Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
المرسل
وقال المصنف: لم أر التقييد [بالكبير](١)، صريحاً [عن أحد](١)، نعم قيّد
الشافعي رضي الله عنه المرسل الذي يُقبل إذا اعتضد، بأن يكون من رواية
التابعي الكبير، ولا يلزم من ذلك أن لا يُسَمَّى ما رواه التابعي الصغير مرسَلًا (٢).
وأطلقه الفقهاء والأصوليون على قول مَن دون التابعي، منقطعاً كان أو معضلًا:
قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولذلك قال ابن الحاجب في ((مختصره)(٣):
المرسل قول غير الصحابي: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. انتهى.
[وإليه](٤) ذهب الخطيب، لكن قال: إن أكثر ما يوصف بالإِرسال مِن حيث
الاستعمال رواية التابعي عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
وقال الحاكم(٥) وغيره من المحدثين: المرسَل مختص بالتابعي عن رسول الله
صلى الله تعالى عليه وسلم. وفي ((الخلاصة)): التحقيق أن المرسل في اصطلاح
(١) سقط من (ج).
(٢) وتحقيق مذهب الإمام الشافعي في قبول المرسل كما أورده في ((الرسالة)) ص ٤٦١ - ٤٦٤، هو قبول
المرسل من كبار التابعين بشرط الاعتبار في الحديث المرسل، وفي الراوي المرسل:
- أما الاعتبار في الحديث المرسل فهو أن يعتضد بواحد من أربعة أمور:
١ - أن يُروی مسنداً من وجه آخر.
٢ - أن يُروى مرسلاً بمعناه على راو آخر لم يأخذ عن شيوخ الأول، فيدل ذلك على تعدد
مخرج الحديث.
٣ - أو يوافقه قول بعض الصحابة.
٤ - أو يكون قد قال به أكثر أهل العلم.
- أما الاعتبار في راوي المرسل: فأن يكون الراوي إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولاً ولا
مرغوباً عنه في الرواية.
فإذا وجدت هذه الأمور كانت دلائل على صحة مخرج حديثه، فيحتج به. انتهى نقلاً عن علوم.
الحديث ص ٥٤ تعليق رقم (١).
(٣) حاشية التفتازاني والجرجاني على مختصر المنتهى الأصولي ٧٤/٢.
(٤) سقط من (ج) وفي المطبوعة: به.
(٥) معرفة علوم الحديث ص ٢٥ نقله المصنف بالمعنى .

٤٠٢
المرسل
المحدثين أن يترك التابعي الواسطة بينه وبين رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم، [فإنْ ترك الراوي واسطة [بين](١) الراويين](٢)، فهذا يسمى منقطعاً، وإن
ترك أكثر من واحد، فهو المسمى بالمُعضل عندهم، والكل يسمى مرسَلًا عند
الفقهاء والأصوليين. وفي ((الجواهر))(٣): وأما قول الزهري وغيره [٨٩ - أ] من
التابعي الصغير قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فالمشهور عند من خصه
بالتابعي أنه مرسَل، كالتابعي الكبير، وقيل: [بل] منقطع. انتهى.
ومنه يعلم أن التابعي إذا لم تكن له رواية عن الصحابة مطلقاً وأرسل
الحديث، فينبغي أن لا يكون الخلاف في كونه منقطعاً، كما أشار / ٦٤ - ب/ إليه
السيد جمال الدين المحدث في ((حاشية المشكاة))(٤) عند قوله: وعن الأعمش
قال: قال رسول الله ( *): ((آفة العلم النسيان)) الحديث. رواه الدارمي(٥)
[مرسلاً](٦)، حيث قال: المراد بالإِرسال هنا المعنى اللغوي، وهو الانقطاع، لأن
الأعمش لم يسمع من أحد من الصحابة، وإن ثبت سماعه من أنس، فالمرسل
بالمعنى الاصطلاحي. انتهى .
وتوضيحه: أن منشأ اختلافهم في التابعي الصغير، هو أن روايته عن
الصحابي (٧) قليلة نادرة، والحكم إنما يكون مبنياً(٨) على الغالب، فإذا تحقق
١١٠ عدم روايته عن الصحابي، فلا وجه للاختلاف في كون حديثه مرسَلاً / بل يكون
منقطعاً قطعاً، والله أعلم.
(١) سقط من (د).
(٢) سقط من (ج).
(٣) جواهر الأصول في علم حديث الرسول ص ٤٤ وما بين الحاصرتين منه.
(٤) عبارة (د) حاشيته للمشكاة.
(٥)، في سننه ١٥٨/١، المقدمة، باب مذاكرة العلم (٥١)، رقم (٦٢١).
(٦) سقط من المطبوعة .
(٧) في (ج) الصحابة.
(٨) في (ج) بينا.
:

٤٠٣
المرسل
وإنما ذُكِرَ في قسم المردود للجهل بحال المحذوف؛ لأنه
يُحتمل أن يكون صحابياً، ويُحتمل أنْ يكون تابعياً،
(وإنما ذكر) أي المرسل، (في قسم المردود) مع أن المعتمد عند المحدثين
أنه ما حُذف منه(١) الصحابي وهو - لا شك - أنه ثقة.
ولذا قال جمهور العلماء(٢) : إن المرسل حجة مطلقاً بناء على الظاهر مِن
حاله، وحسنٍ الظن به أنه ما يروي(٣) حديثه إلا عن الصحابي. وإنما حذفه لسبب
من الأسباب، كما إذا كان يروي ذلك الحديث عن جماعة من الصحابة، كما ذكر
عن الحسن البصري أنه قال: إنما أطلقته(٤) إذا سمعته من سبعين من الصحابة،
وكان قد يحذف اسم علي رضي الله تعالى عنه بالخصوص أيضاً لخوف الفتنة.
(للجهل بحال المحذوف) أي في الجملة؛ (لأنه يحتمل(٥) أن يكون) أي
المحذوف؛ (صحابياً، ويحتمل) أي احتمالاً بعيداً، ولذا ما اعتبره الجمهور من
الأصوليين، (أن يكون تابعياً) بأن (٦) تابع مذهب الفقهاء وغيرِهم، أو لعدم
تقيّدهم (٧) بالرواية عن الصحابة.
(١) في (ج) والمطبوعة: فيه.
(٢) ولو عبر الشيخ بجمهور الفقهاء لكان أفضل، حيث إن جمهور العلماء وبتعبير أخص جمهور
المحدثين لا يرى في الواقع حجية المرسل كما أفاده الحافظ ابن الصلاح في ((علوم الحديث))
[٥٤ - ٥٥] حيث قال: ((وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه، هو المذهب
الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث ونقاد الأثر وقد تداولوه في تصانيفهم. وفي صدر
صحيح مسلم [١ /٣٠ المقدمة]: ((المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار: ليس بحجة))
انتهى من كتاب الإِمام علي القاري وأثره في علم الحديث ص ١٨٩ .
(٣) عبارة (ج) أنه ما يروي ذلك الحديث عن جماعة عن الصحابة حديثه، وهو سبق نظر من الناسخ إلى
السطر الذي بعده.
(٤) في (ج) والمطبوعة: أطلقه.
(٥) في (ج) محتمل.
(٦) في (ج) فإن.
(٧) في المطبوعة: تقييدهم.

٤٠٤
المرسل
وعلى الثاني يحتمل أنْ يكون ضعيفاً، ويحتمل أن يكون ثقةً، وعلى
الثاني يُحتمل أن يكون حَمَل عن صحابي، ويحتمل أن يكون حمل
عن تابعي آخر، وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق ويتعدد، أما
بالتجويز العقلي فإلى ما لا نهاية له،
(وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفاً، ويحتمل أن يكون ثقة) [٨٩ - ب]
لعدم تقيدهم بالرواية عن الثقات. وأما على الأول: فثقة جزماً لأن الصحابة كلهم
عدول.
(وعلى الثاني) أي على تقدير كون التابعي ثقة، (يحتمل أن يكون حَمَل) أي
أخذ وتحمّل (عن صحابي، ويحتمل أن يكون حَمَل عن تابعي آخر) وعلى الأول
أيضاً يحتملها، لكن المراد بيان سبب ذكره في المردود، [وعلى الأول ظهر المردود
به](١) فلا حاجة إلى بيان الاحتمالات(٢) فیه.
(وعلى الثاني:) وهو احتمال كون الثاني حاملاً عن تابعي آخر، (فيعود) أي
يرجع (الاحتمال السابق) وهو احتمال كون التابعي ضعيفاً، أو ثقة. والفاء إما لتقدير
[ أمّا](٣) أو لتوهمها.
(ويتعدد) أي ويحتمل تعدداً(٤) آخر ويرتقي احتماله، (أما بالتجويز العقلي
في احتمال التعدد، فإلى ما لا نهاية له) أي مع قطع النظر عن الدليل النقلي (٥)
الخارجي، فاندفع ما قال تلميذه: محال عند العقل، أن يجوز بين التابعي والنبي
صلى الله تعالى عليه وسلم مَن لا يتناهى. كيف وقد وقع التناهي في الوجود
(١) سقط من (ج).
(٢) في (ج) احتمالات.
(٣) سقط من المطبوعة.
(٤) في (ج) و(د) تعدد.
(٥) في (ج) العقلي.

٤٠٥
المرسل
وأما بالاستقراء فإلى ستة أو سبعة، وهو أكثر ما وُجِدَ مِن رواية
بعض التابعين عن بعض.
الخارجي بذكر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. انتهى.
والظاهر أنه أراد الكثرة وأتى بما لا نهاية له مبالغة، إذ مِن المعلوم عند
العقلاء أن الانتساب إلى آدم عليه السلام /٦٥ - أ/ أمر متناه، فكيف إلى نبينا صلى
الله تعالى عليه وسلم، فمراده أنه يتعدد، إما بالتجويز العقلي إلى أتباعٍ غيرٍ
محصورة عندهم، بقرينة (١) المقابلة بقوله:
(وأما بالاستقراء) أي بالتتبع الحاصل بالدليل النقلي(٢).
(فإلى) أي فينتهي التعدد إلى (ستة أو سبعة). قال محشٍ: ((أو) للترديد، أو
بمعنى بل، ثم كتب في حاشيته(٣) أنّ ((أو)) هذه تحتملهما، وحاصلهما: اختياره أن أو
بمعنى [بل](٤)، لكن نقل التلميذ عن المصنف أنه قال: ((أو)) هنا للشك لأن السند
الذي ورد فيه سبعة أنفس اختلفوا في واحدهم هل هو صحابي أو تابعي، فإن ثبت
صحبته فإن التابعين(٥) ستة، وإلا فسبعة.
(وهو) أي هذا العدد، (أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين، عن بعض).
واعلم أن كون المرسَل [٩٠ - أ] حديثاً ضعيفاً لا يحتجّ به، إنما هو اختيار جماعة
من المحدثين، وهو قول الشافعي(٦) رضي الله عنه، وطائفة من الفقهاء،
(١) عبارة المطبوعة: عند قرينة المقابلة، وفي (ج) لقرينة.
(٢) في (ج) العقلي .
(٣) في المطبوعة: هامشه.
(٤) سقط من (ج).
(٥) عبارة المطبوعة: فإن ثبت صحة فالتابعون ستة.
(٦) فكلام ملا علي القاري هنا - وهو قول الشافعي - ليس بصحيح على إطلاقه، إذ أن الشافعي يفصل في
ذلك، انظر تحقيق مذهب الإمام الشافعي في قبول المرسل ص ٤٠١ تعليق رقم (٢).
:

٤٠٦
المرسل
فإنّ عُرِفَ مِن عادة التابعي أنه لا يرسل إلا عن ثقة، فذهب
جمهور المحدثين إلى التوقف لبقاء الاحتمال،
وأصحاب الأصول(١). وقال مالك في المشهور عنه، وأبو حنيفة، وأصحابه،
١١١ وغيرهم من أئمة / العلماء كأحمد في المشهور عنه: أنه صحيح يحتج(٢) به، بل
حكى(٣) ابن جرير إجماع التابعين بأسرهم على قبوله، وأنه لم يأت عن أحد منهم
إنكاره، ولا عن أحد من الأئمة بعدهم، إلى رأس المئتين الذين هم من القرون
الفاضلة، المشهود لها من الشارع صلى الله تعالى عليه وسلم بالخيرية (٤)
وبالغ بعض القائلين بقوله، فقوّاه(٥) على المسند معلَّلا: بأن مَن أسند فقد
أحالك، ومن أرسل فقد تكفّل لك، وهذا إذا لم يعرف حاله.
(فإنْ عُرِف مِنْ عادة التابعي أنه لا يرسل إلا عن ثقة، فذهب جمهور
المحدثين) أي على زعمه(٦)، (إلى التوقف) أي في قبوله ورده. ويرد(٧) على
المصنف أنه حينئذ لا يصح جعله قسماً من [أقسام](٨) المردود(٩) القطعي على
مذهبهم! (لبقاء الاحتمال) إذ يجوز أن يكون ثقة عنده لا في نفس الأمر كذا قيل.
(١) عبارة (ج) من أصحاب الأصول.
(٢) في المطبوعة: محتج.
(٣) في المطبوعة: حكم.
(٤) في قوله: ((خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري)
٣/٧، كتاب فضائل أصحاب النبي ◌ََّ (٦٢)، باب فضائل أصحاب النبي ◌َّ (١)، رقم (٣٦٥٠).
(٥) في (ج) وقرئه.
(٦) في (ج) زعم.
(٧) في (د) رد.
(٨) سقط من (ج).
(٩) في (د) الرد.

٤٠٧
المرسل
وهو أحدُ قَولَيْ أحمد، وثانيهما وهو قول المالكيِّين والكوفيين: يُقْبَل
مطلقاً، وقال الشافعي: يُقْبَل إِنْ اعتُصِدَ بمجيئه من وجه آخر يُمَاین
وهو غير صحيح؛ إذ الكلام مبني (١) على فرض أنه لا يرسل إلا عن ثقة. وعلم هذا
من دأبه بالتتبع في نقله، لا بناءً على قوله. فالصواب أن يقال: لبقاء احتمال أن
يكون هذا الإِرسال بخصوصه مِن غير عادته. وقال شارح: إلى التوقف، وأنه لا
يقبل. وظاهره مناف للتوقف إنْ قُرىء بفتح أنه، وأما(٢) إذا قرىء بكسر إنه، فله
وجه، وهو: أن التعليل إنما هو لعدم القَبول المستلزمِ لعلة(٣) عدم الرد، وهو بقاء
الاحتمال، إذ لا يصح الاستدلال مع وجود الاحتمال نفياً وإثباتاً. (وهو أحد قولي
أحمد) أي غير المشهور عنه.
(وثانيهما: وهو قول المالكيين والكوفيين) فيرد على المصنف أنه لا يصح
جعله(٤) قسماً(٥) من المردود بناء على جميع المذاهب. (يقبل) أي المرسل،
(مطلقاً) [٩٠ - ب].
قال / ٦٥ - ب/ تلميذه: الأولى تركه، أو تأخير قول المالكيين والكوفيين عن
قول الشافعي، إذ يوهم الإِطلاق أنه سواء عُرِفَ مِن عادته ما ذُكِرَ أوْ لا، فيخالف ما
عند الكوفيين والمالكيين. انتهى. والظاهر أنه أراد بقوله: مطلقاً سواء اعتضد
بمجیئه من وجه آخر، أو لم يعتضد بمجيئه بدليل قوله:
(وقال الشافعي: يقبل) أي [لا](٣) مطلقاً، [بل](٣) فيه تفصيل. (إن اعتُضِد)
على بناء المجهول، (بمجيئه مِن وجه آخر) أي إسنادٍ آخر (يُباين) أي يغاير
(١) في (ج) يقع.
(٢) في (د) وإنما. وسقط من (ج).
(٣) سقط من (ج).
(٤) في المطبوعة: جهله.
(٥) في (ج) مرتسما.

٤٠٨
المرسل
الطريق الأَوْلى، مُسْنَدَاً كان أو مُرْسَلاً؛ ليترجَّح احتمالُ كون
المحذوف ثقة في نفس الأمر.
ونقل أبو بكر الرَّازِيّ من الحنفية، وأبو الوليد
(الطريق الأَوْلَى) وفي نسخة: الأول، لأن الطريق يؤنث ويذكر (مسنّداً كان) أي
الثاني، (أو مرسَلاً) وسواء كان الثاني صحيحاً، أو حسناً، أو ضعيفاً. ذكره الشيخ
زكريا (١)). (ليترجح احتمال كون المحذوف) أي في الإسناد الأول.
(ثقة في نفس الأمر). وفيه بحثان:
الأول: أنه إذا كان الثاني مرسَلًا أيضاً لا يظهر وجه الترجيح، إذ الضعيف لا
يقوِّي الضعيف، نعم، كثرة الطرق الضعيفة قد تقويه وتُخرجه إلى حد الحسن
لغيره.
والثاني: أنه إذا اعتُضِد(٢) بِمُسْنَد، فالمسند هو المعتمد، ولا حاجة إلى
المرسَل، اللهم إلا أن يقال: المسند(٣) قد يكون ضعيفاً وبَانَ به قوة(٤) الساقط
وصلاحيته للاحتجاج، وقد يقال: إنهما دليلان إذ المسنّد دليل برأسه، والمرسَل
يعتضد به ويصير دليلاً آخر، فيُرَجَّح بهما الخبر عند معارضة خبر ليس له طريق
١١٢ سوى(٥) مُسْندِهِ / .
(ونقل أبو بكر الرازيّ) صاحب شرعة الإِسلام(٦) (من الحنفية، وأبو الوليد
(١) فتح الباقي ١٤٨/١ - ١٥٠.
(٣) في (ج) السند.
(٤) في (ج) فوق.
(٥) في (د) يستوى.
(٢) في (ج) اعتمد.
(٦) قال اللكنوي في الفوائد ص ١٦١، في ترجمة ((محمد بن أبي بكر، الواعظ، ركن الإِسلام ... )):
ونسب علي القاري في ((شرح شرح نخبة الفكر))، ((شرعة الإِسلام)) لأبي بكر الرازي. وهو خطأ منه
مخالف لما ذكره الثقات، ولما ذكره نفسه في ((طبقاته)) بقوله: محمد بن أبي بكر المفتي الشَّرْغِيّ
الواعظ عرف بإمام زادة ... وقال القرشي ١٠٤/٣: رأيت له كتاباً كثير الفوائد سماه: ((شرعة الإِسلام))
وانظر كشف الظنون ١٠٤٤/٢.

٤٠٩
المعضل
البَاجِيُّ من المالكية: أَنَّ الراوي إذا كان يُرْسِل عن الثقات وغيرهم،
لا يُقْبَل مُرْسَله اتفاقاً.
(و) القِسم (الثالثُ) مِن أقسام السَّقْطِ من الإِسناد (إن كان
باثنين فصاعداً مع التَوَالي فهو)
الباجي) بالموحدة، والجيم(١) نسبةً إلى باجة، بلد بإفريقية، منه أبو [الوليد](٢)
سليمان بن خلف الإِمام المصنف، ذكره ((القاموس))(٣). (من المالكية: أن الراوي
إذا كان يُرسِل عن الثِّقات) أي تارة، (وغيرهم) أخرى.
(لا يقبل مرسَله اتفاقاً) أي إذا عُرِف من حاله [٩١ - أ] [أنه](٤) غير ملتزم
بأن يرسله(٥) عن ثقة، فلا يقبل مرسله، وأما إذا لم يُعلم حاله، فمرسَله مقبول(٦)
إتفاقاً عند الحنفية والمالكية.
[المُعْضَل]
(والقسم الثالث) أشار الشارح إلى أن الثالث صفة لموصوف محذوف هو
المبتدأ. وقوله :
(مِن أقسام السقط) أي الحذف. (من الإِسناد)(٧) صفة أخرى، والخبر قوله:
(إن كان) أي السقط، (باثنين) أي حاصلاً بهما (فصاعداً) أي فكذا ما يكون
زائداً عليهما، (مع التوالي) أي لكن (٨) بشرط الموالاة في موضع السقوط، (فهو
(١) عبارة (د) بالجيم والموحدة، وهو خطأ.
(٢) سقط من المطبوعة.
(٣) مادة (البوج) ص ٢٣٢ .
(٤) سقط من (د).
(٥) في (ج) مرسله.
(٦) في (ج) و(د) مقبولة.
(٧) عبارة (ج) والمطبوعة: السقط من الاسناد أي الحذف صفة أخرى.
(٨) في المطبوعة: لكونه.

٤١٠
المعضل
(المُعْضَل)
المُعْضَل)(١) أي فالقسم الذي [يكون](٢) في إسناده ذلك هو المسمى بالمعضل،
مِن أَعْضَلَه أي أعياه، فهو مُعْضَل به، أو فيه أي معنىًّ، فكأن المحدث الذي حدث
به أعضله وأعیاه، فلم ينتفع من یرویه عنه.
قال السخاوي في ((شرح الألفية))(٣)، هو بفتح المعجمة، مِن الرباعي
المتعدي: يقال: أعضله، /٦٦ - أ/ فهو معضَل وعضيل، كما سُمع في أعقدت
العسل، فهو عَقِيد، بمعنى مُعَقَّد، وأَعَلَّه المرض، فهو عليل، بمعنى مُعَلّ، وفعيل
بمعنى مُفْعَل، إنما يستعمل في المتعدي. والعضيل: المُسْتَغْلِق(٤) الشديد، ففي
حديث: ((أن عبداً [من عباد الله] قال: يا ربِّ لك الحمدُ كما ينبغي لجلال وجهك
وعظيم سلطانك(٥)، فَأَعْضَلَتْ بالمَلَكَيْن، فلم يدريا كيف يكتبان ... ))(٦) الحديث.
كما قال أبو عُبَيْد: هو من العُضَال، الأمر الشديد الذي لا يقوم له صاحبه(٧) . انتهى.
فكأن المحدث الذي حَدَّث به أعضله، حيث ضيَّق المجال على من يؤديه
إليه، وحال بينه وبين معرفة رواته بالتعديل أو الجرح، وشدد(٨) عليه الحال،
(١) لزيادة الفائدة والتوسع انظر: علوم الحديث ص ٥٩، وارشاد طلاب الحقائق ص ٨٥، ومعرفة علوم
الحديث ص ٣٦، والباعث الحثيث ص ٤٨، والموقظة ص ٤٠، وقفو الأثر ص ٦٩، وبلغة الأريب
في مصطلح آثار الحبيب ص ١٩٢، والخلاصة في أصول الحديث ص ٦٧، وفتح المغيث
((العراقي)) ص ٧١، وفتح المغيث ((للسخاوي)) ١٨٥/١، وتدريب الراوي ٢١١/١، وقواعد في
علوم الحديث ص ٤١، والفية السيوطي في علم الحديث ص ٢٤، ومنهج النقد في علوم الحديث
ص ٣٧٨.
(٢) سقط من (ج).
(٣) فتح المغيث ((للسخاوي)) ١٨٥/١.
(٤) في (ج) المستقل.
(٥) في (ج) والمحمودية والمطبوعة: شأنك، وما أثبتناه من (د) وهو الموافق لمصادر التخريج.
(٦) أخرجه ابن ماجه ١٢٤٩/٢، كتاب الأدب (٣٣)، باب فضل الحامدين (٥٥)، رقم (٣٨٠١)، والطبراني
في ((المعجم الكبير)) ٣٤٣/١٢ - ٣٤٤ رقم (١٣٢٩٧)، وما بين الحاصرتين منهما.
(٧) غريب الحديث ٢٨٢/٣.
(٨) في (ج) شد.

٤١١
المعضل
ويكون ذلك(١) الحديث معضلاً لإِعضال الراوي له، تم كلامه. قال الشيخ زكريا (٢):
واعلم أن المُعْضَل يقال للمُشْكِل أيضاً، وهو بكسر الضاد أو بفتحها على أنه
مشترك، نبه عليه شيخنا. انتهى.
وقال ابن الصلاح(٣): أصحاب الحديث يقولون: أعضله فهو معضَل بفتح
الضاد، [٩١ - ب] وهو اصطلاح مُشْكِلُ المأخَذ - ووُجّه بأن مفعلًا (٤) بفتح العين،
[لا يكون](٥) إلا من ثلاثي لازم، عُدِّي بالهمزة، وهذا لازم معها(٦) - وقال:
[بحثت](٧) فوجدت له من قولهم: أمر عَضِيل، أي مُسْتَغْلِق شديد،فهو فعیل بمعنی فاعل
يدل على الثلاثي. انتهى. وقد يقال: إن أعضل بمعنى استغلق لازم، وأما
المتعدي بمعنى أعيا، فإشكال المأخذ باقٍ غير مندفع، فالأولى أن يقال: إنه من
أعضله بمعنى أعياه، ففي ((القاموس))(٨): عَضَلَ عليه ضَيَّقَ، وبه الأمر: اشتد كأعضل
وأعضله، وتَعَضَّل الداء الأطباءَ وَأَعْضَلهم))(٩).
هذا، وفي ((الخلاصة)) (١٠): المُعْضَل: ما سقط من سنده اثنان فصاعداً. انتهى
كلامه .
ولم يعتبر فيه التوالي، ولا عدم كونه من المبادىء، ولا أن [لا](٧) يكون من
مصنف، وكذا في ((التحقيق)). وفي ((الجواهر))(١١) قيل: قول الراوي: بلغني، كقول
(١) في (د) والمطبوعة: ذاك.
(٣) علوم الحديث ص ٥٩.
(٢) فتح الباقي ١٥٩/١ - ١٦٠.
(٤) في المطبوعة: معضل.
(٥) سقطت من الأصول كلها، واستدركناها من ((تدريب الراوي)) ٢١١/١.
(٦) في (د) الثلاثي.
(٧) سقط من (ج).
(٨) مادة (عضلة) ص ١٣٣٥ .
(٩) في ((القاموس)): أعضلهم: غلبهم.
(١٠) ص ٦٧ .
(١١) ص ٤٦ وفي (ج) و(د) والمطبوعة: قول الراوي: بلغني كقوله: بلغني عن أبي هريرة، وما اثبتناه
عبارة جواهر الأصول في علم حديث الرسول، وما بين الحاصرتين أيضاً.

٤١٢
المنقطع
وإلا) بأنْ كان السَّقْطُ اثنين غيرَ مُتَوَالِيَيْنِ في موضعين مثلاً (ف) هو
(المُنْقَطِع) وكذا إنْ سقط واحدٌ فقط، أو أكثر من اثنين لكن بشرط
عدم التوالي.
[مالك]: بلغني عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه
١١٣ وسلم قال كذا/ يسمى معضلاً عند أصحاب الحديث. انتهى. فالأولى أن يجعل
المعضل من أقسام المردود، لا من أقسام السقط، فتدبر وتأمل.
[المُنْقَطِعِ](١)
(وإلا) أي وإن لم يكن كذلك، أعني إن لم يحصل مجموع ما ذكر في
المعضل، (بأن كان السقط اثنين غيرَ مُتَوَالِيَيْنِ في موضعين) مجرد تأكيد، وإلا فغير
المتواليين لا يكون إلا في الموضعين، (مثلا فهو المنقطع) والأنسب تأخير قوله:
فهو المنقطع عن قوله:
(وكذا إن سقط واحد فقط، أو أكثر من اثنين(٢)، لكن بشرط عدم التوالي)،
قال المصنف: ويسمى ما سقط منه واحد منقطعاً(٣) في موضع، وما سقط منه اثنان
بالشرط منقطعاً(٣) في موضعين، وهكذا؛ إنْ في ثلاثة، ففي /٦٦ - ب/ ثلاثة، وإن في
أربعة، ففي أربعة، نقله التلميذ. قيل: وانتفاء ذلك المجموع إما بانتفاء [٩٢ - أ]
(١) لزيادة الفائدة والتوسع انظر: علوم الحديث ص ٥٦، وارشاد طلاب الحقائق ص ٨٤، ومعرفة علوم
الحديث ص ٢٧، والباعث الحثيث ص ٤٧، وقفو الأثر ص ٦٩، وبلغة الأريب في مصطلح آثار
الحبيب ص ١٩٢، والموقظة ص ٤٠، والخلاصة في أصول الحديث ص ٦٦، وفتح المغيث
((العراقي)) ص ٧١، وفتح المغيث ((للسخاوي)) ١٨٣/١، وتدريب الراوي ٢٠٧/١، والفية
السيوطي في علم الحديث ص ٢٤، وقواعد في علوم الحديث ص ٣٩، ومنهج النقد في علوم
الحديث ص ٣٦٧.
(٣)، في الأصول كلها: منقطع !! وهو خطأ.
(٢) في (ج) الاثنين.

٤١٣
المنقطع
الاثنينية فصاعداً، بأن يكون واحداً، أو بانتفاء(١)» التوالي من اثنين، أو من أكثر من
اثنين كذلك، فذِكْر الأوسط وتقييده بـ: مثلاً(٢) ليكون إشارة إلى الطرفين، [ثم ذكر
الطرفين](٣)) بعد قوله: فهو المنقطع، لا يخلو عن غَلِقٍ(٤).
وما قيل: من أنّ النفي الحاصل في ((إلّ)) مُتَوَجِّهٌ إلى قيد التوالي، كما يقال في
العربية: إن النفي يرجع إلى القيد، وإذا فسره به وعطف عليه بقوله: وكذا، إشارة
إلى قصور(٥) عبارة المتن، مردودٌ، بأنه على تقدير تسليم ذلك في أمثال هذه
المواضع، ينبغي أن يدرج الأكثر من اثنين(٦) بلا توال في التفسير، ويعطف عليه
الواحد فقط بقوله: وكذا ... إلخ.
هذا، والصحيح الذي ذهب إليه الجمهور، ومنهم الخطيب ، وابن
عبد البرّ، وغيرهما من المحدثين: أن المنقطع ما لم يتصل إسناده على أيِّ وجه
كان انقطاعه، سواء ترك ذكر الراوي من أول الإِسناد، أو وسطه، أو آخره بحيث
يشمل المرسَل، والمعضّل، والمعلَّق، إلا أنّ أكثر ما يوصف بالانقطاع في
الاستعمال رواية مَن دُون التابعي عن الصحابي، كمالكٍ عن ابن عمر رضي الله
عنهما .
وقال الحاكم(٧): هو ما اختل(٨) فيه قَبل الوصول إلى التابعي رجلٌ، سواء كان
(١) في المطبوعة: بالانتفاء.
(٢) عبارة (ج) وتقييد لمثلا.
(٣) سقط من (ج).
(٤) في (ج) خلق، وفي المطبوعة: علق. ومعنى غَلِقٍ: أي مُشْكِل. انظر القاموس ص ١١٨٢ مادة (الغلقة).
(٥) في (ج) قصد.
(٦) في (ج) الاثنين.
(٧) معرفة علوم الحديث ص ٢٨ نقله بالمعنى.
(٨) في (ج) اختار.

٤١٤
المنقطع
(ثم) إنَّ (السَّقْط) مِن الإِسناد (قد يكون واضحاً) يحصل
الاشتراك في معرفته، بكون الراوي مثلاً لم يعاصِر من رَوَى عنه (أو)
يكون (خَفِيّاً) فلا يدركه، إلا الأئمة الحُذَّاق المُطَّلِعون على طرقِ
محذوفاً، أو مذكوراً مبهماً(١) كمالك، عن رجل، عن ابن عمر. هذا زبدة ما في
((الخلاصة))(٢). وقيل: [هو](٣) ما روي (٤) عن تابعي أو مَن دونه قولاً له أو فعلاً. قال
النووي(٥): وهذا غريب ضعيف بعيد، فإنّ هذا هو المقطوع لا المنقطع .
(ثم) تقسيم ثانٍ للسَّقْط بل للمردود باعتبار السقط، (إن السقط)(٦) ((إِنَّ)) من
الشرح زيادة ضرر، لأنه سبب تغيير إعراب المتن من الرفع إلى النصب، إلا
بتكلف، بل بتعسف كما سبق، والمعنى أن الحذف (من الإِسناد قد يكون واضحاً
يحصل الاشتراك) أي بين الحُذّاق وغيرهم، (في [٩٢ - ب] معرفته) أي يعرفه(٧)
كل أحد، (يكون الراوي) بالباء السببية، وفي نسخة: باللام الأجلية، (مثلاً لم
یعاصر من روی عنه) أي لم يدرِك عصره.
وقوله: مثلاً. قيدُ لم يعاصر، يفيد(٨) أنه كذلك إذا أدرك عصره(٩)، لكنه
ما اجتمع به. ولذا قال التلميذ: قوله: يحصل .. إلخ، مع قوله: يدرك ... إلخ
تكرار. انتهى. وفيه أن الشرح يقتضي الوضوح، مع أن الكلام في الواضح.
(أو يكون) كان / الأظهر أن يقول: وقد يكون (خفياً فلا يدركه إلا الأئمة
الحُذَّاق) بضم مهملة، وتشديد معجمة، أي المَهَرَة، (المطّلعون على طرق
١١٤
(١) في (د) بينهما.
(٢) ص ٦٧ .
(٤) في (د) یروی.
(٣) سقط من (ج).
(٥) التقريب للنووي ص ٧، وتدريب الراوي ٢٠٨/١ .
(٦) في هامش المحمودية [٦٨ - أ]: (ثم السقطُ) بلا ((إنَّ)) في المتن بناء على نسخة علي القاري رحمه الله،
وأما في غيره ليس في المتن.
(٧) في (د) معوفة.
(٨) في (ج) بقید.
(٩) عبارة (د) يفيد كذلك أي لم يدرك.

٤١٥
المنقطع
الحديث، وعِلَل الأسانید.
(فالأول:) وهو الواضح (يُدْرَكُ بعدم التَّلاقي) بين الراوي
وشيخه، لكونه لم يدرك عصره، أو أدركه لكنْ لم يجتمعا، وليست
له منه إجازة، ولا وِجَادَة (ومِنْ ثَمَّةَ احتيجَ إلى التأريخ)
الحديث) أي تفاصيل معرفة رجاله، بكونهم ثقة وضبطاً وغير ذلك. (وعِللٍ (١)
الأسانيد) أي من الاتصال، والانقطاع، ونحوهما من العلل القادحة في السند.
(فالأول:) أي /٦٧ - أ/ من نوعي السقط (وهو الواضح يُدْرَك) أي يُعْلَم
(بعدم التلاقي) أي الاجتماع، (بين الراوي وشيخه) أي على زعمه، (لكونه) علة
للإدراك، أي لكون الراوي (لم يدرك عصره) أي عصر شيخه (أو أدركه) أي
عصره (لكن لم يجتمعا).
(وليست له منه) أي والحال أنه ليس للراوي(٢) من شيخه على تقدير إدراك
عصره، (إجازة، ولا وِجَادَة) كما سيجيء تفصيلهما(٣).
وأما إذا ثبت إجازة أو وٍجادة على تقدير عدم الاجتماع، فإنه يثبت(٤) حينئذ
تلاق معنوي، فنفيهما معتبر في عدم التلاقي، لكن عده(٥) من الواضح لا يخلو عن
خفاء، فكأنه أمر إضافي .
(ومن ثمة) أي ومن أجل أنّ الإِدراك المذكورَ لم يحصل لكل أحد على
الوجه المسطور، (احتيج) أي في هذا الفن (إلى التأريخ) بالهمز ويبدل، وسيأتي
(١) في (د) على.
(٢) في (ج) الراوي.
(٣) الإجازة ص ٦٧٧ والوجادة ص ٦٨٤ .
(٤) في (ج) ثبت.
(٥) عبارة (د) لكن عده من يثبت الواضح.

٤١٦
المـ
لتضمُّنِه تحرير مواليد الرواة، ووفِيَّاتِهِم، وأوقاتِ طلبهم، وارتحالهم.
وقد افْتُضِحَ أقوامٌ ادَّعَوْا الرواية عن شيوخ ظهر بالتأريخ کَذِبُ دعواهم.
(و) القسم (الثاني:) وهو الخَفِيّ (المُدَلِّس) بفتح اللام،
معناه(١). (لتضمنه تحرير مواليد الرواة) جمع مولد، وهو زمان الولادة، (ووفِيَّاتهم)
بكسر الفاء، وتشديد التحتية، أي انتهاء حياتهم، وكذلك أمكنة حياتهم، ومماتهم
(وأوقات طلبهم) أي الحديث، (وارتحالهم) أي [٩٣ - أ] للسماع.
(وقد انْتُضِحَ أقوام ادعو الرواية عن شيوخ) أي كثيرين (ظهر بالتأريخ كذبُ
دعواهم)، استئناف وقع جواباً للسؤال عن كيفية الافتضاح وسببِهِ، ويحتمل (٢) أن
يكون صفة للشيوخ، بتقدير ضمير أي كذب دعواهم بالسماع منهم، أي من
الشيوخ.
[المُدَلَّس](٣)
(والقسم الثاني: وهو الخفيّ) الظاهر: ما فيه السَّقْط الخفي، (المدلَّس
بفتح اللام). قال تلميذه: المَفْسَم السقط، والمدَّس الإِسناد الذي وقع فيه السقط،
فلا يكون الحمل حقيقياً. انتهى. وهو أحد نوعي المدلَّس، وهو ما يقع في
الإسناد.
(١) ص ٧٢٢ .
(٢) في (ج) محتمل.
(٣) لزيادة الفائدة والتوسع انظر: علوم الحديث ص ٧٣، وارشاد طلاب الحقائق ص ٩٢، ومعرفة علوم
الحديث ص ١٠٣، والباعث الحثيث ص ٥٠، وقفو الأثر ص ٧٠، وبلغة الأريب في مصطلح آثار
الحبيب ص ١٩٢، والموقظة ص ٤٧، والخلاصة في أصول الحديث ص ٧١، وألفية
السيوطي في علم الحديث ص ٣٣، وفتح المغيث (العراقي)) ص ٧٩، وفتح المغيث ((للسخاوي))
٢٠٨/١، وتدريب الراوي ٢٢٣/١، وقواعد في علوم الحديث ص ٤١، ومنهج النقد في علوم
الحدیث ص ٣٨٠.

٤١٧
المدلس
سُمِّي بذلك لكون الراوي لم يُسَمِّ مَنْ حدَّثه، وأَوْهَمَ سماعَه للحديث
ممن لم يحدِّثْه به، واشتقاقه من الدَّلَس - بالتحريك - وهو اختلاط
الظلام بالنور،
والنوع الآخر ما يقع في الشيوخ، [وهو](١) أن يروي عن شيخ سمعه
فيسميه، أو يكنيه، أو ينسبه، أو يصفه بما لا يُعرف به، كي لا يعرف(٢). والنوع
الأول مكروه جداً، وكأنه لذلك اقتصر عليه. هذا، وقيل: تعريفه الخارج من
التقسيم يصدق على الأقسام الحاصلة من التقسيم الأول. بناء على ظاهره، فإما أن
يلتزم التصادق، ويُدَّعى أن التغاير اعتباري، أو يُقَيَّد(٣) كلٍّ منهما بما لا يوجد في
الآخر لتباين الأقسام.
(سمي) أي القسم الثاني، (بذلك) أي بالمدلَّس، (لكون الراوي لم يسمُّ مَن
حدثه، وأوهم سماعه للحديث ممن لم يحدثه) أي (به).
ومنه التدليس في البيع، يقال: دَّس فلان على فلان، أي ستر عنه العيب
الذي في متاعه، كأنه أظلم عليه الأمر. وهو في الاصطلاح راجع إلى ذلك من
حيث إن من أسقط من الإِسناد شيئاً، فقد غطّى ذلك الذي أسقطه، وزاد في
التغطية الإتيانه بعبارة مُوهِمه، وكذا تدليس /٦٧ - ب/ / الشيوخ، فإن الراوي يغطي
الوصف الذي به يعرف الشيخ، أو يغطي الشيخ بوصفه بغير ما اشتهر(٤) به، كذا
حققه البقاعي، وبه يتضح قول المصنف.
١١٥
(واشتقاقه) أي أخذ المُدَلَّس (من الدَلَس - بالتحريك -) أي بتحريك
الأَوَّلَين(٥)، (وهو اختلاط(٦) الظلام [٩٣ - ب] أي (بالنور) كما يكون في أول
(١) سقط من (ج).
(٢) في المطبوعة: كي لا يعرف به على فلان.
(٣) في (د) تقييد.
(٤) في المطبوعة: يشتهر.
(٥) في (ج) الأوليين.
(٦) في (ج) اختلاف.

٤١٨
المدلس
سُمِّي بذلك لاشتراكهما في الخَفَاء.
(ويَرِدُ) المُدَلَّس (بصِيغةٍ) من صِيَغ الأداء (تَحْتَمِلُ) وقوع (اللِّقاء)
بين المدلِّس وَمَنْ أَسْنَدَ عنه (كـ: عن، و) كذا (قال)، ومتى وقع
الليل، (سمي بذلك) أي سمي المُدَلَّس بالمعنى الاصطلاحي؛ (لاشتراكهما) أي
المحذوف والنور (في الخفاء) وهذه التسمية من تتمة وجه التسمية الأولى، كما لا
يخفى .
(ويَرِدُ) أي وحقه أن يرد (المدلَّس) بفتح اللام، (بصيغةٍ من صيغ الأداء) أي
بلفظ من ألفاظ ما يؤدَّى به الإِسناد، [كـ: أنبأنا، وحدثنا(١)]، (تحتمل) أي الصيغة،
(وقوع اللِّقاءَ) بكسر اللام ممدوداً، وفي نسخة: بضم اللام، وفي آخره ياء مشددة،
(بین المدلِّس) بکسر اللام، (ومَنْ(٢) أسند) أي وبین من روی (عنه).
قال التلميذ: الأولى أن يقال: يحتمل السماع، كما صرح به النووي
وغيره. انتهى. وقال السخاوي(٣): كَنَّى شيخنا باللقاء عن السماع لتصريح غيرِ
واحد من الأئمة في تعريفه بالسماع. قيل: والأولى أن يقول: وقوع السماع، لأن
أداء الحديث على وجه مشعرٍ بأنه سمعه ممن روى عنه، موجبٌ لكون الراوي
مُدَلِّساً. ويرشدك إليه قوله: أَوْهَمَ سماعَه. وأما أداؤه على وجه مشعر باللقاء، فلا
يوجب، لأن اللقاء معتبر في المدلس، كما صرح به في الشرح، وأوهم به المتن.
(كـ: عن) أي فلان (وكذا قال) أي فلان لئلا يكون كذباً، ولفظ كذا من الشرح
مستغنى عنه بالعطف.
(ومتى) أي وإنما قلنا: حقه أن يَرِدَ المُدَلَّس .. إلخ لأنه متى (وقع) أي
(١) زيادة من المطبوعة.
(٢) عبارة (د) وبین من اسند.
(٣) فتح المغيث ((للسخاوي)) ٢٠٨/١.

٤١٩
المدلس
بصيغة صريحة لا تَجَوُّزَ فيها كان كاذباً.
وحُكْمُ مَنْ ثَبَت عنه التدليس إذا كان عدلاً أنْ لا يقبلَ منه إلا
إذا صرَّح فيه بالتحديث على الأصح
الحديث، (بصيغة صريحة [لا تَجُوُّز فيها])(١) أي في [السماع](٢)، وهي لفظة:
أخبرني أو حدثني، أو سمعته، والحال أنه ثبت عدم السماع، (كان) أي الراوي،
(كاذباً) وليس بمُدَلِّس أصلاً، وفي نسخة: كان كذباً، أي الحديث يكون حينئذ كذباً
لا تدليساً.
وحاصله: أنه متى وقع الحديث المدلَّس بلفظ صريح، فهو كذب، وأما إذا
وقع من المدلِّس، أي ممن وقع منه التدليس في بعض الصور حديثٌ بلفظٍ صريح،
فإنه مقبول إذا كان المدلِّس عدلاً كما يجيء فيه حديثه، وهذا معنى قوله: [٩٤ - أ]
(وحكم من ثبت عنه التدليس) أي إيراد الإِسناد بصيغةٍ تحتمل السماع (إذا
كان عدلاً) والحكم مبتدأ خبره (أن لا يُقْبَل): أي الحديث، (منه) أي من
المدلِّس، أو من أجل تدليسه، (إلا إذا (٣) صرح فيه بالتحديث) أي بيَّن السماعَ
فيه، بحيث زال احتمال الانقطاع، وأتى بلفظ مبيِّنٍ للاتصال، وصرح فيه:
كـ: سمعت، وحدثنا، وأخبرنا، فهو مقبول محتجُّ به (على الأصح).
لأن التدليس ليس كذباً، وإنما هو تحسين لظاهر الإِسناد/٦٨ - أ/ وضَرْبٌ
من الإِبهام بلفظ محتمل، فإذا صرح بوصله، وزال الإِبهام قُبِلَ. وقيد بقوله: عدلاً،
لأنه إذا لم يكن عدلاً، فلا يقبل منه أصلاً.
(١) سقط من (ج) و (٥).
(٢) سقط من (ج).
(٣) في (ج) ما.

٤٢٠
المدلس
١١٦
وقال فريق من المحدثين والفقهاء: مَن ◌ُرِف بارتكاب / التدليس ولو مرة صار
مجروحاً مردوداً في الرواية، وإِنْ بَيَّن السماع وأتى بصيغة صريحة في هذا
الحديث، أو في غيره من أحاديثه.
قال الشيخ شمس الدين محمد الجَزّرِي: التدليس قسمان:
تدليس الإِسناد، وتدليس الشيوخ.
أمّا تدليس الإِسناد فهو أن يروي عمن لقيه أو عاصره ما لم يسمعْ(١) منه، مُوهِماً
أنه سمعه(٢) منه، ولا يقول: أخبرنا وما في معناه، بل يقول: قال فلان، أو عن فلان،
وإنّ فلاناً قال، وما أشبه ذلك. ثم قد يكون بينهما واحدٌ أو قد يكون أكثر، وربما لم
يُسقط المدلِّس شيخه، لكن يُسقِط من بعده رجلاً ضعيفاً، أو صغير السن(٣)، يُحَسِّنُ
الحديث بذلك. وكان الأعمش، والثوري (٤)، وابن عُيَيْنَة، وابن إسحاق، وغيرهم
يفعلون هذا النوع(٥).
ومن ذلك ما حكى ابن خَشْرَم: كنا يوماً عند سفيان بن عُيَيْنَة فقال: عن
الزُّهْرِي فقيل له: حدثك الزهري؟ فسكت(٦)، ثم قال: قال الزهري. فقيل له
أسمعته(٧) من الزهري؟ فقال: لم أسمعه من الزهري، ولا ممن سمعه من
الزهري، حدثني عبد الرزاق عن مَعْمَر، عن [٩٤ - ب] الزهري(٨). وهذا القسم
من التدليس مكروه [جداً](٩)، وفاعله مذموم عند أكثر العلماء. ومَن عُرِف به فهو
(١) في المطبوعة: يسمعه.
(٢) في المطبوعة: سمع.
(٣) في (د) صغيراً ليس يحسن.
(٤) حرفت في (ج) إلى: النووي.
(٥) في (ج) الأمر.
(٦) في (د) فسكن.
(٧) في (ج) والمطبوعة: سمعته.
(٨) انظر علوم الحديث ص ٧٤.
(٩) سقط من (ج).