Indexed OCR Text

Pages 41-60

الليث والشافعي ، واحتجا بهذا الحديث وزاد الشافعي : إذا أراد
[الإمام](١) تعليمهم ليقتدي به من وراءه ويسجد على الأرض .
وفيه: (( فلما فرغ النبي أقبل على الناس فقال : [ أيها الناس ] (١) إنما
صنعتُ هذا لتأتموا بي ولتعْلَمُوا صلاني)) .
ذكره البخاري في صلاة الجمعة وكره ذلك أبو حنيفة ، وقال :
صلاتهم تامة .
وقال الأوزاعي : لا يجزئ ذلك حتى يستوي معهم بالأرض .
وقال أبو يوسف : إن كان موضع الإمام أرفع بقدر قامة فهو المكروه ،
وإن كان أقل فليس بمكروه .
وقد قيل : إن المنبر الذي صلى عليه الرسول كان بثلاث درجات ،
روي عن سهل بن سعد ، وقال مالك : لا يعجبني إن صلى إمام على
ظهر المسجد والناس أسفل منه أو يصلي على شيء أرفع مما عليه
أصحابه فإن فعل فعليهم الإعادة أبدًا ؛ لأنهم يعبثون إلا أن يكون
ارتفاعًا يسيرًا فصلاتهم مجزئة .
وقال ابن أبي زيد : قال بعض أصحابنا : إن الشبر وعظم الذراع
خفيف في ذلك . وقال فضل بن سلمة : وقوله : يعبثون يدل أنما
ذلك إذا كان الإمام يصلي بموضع واسع ويصلي بصلاته ناس أسفل
منه، وهم يقدرون على أن يصلوا معه في مكانه ، فأما إذا كان الموضع
قد ضاق بأهله فلا بأس أن يصلي بصلاة الإمام ناس أسفل منه. وروى
أشهب عن مالك فيمن أتى مسجداً مغلقًا قد امتلأ فله أن يصلي أسفل
في الفضاء بصلاة الإمام. وروى ابن وهب عن مالك [ أنه ] (١) إذا صلى
إمام القوم في السفينة وبعضهم فوقه وتحته ولم يجدوا بدًا منه فلا بأس.
(١) من (( هـ)).
- ٤١ -

قال ابن اللباد : إنما كره مالك هذا لأن بني أمية فعلوه على وجه
الكبر والجبرية فرآه من العبث ومما يفسد الصلاة ، وقال غيره : لا معنى
"[١/ ق٨٥-ب] لقول من قال: ((لا يجوز مثل هذا / إلا إذا أراد أن يُعَلِّمَ الناس كما
روي في الحديث)) لأن ذلك لو كان مُفْسِدًا [ للصلاة] (١) لم يجز أن
يُفعل مرة فما دونها ولا لتعليم ولا غيره ، وإنما الاختيار أن لا يُفعل،
فإن فعل لم تفسد صلاته بدليل فعله صلى الله عليه مرةً. وأما تحديد القامة
وغيرها فمحتاج إلى توقيف ، ولا بأس أن يصلي المأموم على سطح
والإمام أسفل المسجد عند الكوفيين، وهو قول مالك في غير الجمعة.
وقال الليث : لا بأس أن يصلي الجمعة ركعتين على ظهر المسجد.
وفي الدور وعلى الدكاكين ، وفي الطرق إذا اتصلت الصفوف ورأى
الناس بعضهم بعضًا حتى يصلون بصلاة الإمام ، وعن الشافعي مثله ،
وصلى أبو هريرة الجمعة فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام .
وإنما ذكر حديث [ المشربة ] (٢) في هذا الباب وهي الغرفة؛ لأنه
عليه السلام صلى بهم على ألواحها وخشبها ، وترجم (( باب الصلاة
على الخشب)) . واختلف في ذلك ؛ فذكر ابن أبي شيبة قال : كان
حذيفة مريضًا فكان يصلي قاعدًا فجعل له وسادة وجعل له لوح عليها
يسجد عليه . وكره قوم السجود على العود ، روي ذلك عن ابن
عمر، وابن مسعود
قال علقمة : دخل عبد الله على أخيه عتبة يعوده فوجده يصلي على
عود فطرحه وقال : إن هذا شيء عرض به الشيطان ، ضع وجهك
على الأرض وإن لم تستطع فأومئ إيماءَ ، وكرهه الحسن وابن سيرين.
وأئمة الفتوى على جواز الصلاة عليه وحجتهم صلاته عليه السلام على
المشربة وعلى المنبر .
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): في الصلاة.
(٢) من ( هـ
- ٤٢ -

باب : إذا أصابَ ثوبُ المصلي امرأتَهُ إذا سَجَد
فيه: ميمونة قالت: (( كان رسول الله ◌َلم يصلي وأنا حذاءَه وأنا حائض
وربما أصابني ثوبُه إذا سجد، وكان يصلي على الخُمْرَة)).
وقد تقدم في كتاب الوضوء جواز مباشرة الحائض للمصلي وغيره
وأنها محمولة على الطهارة في جسمها وثيابها حتى يبدو خلاف ذلك.
وترجم له باب الصلاة على الخمرة. قال الطبري : الخُمرة : مصلى
صغير ينسج من سعف النخل (ويزمّل ) (١) بالخيوط ويسجد عليه ،
فإن كان كبيراً قدر طول الرجل أو أكبر فإنه يقال له حينئذ حصير ،
ولا يقال له : خمرة ، وقال ابن دريد : هي السجادة وجمعها خمر .
ولا خلاف بين فقهاء ( الأمصار ) (٢) في جواز الصلاة على الخمرة
إلا شيء روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان لا يصلي على الخمرة ،
ويؤتى بتراب فيوضع على الخمرة في موضع سجوده ويسجد عليه .
وقال شعبة عن حماد : رأيت في بيت إبراهيم النخعي حصيرًاً فقلت:
أتسجد عليه ؟ فقال: الأرض أحب إليّ. وهذا منهما على (جهة)(٣)
المبالغة في الخشوع لا أنهما لم يريا السجود على الخمرة ؛ لأن النبي
-صلى الله عليه - قد صلى عليها ، وقال سعيد بن المسيب : الصلاة
على الخمرة سنة، فلا يجوز لهما مخالفة سنته عليه السلام ، وإنما
فعلا ذلك على الاختيار ، إذ قد ثبت عنه عليه السلام أنه كان يباشر
الأرض بوجهه في سجوده ، وقد انصرف من الصلاة وعلى جبهته
وأنفه أثر الماء والطين ؛ فذلك كله مباح بسنته عليه السلام .
(١) من ((الأصل))، يقال: زَمَّلَهُ بثوبه: لَفَّهُ المعجم الوسيط: (٤٠٠/١) والكلمة
في (( هـ )) مبتورة من آخرها .
(٢) في (( هـ)): الأمة.
(٣) في (( هـ )) : وجه .
- ٤٣ -

باب : الصلاة على الحصير
وصلى جابر بن عبد الله، وأبو سعيد في السفينة قائمًا ، وقال الحسن :
تصلي قائمًا ما لم تشق على أصحابك تدور معها وإلا فقاعدًا .
فيه: أنس: « أن جدته مليكة دعت رسول الله لطعام صنعته له فأكل منه،
ثم قال : قوموا فلأصلي (١) لكم، قال أنس : فقمت إلى حصير لنا قد
اسود من طول ما لبس ، فنضحته بماء فقام رسول الله وصففت واليتيم
وراءه والعجوز من ورائنا فصلى لنا رسول الله ركعتين ثم انصرف)) .
لا خلاف بين الفقهاء في جواز الصلاة على الحصير على ما ذكرناه
في الباب قبل هذا ..
قال المهلب : وفيه أنه ما يوطأ ويُبسط فإنه ملبوس ، فمن خلف أن
لا يلبس ثوبًا وجلس عليه فهو حانث إذا لم يخص وجهًا من اللباس .
ونضح أنس للحصير إنما كان لِيَلينَ ، لا لنجاسة كانت فيه . هذا
قول إسماعيل بن إسحاق ، وقال غيره : النضح طهارة لما شك فيه
فنضحه لتطيب النفس عليه . وهذا كقول عمر : اغسل ما رأيت
وانضح ما لم تر .
قال المهلب : وفيه الإمامة في النافلة ، وفيه إجابة الطعام إلى غير
الوليمة ، وفيه أن المرأة المتجالة الصالحة إذا دعت إلى طعام أجيبت ،
وسيأتي بقية الكلام في هذا [ الحديث في موضعه بعد هذا - إن شاء
الله](٢) .
(١) بثبوت الياء في ((الأصل))، و((هـ))، وفي رواية الأصيلى بحذفها، راجع
الفتح لابن حجر (١/ ٥٨٤).
(٢) من (( هـ )).
- ٤٤ -

وأما الصلاة في السفينة فأجاز قوم من السلف أن يصلوا فيها جلوساً
وهو قول الثوري وأبي حنيفة ، وقال مالك والشافعي : لا يجوز أن
يصلي قاعدًا من يقدر على القيام في سفينة ولا غيرها .
باب : الصلاة على الفراش
وصلى أنس على فراشه وقال : كنا نصلي مع النبي فيسجد أحدنا على
ثوبه .
فيه: عائشة أنها قالت: (( كنت أنام بين يدي رسول الله الم ورجلاي
في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضتُ رِجْلِي ، وإذا قام بَسطتهما قالت :
والبيوتُ يومئذ ليس فيها مصابيح )) .
وقالت مرة: (( أن النبي كان يصلي وهي بينه وبين القبلة على فراش
أهله اعتراض الجنازة )) .
وقال عروة: « إن النبي - صلى الله عليه - كان يصلي وعائشة معترضة
بينه وبين القبلة على الفراش الذي [ ينامان ] (١) عليه)).
قال المؤلف : الصلاة جائزة على كل شيء طاهر فراشًا كان أو
غيره.
وقد اختلف العلماء في [ اختيارهم ] (٢) بعض ما يصلي عليه دون
غيره ، فروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه صلى على
عبقري وهي الطنفسة ، وعن علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وابن
مسعود، وأنس أنهم صلوا على المسوح ، وصلى ابن عباس ، وجابر
ابن عبد الله ، وأبو الدرداء ، والنخعي ، والحسن على طنفسة .
(١) من ((هـ)) وهو الأنسب ولم يذكر في الفتح غيره، وفي الأصل: ((ينامون)).
(٢) من ((هـ)) وضمير الجمع يعود على جماعة العلماء، وفي الأصل: ((اختياره))
بضمير المفرد وليس مناسباً هنا .
- ٤٥ -

وصلى قيس بن عبادة على لِبْدِ دابة ، وقال الثوري : يصلي على
البساط والطنفسة واللَّبْد وهو قول أبي حنيفة والشافعي ، وروي عن
ابن مسعود أنه لا يسجد إلا على الأرض ، وعن عروة مثله ، وكرهت
طائفة الصلاة إلا على الأرض أو نباتها ، روي ذلك عن جابر بن زيد
وقال : أكره الصلاة على كل شيء من الحيوان ، وأستحب الصلاة
على كل شيء من نبات الأرض . وهو قول مجاهد وقال قتادة : قال
سعيد بن المسيب : الصلاة على الطنفسة محدث ، وقاله ابن سيرين
أيضًا ، وقال مالك في بساط الصوف والشعر: إذا وضع المصلي جبهته
ويديه على الأرض فلا أرى بالقيام عليها بأسًا ، وعن عطاء مثله.
وقال مغيرة : قلت لإبراهيم حين ذكر كراهية الصلاة على الطنفسة :
إن أبا وائل يصلي عليها ؛ قال : أما إنه خير مني .
وفيه من الفقه أن المرأة لا تبطل صلاة من صلى إليها ولا من مرت
بين يديه ، وهو قول جمهور الفقهاء ومعلوم أن اعتراضها بين يديه أشدّ
من مرورها .
وقولها: ((ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني)) . فيه دليل على:
أن الملامسة باليد لا تنقض الطهارة ؛ لأن الأصل في الرِّجْل أن تكون
بلا حائل وكذلك اليد حتى يثبت الحائل ، وزعم الشافعي أن غمز
رسول الله لها كان على ثوب وهو بعيد ؛ لأنه يقول : إن الملامسة
تنقض الوضوء وإن لم تكن معها لذة إذا أفضى بيده إلى جسم امرأته ،
وقد تقدم اختلافهم في الملامسة فأغنى عن إعادته .
وقول عائشة: ((والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح)). يدل أنه إذْ
حدثت بهذا الحديث كانت المصابيح في بيوتهم ؛ لأن الله فتح عليهم
الدنيا بعده ◌َّلاّ فوسعوا على أنفسهم حين وَسع الله عليهم.
-٤٦ -

باب : السجود على الثوب في شدة الحر
وقال الحسن : كان القوم يسجدون على العمامة والقَلَنْسُوَة ويداه في
کمه .
فيه: أنس : (( كنا نصلي مع النبي فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة
الحر في مكان السجود)) .
واختلف العلماء في السجود على الثوب من شدة الحر والبرد ،
فرخص في ذلك عمر بن الخطاب ، وعطاء ، وطاوس ، والنخعي ،
والشعبي ، والحسن ، وهو قول مالك ، والأوزاعي ، والكوفيين ،
وأحمد ، وإسحاق ، واحتجوا بهذا الحديث ، وقال الشافعي : لا يجزئه
السجود على الجبهة ودونها ثوب إلا أن يكون جريحًا ، ورخص في
وضع اليدين على الثوب / من شدة الحرِّ والبرد .
[١/ق٨٦ -ب]
واختلفوا في السجود على كور العمامة ، فرخص فيه : ابنُ أبي
أوفى ، والحسن ، ومكحول ، وسعيد بن المسيب ، والزهري ، وهو
قول أبي حنيفة ، والأوزاعي ، وقال مالك : أكرهه ويجوز . وقال
ابن حبيب : هذا فيما خف من طاقاتها فأما ما كثر فهو كمن لم
يسجد، وكره علي ، وابن عمر ، وعبادةُ السُّجُودَ عليها . وعن
النخعي ، وابن سيرين ، و(عبيدة ) (١) مثله .
وقال الشافعي : لا يجزئ السجود عليها . وقال أحمد : لا يعجبني
إلا في الحر والبرد . واحتج أصحاب الشافعي بأنه لما لم يقم المسح
على العمامة مقام مسح الرأس وجب أن يكون السجود كذلك .
قال ابن القصار : والجواب أن الفرض في السجود : التذلل
(١) فى (( هـ)) : غيره .
- ٤٧ -

---
و( الخشوع ) (١) فيكون العضو على الأرض وهو يحصل بحائل وبغير
حائل ، على أن اعتبارهم يفسده الرجلين (٢) لأنه يسجد عليهما في
[اللفافة] (٣) والمسح عليهما لا يجوز، وقد أجمعوا أنه يجوز السجود
على الركبتين والقدمان مستورة بالثياب ، وهي بعض الأعضاء التي أمر
المصلي بالسجود عليها ، فكذلك سائر أعضاء السجود إلا ما أجمعوا
عليه من كشف الوجه .
فإن قالوا : لو جوزنا السجود على كور العمامة على حصير لجوزنا
الجمع بين بدلين أحدهما الحصير الذي هو بدل الأرض والآخر العمامة
التي هي بدل الجبهة ولا يصح الجمع بين بدلين في موضع ، ألا ترى
أن التيمم بدل الماء ومسح الخفين بدل الرجلين ولا يجوز الجمع بينهما.
قيل : هذا ساقط لأننا لا نقول : إن الحصير بدل من الأرض و(إن)(٤)
العمامة بدل من الجبهة ، بل هو مخير إن شاء باشر بجبهته الأرض ،
وإن شاء بحائل على جبهته وعلى الأرض ، والمسح على الخفين هو
مخير فيه أيضًا إن شاء مسح وإن شاء غسل كالسجود ، وليس التيمم
كذلك وليس بدلا ، وكل حائل جاز السجود عليه منفصلا جاز.
متصلا، [ دليله ] (٥) : الركبتان والقدمان .
وأجمع الفقهاء أنه يجوز السجود على اليدين في الثياب وإنما كره
ذلك ابن عمر ، وسالم ، وبعض التابعين ، وسيأتي بعض هذا المعنى
في باب: لا يكف شعرًا ولا ثوبًا في الصلاة بعد هذا - إن شاء الله .
(١) في ((هـ)»: الخضوع .
(٢) كذا في ((الأصل))، و(( هـ)).
(٣) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): إيقافه ، كذا .
(٤) في (( هـ ) : لا .
(٥) من (( هـ ).
- ٤٨ -

باب : إذا لم يُتِمَّ السجود
فيه: حذيفة (( أنه رأى رجلا لا يتم ركوعَه ولا سجوده فلما قضى
صلاته قال له حذيفة: ما صليت . قال: وأحسبه قال: لو مُتَّ مُتَّ على
غیر سنة محمد )) .
قال المهلب: قوله ((ما صليت)). يعني صلاة كاملة، ونفى عنه
العمل ؛ لقلة التجويد فيه ، كما تقول للصانع إذا لم يجود : ما
صنعت شيئًا ، يريدون الكمال ، ومثله قول الرسول للذي لم يحسن
الصلاة: ((ارجع فصل فإنك لم تصل)) . وإنما نقص من صلاته
الطمأنينة في الركوع والسجود وهي من كمال الصلاة .
وقوله: ((لو متَّ متَّ على غير سنة محمد)) . يدل أن الطمأنينة
سنة، وسيأتي تمام هذا [ المعنى في أبواب ] (1) الركوع والسجود .
باب : الصلاة في النعال
فيه: أنس بن مالك قال: (( كان النبي ◌َّهِ يصلي في نَعْلَيْه».
قال المؤلف : معنى هذا الحديث عند العلماء إذا لم يكن في النعلين
نجاسة فلا بأس بالصلاة فيهما ، فإن كان فيهما نجاسة فليمسحهما
وليصلي فيهما ، وقد رُوي هذا المعنى عن النبي ، رَوى حماد بن
سلمة قال : حدثنا أبو نعامة السعدي، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد
الخدري قال: (( بينما رسول الله يصلي إذ خلع نعليه فوضعهما على
يساره ، فلما رأى الناس ذلك ألقوا نعالهم ، فلما قضى رسول الله
صلاته قال : ما حملكم على إلقائكم نعالكم ؟ قالوا : رأيناك ألقيت
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): في.
- ٤٩ -

[ نعليك] (١) فألقينا ، قال : إن جبريل أخبرني أن فيهما أذى - أو
قذرًا - فألقيتهما فإذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن كان فيهما
أذى أو قذرًا فليمسحه وليصل فيهما )) .
[١/ ق٨٧-٢]
واختلف العلماء في تطهير / النعال و[ الخفين] (٢) من
النجاسات، فقالت طائفة: إذا وطئ القذر الرطب يجزئه أن يمسحه
بالتراب ويصلي فيه هذا قول الأوزاعي ، وأبي ثور ..
وقال أحمد في السيف يصيبه الدم فيمسحه وهو حار : يصلي
[فيه](٣) إذا لم [ يبقَ ] (٤) فيه أثر ، وكان عروة والنخعي يمسحان
الروث من نعالهما ويصليان فيها .
وقال الأعمش : رأيت يحيى بن وثاب و[ عبد الله ] (٥) بن عياش
وغيرهما يخوضون الماء قد خالطه السرقين والبول فإذا انتهوا إلى باب
المسجد لم يزيدوا على أن ينفضوا أقدامهم ثم يدخلون في الصلاة .
وقالت طائفة : لا يجزئه أن يطهر القذر الرطب إلا بالماء ، وإن كان
يابسًا أجزأه حكَّهُ ، هذا قول مالك وأبي حنيفة ، وقال محمد : لا يجزئه
في اليابس أيضًا حتى يغسل موضعه من الخف والنعل وغيره إلا المني
خاصة . وقال الشافعي : لا يطهر النجاسات كلها إلا الماء في النعل
والخف وغيره .
واحتج أهل المقالة الأولى أيضًا بحديث سعيد المقبري عن القعقاع بن
حكيم عن عائشة قالت: (( سألت رسول الله عن الرجل يطأ بنعليه
(١) من ((هـ)) وهو الأنسب للسياق، وفي الأصل: ((نعلك)).
(٢) من ((هـ)، وفي ((الأصل)): الخفان، كذا وهو خطأ.
: (٤) من (( هـ)) وهو واضح، وفي الأصل: (( يبين)) ..
(٣) من (( هـ).
(٥) من (( هـ)) وهو الأقرب فيما يظهر لي، لكن لم أقف على ما يقطع في ذلك
وفي (( الأصل)): عبيد الله .
- ٥٠ -

الأذى قال: التراب له طهور)) ، وحديث سعيد بن أبي سعيد ((أن
امرأة سألت عائشة عن المرأة تجرُّ ذيلها في المكان القذر ، قالت :
يطهره ما بعده )).
وقال ابن أبي زيد قال أبو بكر بن اللباد : قال بعض أصحابنا :
معنى قوله: ((يطهره ما بعده)) . أنها تسحب ذيلها على أرض ندية
نجسة وقد رخص لها أن ترخيه بعد ذلك على أرض طاهرة فذلك له
طهور . قال مالك : معناه عندنا في القشب اليابس الذي لا يتعلق منه
شيء ، وقد سمح في الرطب من أرواث الدواب وأبوالها لما يلحق
الناس من المضرة في غسله في كل وقت ، إذ لا تخلو ( الطرق ) (١)
من أرواث ( الدواب ) (٢) وأبوالها.
وقال الداودي : قال بعض أصحاب مالك بظاهر الحديث ورأى
ذلك في الرطب واليابس ، وذكر غير الداودي أنه قول ابن وهب قال:
وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه ؛ لأنه يقول : إن النجاسات يجوز
إزالتها بكل ما أذهب عينها ، والماء وغيره في ذلك سواء ، واحتج من
قال : إنه في القذر [ الرطب: بأن قوله ] (٣) صلى الله عليه :
((يطهره ما بعده)) . يدل أنها جرته على رطب، وإلا فنحن عالمون
[أنها ] (٤) إذا جرته على يابس لم يعلق به شيء من النجس فكيف
يخبر أنه قد طهر ما لم يحل فيه نجاسة .
باب : الصلاة في الخفاف
فيه : جرير : (( أنه بال وتوضأ ومسح على خفيه ثم صلى فسئل فقال :
(١) في ((هـ)) : الطريق .
(٢) في (( هـ)) : الإبل .
(٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): الرطبات بقوله. (٤) من ((هـ)).
- ٥١ -

رأيت الرسول وَ* صنع مثل هذا، وكان يعجبهم؛ لأن جريرًا كان من
آخر من أَسْلم ».
وفيه: حديث المغيرة: (( أن نبي الله مسح على خفيه ثم صلى)) .
وهذا الباب كالذي قبله إذا كانت الخفاف طاهرة من الأقذار والأذى
فحينئذ يجوز المسح عليها والصلاة فيها ، وإن كان فيها قذر فحكمها حكم
النعلين المذكورة في الباب قبل هذا ، هذا مذهب العلماء في ذلك .
وأما إعجابهم بأن جريرًا كان من آخر من أسلم، [ فلأن] (١)
بعض الناس يزعم أن المسح على الخفين منسوخ بالغسل في آية الوضوء
التي في المائدة ، وقد روي في حديث جرير أنه كان يعجبهم ؛ لأنه
أسلم بعد نزول المائدة ؛ فاستعمال جرير للمسح على الخفين بعد نزول
المائدة يدل [ على ] (٢) أن المسح غير منسوخ بل هو سنة ، وقد ذكرت
هذا [ المعنى ] (٣) في كتاب الوضوء في باب: المسح على الخفين .
باب : فضل استقبال القبلة
فيه : أنس: قال نبي الله: (( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل
ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمّةُ رسوله فلا تُخْفرُوا اللهَ في
ذمته)».
:
٠٠٠
وقال: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله فإذا قالوها
وصلوا صلاتنا ، واستقبلوا قبلتنا ، وذبحوا ذبيحتنا فقد حرمت علینا
دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله )) .
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): كان.
(٢) من ( هـ)).
(٣) من ((هـ))، وفي (الأصل)) : الباب ..
- ٥٢ - ٠

هذا يدل على تعظيم شأن القبلة وهي من فرائض الصلاة ، والصلاة
أعظم / [ قربات] (١) الدين، ومن ترك القبلة متعمدًا فلا صلاة له، [١/ ق٨٧ -ب]
ومن لا صلاة له فلا دین له .
قال الطبري : فإن قال قائل : ما وجه هذا الحديث وقد علمت أن
أجناسًا من أهل الكفر أمرنا بقتالهم وهم يشهدون أن لا إله إلا الله .
قيل : قد جاء في بعض طرق هذا الحديث: (( أمرت أن أقاتل
الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)). وحديث
هذا الباب إنما قاله عليه السلام في حال قتاله لأهل الأوثان الذين كانوا
لا يقرون بتوحيد الله وكانوا إذا قيل لهم : لا إله إلا الله يستكبرون،
فدعاهم [ النبي ونَ[18] (٢) إلى الإقرار بالوحدانية وخلع ما دونه من
الأوثان، فمن أقر بذلك منهم كان في الظاهر داخلاً في صبغة الإسلام،
و[قاتل ] (٣) آخرين من أهل الكفر كانوا يوحدون الله غير أنهم كانوا
ينكرون نبوة محمد فقال: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله
إلا الله وأن محمداً رسول الله)). وذلك أن كفرهم كان جحدًا بالنبوة
فمن أَقَرَّ بما عليه ( قوتل ) (٤) فقد حرم دمه وماله إلا بظهور نقض
شرائط ما أَقَرَّ به بعد الإقرار بجملته، وذلك هو الحق الذي قال ◌َله:
((إلا بحقها)) ولو أن أهل الأوثان وَحَّدَ بعضهم وشهد أن لا إله إلا الله،
وحكم له بحكم الإسلام في منع نفسه وماله ثم عرضت عليه شرائع
الإسلام بعد ذلك فامتنع من الإقرار برسول الله كان لا شك بالله
(٢) من (( هـ )).
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): قربان.
(٣) من (( هـ))، وكذا كتبت في هامش الأصل وأمامها ((ح))، وفي ((الأصل)):
قد قتل .
(٤) من ((الأصل)) و((هـ))، وكتب في هامش الأصل: قاتل، والصواب ما في
النسختين، والمعنى : أن الكافر إذا قوتل - أى قاتله أهل التوحيد - حتى يقر
بالشهادتين ، فإنه إذا أقرَّ بما قوتل عليه ، فحينئذ يحرم دمه وماله ...
- ٥٣ -

كافرًا، وعاد حربيًا ، وكذلك الذي أقر بنبوة محمد لو أنكر شيئًا من
الفرائض حلٌ دمه وعاد حربيًا كافرًا .
باب : قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق
ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة
لقول الرسول : (( لا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول ولكن شرقوا أو
غربوا » .
فيه : أبو أيوب الأنصاري أن نبي الله قال: (( إذا أتيتم الغائط فلا
تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا)). قال أبو أيوب:
فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض بنيت قبل القبلة فنتحرف ونستغفر الله .
قال المؤلف : قوله : باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق .
يعني : وقبلة مشرق الأرض كلها إلا ما قابل مشرق مكة من البلاد التي
تكون تحت الخط المار عليها من المشرق إلى المغرب ، فحكم مشرق
الأرض كلها كحكم مشرق أهل المدينة والشام في الأمر بالإنحراف عند
الغائط ؛ لأنهم إذا شرقوا أو غربوا لم يستقبلوا القبلة ولم يستدبروها ؛
وهؤلاء أمروا بالتشريق والتغريب واستعمال هذا الحديث .
وأما ما قابل مشرق مكة من البلاد التي تكون تحت الخط المارِّ عليها
من مشرقها إلى مغربها فلا يجوز لهم استعمال هذا الحديث ، ولا
يصح لهم أن يشرقوا ولا أن يغربوا ؛ لأنهم إذا شرقوا استدبروا القبلة
وإذا غربوا استقبلوا ، وكذلك من كان موازيًا لمغرب مكة إن غرب
استدبر القبلة وإن شرق استقبلها وإنما ينحرف إلى الجنوب أو الشمال
- ٥٤ -

فهذا هو تغريبه وتشريقه ، ولم يذكر البخاري مغرب الأرض كلها ؛ إذ
العلة فيها مشتركة مع المشرق فاكتفى بذكر المشرق عن المغرب؛ لأن المشرق
أكبر الأرض المعمورة وبلاد الإسلام في جهة مغرب الشمس قليل (١) .
وتقدير الترجمة : باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق
والمغرب ، ليس في المشرق ولا في المغرب يعني أنهم عند الانحراف
التشريق والتغريب ليسوا مواجهين القبلة ولا مستدبرين لها .
فإن قال قائل: ((كيف يكون قوله : ليس في المشرق والمغرب))
بمعنى التشريق والتغريب ؟ .
قيل : هذا صحيح في لغة العرب ومعروف عندهم .
أنشد ثعلب في المجالس :
أَبَعْدَ [مغربهم] (٢) نجدًا وساحتها أرجو من الدمع تغييضًا وإقلاعا
قال ثعلب : معناه أبعد تغريبهم .
وحمل أبو أيوب الحديث على العموم في الصحاري وغيرها ،
وخالفه غيره لحديث ابن عمر ، وقد تقدم ما للعلماء في ذلك في
كتاب الطهارة فأغنى عن إعادته .
باب: قوله ﴿ واتخذوا من / مقام إبراهيم مصلى﴾ (٣)
[١/ ق ٨٨-١]
فيه : ابن عمر (( أن النبي - عليه السلام - قدم إلى البيت فطاف به
سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين)) .
وفيه: أن بلالا قال: (( صلى النبي ركعتين في الكعبة بين الساريتين
اللتين على يساره إذا دخلت ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين )) .
(١) كذا في ((الأصل)) و((هـ))، وفي ((الفتح)): (٥٩٤/١) عن هذا الموضع: ((قليلة)).
(٣) البقرة : ١٢٥ .
(٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): تغربهم بهم.
- ٥٥ -

وفيه : ابن عباس: (( لما دخل الرسول البيت دعا في نواحيه كلها
ولم يصل حتى خرج منه ؛ فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال :
هذه القبلة )) .
اختلف أهل التأويل في قوله : ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم
مصلى﴾(١) فقال ابن عباس: [ الحج ] (٢) كله مقام إبراهيم، وقال
مجاهد : الحرم كله مقام إبراهيم ، وقال عطاء : مقام إبراهيم : عرفة.
والمزدلفة ( والجداز) (٣)، والجمار ( في أخرى) (٣)، وقال
السُدي: هو الحجر بعينه الذي وقف عليه إبراهيم .
واختلفوا في قوله : ﴿مصلى﴾ فقال مجاهد: مَدْعَى. كأنه أخذه
من صليت بمعنى دعوت ، وقال الحسن : قبلة . وقال قتادة والسدي :
أمروا أن يصلوا عنده .
قال الطحاوي : ولما اختلفوا في تأويل هذه الآية واختلفت الآثار
في صلاته عليه السلام ، فروى ابن عمر أنه عليه السلام صلى عند المقام
ركعتين ، وقال بلال : إنه صلى في الكعبة ثم خرج فصلى في وجه
الكعبة ركعتين ، وقال ابن عباس : إنه صلى ركعتين في قبل الكعبة
وقال : هذه القبلة ، أردنا أن نعلم الصحيح من ذلك فوجدنا ابن
عباس قال : [ الحج ] (٢) كله مقام إبراهيم . وقال مجاهد: الحرم
كله . ووجدنا من صلى إلى الكعبة من الجهات الثلاث التي لا تقابل
مقام إبراهيم فقد أدى فرضه علمنا أن الفرض في القبلة إنما هو البيت
لا مقام إبراهيم ، ويشهد لذلك قول ابن عباس أنه صلى حين صلى
(١) البقرة : ١٢٥ .
(٢) من (( هـ)) وهو الصواب الموافق لما أسند عن ابن عباس في كتب التفسير، وفي
((الأصل)): الحجر، وصوبت في الحاشية إلى ((الحج))، وكتب بجوارها: (( ح)).
(٣) ليس في ((هـ))، وفي تفسير ((ابن كثير)): (١٦٨/١) عن عطاء في تفسير
المقام ، قال : التعريف ، وصلاتان بعرفة ، والمشعر ، ومنى ، ورمي الجمار ،
والطواف بين الصفا والمروة .
: - ٥٦ -

خارج البيت قبل الكعبة ، وقال : هذه القبلة، لم يستقبل المقام، وكذلك
حين صلى في البيت على ما رواه بلال لم يستقبل المقام ، وإنما يكون
المقام قبلة إذا جعله المصلِّي بينه وبين القبلة على ما جاء في حديث ابن
عمر ، وأجمع العلماء أن الكعبة كلها قبلة من أي ناحية استقبلت .
وأما اختلاف الآثار أنه صلى في البيت وأنه لم يصل ، فالآثار أنه
صلى أكثر ، ولو تساوت في الكثرة لكان الأخذ بالمثبت أولى من
النافي على ما يقوله العلماء في الشهادات .
فقد روي أنه عليه السلام صلى في البيت غير بلال جماعة منهم:
أسامة بن زيد ، وعمر بن الخطاب ، وجابر ، وشيبة بن عثمان ،
وعثمان بن طلحة ، من طرقٍ حسان ذكرها الطحاوي كلها في شرح
معاني الآثار.
وقال المهلب : ويحتمل أن يكون عليه السلام دخل البيت مرتين
فالمرة الواحدة صلى فيه والمرة الأخرى دعا ولم يصل فلم تتضاد الأخبار
في ذلك .
وقد اختلف العلماء في الصلاة في البيت وعلى ظهر الكعبة ، فقال
أبو حنيفة والشافعي : يصلي فيه الفريضة والنافلة ، وقال مالك :
لا يصلي فيه الفريضة ولا ركعتي الطواف الواجب فإن صلى أعاد في
الوقت ويجوز أن يصلي فيه النافلة ، وقال الطبري : لا تصلى فيه
فريضة ولا نافلة ، وحجة مالك قوله تعالى : ﴿وحيث ما كنتم فولوا
وجوهكم شطره ﴾ (١) . وهي قبالته ، ومن صلى في جوف الكعبة لم
يقابل شطرها لأنه يحصل مستقبلا للبعض مستدبرًا للبعض ولا تحصل
كلها قبالته إلا أن يكون خارجًا منها .
(١) البقرة : ١٤٤، ١٥٠.
- ٥٧ -

وحجة أبي حنيفة والشافعي أنه من صلى خارجًا منها فإنه يستقبل
بعضها ، وصلاته جائزة بإجماع ؛ لأن ما عن يمين ما استقبل من البيت
وما عن يساره ليس هو مستقبله فلم يتعبد باستقبال كل جهاته ، فكان
النظر على ذلك أن كل من صلى فيه فقد استقبل إحدى جهاته وترك
غيرها ، وما ترك من ذلك فهو في حكم ما كان عن يمينه وشماله إذا
كان خارجاً منه فثبت قول من أجاز الصلاة فيها ، هذا قول أبي جعفر
الطحاوي ..
باب : التوجه نحو القبلة / حيث كان
[١/ق٨٨-ب]
وقال أبو هريرة: قال نبي الله وَلجر: (( استقبل القبلة فكبر)).
فيه: البراء: ((صلى رسول الله ◌َ لل نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة
عشر شهرًا و کان یحب أن يوجه إلى الكعبة فأنزل الله : ﴿ قد نری تقلب
وجهك في السماء ﴾ (١) فتوجه نحو الكعبة ، وقال السفهاء من الناس -
وهم اليهود -: ﴿ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ (٢) الآية.
فصلى مع النبي رجل ثم خرج بعدما صلّى فمر على قوم من الأنصار في
صلاة العصر يصلون نحو بيت المقدس فقال : هو يشهد أنه صلى مع
رسول الله ، وأنه نحو الكعبة ، فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة )).
وفيه : جابر قال : « کان نبي الله يصلي على راحلته حيث توجهت به،
فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة)) .
وفيه : ابن مسعود قال: (( صلى النبي - عليه السلام - قال إبراهيم (٣):
(١) البقرة : ١٤٤ .
(٢) البقرة : ١٤٢ .
(٣) هو ابن يزيد النخعفي، أحد رواة هذا الحديث، قال ابن حجر: ((وأخطأ من
قال إنه غيره )) .
- ٥٨ -

لا أدري أزاد أم نقص - فلما سلّم قيل له : يا رسول الله ، أحدث في
الصلاة شيء ؟ قال : وما ذاك ؟ قالوا : صليت كذا وكذا . فثنى رجليه
واستقبل القبلة وسجد سجدتين ، ثم سلم ، فلما أقبل علينا بوجهه قال:
إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به ، ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى
کما تنسون ، فإذا نسيت فذکروني ، وإذا شك أحدکم في صلاته فلیتحر
الصواب فليتم عليه ثم يسلم ، ثم ليسجد سجدتین )) .
قال المؤلف : قال ابن جريج : صلى نبي الله أول ما صلى إلى
الكعبة ثم صرف إلى بيت المقدس فصلت الأنصار إلى نحو بيت
المقدس قبل قدومه المدينة بثلاث حجج ، وصلى بعد قدومه ستة عشر
شهراً ، ثم وجهه الله إلى الكعبة البيت الحرام .
وروى أبو عوانة عن سليمان ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال :
(( صلى رسول الله نحو بيت المقدس وهو بمكة والكعبة بين يديه ،
وبعدما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهراً ثم صرف إلى الكعبة)).
وقال ابن إسحاق: (( كانت قبلة رسول الله بمكة إلى الشام ،
وكانت صلاته بين الركن اليماني والركن الأسود ويجعل الكعبة بينه
وبين الشام )) .
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (( أول ما نسخ من القرآن
القبلة وذلك أن رسول الله لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود،
أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود ، فاستقبلها رسول الله
بضعة عشر شهراً ، ثم انصرف إلى الكعبة )).
ففي خبر علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه عليه السلام لم يصل
إلى بيت المقدس إلا بالمدينة خلاف ما في خبر مجاهد عنه ، وخلاف
- ٥٩ -

ما قال ابن جريج ، وخبر مجاهد أولى بالصواب ؛ لأن ابن أبي طلحة
لم يسمع من ابن عباس .
وقال قتادة كان نبي الله يقلب وجهه إلى السماء ، يحب أن يصرفه
الله إلى الكعبة ، حتى صرفه الله إليها فأنزل تعالى : ﴿ قد نرى تقلب
وجهك في السماء﴾ إلى ﴿المسجد الحرام ﴾ (١) فارتاب اليهود وقالوا:
﴿ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ (٢) يعنون بيت المقدس فأنزل الله.
﴿قل لله المشرق والمغرب﴾ (٢). ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها
يعني : مكة ﴿ إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾ (٣)
وأجمع العلماء أن المراد بقوله تعالى : ﴿فول وجهك شطر المسجد
الحرام﴾ (٤) أنه استقبال الكعبة ، وأن على المسلمين استقبالها في
صلواتهم إذا كانوا يعاينوها (٥) ، والتوخي لاستقبالها وطلب الدلائل
عليها إذا كانوا غائبين عنها ، وسيأتي ما في انحراف القوم في الصلاة
إلى الكعبة من الفقه بعد هذا - إن شاء الله .
وأما قوله عليه السلام في حديث ابن مسعود : (( إذا شك أحدكم
في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه )) فإن العلماء اختلفوا في
تأويله، فذهبت طائفة [ إلى ] (٦) أنه يريد بالتحري البناء على أكثر
ظنه ، ومعنى ذلك عندهم أنه إن كان أكثر ظنه أنه صلى أربعًا في
الأغلب يسلم ويسجد ، وإن كان لا يدري أثلاثًا صلى أم أربعًا ، ولم
يكن أحدهما أغلب في قلبه من الآخر بنى على الأقل ، وأتى بركعة
حتى يعلم يقينًا أنه أدى ما عليه ، وروي هذا عن ابن مسعود ، وابن
(١) البقرة : ١٤٤.
(٣) البقرة : ١٤٣ .
(٥) كذا في النسختين بحذف النون .
(٢) البقرة : ١٤٢.
(٤) البقرة : ١٤٩ .
.(٦) من (( هـ)).
- ٦٠ -