Indexed OCR Text
Pages 321-340
نومه جدا في حال قعوده ؛ فعليه الوضوء عند مالك ، والأوزاعي ، وأحمد . ولم يفرق أبو حنيفة والشافعي بين نوم الجالس في القِلَّة والكَثْرَة ، وقالا : لا ينتقض وضوءه وإن طال . ويرد قولهم : أنه إذا طال نومه جدا في حال قعوده فهو شاك في الطهارة ، وقد أُخذَ عليه أن يدخل الصلاة بيقين طهارة / وهذا قد زال [١/ ٥٠٥-١] يقينه ، فعليه الوضوء . وسيأتي - إن شاء الله في كتاب الصلاة ، في باب النوم قبل العشاء لمن غلب عليه شيء - من معنى هذا الباب . قال عبد الواحد : فإن قال قائل : فمن أين يخرج من هذا الباب قوله في الترجمة : ومن لم ير من النعسة والنعستين والخفقة وضوءًاً ؟ قيل له : يخرج من معنى الحديث ؛ لأنه لما أوجب - عليه السلام - قطع الصلاة بغلبة النوم والاستغراق فيه ؛ دل أنه إذا كان النعاس أقل من ذلك ولم يغلب عليه أنه معفو عنه ، لا وضوء فيه ، على ما یذهب إليه الجمهور . باب : الوضوء من غير حدث فيه: أنس: (( كان النبي - عليه السلام - يتوضأ عند كل صلاة)). قلت : كيف كنتم تصنعون ؟ قال : يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث)). وفيه: سويد بن النعمان: ((أن النبي - عليه السلام - صلى العصر يوم خيبر ثم صلى المغرب ولم يتوضأ)) . فيه : أن الوضوء من غير حدث ليس بواجب ، وقد بين ذلك أنس بقوله: (( يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث)) . وعليه الفقهاء - ٣٢١ - والناس ، ويشهد لصحة قول أنس في ذلك صلاته عليه السلام يوم خيبر العصر والمغرب بوضوء واحد في حديث سويد ، وإنما فعل ذلك ليُري أمته أن ما يلتزمه عليه السلام في خاصته من الوضوء لكل صلاة ليس بلازم ، وقد تقدم هذا المعنى في أول كتاب الوضوء . وقال بعض العلماء : الوضوء عن غير حدث نور على نور . فمن أراد الاقتداء به عليه السلام في جميع ذلك فمباح ، وكان ابن عمر يلتزم اتباعه عليه السلام في جميع أفعاله ، ويتوخى المواضع التي صلی فیها ، فيصلي فيها حتى أنه كان يدير ناقته في المواضع التي كان رسول الله يدير ناقته فيها ؛ حبا للاقتداء به ورغبةً في امتثال أفعاله باب : من الكبائر أن لا يستتر من بوله فيه : ابن عباس: (( مر النبي - عليه السلام - بحائط من حيطان المدينة أو مكة فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما ، فقال عليه السلام : یُعَذبان وما يعذبان في کبیر . ثم قال : بلى ، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة ... )) الحديث . قال المهلب: قوله: ((وما يُعَذبان في كبير)) يعني: عندكم ، وهو كبير عند الله يدل على ذلك قوله: ((بلى)) أي : بلى إنه لكبير عند الله وهو كقوله: (( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أنها تبلغ حيث ما بلغت ؛ يكتب له بها سخطه إلى يوم يلقاه )) . ومصداق هذا المعنى في كتاب الله : ﴿وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم﴾ (١) . (١) النور : ١٥ . - ٣٢٢ - - واختلف أهل التأويل في الكبائر التي تُغْفر الصغائر باجتنابها ، فقال بعضهم : الكبائر سبع . وقال آخرون : هي تسع . وقال آخرون : کل ما نهى الله عنه فهو كبير . وقيل : كل ما عُصي الله به فهو كبير . هذا قول الأشعرية . ويحتمل أن يحتجوا بهذا الحديث ؛ لأن ترك التحرز من [ البول ] (١) لم يتقدم فيه وعيد من الله ولا من رسوله - عليه السلام - حتى أخبر عنه عليه السلام أنه كبير ، وأن صاحبه يعذب عليه ، فكذلك يجوز أن يكون كثير من الذنوب كبائر ؛ وإن لم يتقدم عليها وعيد . وخالفهم الفقهاء وأهل تأويل القرآن في ذلك ، وفَرَّقوا بين الكبائر والصغائر . وقد تقصيت مذاهب العلماء فيه ، وما نزع به كل فريق في كتاب الأدب فهو أولى به . ورُوي هذا عن علي بن أبي طالب ، وعُبيد بن عمير ، وعطاء ، واحتجوا بآثار عن النبي وَله في ذلك. فقال بعضهم : الكبائر تسع . رُوي هذا عن عبد الله بن عمر . وقال آخرون : كل ذنب ختمه الله بنار أو لعنة أو غضب أو عذاب؛ فھو کبیر . رُوي هذا عن ابن عباس . وروي عنه : كل ما نهى الله عنه فهو كبير . قال : ومنها النظرة. وقال مرة : كل شيء عُصِيَ الله به فهو كبير . ' ٠٫ (١) في ((الأصل)): التبول. والمثبت من (( هـ)). - ٣٢٣ - وقال طاوس : قيل لابن عباس : الكبائر سبع ؟ قال : هي إلى السبعين أقرب . وقال سعيد بن جبير : قال رجل لابن عباس : الكبائر سبع ؟ قال: [٥٠/١-ب] هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع ، غير أنه لا كبيرة مع استغفار / ولا صغيرة مع إصرار . . وذهب أهل التأويل إلى أن الصغائر تغفر باجتناب الكبائر ، وخالفهم في ذلك الأشعرية ، وسيأتي بيان [ قولهم ] (١) وما نزع إليه كل فريق [ منهم ] (٢) في كتاب الأدب ، إن شاء الله . إلا أن قوله: (( يُعَذَّبان وما يُعَذَّبان في كبير)) حجة لقول [ ابن عباس ] (٣) أن ما عُصِيَ الله به فهو كبير . لأن ترك [ التحرز ] (٤) من البول لم يتقدم فيه وعيد من الله ولا من رسوله حتى أَخْبَر أنه کبیر، وأن صاحبه يُعذب عليه ، فكذلك يجوز أن يكون كثير من الذنوب كبائر ، وإن لم يتقدم عليها وعيد . قال أبو بكر الصديق : إن الله يغفر الكبير فلا تيئسوا ، ويُعذب على الصغير فلا تغتروا . وفي حديث ابن عباس : أن عذاب القبر حق ، يجب الإيمان به والتسليم له ، وهو مذهب أهل السنة . وسيأتي في كتاب الجنائز شيء من معنى هذا الحديث - إن شاء الله . (١) في ((الأصل)): نقلهم. والمثبت من (( هـ)). .(٢) من (( هـ ) (٣) في (( الأصل)): الله. والمثبت من (( هـ )). (٤) في ((الأصل)): التحذر. والمثبت من (( هـ). - ٣٢٤ - باب : ما جاء في غسل البول قال عليه السلام لصاحب القبر : (( کان لا يستتر من بوله )) . ولم يذكر سوی بول الناس . وفيه : أنس : (( كان عليه السلام إذا تبرز أتيته بماء فيغتسل به )) . وفيه : ابن عباس: (( أن النبي - عليه السلام - مر بقبرين فقال : إنهما ليعذبان ، وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول ، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ... )) الحديث . أجمع الفقهاء على نجاسة البول والتنزه عنه . وقوله : ((كان لا يستتر من بوله)) . يعني أنه كان لا يستر جسده ولا ثيابه من مماسة البول ، فلما عُذب على استخفافه لغسله والتحرز منه ؛ دل أنه مَنْ ترك البول في مخرجه ولم يغسله أنه حقيق بالعذاب. وقد روى غير البخاري في مكان (( يستتر من بوله)). (( يستبرئ من بوله)) . معنى لا يستبرئ : لا يستفرغ البول جهده بعد فراغه منه ، فيخرج منه بعد وضوئه فيصل غير متطهر . ذكر عبد الرزاق هذا الحديث وقال فيه: (( أما أحدهما فكان لا يتنزه عن البول)) . ورواه أيضًا (( أما هذا كان لا يتأذَّى ببوله)). هذه الروايات كلها معناها متقارب ، واختلف الفقهاء في إزالة النجاسة من الأبدان والثياب . فقال مالك : إزالتها ليست بفرض . وقال بعض أصحابه : إزالتها فرض . وهو قول أبي حنيفة والشافعي ، - ٣٢٥ - إلا أن أبا حنيفة يعتبر في النجاسات ما زاد على (مقدار ) (١) الدرهم . وحجة من أوجب إزالة النجاسة : أنه أخبر عليه السلام عن صاحب القبر : أنه يُعَذَّب بسبب البول ، وذلك وعيد وتحذير ، فثبت أن الإزالة فرض . واحتج ابن القصار بقول مالك فقال : يحتمل صاحب القبر الذي عُذب في البول أنه كان يدع البول يسيل عليه ، فيصلي بغير طهر ؛ لأن الوضوء لا يصح مع وجوده ، ومحتمل أن يفعله على عمد لغير عذر؛ لأنه قد رُوي ( لا يستبرئ)) و(( لا يستنزه))، وعندنا أن من تعمد [ ترك ] (٢) سنن النبي بغير عذر ولا تأويل أنه مُتَوَعَّد مأثوم ، فأما إذا لم يتعمد ذلك وتركها متأولا أو لعذر، فصلاته [ صحيحة] (٢) .. تامة . وقول البخاري: (( ولم يذكر سوى بول الناس)) . فإنه أراد أن يبين أن معنى روايته في هذا الباب: (( أما أحدهما فكان لا يستتر من البول)). [ أن ] (٣) المراد بول الناس لا بول سائر الحيوان؛ لأنه قد روي الحديث في هذا الباب قبل هذا وغيره (( لا يستتر من بوله)). فلا تعلق في حديث هذا الباب لمن احتج به في نجاسة بول سائر الحيوان. (١) في ((هـ)): قدر. والمثبت من ((الأصل)). (٢) من (( هـ)). (٣) في ((الأصل)): و. والمثبت من ( هـ)). - ٣٢٦ - باب : ترك النبي عليه السلام والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد فيه: أنس (( أن النبي - عليه السلام - رأى أعرابيا يبول في المسجد، فقال: دعوه . حتى إذا فرغ دعا بماء فصبه علیه )) . قال المهلب : فيه الرفق بالجاهل ؛ لأنه لو قطع عليه بوله لأصاب ثوبه البول وتنجس ، وكذلك وَصَفَهُ اللهُ أنه بالمؤمنين رءوف رحيم ، وأنه على خلق عظيم. وقال عليه السلام: ((إنما بعثتم مُّسُّرين)). وفعل ذلك استثلافًا للأعراب الذين أخبر الله عنهم أنهم أشد كفراً ونفاقًا، وأيضًا / فإن ما جناه الأعرابي استُدرِكَ غسله بالماء . [١/ ق٥١-١] وفيه : تطهير المساجد من النجاسات [ وتنزيهها عن ] (١) الأقذار. باب : صب الماء على البول في المسجد فيه: أبو هريرة قال: (( قام أعرابي فبال في المسجد ، فتناوله الناس ، فقال لهم عليه السلام : دعوه وَهَرِيقوا على بوله سجلا من ماء - أو ذنوبًا من ماء - فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين )) . وفيه : أنس : عن النبي مثله . في هذا الحديث من الفقه : أن الماء إذا غلب على النجاسة ولم يظهر فيه شيء منها فقد طهرها ، وأنه [ لا يضر ] (٢) ممازجة الماء لها إذا غلب عليها ، سواء كان الماء قليلا أو كثيراً . (١) في ((الأصل)): تطهيرها من. والمثبت من (( هـ)). (٢) في (( الأصل)): لا يضره. والمثبت من ( هـ)). - ٣٢٧ - واختلف العلماء في ذلك ، فذهب مالك في رواية المدنيين عنه : أن الماء الذي تحله النجاسة إذا لم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه ؛ فهو طاهر ، قليلا كان [ الماء ] (١) أو كثيراً. وبه قال النخعي والحسن وابن المسيب وربيعة وابن شهاب وفقهاء المدينة . وذهب الكوفيون إلى أن النجاسة تفسد قليل الماء وكثيره ، إلا الماء المستبحر الكثير الذي لا يقدر أحد على تحريك جميعه قياسًا على البحر الذي قال فيه رسول الله: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته)). وذهب الشافعي إلى أن الماء إن كان دون قلتين نَجُسَ ، وإن لم يتغير، وإن كان قلتين فصاعدًا لم يَنْجُس إلا بالتغير ، وبه قال أحمد وإسحاق . ولابن القاسم عن مالك أن قليل النجاسة يُفسد قليل الماء ، وإن لم تغيره ، ولم يعتبر القلتين .. وحديث بول الأعرابي في المسجد يرد حديث القلتين ؛ لأن الدلو أقل من القلتين ، وقد طهر موضع بول الأعرابي ، ويرد أيضًا على أبي حنيفة أصله في اعتباره الماء المستبحر . وقال النسائي : لا يثبت في انتجاس الماء إلا حديث بول الأعرابي في المسجد . إلا أن أصحاب الشافعي لما لزمتهم الحجة به فزعوا إلى التفريق بين ورود الماء على النجاسة ، وبين ورود النجاسة على الماء ؛ فراعوا في ورودها عليه مقدار القلتين ، ولم يراعوا في وروده عليها. ذلك المقدار . (١) من ( هـ)). - ٣٢٨ - قال ابن القصار : وهذا لا معنى له ؛ لأنه قد تقرر أن الماء إذا ورد على النجاسة لم ينجس إلا أن يتغير (١) فكذلك يجب إذا وردت النجاسة على الماء لا ينجس إلا أن يتغير ؛ إذ لا فرق بين الموضعين . قال: ومما يَردُّ اعتبار الكوفيين والشافعي: أن النبي ◌َِّ أمر بصب الذنوب على بول الأعرابي في المسجد ، وقد علمنا أنه إنما أراد تطهير المكان بهذا المقدار من الماء ولا يطهر إلا بزوال النجاسة ولم تزُل إلا بغلبة الماء الذي هو دون المقدار الذي يعتبره أبو حنيفة والشافعي ، ومعلوم أن هذا المقدار من الماء لا يزيل النجس إلا وقد حل فيه النجس أو بعضه ، وإذا حصل فيه النجس لم يكن بد أن يُحكم له بالطهارة ؛ لأنه لو لم يطهر لكان نجسًا ، ولو كان نجسًا لما أزال النجاسة عن الموضع؛ لأنه كلما لاقى النجسُ الماءَ نَجَّسه ، فأدى ذلك إلى أن لا تزول نجاسة ولا يطهر المكان . واختلفوا في تطهير الأرض من البول والنجاسة ، فقال مالك والشافعي وأبو ثور : لا يطهرها إلا الماء ، واحتجوا بحديث بول الأعرابي . ورُوي عن أبي قلابة والحسن البصري وابن الحنفية أنهم قالوا : جفوف الأرض طهورها ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ، قالوا : الشمس تزيل النجاسة ؛ فإذا ذهب أثرها صل فيها ولا تتيمم. وقال الثوري : إذا جف فلا بأس بالصلاة عليه . وعند مالك وزفر : لا يجزئه أن يصلي عليها إلا أن مالكًا قال : يعيد في الوقت ، وكذلك قال إذا تيمم به . (١) زاد في هامش الأصل عبارة: إذ لا فرق بين الموضعين . ولعله انتقال نظر. - ٣٢٩ - قال الطحاوي : واختلفوا فيما يجوز به إزالة النجاسة من الأبدان والثياب ، فقال مالك : لا يطهر ذلك إلا الماء الذي يجوز به الوضوء. وهو قول زفر ومحمد بن الحسن والشافعي . والحجة [ لهم] (١) قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماءً طهورًا﴾ (٢). وأَمْرُهُ عليه السلام بصب الدلو على بول الأعرابي في المسجد . قالوا : فكذلك حكم الأبدان والثياب . [١/ ق٥١-ب] وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : تجوز إزالة النجاسة بكل / مائع وكل طاهر ، والنار ، والشمس ، ولو أن جلد الميتة جف في الشمس طهر من غير دباغ ، واحتجوا على إزالة [ النجاسات ] (٣) بالمائعات فقالوا: الخمر إذا انقلبت خلا فقد طهرت هي والدن جميعًا . ونحن نعلم أن الخمر كانت نجسة ، والدن نجس ولم يطهره إلا الخل . قال ابن القصار : فيقال لهم : إن الدن [ جامد ] (٤) وكان طاهرًا قبل حدوث الشدة في الخمر ، وإنما حصلت على وجهه أجزاء نجاسة من الخمر ، فإذا انقلبت الخمر خلا انقلبت تلك الأجزاء خلا فلم تزل بالخل ، وإنما انقلبت كما انقلب نفس الخمر . ونظير مسألتنا أن يصيب الثوب نجاسة فتنقلب عينها فتصير طاهرة ، (١) من (( هـ )). (٢) الفرقان : ٤٨ . (٣) في ((الأصل)): النجاسة، والمثبت من (( هـ)). (٤) في (( الأصل)): جامدًا. وهو خطأ، والمثبت من (( هـ)). - ٣٣٠ - فنقول : إن هذا لا يحتاج إلى غسل ، ثم نقول : إن الدن لو كان إنما طهر بالخل على طريق الغسل لوجب ألا يحكم بطهارته ولا بطهارة الخل ، ألا ترى لو أن إناء فيه بول أو دم فصب عليه الخل حتى ملأ الدن ؛ فإن الخل ينجس ولا يطهر الإناء ؟ فعلمنا أن الدن لم يطهر بكون الخل فيه ، وإنما طهر بانقلاب عينه ، ومن مذهبهم أن الماء الذي تغسل به النجاسة يكون نجسًا ، فكيف بالخلِّ ؟ ولو طهر الدن بغسل الخل له لنجس الخل ، ألا ترى أنه لو كان الدن نجسًا بالخمر ثم غسل بخلٌّ آخر لم يطهر ولنجس الخل ؟ وقال أبو حاتم: ((السَّجْل))، مذكر: الدلو ملأى ماءً، ولا يقال لها وهي فارغة : سجل ، فإذا لم يكن فيها ماء فهي دلو ، وثلاثة أسجل ، وهو السجال . ابن دريد : ودلو : سجل واسعة . يعقوب عن ابن مهدى : دلو سجيلة ، والذنوب الدلو الملأى ، عن الخليل . # باب : بول الصبيان فيه: عائشة: قالت: (( أُتي رسول الله ◌َله بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه إياه )» . وفيه : أم قيس بنت محصن: (( أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله يقول﴿ فأجلسه رسول الله في حجره ، فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم یغسله )) . - ٣٣١ - قال الأصيلي : انتهى آخر حديث أم قيس إلى قوله : (( فنضحه )) وقوله: (( فلم يغسله )) من قول ابن شهاب ، وقد رواه معمر ، عن ابن شهاب فقال فيه: (( فنضحه )) ، ولم يزد ، وروى ابن أبي شيبة ، عن ابن عيينة ، عن ابن شهاب فقال فيه : (( فدعا بماء فرشه )) ولم يزد. واختلف العلماء في بول الصبي ، فقالت طائفة : بوله طاهر قبل أن يأكل الطعام . روي هذا عن علي بن أبي طالب ، وأم سلمة ، وعطاء ، والحسن ، والزهري . وهو قول الأوزاعي ، وابن وهب صاحب مالك ، والشافعي وأحمد ، وإسحاق والحجة لهم قوله في حديث أم قيس : (( فنضحه ولم يغسله )) . وفرق هؤلاء الفقهاء بين بول الصبي والصبية ، فقالوا : بول الصبية نجس ، وإن لم تأكل الطعام بخلاف بول الصبي . ۔۔ واحتجوا في ذلك بما رواه هشام ، عن قتادة ، عن أبي حرب ابن [أبي] (١) الأسود، عن أبيه ، عن علي بن أبي طالب، عن الرسول وَلو أنه قال في الرضيع: ((يغسل بول الجارية، ويتضح بول الغلام» . وقالت طائفة أخرى : بول الصبي والصبية نجس ، سواء أكلا الطعام أم لا . هذا قول النخعي ، وإليه ذهب مالك ، والكوفيون ، وأبو ثور . (١) من (( هـ)). - ٣٣٢ - واحتج لهم الطحاوي فقال : أراد بالنضح في هذا الحديث الغسل وصب الماء عليه ، وقد تسمي العرب ذلك نضحًا ، ومنه قوله عليه السلام: (( إني لأعرف مدينة يقال لها : عُمان ينضح البحر بناحيتيها ، لو جاءهم رسولي ما رموه بحجر)) . فلم يعن بذلك النضح : الرش، ولكنه أراد يلزق بناحيتيها . والدليل على صحة هذا : أن عائشة روت حديث بول الصبي عن النبي - عليه السلام - فقالت فيه : (( فدعا بماء فأتبعه إياه )). ولم تقل : فلم يغسله . رواه مالك وأبو معاوية ، عن هشام بن عروة . وهكذا رواه زائدة عن هشام بن عروة ، وقال فيه : (( فدعا بماء فنضحه عليه )) . قال الطحاوي : وإتباع الماء حكمه حكم الغسل ؛ ألا ترى لو أن رجلا أصاب ثوبه عذرة فأتبعها الماء حتى ذهب بها أن ثوبه قد طهر ؟ قال ابن القصار : والنضح في معنى الغسل في قوله عليه السلام للمقداد: ((انضح فرجك)). / وكما قال في حديث أسماء في غسل [١/ ق٥٢-١] الدم: (( انضحيه)) . فجعل النضح عبارة عن الغسل . قال المهلب : والدليل على أن النضح يراد به كثرة الصب والغسل قول العرب للجمل الذي يستخرج به الماء من الأرض : ناضح . قال ابن القصار : وقد أجمع المسلمون على أنه لا فرق بين بول الرجل وبول المرأة في نجاسته ، كذلك بول الغلام والجارية . قال المهلب : واللبن الذي قد رضعه الصبي هو طعام ، وإنما قال في الحديث: (( لم يأكل الطعام)) ليحكي القصة كما وقعت ، لا للفرق بين اللبن والطعام . - ٣٣٣ - وقال جماعة من العلماء : حديث عائشة وحديث أم قيس أصل في غسل البول من الثياب والجسد وغيرهما . باب : البول قائمًا وقاعدًا فيه: حذيفة قال: (( أتى النبي - عليه السلام - سباطة قوم فبال قائمًا ، فدعا بماء فجئته به فتوضأ )) . في نص الحديث جواز البول قائمًا ، وأما البول قاعدًا فمن دليل الحديث ؛ لأنه إذا جاز البول قائمًا فقاعدًا أجوز ، لأنه أمكن . واختلف العلماء في البول قائمًا ، فروي عن عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وزيد بن ثابت ، وابن عمر ، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك ، وأبي هريرة ، وسعد بن عبادة : (( أنهم بالوا قيامًا)) . وروي مثله عن ابن المسيب ، وابن سيرين ، وعروة بن الزبير . وكرهت طائفة البول قائمًا ، ذكر ابن أبي شيبة في مصنفه إنكار عائشة أن يكون رسول الله بال قائمًا)). وعن عمر بن الخطاب أنه قال : ما بلت قائمًا منذ أسلمت . وعن مجاهد أنه قال: (( ما بال رسول الله قائمًا قط إلا مرة في كثيب أعجبه )) . وروي عن ابن مسعود أنه قال : من الجفاء أن تبول وأنت قائم . وهو قول الشعبي . وكرهه الحسن ، وكان سعد بن إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائمًا . - ٣٣٤ - وفيه قول ثالث : أنه البول إذا كان في مكان لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس به ، وإن كان في مكان يتطاير عليه فهو مكروه . هذا قول مالك ، وهو دليل الحديث ؛ لأنه عليه السلام (( أتى سباطة قوم فبال قائمًا)) . والسباطة : المزبلة ، والبول فيها لا يكاد يتطاير منه كبير شيء فلذلك بال قائمًا عليه السلام . ومن كره البول قائمًا فإنما كرهه خشية ما يتطاير إليه من بوله ، ومن أجازه قائمًا فإنما أجازه خوف ما يُحدثه البائل جالسًا في الأغلب من الصوت الخارج عنه إذا لم يمكنه التباعد عمن يسمعه . وقد جاء عن عمر بن الخطاب أنه قال : البول قائمًا أحصن للدبر. وكان رسول الله وَ﴿ إذا بال قائمًا لم يبعد عن الناس ، ولا أبعدهم عن نفسه ، بل أمر حذيفة بالقرب منه إذْ بال قائمًا . وروي عنه عليه السلام من مرسل عطاء وعبيد بن عمير (« أنه بال جالسًا فدنا منه رجل فقال: تنح ؛ فإن كل بائلة تفيخ)) (١) . ويروى : (( تفيس)) . وقال إسحاق بن راهويه : لا ينبغي لأحد يتقرب من الرجل يتغوط أو يبول جالسًا؛ لقول النبي - عليه السلام -: (( تنح ، فإن كل بائلة تُفِيخُ )) . (١) في ((الأصل، وهـ)): تفيح ، بالحاء المهملة وما أثبتناه هو الصواب . قال ابن الأثير في النهاية (٤٧٧/٣، ٤٧٨) : الإفاخة : الحدث بخروج الريح خاصة ، يقال : أفاخ يفيخ ، إذا خرج منه ريح ، وإن جَعَلْتَ الفعل للصوت قلت : فاخ يفوخ ، وفاخت الريح تفوخ فوحًا ، إذا كان مع هبوبها صوت ، وقوله : (( بائلة)): أي نفس بائلة. - ٣٣٥ - باب : البول عند صاحبه والتستر بالحائط فيه: حذيفة: (( رأيتني أنا والنبي - عليه السلام - نتماشى فأتى سباطة قوم خلف حائط ، فقام كما يقوم أحدكم فبال فانتبذت منه ، فأشار إلي فجئته ، فقمت عند عقبه حتى فرغ )) . قال المروري : من السنة أن يقرب من البائل إذا كان قائمًا ؛ لحديث حذيفة هذا ، إذا أمن أن يرى منه عورة ، وأما إن كان قاعدًا فالسنة أن تبتعد عنه لئلا يفيخ كما رُوي عنه عليه السلام . وقوله : (( فانتبذت منه)) . إنما فعل ذلك حذيفة لئلا يسمع منه عليه السلام شيئًا مما يجري في الحدث ، فلما بال قائمًا وأمن عليه ما خشيه حذيفة أمره بالتقرب منه . وفي قوله: ((فأشار إليَّ فجئته)). يدل أنه لم يبعد منه بحيث لا يراه ، وإنما بعد عنه وعينه تراه ؛ لأنه كان يحرسه - عليه السلام . وفيه : خدمة العالم / قاله المهلب . [١/ق٥٢-ب] وفيه : أنه عليه السلام كان إذا أراد قضاء حاجة الإنسان توارى عن أعين الناس بما يستره من حائط أو شجر ، وبذلك كان يأمر أمته عليه السلام . باب : البول عند سباطة قوم فيه: [ أبو ] (١) وائل قال : « كان أبو موسى الأشعري يشدد في البول، ویقول : إن بني إسرائيل كان إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه . (١) في (( الأصل)): ابن. وهو خطأ، والمثبت من (( هـ)). - ٣٣٦ - فقال حذيفة : ليته أمسك ؛ أتى رسول الله سباطة قوم فبال قائمًا )). ((السباطة)): المزبلة، والبول قائمًا لا يكاد يسلم مما يتطاير منه ، قال أبو عبيد : السباطة نحو من الكناسة . ابن دريد : الكناسة : ما كنس . واختلف العلماء في مقدار رءوس الإبر تتطاير من البول ، فقال مالك والشافعي وأبو ثور : يغسل قليله وكثيره . وقال إسماعيل بن إسحاق : غسل ذلك عند مالك على سبيل الاستحسان والتنزه . وقال الكوفيون : ليس مقدار رءوس الإبر بشيء ، وسهلوا في يسير النجاسة . وقال الثوري : كانوا يرخصون في القليل من البول . وقول حذيفة: (( ليته أمسك)) . يرد عليه تشديده في البول ، وهو حجة لمن رخص في يسيره ؛ لأن المعهود ممن بال قائمًا أن يتطاير إليه مثل رءوس الإبر . وفيه يُسر وسماحة ؛ إذْ كان مَنْ قَبْلَنا يقرض ( ما أصاب) (١) البول من ثوبه . وحديث حذيفة موافق لمذهب الكوفيين . (١) في (( هـ)): ما مس . - ٣٣٧ - ۔۔ باب : غسل الدم فيه: أسماء قالت: (( جاءت امرأة إلى النبي - عليه السلام - فقالت : أرأيت إحدانا تحيض في الثوب ، كيف تصنع ؟ قال : تحته ( وتقرصه ثم تنضحه بالماء ) (١) وتصلي فيه )) . وفيه: عائشة قالت: ((جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي - عليه السلام - فقالت : يا رسول الله ، إني امرأة أُستحاض فلا أطهر ، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله وَلجر: لا، إنما ذلك عرق وليس ( بالحيض)(٢))) إلى قوله : « فاغسلي عنك الدم وصلِّي)) . حديث أسماء أصل عند العلماء في غسل النجاسات من الثياب . وقوله : (( تَحُتُّ)) يعني : تقرصه وتنفضه . قال أبو عبيد: وقوله: ((تقرصه )) يعني تقطعه بالماء ، وكل مقطع مقرص ، يقال منه : قرصت العجين إذا قطعته . وقال غيره : والنضح في هذا الحديث يراد به الغسل . وذلك معروف في لغة العرب على ما تقدم بيانه في باب بول الصبيان ، والدليل على أن النضح فيه يراد به الغسل : قوله عليه السلام لفاطمة بنت أبي حبيش: « فاغسلي عنك الدم وصلِّي ». وهذا الحديث محمول عند العلماء على الدم الكثير ؛ لأن الله - تعالى - شرط في نجاسته أن يكون مسفوحًا وكنى به عن الكثير الجاري . (١) في (( هـ، ن)): ثم تقرصه بالماء وتنضحه . (٢) في (( هـ ، ن)) : بحيض. - ٣٣٨ - إلا أن الفقهاء اختلفوا في مقدار ما يُتَجاوَز عنه من الدم ، فاعتبر الكوفيون فيه وفي سائر النجاسات : دون الدرهم في الفرق بين قليله وكثيره ، قياسًا على دور المخرج في الاستنجاء بالحجارة . وقال مالك : قليل الدم معفو عنه ، ويغسل قليل سائر النجاسات. وَرَوى عنه ابن وهب أن قليل دم الحيض يُغسل ككثيره ، كسائر الأنجاس ، بخلاف سائر الدماء . وقال أشهب : لم يحد مالك في الدم قدر الدرهم . وقال علي بن زياد عنه : إن قدر الدرهم ليس بواجب أن تعاد منه الصلاة ، ولكن الكثير الفاشي . وعند الشافعي : أن يسير الدم يغسل كسائر النجاسات إلا دم البراغيث ، فإنه لا يمكن التحرز منه . والحجة لقول مالك : أن يسير دم الحيض ككثيره قوله عليه السلام لأسماء في دم الحيض : (( حتيه ثم اقرصيه بالماء )) . ولم يفرق بين قليله وكثيره ، ولا سألها عن مقداره ، وقوله لفاطمة بنت أبي حُبيش: ((فاغسلي عنك الدم وصلِّي )) . ولم يحدّ فيه مقدار درهم من غيره . ووجه الرواية الأخرى : أن قليل الدم معفو عنه هو أن يسير الدم موضع ضرورة ؛ لأن الإنسان لا يخلو في غالب حاله من بثرة ، أو دمل أو برغوث ، أو ذباب ، فعفي عن القليل منه ، ولهذا حرم الله -تعالى - / المسفوح منه ؛ فدل أن غيره ليس بمحرم ، ولم يستثن في [٥٣٥/١-١] سائر النجاسات غير الدم أن ( تكون مسفوحة ) (١). - (١) في ((هـ)): يكون مسفوحًا . - ٣٣٩ - وقالت عائشة : لو حرم [ الله ] (١) قليل الدم لتتبع الناس ما في العروق ، ولقد كنا نطبخ اللحم والبرمة تعلوها الصفرة . وليس الغالب من الناس كون الغائط والبول في ثيابهم وأبدانهم ؛ لأن التحرز يمكن [ منه ] (١) . . وقال مجاهد : كان أبو هريرة لا يرى بالقطرة والقطرتين بأسًا في الصلاة . وتنخم ابن أبي أوفى دمًا في صلاته . وعصر ابن عمر بثرة فخرج منها دم وقيح فمسحه بيده وصلى ولم يتوضأ . وروى ابن المبارك ، عن المبارك بن فضالة [ عن ] (٢) الحسن ((أن النبي - عليه السلام - كان يقتل القملة في الصلاة )) ومعلوم أن فيها دمًا يسيرًاً . باب : غسل المني وفركه وغسل ما يصيب من المرأة فيه: عائشة قلت: (( كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي - عليه. السلام- فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه )) . واختلف العلماء في المني هل هو نجس أم طاهر ؟ فذهب مالك والليث والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه إلى أن المني نجس . (١) من ( هـ)). (٢) في ((الأصل)): ابن. والمثبت من (( هـ)). : ٠ - ٣٤٠ -