Indexed OCR Text
Pages 341-360
إلا أن مالكًا لا يجزئ عنده في رطبه ويابسه إلا الغسل ، والفرك عنده باطل . وعند أبي حنيفة يغسل رطبه ، ويفرك يابسه . وقال الثوري : إن لم يفركه أجزاته صلاته . وقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور : المني طاهر ويفركه من ثوبه ، وإن لم يفر که فلا بأس . وممن رأى فرك المني : سعد بن أبي وقاص وابن عباس . قال ابن عباس : امسحه بإذخر أو خرقة ، ولا تغسله إن شئت . قال الطحاوي : واحتج الذين قالوا بنجاسته من قول عائشة : (كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي - عليه السلام - فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه )) . واحتج الذين قالوا بأنه طاهر بآثار عن عائشة مخالفة لهذا الحديث، وذلك ما رواه شعبة عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن همام ، عن الحارث (( أنه نزل على عائشة - رضي الله عنها - فاحتلم ، فرأته جارية لعائشة وهو يغسل أثر الجنابة من ثوبه فأخبرت بذلك عائشة ، فقالت عائشة : لقد رأيتني مع النبي - عليه السلام - وما أزيد على أن أفركه في ثوب النبي » . وروى الأوزاعي عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة قالت: ((كنت أفرك المني من ثوب رسول الله مَ﴿ ﴿ إذا كان يابسًا وأغسله إذا كان رطبًا)). وقال لهم أهل المقالة الأولى : لا حجة لكم في هذه الآثار ؛ لأنها - ٣٤١ - : إنما جاءت في ثياب ينام فيها ولم تأت في ثياب يصلي فيها ، وقد رأينا الثياب النجسة بالغائط والبول لا بأس بالنوم فيها ، ولا تجوز الصلاة فيها ، وإنما تكون هذه الآثار حجة علينا لو كنا نقول : لا يصلح النوم في الثوب النجس ، فأما إذا كنا نبيح ذلك ونوافق ما رويثم عن النبي - عليه السلام - فيه ونقول من بعد : لا تصلح الصلاة فيها ؛ فلم نخالف شيئا مما روي عن النبي - عليه السلام - في ذلك، وقد قالت عائشة: (( كنت أغسل المني من ثوب رسول الله فيخرج إلى الصلاة ، وإن بقع الماء في ثوبه)) . فكانت تغسل المني من ثوبه الذي يصلي فيه وتفركه من ثوبه الذي لا يصلي فيه . واحتج عليهم الآخرون بما رواه حماد بن سلمة ، عن حماد بن [زيد، عن ] (١) إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: (( كنت أفركه من ثوب النبي - عليه السلام - ثم يصلي فيه » . قالوا : فدل ذلك على طهارته . قال الطحاوي : ولا يدل ذلك على طهارته كما زعموا ، فقد يجوز أن يفعل ذلك النبي - عليه السلام - فيتطهر بذلك الثوب . والمني في نفسه نجس كما روي فيما أصاب النعلين من الأذى . روى محمد بن عجلان عن المغيرة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله: ((إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه - أو بنعليه - فطهورهما التراب )) . فكان ذلك التراب يجزئ من غسلهما وليس ذلك دليل على طهارة (١) ليست في ((الأصل))، والمثبت من (( هـ)). - ٣٤٢ - الأذى في نفسه ، فكذلك المني يطهر الثوب بالفرك والمني في نفسه نجس . قال ابن القصار : وأما دلائل القياس : فقد اتفقنا على نجاسة المذي؛ فكذلك المني بعلة أنه خارج من مخرج البول . فإن قالوا : هو طاهر ؛ لأنه خلق منه حيوان طاهر . / قيل : قد يكون الشيء طاهرًاً ويكون متولدًا عن نجس كاللبن فإنه [١/ ٥٣٥-ب] يتولد عن الدم . فإن قالوا : خلق منه الأنبياء فلا يجوز أن يكون نجسًا . قيل : وكذلك خلق منه الفراعنة والطغاة فوجب أن يكون نجسًا ، يتولد عن الشهوة يجب فيه الغسل . فإن قالوا : يعارض قياسكم بقياس آخر . فتقول : اتفقنا على محة البيضة أنها طاهرة ، فكذلك المني بعلة أنه مائع خلق منه حيوان طاهر. قيل : ذلك لا يلزم ؛ لأنا قد اتفقنا أنه يكون الشيء طاهرًاً ويكون متولّدًا عن نجس كاللبن ؛ فإنه متولد عن الدم ، وقيل : إنه دم كما يكون طاهرًا ويستحيل إلى النجس كالغذاء والماء في جوف ابن آدم ، وقد قيل : إن العلقة المتولدة عن المني من دم نجس . فإن قالوا : خلق منه الأنبياء فلا يجوز أن يكون نجساً . قيل : لو جاز أن يكون طاهرًا ؛ لأن الأنبياء خلقوا منه لوجب أن يكون نجسًا ؛ لأن الفراعنة والطغاة خلقوا منه . فإن قيل : فإن الله خلق آدم من ماء وطين وهما طاهران فوجب أن یکون طاهرًا . - ٣٤٣ - قيل : هذا لا يلزم لأنه لما لم يشاركه أحد في ابتداء خلقه لم تجب مساواته له فيما ذكرتم ؛ لأن آدم لم يتنقل في رحم فيكون نطفة ثم علقة ، والعلقة دم حكم لها بالنجاسة إذا انفصلت ، ووجدنا الخارجات من البدن على ضربين : فضرب مائع طاهر ليس خروجه بحدث ولا ينقض الوضوء كاللبن ، والعرق ، والدموع ، والبصاق ، والمخاط . . وضرب آخر نجس وخروجه حدث ينقض الطهارة ويجب غسله ، كالبول ، والغائط ، ودم الحيض ، والمذي . وثبت بالإجماع : أن المذي ينقض الطهر ويوجبه ؛ فكذلك المني . باب : إذا غسل الجنابة أو غيرها فلم يذهب أثره فيه : عائشة: « كنت أغسل المني من ثوب رسول الله ◌َ ﴾ ثم يخرج إلى الصلاة وأثر الغسل فيه بقع الماء . وقال مرة: (( إن عائشة كانت تغسل المني من ثوب النبي - عليه السلام- ثم أراه فيه بقعة أو بقعًا)). قوله: (( وأثر الغسل)) يحتمل معنيين : أحدهما : أن يكون معناه : بلل الماء الذي غُسل به الثوب ، والضمير راجع فيه إلى أثر الماء ، فكأنه قال : وأثر الغسل بالماء بقع الماء فيه ، يعني : لا بقع الجنابة . ويحتمل أن يكون معناه : وأثر الغسل [ يعني ] (١) أثر الجنابة التي (١) في ((الأصل)): على. والمثبت من ((هـ)). - ٣٤٤ - غسلت بالماء فيه بقع الماء التي غسلت به الجنابة ، والضمير فيه راجع إلى أثر الجنابة لا إلى أثر الماء . وكلا الوجهين جائز، لكن قوله في الحديث الآخر: ((أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله ثم أراه فيه بقعة أو بقعًا)) . يدل أن تلك البقع كانت بقع المني وطبعه لا محالة ؛ لأن العرب أبدًا ترد الضمير إلى أقرب مذكور ، وضمير المني في الحديث الآخر أقرب من ضمير الغسل . قال المهلب: وفيه من الفقه : أن أثر النجاسات بعد الغسل لا يضر، وأن تلك الآثار والطباع هي طبع النجاسة ، وذلك باق في الثوب ، وإذا ثبت هذا ؛ ثبت أن غسل النجاسات ليس بفرض ، لعدم استئصال أثرها ، وسائر النجاسات في ذلك حكمها حكم الجنابة ، وأنها إذا غسلت أعيانها وبقيت آثارها لم يضر ذلك ، ولذلك قال البخاري : باب : إذا غسل الجنابة . أو غيرها فلم يذهب أثرها . قياسًا لسائر النجاسات على الجنابة ولا أعلم خلافًا لهذا إلا ما يروى عن ابن عمر (( أنه كان إذا وجد دمًا في ثوبه فغسله فبقي أثره دعا بحلمين فقطعه )) ، وقد رُوي عن عائشة («أنها صلت في ثوب كان فيه دم فبقي أثره )) . وروي مثله عن علقمة وهو مذهب مالك والشافعي وجماعة. وفيه : خدمة المرأة لزوجها في غسل ثيابه وشبه ذلك . - ٣٤٥ - باب : أبوال الإبل ( والغنم والدواب ) (١) ومرابضها وصلى أبو موسى في دار البريد والسِّرْقين، والبريّة إلى جنبه، فقال: ها هنا وثَمَّ سواء . فيه : أنس: « أن ناسًا من عُكل وعُزينة قدموا المدينة فاجتووها ، فأمرهم النبي - عليه السلام - بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها .... )). الحديث. وفيه: أنس: (( أن النبي - عليه السلام - كان يصلي في مرابض الغنم [١/ ٥ ٥٤-١] قبل أن / يبني المسجد )). اختلف العلماء في طهارة أبوال ما يؤكل لحمه : فذهب عطاء ، والنخعي ، والزهري ، وابن سيرين ، والحكم ، والشعبي إلى أنها طاهرة ، وهو قول مالك ، والثوري ، والليث ، ومحمد بن الحسن، وزفر ، والحسن بن صالح ، وأحمد ، وإسحاق. وقال أبو حنيفة [وأبو يوسف ] (٢) والشافعي ، وأبو ثور: الأبوال كلها نجسة . وروي مثله عن ميمون بن مهران ، والحسن ، وحماد . وقال ابن القصار : وحجة أهل المقالة الأولى : حديث أنس أن النبي - عليه السلام - أباح للعرنيين شرب أبوال الإبل وألبانها ، فجعل ذلك بمنزلة اللبن ، فلو كانت نجسة ما أباح لهم ذلك . وقال أهل المقالة الثانية : لا حجة لكم في هذا الحديث ؛ لأنه عليه السلام إنما أباح لهم شرب البول للمرض ؛ لأنهم استوخموا المدينة فأباحهم ذلك . (١) فى (( هـ، ن)): والدواب والغنم . (٢) من ( هـ). - ٣٤٦ - فعارضهم الأولون فقالوا : محال أن يأمرهم عليه السلام بشرب أبوالها وهي نجسة ؛ لأن الأنجاس محرمة علينا ، وقد سئل عليه السلام عن الاستشفاء بالخمر، فقال: ((ذلك داء وليس بشفاء)). وقال ابن مسعود : ما كان [ الله ] (١) ليجعل فيما حرم شفاء . فثبت أن بول الإبل الذي جعله دواء ، أنه طاهر غير محرم . قاله الطحاوي . وقال ابن القصار : ومن جهة النظر أنا قد اتفقنا أن ريق ما يؤكل لحمه وعرقه طاهر ، والمعنى فيه أنه مائع مستحيل من حيوان مأكول اللحم ليس بدم ولا قيح ، فكذلك بوله . وذهب ابن علية وأهل الظاهر إلى أن بول كل حيوان وإن كان لا يؤكل لحمه طاهر غير ابن آدم. وروي مثله عن الشعبي، ورواية عن الحسن، وخالفهم سائر العلماء . وقول البخاري في الترجمة: (( باب: أبوال الإبل والدواب)). وافق فيه أهل الظاهر وقاس أبوال ما لا يؤكل لحمه على أبوال الإبل ولذلك قال: (( وصلى أبو موسى في دار البريد والسرقين)» . ليدل على طهارة أروات الدواب وأبوالها ، ولا حجة له فيه بيّنَة ؛ لأنه يمكن أن يصلي في دار البريد على ثوب بَسطه فيه ، أو في مكان يابس لا تَعْلق به نجاسة منه . وقد قال عامة الفقهاء : إن من بَسَط على موضع نجس بُساطًا وصلى عليه أن صلاته جائزة . (١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): عليه السلام. - ٣٤٧ - ۔۔ ولو صلى على السرقين بغير بساط لكان مذهبًا له ، ولم تجز مخالفة الجماعة به وذهب أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، والشافعي ، إلى أن الأرواث كلها نجسة ! وقال مالك ، والثوري ، وزفر ، والحسن بن حي : ما أكل لحمه فروثه ظاهر کبوله . وقال الثوري في خرو الدجاج : ليس فيه إعادة وغسله أحسن . ((اجتووا المدينة)) واجتويت البلاد، إذا كرهتها وإن كانت موافقة لك في بدنك . واستوبلتها ، إذا لم توافقك في بدنك وإن أحببتها . : و (( سمل)) و((سمر )) بمعنى واحد . وقال صاحب الأفعال : سمر العين : فقأها . والسُّرْقِين والسرجين : زبل الدواب . * باب : ما يقع من النجاسات في السمن والماء وقال الزهري : لا بأس بالماء ما لم يغيره طعم أو ريح أو لون . وقال حماد : لا بأس بريش الميتة . وقال الزهري في عظام الموتى نحو الفيل وغيره : أدركت ناسًا من سلف العلماء يمتشطون بها ويدهنون فيها ، لا يرون فيها بأساً . وقال ابن سيرين وإبراهيم : لا بأس بتجارة العاج . فيه: ميمونة: « أن رسول الله والفر سُئل عن فأرة سقطت في سمن، فقال: ألقوها وما حولها ، وكلوا سمنكم)) . - ٣٤٨ - وفيه: أبو هريرة قال: قال رسول الله وَله: «كل كَلَّم يُكْلَمه المسلم في سبيل الله يكون يوم القيامة كهيئتها إِذْ طعنت ، تَفَجر دمًا ، اللون لون دم والعَرْفُ عَرْفُ مسك)) . قال المؤلف: قول الزهري: (( لا بأس بالماء ما لم يغيره لون أو طعم أو ريح)) . هو قول الحسن والنخعي والأوزاعي ومذهب أهل المدينة ، وهي رواية أبي مصعب عن مالك . وقد روى عنه ابن القاسم أن قليل الماء ينجس بقليل النجاسة ، وإن لم تظهر فيه . وهو قول الشافعي . قال المهلب : وهذا عند أصحاب مالك على سبيل الاستحسان . والكراهية لعين النجاسة وإن قلّت ، وهذا القول يستنبط من حديث الفأرة / تموت في السمن ؛ لأنه عليه السلام منع من أكل السمن لما [٥٤٥/١-ب] خشي أن يكون ( يسري شيء ) (١) من الميتة المحرمة ، وإن لم يتغير لون السمن أو ريحه أو طعمه بموت الفأرة فيه . قال المؤلف : وأما رواية أبي مصعب عن مالك الذي هو مذهب أهل المدينة ، فإنه يستنبط من حديث الدم ، ووجه الدلالة منه أنه لما انتقل حكم الدم بطيب الرائحة من النجاسة إلى الطهارة حين حكم له في الآخرة بحكم المسك الطاهر ، وجب أن ينتقل الماء الطاهر بخبيث الرائحة إذا حلت فيه نجاسة من حكم الطهارة إلى النجاسة . وإنما ذكر البخاري حديث الدم في باب نجاسة الماء ؛ لأنه لم يجد حديثًا صحيح السند في الماء فاستدل على حكم الماء المائع بحكم الدم المائع ؛ إِذْ ذلك المعنى الجامع بينهما . (١) في (( هـ )) : سرى فيه . - ٣٤٩ - فإن قال قائل : لما حكم للدم من النجاسة إلى حكم الطهارة بطيب رائحته ، وحكم له في الآخرة بحكم المسك الطاهر ، إذ لا يوصف فيها بطيب الرائحة شيء نجس ؛ وجب أن يحكم للماء إذا تغير ريحه أو لونه أو طعمه بنجس حل فيه بحكم النجاسة لانتقاله من الطهارة إلى النجاسة ، وخروجه عن حكم الماء الذي أباح الله به الطهارة ، وهو الماء الذي لا يخالطه شيء يغيره عن صفته . فإن قال قائل : إنه لما حكم للدم بالطهارة بتغير ريحه إلى الطيب وبقي فيه اللون والطعم ولم يذكر تغيرهما إلى الطيب ؛ وجب أن يكون الماء إذا تغير منه وصفان بالنجاسة وبقي وصف واحد طاهر وجب أن يكون طاهزاً يجوز الوضوء به . ۔۔ قيل : ليس كما توهمت ؛ لأن ريح المسك حكم للدم بالطهارة ، فكان اللون والطعم تبعًا للطاهر ، وهو الريح الذي انقلب ريح مسك، فكذلك الماء إذا تغير منه وصف واحد بنجاسة حلت فيه ، كان الوصفان الباقيان تبعًا للنجاسة ، وكان الماء بذلك خارجًا عن حد الطهارة لخروجه عن صفة الماء الذي جعله الله طهوراً ، وهو الماء الذي لا يخالطه شيء .. وأما ريش الميتة وعظام الفيل ونحوه فهو طاهر عند أبي حنيفة ، نجس عند مالك والشافعي ، لا يدهن فيها ولا يمتشط ، إلا أن مالكًا قال : إذا ذكي الفيل فعظمه طاهر ، والشافعي يقول : إن الذكاة لا تعمل في السباع . وقال الليث وابن وهب : إن غلي العظم في ماء سخن فطبخ جاز الادهان به والامتشاط . - ٣٥٠ - ورخص عروة في بيع العاج . وقال ابن المواز : ونهى مالك عن الانتفاع بعظم الميتة والفيل والادهان فيه ، ولم يطلق تحريمها ؛ لأن عروة وابن شهاب وربيعة أجازوا الامتشاط فيها . قال ابن حبيب : وأجاز الليث وابن الماجشون ومطرف وابن وهب وأصبغ الامتشاط بها والادهان ، فأما بيعها فلم يرخص فيه إلا ابن وهب ، قال : إذا غليت جاز بيعها ، وجعلت كالدباغ الجلد الميتة يدبغ أنه يباع . وقال مالك وأبو حنيفة : إن ذكي الفيل فعظمه طاهر . والشافعي يقول : إن الذكاة لا تعمل في السباع ، ومن أجاز تجارة العاج فهو عنده طاهر . وأما ريش الميتة فطاهر عند أبي حنيفة كقوله في عظام الفيل ، بناءً على أصله ، أن لا روح فيها ، وعند مالك والشافعي نجسة . وقال ابن حبيب : لا خير في ريش الميتة ؛ لأنه له ( سنخ ) (١) إلا ما لا سنخ له مثل الزغب وشبهه ، فلا بأس به إذا غُسل . * باب : لا يبول في الماء الدائم فيه: أبو هريرة: قال رسول الله ﴾: ((نحن الآخرون السابقون)). وبإسناده قال: (( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه )) . (١) السنخ : الرائحة المتغيرة ، انظر لسان العرب (مادة : سنخ ). - ٣٥١ - قال المهلب وغيره : النهي عن ( البول ) (١) في الماء الدائم مردود إلى الأصول ، فإن کان الماء کثیرًا فالنهي عن ذلك على وجه التنزه ؛ لأن الماء على الطهارة حتى يتغير أحد أوصافه ، فإن كان الماء قليلا فالنهي عن ذلك على الوجوب ؛ لفساد الماء بالنجاسة المغيرة له . ولم يأخذ أحد من الفقهاء بظاهر [ هذا ] (٢) الحديث إلا رجل جاهل نسب إلى العلم وليس من أهله ، اسمه داود بن علي ، فقال : من بال في الماء الدائم فقد حرم عليه الوضوء به ، قليلا كان الماء أو كثيراً ، فإن بال في إناء وصبه في / الماء الدائم جاز له الوضوء به ؛ لأنه إنما نهي عن البول فقط بزعمه ، وصبه للبول من الإناء ليس ببول فلم ينه عنه ، قال: ولو بال خارجًا من الماء الدائم فسال فيه جاز له أن يتوضأ به . [١/ ق٥٥-٢] قال : ويجوز لغير البائل أن يتوضأ فيما بال فيه غيره ؛ لأن النبي إنما نهى البائل ، ولم ينه غيره . وقال ما هو : أشنع من هذا : أنه إذا تغوط في الماء الدائم كان له ولغيره أن يتوضأ منه ؛ لأن النهي إنما ورد في البول فقط ، ولم ينه عن الغائط . وهذا غاية في السقوط وإبطال المعقول ، ومن حمله طرد أصله في إنكار القياس إلى التزام مثل هذا النظر ، فلا يشك في عناده وقلة ورعه، نعوذ بالله من الخذلان ، وقد فطر الله العقول السليمة [على](٣) منافرة قوله هذا ومضادته . (١) في ((هـ)): التبول . (٣) في (( الأصل)): عن. والمثبت من ((هـ)). (٢) من ( هـ)). - ٣٥٢ - وإنما أتي الرجل من جهله بالأسباب التي خرج عليها معنى الخطاب . والنبي - عليه السلام - قد جمع في هذا الخبر معاني : أحدها : تحريم الوضوء بالماء النجس ، والآخر : تأديبهم بأن يتنزهوا عن البول في الماء الذي لا يجري فيحتاجون إلى الوضوء منه، وهم على يقين من استقرار البول فيه ؛ لأن من سنته عليه السلام النظافة وحسن الأدب ، فدعا الناس إلى ذلك . والآخر : أنه زجرهم عن ذلك ؛ إذْ لو أطلق لهم البول في الماء الدائم لأوشك أن يفسد الماء القليل ويتغير فيضيق وجود ماء طاهر على كثير من الناس . فيقال له : خبرنا عن البائل في البحر أو الحوض الكبير أو الغدير الواسع الذي لا يتحرك بتحرك طرفه ، هل يجوز أن يتوضأ منه ؟ فإن قال : لا . قال : ما تعرف أن الحق في خلافه ؟ وإن أجاز ذلك قيل له: فقد تركت ظاهر الحديث ، وفي ضرورتك إلى تركك ظاهره ما يوجب عليك أن تقول : إن معنى الحديث ما ذكرنا . قاله بعض أصحاب أبي حنيفة . وأما إدخال البخاري في أول الحديث (( نحن الآخرون السابقون يوم القيامة )) فيمكن - والله أعلم - سمع أبو هريرة ذلك من النبي في نسق واحدٍ فحدث بهما جميعًا كما سمعهما . وقد ذكر مثل ذلك في كتاب الجهاد ، وفي كتاب العبارة ، وفي كتاب الأيمان والنذور ، وفي كتاب قصص الأنبياء ، وفي كتاب الاعتصام . ذكر في أوائل الأحاديث كلها: (( نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)) ، ويمكن أن يكون همام سمع ذلك ؛ لأنه سمع من أبي هريرة أحاديث ليست بكثيرة ، وفي أوائلها - ٣٥٣ - (نحن الآخرون السابقون))، فذكرها على الرتبة التي سمعها من أبي هريرة ، والله أعلم وقد روى مالك في موطئه مثل هذا في موضعين : أحدهما : قول عبد الكريم بن أبي المخارق و((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة [ الأولى ] (١) : إذا لم تستحي فاصنع ما شئت، ووضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة . فحدث بهما جميعًا كما سمعهما )) . وفي الموضع الثاني : قول أبي هريرة عن النبي - عليه السلام -: ((بينما رجل يمشي بطريق إذْ وجد غصن شوك (فأخذه ) (٢) فشكر الله له، فغفر له)). قال : (( الشهداء خمسة : المطعون ، والمبطون، والغرق ، وصاحب الهدم ، والشهيد في سبيل الله)) . ورواه جماعة عن مالك ، فزاد فيه : أن النبي - عليه السلام - قال: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا [ عليه ] (١)، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حَبْوًا)). قال عليه السلام: (( بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك ... )) إلى آخر الحديث في ذكر الشهداء ، وهي ثلاثة أحاديث في حديث واحد . (١) من (( هـ). (٢) في ( هـ)) : فأخره - ٣٥٤ - باب : إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد صلاته قال : وكان ابن عمر إذا رأى في ثوبه دمًا وهو يصلي وضعه ومضى في صلاته . و[ قال ] (١) ابن المسيب والشعبي: إذا صلى وفي ثوبه دم أو جنابة ، أو لغير القبلة ، أو تيمم وصلى ثم أدرك الماء في وقته ، لا يعيد . وفيه : ابن مسعود : « أن النبي پے کان یصلي عند البيت وأبو جهل وأصحابه جلوس ، إذ قال بعضهم لبعض : أيكم يجيء بسلا جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد ؟ فانبعث أشقى القوم فجاء به ، فنظر حتى إذا سجد النبي - عليه السلام - وضعه على ظهره بين كتفيه ، وأنا أنظر لا أغني شيئًا ، لو كانت لي منعة ، فجعلوا يضحكون ويُحيل بعضهم على بعض، ورسول الله وقالي ساجد لا يرفع رأسه حتى / جاءته [١/;٥٥-ب] فاطمة فطرحته عن ظهره فرفع رأسه ثم قال : اللهم عليك بقريش - ثلاث مرات - فشق عليهم إذْ دعا عليهم ... )) فذكر الحديث إلى قوله : «فلقد رأيت الذین عَدّ رسول الله صرعی في قلیب بدر )) . قال المهلب : إنما جعل السَّلا جيفة ؛ لأنهم لم يكونوا أهل كتاب ؛ فتكون ذبائحهم طاهرة ، وإنما كانوا مشركين لا كتاب لهم يذبحون به؛ فكانت ذبائحهم ميتة . وأيضًا لو كان السَّلا من ذبائح المسلمين لكان نجسًا ؛ لكثرة الدم فيه، ذكره مبينًا في كتاب الصلاة، فقال: (( أيكم يقوم إلى سلا جزور - (١) في ((الأصل)): كان. والمثبت من ((هـ)). - ٣٥٥ - آل فلان فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها ؟ فانبعث أشقى القوم وذكر الحديث . ومعلوم أنهم كانوا مجوسًا لا كتاب لهم ، ففيه من الفقه : أن غسل النجاسات في الصلاة سنة على ما قاله مالك والأوزاعي وجماعة من التابعين . وقد ذكر البخاري بعضهم في أول هذا الباب ، ولو كانت فرضًا ما تمادى النبي - عليه السلام - في صلاته والفرث والدم على ظهره ، ولقطع الصلاة . فإن قيل : فإن هذه الصلاة كانت في أول الإسلام ، ويحتمل أن تكون قبل أن تفرض عليه الصلاة، وتكون نافلة فلم يحتج إلى إعادتها. قيل : لا نعلم ما كانت ، ولو كانت نافلة لكان سبيلها سبيل الفرائض ، وأي وقت كانت هذه الصلاة ؛ فلا شك أنها كانت بعد نزول قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ (١) لأن هذه الآية أول ما نزل عليه من القرآن قبل كل صلاة فريضة أو نافلة ، وتأولها جمهور السلف أنها في غير الثياب، وأن المراد بها طهارة القلب ونزاهة النفس عن الدناءة والآثام . قالوا : وقول ابن سيرين أنه أراد بذلك الثياب شذوذ ولم يقله غيره. وفي هذا الحديث من الفقه : أن من صلى بثوب نجس وأمكنه طرحه في الصلاة أنه يتمادى في صلاته ولا يقطعها ، على ما قاله الكوفيون، وهي رواية ابن وهب عن مالك . وسأذكر اختلاف قول مالك (١) المدثر : ٤ . - ٣٥٦ - وأصحابه في هذه المسألة [ في كتاب الصلاة ] (١) في باب : المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى - إن شاء الله . وقد روي عن أبي مجلز أنه سئل عن الدم يكون في الثوب ، فقال: إذا كبرت ودخلت في الصلاة ولم تر شيئًا ثم رأيته بعد فأتم الصلاة . وعن أبي جعفر مثله . واختلفوا فيمن صلى بثوب نجس ثم علم به بعد الصلاة . فقال ابن مسعود ، وابن عمر ، وعطاء ، وابن المسيب ، وسالم ، والشعبي ، والنخعي ، ومجاهد ، وطاوس ، والزهري : لا إعادة عليه . وهو قول الأوزاعي ، وإسحاق ، وأبي ثور . وقال ربيعة ومالك : يعيد في الوقت . وقال الشافعي وأحمد : يعيد أبدًا . وأما من تعمد الصلاة بالنجاسة فإنه يعيد [ أبدًا ] (٢) عند مالك وكثير من العلماء ؛ لاستخفافه بالصلاة إلا أشهب فقال : لا يعيد المتعمد إلا في الوقت فقط . قال المهلب : وفيه أن من أوذي فله أن يدعو على من آذاه ، كما دعا النبي - عليه السلام - على كفار قريش . قال المؤلف : هذا إذا كان الذي آذاه كافرًا ؛ فإن كان مسلمًا فالأحسن ألا يدعو عليه ؛ لقول النبي لعائشة حين دعت على السارق: « لا تسبخي عنه بدعائك عليه » . ومعنى لا تسبخي عنه أي : لا تخففي عنه ، والتسبيخ : التخفيف. (١) من ( هـ)). (٢) في ((الأصل)): الصلاة. والمثبت من ((هـ)). - ٣٥٧ - عن صاحب ((العين)) . وقال المهلب : وفيه : بركة دعوة النبي - عليه السلام - وأنها أُجيبت فيمن دعا عليه . وقال أبو عبيد : السلا : الجلدة التي يكون فيها الولد . قال ابن دريد : وهي المشيمة . وقوله: ((لو كانت لي منعة)) : يريد قوة أمتنع بها . قال صاحب ((العين)): [ يقال] (١): رجل منيع : في عِزْ ومنعة، وقد منع مناعةً ومنعًا . وقوله : (( ويحيل بعضهم على بعض )) يعني : ينسب ذلك بعضهم إلى بعض من قولك : أحلت الغريم إذا جعلت له أن يتقاضى ماله عليك من غيرك ، ويحتمل أن يكون من قول العرب : حال الرجل على ظهر الدابة حولا ، وأحال : وثب . وفي الحديث : (( أن النبي - عليه السلام - لما صبح أهل خيبر غدوة فرآه أهلها ، أحالوا إلى الحصن )) أي : وثبوا إليه . و((القليب)): البئر قبل أن تطوى . وإنما سميت بدر بدرًا ؛ ببدر بن قريش بن الحارث بن مخلد بن النضر بن كنانة ، وهو الذي احتفرها ، فنسبت إليه . عن الخشني . [١/ ق٥٦-١) باب : البصاق والمخاط / ونحوه في الثوب وقال عروة [ عن] (٢) المسور ومروان: ((خرج رسول الله وَ طقه زمن (١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): يراد . (٢) في (( الأصل)): بن. وهو خطأ، والمثبت من (( هـ، ن). - ٣٥٨ - الحديبية ... )) فذكر الحديث (( وما تنخم النبي نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده )) . فيه: أنس قال: (( بصق النبي - عليه السلام - في ثوبه )). هذا الباب يدل على أن البزاق والمخاط طاهر ، وهو أمر مجمع عليه لا أعلم فيه اختلافًا ، إلا ما روي عن سلمان الفارسي صاحب رسول الله أنه جعله غير طاهر ، وأن الحسن بن حي كرهه في الثوب وذكر الطحاوي عن الأوزاعي أنه كره أن يدخل سواكه في وضوئه . وما ثبت عن النبي - عليه السلام - من خلافهم هي السنة المتبعة والحجة البالغة ، فلا معنى لقولهم [ و] (١) قد أمر النبي المصلي أن يبزق عن يساره أو تحت قدمه ، وبزق عليه السلام في طرف ردائه ، ثم رد بعضه على بعض وقال : أو تفعل هكذا . قال الطحاوي : وهذا حجة في طهارته ؛ لأنه لا يجوز أن يقوم المصلي على نجاسة ، ولا أن يصلي وفي ثوبه نجاسة . باب : لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر وكرهه الحسن وأبو العالية . وقال عطاء : التيمم أحب إلي من الوضوء بالنبيذ واللبن . فيه : عائشة، قال عليه السلام: (( كل شراب أسكر فهو حرام)). اختلف العلماء في الوضوء بالنبيذ : - (١) من ( هـ)). - ٣٥٩ - فقال مالك وأبو يوسف والشافعي وأحمد : لا يجوز الوضوء بالنبيذ، فَيِّهِ ومَطبُوخِه ، مع عدم الماء ووجوده ؛ تمرًا كان أو غيره ، فإن كان مع ذلك مشتدا فهو نجس لا يجوز شربه ولا الوضوء [به](١). وأجاز الحسن الوضوء بالنبيذ . قال الأوزاعي: يجوز الوضوء بسائر الأنبذة . وروي هذا عن علي. قال أبو حنيفة : لا يجوز الوضوء به مع وجود الماء ؛ فإذا عدم فيجوز بمطبوخ التمر خاصة إذا أسكر ، فأما النيئ والنقيع فلا يجوز الوضوء به . وقال محمد بن الحسن : يتوضأ به ثم يتيمم . قال الطحاوي : واحتج الذين أجازوا الوضوء بالنبيذ بما رواه ابن لهيعة ، عن قيس بن الحجاج ، عن حنش الصنعاني ، عن ابن عباس: (( أن ابن مسعود خرج ليلة الجن مع رسول الله ، فسأله رسول الله : أمعك ماء ؟ قال : معي نبيذ في إداوتي . فقال رسول الله: اصبب عليَّ. فتوضأ به وقال: ( شراب) (٢) وظهور)). و[ بما ] (٣) رواه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد [ بن ] (٤) جدعان ، عن أبي رافع مولى ابن عمر ، عن ابن مسعود : (( أنه كان مع رسول الله ليلة الجن ، وأنه احتاج عليه السلام إلى ماء يتوضأ به، ولم يكن معه إلا النبيذ ، فقال : تمرة طيبة وماء طهور، وتوضأ به )) . (١) من ( هـ). (٢) في (( هـ)): تمرات. (٣) في ((الأصل، وهـا)): لما . (٤) في ((الأصل)): عن. وهو تحريف، والمثبت من (( هـ)). - ٣٦٠ -