Indexed OCR Text
Pages 241-260
وغلام ، معنا إداوة من ماء)) ، ولم يذكر : فيستنجي به ؛ فيحتمل أن يكون الماء لطهوره أو لوضوئه ، فقال له أبو عبد الله بن أبي صفرة : قد تابع أبا الوليد النضرُ، وشاذَّان عن شعبة، وقالا: (( يستنجي بالماء»، فقال : تواترت الآثار عن أبي هريرة ، وأسامة وغيرهما من الصحابة على الحجارة . قال المؤلف : وقد اختلف السلف في الاستنجاء بالماء فأما المهاجرون فكانوا يستنجون بالأحجار ، وأنكر الاستنجاء بالماء سعد بن أبي وقاص، وحذيفة ، وابن الزبير ، وسعيد بن المسيب وقال : إنما ذلك وضوء النساء . وكان الحسن لا يغسل بالماء ، وقال عطاء : غسل الدبر محدث . وكان الأنصار يستنجون بالماء ، وكان ابن عمر يرى الاستنجاء بالماء بعد أن لم يكن يراه ، وهو مذهب رافع بن خديج ، وروي ذلك عن حذيفة ، وعن أنس أنه كان يستنجي بالخرُص ، واحتج الطحاوي للاستنجاء بالماء فقال: قال الله - تعالى - : ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ﴾ (١) فطلبنا تأويل ذلك ، فوجدنا السلف قد تأولوا معنى الآية على قولين : فقال عطاء : إن الله يحب التوابين يعني : من الذنوب ، والمتطهرين بالماء ، وروي عن علي بن أبي طالب مثله . وعن أبي الجوزاء : ففي هذا أن الطهارة التي أحب الله أهلها عليها في هذه الآية هي الطهارة بالماء . وقال أبو العالية : إن الله يحب التوابين ، ويحب المتطهرين من الذنوب . (١) البقرة : ٢٢٢ . - ٢٤١ - ولما اختلفوا في التأويل طلبنا الوجه فيه من كتاب الله فوجدنا الله قال : ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ﴾ (١). وقال الشعبي: لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام: (( يا أهل قباء ، ما هذا الثناء الذي أثنى الله عليكم ؟ قالوا : ما منا أحد إلا وهو يستنجي بالماء)) . : وروى سفيان ، عن يونس بن خباب ، عن عبد الرحمن بن أبني الزناد، عن عبد الله بن خباب ((أن أهل قباء ذكروا للنبي - عليه السلام - الاستنجاء بالماء، فقال: إن الله قد أثنى عليكم فدوموا)). وقال محمد بن عبد الله بن سلام: (( [ أما ] (٢) تجدوه مكتوبًا علينا. في التوراة : الاستنجاء بالماء » ، فدل ذلك أن الطهارة المذكورة في الآية الأولى هي هذه الطهارة . وقال غيره : روت معاذة عن عائشة قالت : (( مُرن أزواجكن أن يغسلوا أثر الغائط والبول بالماء ، فإن رسول الله كان يفعله ))، وروى مالك في موطأه عن عمر بن الخطاب (( أنه كان يتوضأ بالماء وضوءًا لما [١/ ٣٧٥-ب] / تحت إزاره)) قال مالك: يريد الاستنجاء بالماء، وترجم لحديث أنس باب : من حمل معه الماء لطهوره ، وباب : حمل العَنَزَة مع الماء في الاستنجاء . قال المهلب : معنى حمل العَنْزَة [ والله أعلم أنه كان إذا استنجى توضأ، وإذا توضأ صلى، فكانت العَنَزَة ] (٣) لسترته في الصلاة. وفيه : أن خدمة العالم ، وحمل ما يحتاج إليه من إناء وغيره ، شرف للمتعلم ، ومستحب له ، ألا ترى قول أبي الدرداء: ((أليس (١) التوبة : ١٠٨. (٢) في ((الأصل)): إن والمثبت من ((هـ)). (٣) من ( هـ ) - ٢٤٢ - فيكم صاحب النعلين والطهور ، والوسادة )) . يعني عبد الله بن مسعود، فأراد بذلك الثناء عليه والمدح له ، لخدمة النبي عليه السلام . باب النهي عن الاستنجاء باليمين فيه : [ابن أبي ] (١) قتادة، عن أبيه قال: قال رسول الله: ((إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء ، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه ، ولا يتمسح بیمینه )). قال المؤلف : التنفس في الإناء منهي عنه كما نُهي عن النفخ في الإناء، وإنما السنة إراقة القذى من الإناء لا النفخ فيه ولا التنفس ، لئلا يتقذره جلساؤه . وقوله: (( لا يمس ذكره بيمينه )) فهو في معنى النهي عن الاستنجاء باليمين ؛ لأن القبل والدبر عورة ، وموضع ( الأذى ) (٢)، وهذا إذا كان في الخلاء ، وأما على الإطلاق على ما روي عن عثمان أنه قال : (( ما تغنيت ، ولا تمنيت ، ولا مسست ذكري بيميني مذ بايعت [بها](٣) رسول الله - عليه السلام - )) فهذا على إكرام اليمين ، وإجلال النبي في مباشرته ، وهذا كله عند الفقهاء نهي أدب . قال المهلب : وفيه فضل الميامن ، وقد قال عليّ : يميني لوجهي - يعني للأكل وغيره - وشمالي لحاجتي ، وقد نزع لهذا الكلام ابنه (١) في ((الأصل)): أبو. وهو تحريف، والمثبت من (( هـ)) والحديث من مسند عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أبي قتادة ، انظر فتح الباري (٣٠٤/١ رقم ١٥٣). (٢) فى (( هـ)): للأذى . (٣) ليست في ((الأصل))، وفي ((هـ)): فيها . وما أثبتناه هو الصواب. - ٢٤٣ - الحسن حين امتخط بيمينه عند معاوية ، فأنكر عليه معاوية ، وقال : بشمالك . وأما الاستنجاء باليمين، فمذهب مالك ، وأكثر الفقهاء أن من فعل ذلك فبئس ما فعل ولا شيء عليه . وقال بعض أصحاب الشافعي ، وأهل الظاهر : لا يجزئه الاستنجاء بیمینه لمطابقة النھي والصواب في ذلك قول الجمهور ؛ لأن النهي عن الاستنجاء باليمين من باب الأدب ، كما أن النهي عن الأكل بالشمال من باب [أدب](١) الأكل ، فمن أكل بشماله فقد عصى ، ولا يحرم عليه طعامه بذلك ، وكذلك من استنجى بيمينه ، وأزال الغائط فقد خالف النهي ، ولم يقدح ذلك في وضوئه ولا صلاته ، ولم يأت حرامًا .. وترجم لحديث أبي قتادة باب : لا يمس ذكره بيمينه إذا بال ، وهذا كله من باب الأدب ، وتفضيل الميامن ، ألا ترى قول عثمان : (( ولا مسست ذكري بيميني مذ بايعت رسول الله ◌َلاول )» فينبغي التأدب بأدب النبي ، وسلف الصحابة ، وتنزيه اليمنى عن استعمالها في الأقذار ومواضعها . باب : الاستنجاء بالحجارة فيه : أبو هريرة قال: (( اتبعت النبي - عليه السلام - وخرج لحاجته، فكان لا يلتفت ، فدنوت منه ؛ فقال : ابغني أحجارًا أستنفض بها - أو (١) من (( هـ )) .. - ٢٤٤ - نحوه - ولا تأتني بعظم ولا روث ، فأتيته بأحجار بطرف ثيابي فوضعتها إلی جنبه، وأعرضت عنه ، فلما قضى أتبعه بهن )). قال المؤلف : الاستنجاء هو إزالة النجو من المخرج بالأحجار أو بالماء ، واختلف العلماء في ذلك هل هو فرض أو سنة ؟ فذهب مالك والكوفيون إلى أنه سنة لا ينبغي تركها ، فإن صلى كذلك فلا إعادة عليه ، إلا أن مالكًا يستحب له الإعادة في الوقت ، وذهب الشافعي، وأحمد ، وأبو ثور إلى أن الاستنجاء فرض ، ولا تجزئ صلاة من صلى بغير استنجاء بالأحجار أو بالماء ، واحتجوا بأن النبي - عليه السلام - أمر بالاستنجاء بثلاثة أحجار ، فكل نجاسة قرنت في الشرع بعدد فإن إزالتها واجبة ، كولوغ الكلب ، وسيأتي الكلام على من أوجب العدد في أحجار الاستنجاء في الباب [ بعد هذا ] (١) إن شاء الله - تعالى - فأما غسل الولوغ عند مالك وأصحابه فليس النجاسة، وسيأتي بعد هذا - إن شاء الله تعالى . والحجة لقول مالك ، والكوفيين أنه معلوم أن الحجر لا ينقي إنقاء الماء، فلما وجب أن يقتصر على الحجر في ذلك مع بقاء أثر الغائط علم أن إزالة النجاسة سنة ، وقد سئل ابن سيرين عن رجل صلى بغير استنجاء ، فقال: لا أعلم به بأسًا . وقيل لسعيد بن جبير : إزالة النجاسة فرض ؟ فقال : اتل ( عليَّ به) (٢) قرآنًا . قال ابن القصار : فرأى أن الفرض لا يكون إلا بقرآن، / وقد [٣٨٥/١-١] يكون ببيان الرسول لمجمل القرآن ، فأما ما يبتدئه عليه السلام فليس بفرض . (١) في ((الأصل)) بعدها. والمثبت من (( هـ)). (٢) في (( هـ )) : بها عليَّ. - ٢٤٥ - ومن الاستنجاء بالأحجار جعل أهل العراق أصلا أن مقدار الدرهم من النجاسات فما دون ، معفو عنه ؛ قياسًا على دود الدبر؛ لأنَّ الحجر لا يزيل أثر الغائط منه إزالة صحيحة . واختلفوا هل يجوز الاستنجاء بكل ما يقوم مقام الأحجار من الآجر والخزف ، والتراب وقطع الخشب ؟ . . فأجاز مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي الاستنجاء بكل ما يقوم مقام الحجارة في إزالة الأذى ما لم يكن مأكولا أو نجسًا . وقال أهل الظاهر : لا يجوز الاستنجاء بغير الأحجار . قاله ابن القصار. . وحجة الفقهاء أنه عليه السلام لما نهى عن العظم والروث دل أن ما عداهما بخلافهما ، وإلا لم يكن لتخصيصهما بالنهي فائدة . فإن قيل : إنما نص عليهما تنبيهًا أن ما عداهما في معناهما . قيل : هذا لا يجوز ؛ لأن التنبيه إنما يفيد إذا كان في المنبه عليه معنى المنبه له وزيادة . فأما أن يكون دونه في المعنى فلا يفيد كقوله تعالى : ﴿ فلا تقل لهما. أف﴾ (١) دخل فيه الضرب ؛ لأن الضرب فيه أف ، وأبلغ منه، ولو نص على الضرب لم يكن فيه التنبيه على المنع من أف ؛ لأنه ليس في أف معنى الضرب . وقد قال تعالى: ﴿ومنهم من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ﴾ (٢) ، فعلم أن من أدى الأمانة في القنطار کان أولى أن يؤديها في الدینار ، ومن لم يؤدها في الدينار كان أولى ألا يؤديها في القنطار ، وكذلك ما عدا الروث -- -- (١) الإسراء : ٢٣ . (٢) آل عمران : ٧٥. - ٢٤٦ - والرِّمة من الطاهرات ؛ لأنه ليس في الطاهرات معنى الروث والرِّمة، فلم يقع التنبيه عليها ، بل وقع على ما في معناها من سائر النجاسات التي هي أعظم منها . باب : لا يستنجی بروث فيه : عبد الله يقول: (( أتى النبي - عليه السلام - الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار ، فوجدت حجرين ، والتمست الثالث فلم أجده ، فأخذت روثة فأتيته بها ، فأخذ الحجرين ، وألقى الروثة وقال: هذا ركس)). واختلف العلماء في عدد الأحجار ، فذهب مالك ، وأبو حنيفة إلى أنه إن اقتصر على دون ثلاثة أحجار مع الإنقاء جاز . وقال الشافعي : لا يجوز الاقتصار على دون ثلاثة أحجار وإن أنقى. قال الطحاوي : وفي هذا الحديث دليل على أن عدد الأحجار ليس فرض ؛ وذلك أنه عليه السلام قعد للغائط في مكان ليس فيه أحجار ، لقوله لعبد الله: ((ناولني ثلاثة أحجار))، ولو كان بحضرته من ذلك شيء لما احتاج أن يناوله من غير ذلك المكان ، فلما أتاه عبد الله بحجرين وروثة فألقى الروثة ، وأخذ الحجرين دل ذلك على أن الاستنجاء بهما يجزئ مما يجزئ منه الثلاثة ؛ لأنه لو لم يجز إلا الثلاثة لما اكتفى بالحجرين، ولأمر عبد الله أن يبغيه [ ثالثًا ] (١). وقال ابن القصار : وقد روي في بعض الآثار [ التي ] (٢) لا تصح (١) فى (( الأصل)): بالثالثة. والمثبت من (( هـ)). (٢) في (( الأصل): الذي. والمثبت من (( هـ ). - ٢٤٧ - أنه أتاه بثالث فأي الأمرين كان فالاستدلال لنا به صحيح ؛ لأنه عليه السلام اقتصر للموضعين على ثلاثة أحجار ، فحصل لكل واحد منهما أقل من ثلاثة؛ لأنه لم يقتصر على الاستنجاء لأحد الموضعين ويترك الآخر . قال : ويحتمل أن يكون أراد بذكر الثلاثة أن الغالب وجود (الاستنقاء) (١) بها كما ذكر في المستيقظ من النوم أن يغسل يده ثلاثًا قبل إدخالها الإناء على غير وجه الشرط ، والدليل على أن الثلاثة ليست بحدّ أنه لو لم ينق بها لزاد عليها ، فنستعمل الأخبار كلها فنحمل أخبارنا على جواز الاقتصار على الثلاثة إذا أنقت ولا يقتصر عليها إذا لم تنق ، فعلم أن الفرض الإنقاء . ويجوز أن تحمل الثلاثة على الاستحسان ، وإن أنقى بما دونها ؛ لأن الاستنجاء مسح ، والمسح في الشرع لا يوجب التكرار ، دليله مسح الرأس والخفين ، وأيضًا فإنها نجاسة عفي عن أثرها ، فوجب ألا يجب تكرار المسح فيها . وأيضًا فإن الحجر الواحد لو كان له ثلاثة أحرف قام مقام الثلاثة الأحجار فكذلك يقوم الحجر والحجران مقام الثلاثة إذا حصل بها قلع النجاسة . وقوله : (( هذا ركس )) يمكن أن يريد معنى الرجس ، ولم أجد [٣٨٦/١-ب] لأهل النحو شرح هذه الكلمة والرسول وَقو / أعظم الأمة في اللغة. -.- (١) في ((.هـ)): الإنقاء - ٢٤٨ - باب : الوضوء مرة مرة فيه : ابن عباس: (( أن النبي - عليه السلام - توضأ مرة مرة )) . * باب : الوضوء مرتين مرتين فيه: عبد الله بن زيد: ((أن النبي (98 توضأ مرتين مرتين)). باب : الوضوء ثلاثًا ثلاثًا فيه: عثمان: ((أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: قال رسول الله وَلـ: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلی ر کعتین لا یحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه )) . وقال مرة : لأحدثنكم حديثًا لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه ، سمعت النبي - عليه السلام - يقول : لا يتوضأ رجل مسلم فيحسن وضوءه ويصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة حتى يصليها )) . قال عروة: الآية ﴿إن الذين يكتمون ما أنزل الله ... ﴾ (١). قال الطحاوي : في هذه الأحاديث دليل أن المفترض من الوضوء هو مرة مرة ، وما زاد على ذلك فهو لإصابة الفضل لا الفرض ، وأن المرتين والثلاثة من ذلك على الإباحة ، فمن شاء توضأ مرة ، ومن شاء مرتين ، ومن شاء ثلاثًا وهذا قول أهل العلم جميعًا ، لا نعلم بينهم في ذلك ( اختلافًا ) (٢) . (١) البقرة : ١٧٤ . (٢) في (( هـ)): خلافًا. - ٢٤٩ - وقد تقدم هذا المعنى في كتاب الوضوء والحمد لله . وفي حديث عثمان من الفقه أنه فرضٌ على العالم تبليغ ما عنده من العلم وبئه في الناس ؛ لأن الله قد توعد الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى باللعنة من الله وعباده ، وأخذ الميثاق على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه وهذه الآية وإن كانت نزلت في أهل الكتاب، فقد دخل فيها كل من علم علماً تعبّد [الله ] (١) العباد بمعرفته ، ولزمه من بِّه وتبليغه ما لزم أهل الكتاب من ذلك والله الموفق . قال المهلب : وفيه : أن الإخلاص لله في العبادة ، وترك الشغل بأسباب الدنيا يوجب الله عليه الغفران ويتقبله من عبده ، وإذا صح هذا وجب أن يكون من لها في صلاته عما هو فيه ، وشغل نفسه بالأماني، فقد أتلف أجر عمله ، وقد وبخ الله بذلك أقوامًا فقال : ولاهية قلوبهم﴾ (٢) وقد جاء أن الله لا يقبل الدعاء من قلبٍ لاه . قال غيره : وأما من وسوس له الشيطان وحدَّث نفسه في صلاته بأشياء دون قصد منه لذلك ، فإنه يرجى أن تقبل صلاته ، ولا تبطل ، وتكون دون صلاة الذي لم يحدَّث نفسه ، بدليل أن النبي - عليه السلام - قد اشتغل باله في ( الصلاة ) (٣) حتى سها ، وهذا قل ما يسلم منه أحد، وقد قال عليه السلام: (( إن الشيطان لا يزال بالمرء في صلاته يذكره ما لم يكن يذكر حتى لا يدري كم صلى )) . وقوله في حدیث عثمان : « لا يحدث فيها نفسه » يدل على هذا المعنى؛ لأنه ما ضمنه لمراعي ذلك في صلاته من الغفران يدل على أُنْه قل ما تسلم صلاة من حديث نفس . (١) من (( هـ). (٣) في ((هـ )) : صلاته (٢) الأنبياء : ٣ . - ٢٥٠ - باب : الاستئثار في الوضوء فيه : أبو هريرة ، قال عليه السلام: (( من توضأ فليستنثر ، ومن استجمر فليوتر )) . الاستئثار هو دفع الماء الحاصل في الأنف بالاستنشاق ، ولا يكون الاستنثار إلا بعد الاستنشاق ، والاستنشاق هو أخذ الماء بريح الأنف ، وإنما لم يذكر هاهنا الاستنشاق ؛ لأن ذكر الاستئثار دليل عليه إذ لا يكون إلا منه ، وقد أوجب بعض العلماء الاستنثار بظاهر [ هذا ] (١) الحديث ، وحمل ذلك أكثر العلماء على الندب ، واستدلوا [ بأن ](٢) غسل باطن الوجه غير مأخوذ علينا في الوضوء ، وسيأتي زيادة في هذا المعنى في باب المضمضة [ بعد هذا إن شاء الله] (١). باب : الاستجمار وتراً فيه: أبو هريرة: قال رسول الله يلر: ((إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم لينثر، ومن استجمر فليوتر ، وإذا استيقظ أحدكم من نومه فلیغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده)) . بعض الرواة يقول في هذا الحديث : (( فليجعل في أنفه ماء )) وهو الاستنشاق وبعضهم لا يذكر ذلك / والمعنى مفهوم في رواية من قصر [٣٩٥/١-١] عن ذلك . (١) من ( هـ )) . (٢) في ((الأصل)): بآثار. وهو تحريف، والمثبت من (( هـ). - ٢٥١ - وأما قوله عليه السلام: ((من استجمر فليوتر )) فالاستجمار عند العرب: إزالة النجو من المخرج بالجمار ، والجمار عندهم الحجارة الصغار، واحتج الفقهاء بهذا الحديث أن عدة الأحجار [ فى ] (١) الاستجمار غير واجب قال الطحاوي : والدليل على ذلك ما قال إبراهيم بن مروان ، قال: حدثنا أبو عاصم عن ثور بن [ يزيد ] (٢) ، قال : حدثنا حصين الحبراني. قال : حدثنا أبو سعيد الخير ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : (( من استجمر فليوتر ، من فعل هذا فقد أحسن ومن لا فلا حرج )) . فدل في الحديث أن النبي - عليه السلام - إنما أمر بالوتر في الآثار الأولى استحبابًا منه للوتر ، لا أن ذلك من طريق الفرض الذي لا يجوز إلا هو . واختلف العلماء في غسل اليد قبل إدخالها الإناء للوضوء فذهب مالك والكوفيون ، والأوزاعي ، والشافعي إلى أن ذلك مندوب إليه ، وليس بواجب . وقال أحمد : إن كان من نوم الليل دون النهار وجب غسلهما . وذهب ( قوم ) (٣) إلى أنه واجب في كل نوم لا لنجاسة، فإن أدخلها قبل غسلهما لم يفسد الماء . وقال الحسن البصري : إن أدخلهما الإناء قبل غسلهما نجس الماء (١) من ( هـ)). (٢) في ((الأصل)) زيد. وهو تحريف، والمثبت من ((هـ))، وثور بن يزيد هو الكلاعي ، من رجال التهذيب . (٣) في (( هـ)) : بعضهم . - ٢٥٢ - سواء كان على يده نجاسة أم لا . واحتج الذين أوجبوا غسلهما بأن النبي - عليه السلام - أمر بغسلهما قبل إدخالهما الإناء أمرًاً مطلقًا . قال ابن القصار : فيقال لهم : الحديث يدل على أنه استحباب ؛ لأن الرسول - عليه السلام - علل ونبه بقوله: (( فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده)) . فعلمنا أنه على طريق الاحتياط ، وأعلمنا أنه ليس لأجل الحدث بالنوم ؛ لأنه لو كان ذلك لم يحتج إلى الاعتلال ؛ لأن قائلا لو قال : اغسل ثوبك فإنك لا تدري أي شيء حدث فيه ، وهل أصابه نجس أم لا ؟ لعلم أن ذلك على الاحتياط ، ولم يجب غسله إلا أن تظهر فيه نجاسة . وقال النخعي : كان أصحاب عبد الله إذا ذكر عندهم حديث أبي هريرة قالوا : كيف يصنع أبو هريرة بالمهراس الذي بالمدينة ؟ وقال أعمش : عن إسماعيل بن رجاء ، عن أبيه ، عن البراء بن عازب (( أنه كان يدخل يده في المطهرة قبل أن يغسلها)). وسنزيد هذا الباب بيانًا في باب الغسل بعد هذا إن شاء الله # باب : المضمضة ( والاستنشاق ) (١) في الوضوء قاله ابن عباس ، وعبد الله بن زيد عن النبي - عليه السلام . فيه : عثمان: (( أنه دعا بوضوء فأفرغ على يديه فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء ، ثم تمضمض ، واستنشق ، واستنثر ، (١) ليست في (( هـ ، ن)). - ٢٥٣ - ثم غسل وجهه ثلاثا ، وبديه إلى المرفقين ثلاثًا ، ومسح برأسه ، ثم غسل كل رجل ثلاثًا ... )) الحديث . قال ابن القصار : واختلف العلماء في المضمضة والاستنشاق على أربعة مذاهب : فذهب ربيعة ، ومالك ، والليث ، والأوزاعي ، والشافعي إلى أنهما (سنتان ) (١) في الوضوء ، وفي غسل الجنابة جميعًا . وذهب إسحاق ، وابن أبي ليلى إلى أنهما واجبتان في الطهارتين جميعًا: الوضوء وغسل الجنابة . وذهب الثوري ، وأبو حنيفة ، وأصحابه إلى أنهما واجبتان في: غسل الجنابة ، وغير واجبتين في الوضوء ، وهو قول إسحاق ( وحماد ابن أبي سليمان ) (٢). وذهب أحمد ، وأبو ثور إلى أن الاستنشاق واجب فيهما ، والمضمضة غير واجبة فيهما . وحجة القول الأول أنه لا فرض في الوضوء إلا ما ذكر الله تعالى في القرآن ، وذكر غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ، ومسح الرأس ، وغسل الرجلين . قالوا : وما لم يوجبه الله في كتابه ، ولا أوجبه رسوله ، ولا اتفق الجميع عليه فليس بواجب ، والفرائض لا تثبت إلا من هذه الوجوه ، وقالوا : الوجه ما ظهر لا ما بطن ، وقد أجمعوا أنه ليس عليه غسل باطن عينيه ، فكذلك المضمضة والاستنشاق ، وروي عن ابن عمر أنه كان يدخل الماء في عينيه في وضوئه ، ولم يتابع عليه . (١) في ((هـ)» : يُسنان (٢) ليست في (( هـ ). - ٢٥٤ - :. وحجة الكوفيين قوله عليه السلام: (( تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر، وأنقوا البشرة))، وفي الأنف ما فيه من الشعر ، ولا يُوصَل إلى غسل الأسنان والشفتين إلا بالمضمضة ، وقد قال عليه السلام : ((العينان تزنيان والفم يزني)). وحجة من أوجبهما في الوضوء والغسل قوله تعالى : ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى / تغتسلوا ﴾ (١) كما قال في الوضوء: [٣٩/١-ب] ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ (٢) فما وجب في الواحد من الغسل وجب في الآخر ، ولم يحفظ أحد عن النبي - عليه السلام - أنه ترك ذلك في وضوئه ولا غسله، وهو الُبَيِّن عن الله - تعالى - مراده . وحجة من فرق بين المضمضة والاستنشاق أن الرسول (٣) المضمضة ولم يأمر بها ، وفعل الاستنشاق وأمر به ، وأمره أقوى من فعله . باب : غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين فيه: عبد الله بن عمرو قال: (( تخلف النبي - عليه السلام - عنا في سفره فأدركته ، وقد أرهقنا العصر ، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا ، فنادى بأعلى صوته : ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثًا)). هذا الحديث تفسير لقوله: ﴿وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ (٢)، والمراد منه غسل الأرجل لا مسحها. قال الطحاوي : وقد ذهب قوم من السلف إلى خلاف هذا ، وقالوا : الغرض في الرجلين هو المسح لا الغسل وقرءوا (( وأرجلكم )) (١) النساء : ٤٣ . (٢) المائدة : ٦ . (٣) بياض بالأصل . - ٢٥٥ - بالخفض . روي ذلك عن الحسن البصري ، ومجاهد ، وعكرمة ، والشعبي . وقال الشعبي : نزل القرآن بالمسح والسنة الغسل ، واحتجوا من طريق النظر بالتيمم ، وقالوا : لما كان حكم الوجه واليدين في الوضوء الغسل ، وحكم الرأس المسح بإجماع ، كان التيمم على الوجه واليدين المغسولين ، وسقط عن الرأس الممسوح ، كان حكم الرجلين بحكم الرأس أشبه ، إذ سقط التيمم عنهما كما سقط عن الرأس . وقال أخرون : ((أرجلكم)) بالنصب، وقالوا : عاد إلى الغسل، روي ذلك عن ابن مسعود ، وابن عباس ، والتقدير : اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ، وأرجلكم إلى الكعبين ، وامسحوا برءوسكم . قال غيره : والقراءتان صحيحتان ومعلوم أن الغسل مخالف للمسح وغير جائز أن تَبْطُل إحدى القراءتين بالأخرى ، فلم يبق إلا أن يكون المعنى الغسل ، وقد وجدنا العرب تخفض بالجوار ، وإتباع اللفظ ، والمراد عندهم المعنى ، كما قال امرؤ القيس : کبیر أناس في بجاد مزّمل فخفض بالجوار ، والمزمل : الرجل ، وإعرابه الرفع ، ومثله كثير. وقد تقول العرب : تمسحت للصلاة ، والمراد الغسل . وروى أشهب عن مالك أنه سُئل عن قراءة من قرأ ((وأرجلكم )) بالخفض ؟ فقال : هو الغسل . -٢٥٦ - ٠ قال الطحاوي : وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم ، وهو قول مالك، والثوري ، وأبي حنيفة ، وأصحابه ، والشافعي وغيرهم ، واحتجوا بحديث هذا الباب ، وقالوا : لما توعدهم النبي - عليه السلام - على مسح أرجلهم علم أن الوعيد لا يكون إلا في ترك مفروض عليهم ، وأن المسح الذي كانوا يفعلونه لو كان هو المراد بالآية ، على ما قال الشعبي لكان منسوخًا بقوله: (( ويل للأعقاب من النار)) ويدل على صحة هذا أن كل من روى عن الرسول صفة الوضوء روى أنه غسل رجليه ، لا أنه مسحهما، وقد روي عنه عليه السلام ما يدل على أن حكمهما الغسل . روى مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله وَحلول قال: ((إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء ، فإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء ، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة [ مشتها ] (١) رجلاه)). فهذا يدل على أن الرجلين فرضهما الغسل ؛ لأن فرضهما لو كان المسح لم يكن في غسلهما ثواب ، ألا ترى أن الرأس الذي فرضه المسح لا ثواب في غسله ، والحجة على من قال بالمسح - ما أدخلوه من طريق النظر - أن يقال لهم : إنا رأينا أشياء [ يكون ] (٢) فرضها الغسل في حال وجود الماء ثم يسقط ذلك الفرض في حال عدم الماء ، لا إلى فرض من ذلك الجنب عليه أن يغسل سائر جسده بالماء ، فإذا (١) في ((الأصل)): بطشتها. والمثبت من (( هـ)). (٢) من (( هـ)). - ٢٥٧- عدم الماء وجب عليه التيمم في وجهه ويديه ، وسقط حكم سائر بدنه بعد الوجه واليدين لا إلى بدل فلم يدل ذلك أن ما سقط فرضه كان فرضه في حال وجود الماء المسح فبطلت علة المخالف إذْ كان [١/ ق ٤٠-١] قد لزمه في قوله مثل ما لزم خصمه ، وهذه معارضة صحيحة / قاله الطحاوي . باب : غسل الأعقاب وكان ابن سيرين يغسل موضع الخاتم [ إذا توضأ](١) فيه : أبو هريرة أنه قال للناس وهم يتوضئون من المطهرة: (( أسبغوا الوضوء فإن أبا القاسم قال : ويل للأعقاب من النار)). قد تقدم القول في معنى هذا الحديث في الباب الذي قبل هذا ، ونزيده بيانًا ، وذلك أنه عليه السلام لما أمرهم بإسباغ الوضوء دل أن فرض الرجلين الغسل؛ لأنه لما قال ((ويل للأعقاب من النار )). والأعقاب غير ممسوحة عند من يقول بالمسح كما لا تمسح من الخفين كان دليلا أن فرض الرجلين غير المسح ، لأنه لما قال لهم : أسبغوا الوضوء ، لما تركوا من أرجلهم دل أن الأرجل توضأ ، ولا يكون ذلك إلا بالغسل ، ولما أراد منهم عموم الرجلين ، حتى لا يبقى منها لُمعة كان ذلك دليلا على الغسل لا على المسح . قاله الطحاوي . ! واختلفوا في تحريك الخاتم في الوضوء فممن روي عنه تحريكه : علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وهو قول (١) من (( هـ)). - ٢٥٨ - ابن سيرين ، والحسن ، وعروة ، وميمون بن مهران ، وحماد الكوفي، وإليه ذهب أبو ثور . ورخص في ترك تحريكه : سالم ، وهو قول مالك ، والأوزاعي . وقال أحمد بن حنبل : إن كان ضيقًا يخلله ، وإن كان سلسًا يدعه، وقاله عبد العزيز بن أبي سلمة . * * باب : غسل الرجلين في النعلين ولا يمسح على النعلين فيه : ابن عمر: (( أنه كان يصنع أربعًا لم يكن أحد من أصحابه يصنعها، قال: وأما النعال السبتية فإني رأيت رسول الله صل # [يلبس](١) النعال التي ليس فيها شعر ويتوضأ فيها ، فأنا أحب أن ألبسها ... )) وذكر باقي الحديث . في ترجمة البخاري لهذا الباب رد لما رُوي عن الرسول وَلِقهِ: ((أنه كان يمسح على النعلين في الوضوء)) ، وروي أيضا عن علي بن أبي طالب أنه أجاز ذلك ، وعن أبي مسعود الأنصاري ، والبراء مثله ، وروي أيضًا عن النخعي . وحجة هذا القول ما روى حماد بن سلمة ، عن يعلى بن عطاء ، عن أوس بن أبي أوس ، عن أبيه (( أنه كان في سفر فمسح علی نعلیه، فقيل له : لم تفعل هذا؟ قال: رأيت رسول الله وَ ل يمسح على النعلين)) . فأراد البخاري أن يعرفك من حديث ابن عمر أن (١) في (( الأصل)): لبس. والمثبت من (( هـ، ن). - ٢٥٩ - رواية من روى عن الرسول المسح على النعلين كان وهمًا ، وأنه كان غسلا بدليل هذا الحديث ، ولم يصح عند البخاري حديث المسح على النعلين . وأوس بن أبي أوس من الشيوخ الذين لا يوازون بعبيد بن جريج عن ابن عمر . وبترك المسح على النعلين قال أئمة الفتوى بالأمصار . فإن قال قائل : فقد روى الثوري عن يحيى بن أبي حية ، عن أبي الجلاس ، عن ابن عمر (( أنه كان يمسح على جوربيه ونعليه )) . فدل أن قوله في حديث عبيد بن جريج: ((أن رسول الله كان يتوضأ في النعال السبتية)) أنه كان يمسح رجليه في نعليه في الوضوء لا أنه كان يغسلهما . قيل له : ليس الأمر كما توهمت ، ولا يصح عن ابن عمر أنه كان يمسح على جوربيه ونعليه ؛ لأن يحيى بن أبي حية ضعيف ، ولا حجة في نقله ، والصحيح عن ابن عمر بنقل الأئمة: (( أنه كان يغسل رجليه ولا يمسح عليهما )) . روى أبو عوانة عن أبي بشر ، عن مجاهد أنه ذكر له المسح على القدمين فقال: (( كان ابن عمر يغسل رجليه غسلا ، وكنت أسكب عليه الماء سكبًا )). وروى عبد العزيز بن الماجشون ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر مثله . وقال عطاء : لم يبلغني عن أحد من أصحاب رسول الله أنه مسح على نعليه . فهذا أبو هريرة (1) مما روي عن ابن عمر أنه مسح على نعليه . (١) كذا في (( الأصل، هـ). - ٢٦٠ -