرجّع صوته في الأذان بقوله: (( الصلاة خير من النوم )» مُثَوِّب وأصله من ثاب يثوب : إذا رجع إليه ، ومنه قوله تعالى : ﴿ وإذ جعلنا البيت مثابة للناس ﴾ (٢) يعني أنهم إذا انصرفوا منه رجعوا إليه . وجمهور العلماء على أن الإقامة للصلاة سنة ، ولا خلاف بينهم أن قول المؤذن في نداء الصبح (( الصلاة خير من النوم )) يقال له : تثويب، وروى هشيم ، عن ابن عون ، عن محمد بن سيرين ، عن أنس قال : ما كان التثويب إلا في صلاة الغداة إذا قال المؤذن : حي على الفلاح قال : الصلاة خير من النوم . (١) كذا في ((الأصل))، ولم أعرفه، ورواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١/ ٥٠٧- ٥٠٨ رقم ١٩٤٥) من طريق إبراهيم بن عقبة عن سعيد بن المسيب بنحو هذا المعنى وفيه قصة ، ثم احتملت أن يكون الصواب : ابن شعبان ، وهو المالكي المشهور الذي ينقل عنه المصنف كثيراً ، فلعله ذكر ذلك عن ابن المسيب في شيء من مصنفاته ، وكذا يكون هو المقصود بقول المصنف بعد هذا : وذكر عن أبي هريرة ... والله تعالى أعلم . (٢) البقرة : ١٢٥ . - ٢٣٥ - وقال ابن الأنباري: إنما سَمى (( الصلاة خير من النوم )) تثويبًا ؛ لأنه دعاء ثان إلى الصلاة وذلك أنه لما قال: حي على الصلاة حي على الفلاح ، وكان هذا دعاء ثم عاد فقال : الصلاة خير من النوم، دعا إليها مرة أخرى .. وقال الطحاوي : الأصل في التثويب أن الرجل إذا جاء فزعًا (١) مستصرخًا لوح بثوبه فكان ذلك كالدعاء والإيذان ، ثم كثر ذلك حتى سمى الدعاء تثويبًا . قال ذو الرمة (٢): وإن ثوب الداعي بها یال خندف . والعامة لا تعرف التثويب في الأذان إلا قول المؤذن في الفجر (الصلاة خير من النوم))، وإنما سمي بذلك لأن المؤذن يرجع إليه مرة بعد أخرى ، يقال : ثابت إلى المريض نفسه : رجعت إليه قوته ، وثاب إلى المرء عقله . ومنه اشتق الثواب وتأويله : ما يئول إليك من فضل الله وجزاء الأعمال الصالحة ، ومنه سميت المرأة ثيبًا ، أنها تثوب إلى أهلها من بيت زوجها . ١٠ قال الطحاوي : وقد كره قوم أن يقال في نداء الصبح ((الصلاة خير من النوم )) ، واحتجوا بحديث عبد الله بن زيد في صفة الأذان وليس فيه ذلك ، وخالفهم جمهور الفقهاء واستحبوا ذلك ، واحتجوا بما رواه ابن جريج قال : أخبرني عثمان بن السائب ، عن أم عبد الملك ابن أبي محذورة، عن أبي محذورة «أن الرسول وَ ل* علمه في نداء الصبح : الصلاة خير من النوم مرتين )) ، ورواه أبو بكر بن عياش ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي محذورة مثله ، وقد قال أنس وابن عمر : إنه كان التثويب في نداء الصبح : الصلاة خير من النوم مرتين بعد قوله : حي على الفلاح . (١) كتب في الحاشية ((أو)) بين فزعًا ومستصرخًا، وبجوارها (( ح)). (٢) لم أجده في (( ديوان ذي الرمة)) - طبعة المكتب الإسلامي، ولم يذكره صاحب القاموس ولا شرحه ، ولا لسان العرب ، ولا الصحاح وغيرها من كتب اللغة مادة ((ثوب)) ولا ((خندف)) . - ٢٣٦ - قال المهلب: وقوله ((اذكر كذا لِمَا لم يكن يذكر )) ليسهيه عن صلاته . فيه من الفقه أن من نسي شيئًا وأراد أن يتذكره فَلْيُصَلِّ ويجهد نفسه فيها من تخليص الوسوسة وأمور الدنيا ، فإن الشيطان لابد أن يحاول تسهيته وإذكاره أمور الدنيا ؛ ليصده عن إخلاص نيته في الصلاة. وقد روي عن أبي حنيفة أن رجلا دفن مالا ثم غاب عنه سنين كثيرة، ثم قدم فطلبه فلم يهتد لمكانه / ، فقصد أبا حنيفة فأعلمه بما [١٢٠٥/١ -ب) دَارَ لَهُ فقال له : صل في جوف الليل وأخلص نيتك لله - تعالى - ولا تجد على قلبك شيئًا من أمور الدنيا ، ثم عرفني بأمرك ، ففعل فذكر في الصلاة مكان المال فلما أصبح أتى أبا حنيفة فأعلمه بذلك ، فقال بعض جلسائه : من أين دللته على هذا - يرحمك الله - ؟ فقال: استدللت من هذا الحديث وعلمت أن الشيطان سيرضى أن يذكره موضع ماله ويمنعه الإخلاص في صلاته . فعجب الناس من حسن انتزاعه واستدلاله . باب : رفع الصوت بالنداء وقال عمر بن عبد العزيز : أذن أذانًا سمحًا وإلا فاعتزلنا . فيه: أبو سعيد أن الرسول وي ليم قال له: (( إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة ، فارفع صوتك بالنداء ، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة )) . وفيه أن الشغل بالبادية واتخاذ الغنم من فعل السلف الصالح الذي ينبغي لنا الاقتداء بهم ، وإن كان في ذلك ترك للجماعات ففيه عزلة عن الناس ، وبُعد عن فتن الدنيا وزخرفها ، وقد جاء أن الاعتزال - ٢٣٧ - -- للناس عند تغير الزمان وفساد الأحوال مرغب فيه ، وروي عن الرسول وَله أنه قال: ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع بها شعف الجبال ومواضع القطر، يفر بدينه من الفتن)) (١) . قال المهلب : وفيه فضل الإعلان بالسنن وإظهار أمور الدين ، وإنما أمره برفع صوته بالنداء ليسمعه مَنْ بَعُد منه فيكثر الشهداء له يوم القيامة ، وقد اختلف في قوله عليه السلام : (( ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة)) فقالت طائفة: الحديث على العموم في كل شيء ، وجعلوا الجمادات وغيرها سامعة وداخلة في معنى هذا الحديث . وقالت طائفة : لا يراد بالحديث إلا من يجوز سماعه من الجن والإنس والملائكة وسائر الحيوان ، قالوا : والدليل على ذلك أنه لم يذكر إلا الجن والإنس ثم قال : (ولا شيء)) يريد من صنف الحيوان السامع والملائكة والحشرات والدواب . ولا يمتنع أن الله - تعالى - يقدر يُسمع (٢) الجمادات، لكنَّا لا نقول ذلك مع جوازه إلا بخبر لا يحتمل التأويل ، وليس في هذا الحديث ما يقطع به على هذا المعنى، وقول عمر لمؤذنه: ((أذن أذانًا سمحًا وإلا فاعتزلنا))، إنما نهاه عن التطريب في أذانه والخروج عن الخشوع ، وروى ابن أبي شيبة قال : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن عمرو ، عن سعيد ((أن مؤذنًا أذن فطرب في أذانه فقال له عمر : أذن أذانًا سمحًا وإلا فاعتزلنا)). وفيه أن الأذان للمنفرد مرغب فيه مندوب إليه ، وقد روي عن الرسول أنه قال: (( من أذن في أرض فلاة ، وأقام وحده ، صلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال)» . (١) فتح الباري: (٤٤/١٣)، حديث رقم (٧٠٨٨). (٢) التقدير: ((أن يُسمع)) ولعل ((أن)) سقطت من الناسخ. - ٢٣٨ - باب : ما يُحْقَنُ [بالأذان ] (١) من الدماء فيه: أنس بن مالك قال: ((كان الرسول -8* إذا غزا بنا قومًا لم يغز حتى يصبح وينظر ، فإن سمع أذانًا كَفَّ ، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم، فخرجنا إلى خيبر فانتهينا إليهم فلما أصبح ولم يسمع أذانًا ركب راحلته ... )) وذكر الحديث . قال المهلب : إنما يحقن الدم بالأذان ؛ لأن فيه الشهادة بالتوحيد لله والإقرار بالرسول، وقوله: ((لم يغز حتى يصبح فإن سمع أذانًا كف))، فهذا عند العلماء لمن قد بلغته الدعوة ، وعلم ما الذي يدعو إليه داعي الإسلام ، فكان يمسك عن هؤلاء حتى يسمع الأذان ؛ ليعلم إن كانوا مجيبين للدعوة أم لا ؛ لأن الله قد وعده إظهار دينه على الدين كله ، فكان يطمع بإسلامهم ، وليس يلزم اليوم الأئمة أن يكفوا عمن بلغته الدعوة لكي يسمعوا أذانًا ؛ لأنه قد علم عناد أهل الحرب وغائلتهم للمسلمين ، وينبغي أن تنتهز الفرصة فيهم . باب : ما يقول إذا سمع المنادي فيه: أبو سعيد الخدري أن الرسول وير قال: (( إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن )) . / وفيه: معاوية مثله إلى قوله: ((وأشهد أن محمداً رسول الله، وإذا [١/ ق١٢١ -١] قال: حي على الصلاة ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله)). اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث ، فقالت طائفة : ينبغي لمن يسمع الأذان أن يقول مثلما يقول المؤذن حتى يفرغ من أذانه كله على (١) من ((الفتح)): (١٠٧/٢) وهو المناسب لما في الشرح، ولمعنى الكلام ، وجاء في الأصل : ((في الأذان)) وهو غير مناسب ، فأثبت الصواب . - ٢٣٩ - عموم حديث أبي سعيد ، وإليه ذهب الشافعي ، وقالت طائفة : إنما يقول مثلما يقول المؤذن في التكبير والشهادتين ويقول في موضع قوله: حي على الصلاة حي على الفلاح : لا حول ولا قوة إلا بالله ، على ما جاء في حديث معاوية ، قالوا : وهو مفسر لحديث أبي سعيد . هذا قول مالك والكوفيين ، ومن الحجة لهم أيضًا ما رواه بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن الرسول وَ 18 قال: ((إذا تشهد المؤذن فقولوا مثلما يقول ». : وقال المهلب : ما بعد الشهادتين إنما هو إعلام للناس ودعاء لهم إلى الصلاة ، فإذا كان سرًا لم يكن له معنى ؛ لأنه لا يسمع به أحد فيكون له فضل الدعوة إلى الصلاة ، والسامع إنما يقول ذلك على وجه الذكر لا على وجه دعاء الناس إلى الصلاة ، فينبغي أن يجعل مكان ذلك : لا حول ولا قوة إلا بالله ، كما روى معاوية فهي مفتاح من مفاتيح الجنة . واختلفوا في المصلي يسمع الأذان فقال مالك : يقول مثل قوله من التكبير والتشهد في النافلة ولا يقوله في الفريضة ، قال : وهذا الذي يقع بنفسي أنه أريد بهذا الحديث . وهو قول الليث ، وقال ابن شعبان روى أبو المصعب عن مالك أنه يقول في الفريضة والنافلة . وهو قول ابن وهب واختاره ابن حبيب ؛ لأنه تهليل وتكبير ، جائزٌ أَنْ يقوله وإن لم يسمع أذانًا . وفي المجموعة لابن عبدوس عن سحنون : لا يقوله أحد في فريضة ولا نافلة . وروي أنه أريد بالحديث من ليس في صلاة، وهو قول الشافعي ، وحجته أن المؤذنين يؤذنون يوم عرفة والإمام يخطب فلا يقول مثل ما يقولون ويترك ما هو فيه ، فالمصلي أَوْلی بذلك . - ٢٤٠ -