Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
المحكم
أو يكونَ مردوداً، والثاني
في الصحة أو الحسن، كما هو المتبادر، فيَرِد عليه أنه تقدم أن الأصح يقدَّم على
الصحيح، ويقدم الصحيح على [٧٦ - ب] الحسن، وإن أريد به [أن يكون](١).
مثله في القبول، فلا حاجة إلى ذكره لدلالة قوله:
(أو يكون مردوداً) عليه، ويرد حينئذ على انحصاره المعارضة في الصورتين
لأن المعارضةَ بين الصحيح والحسن ثابتةً أيضاً على ما اختاره تبعاً لبعضهم، وقد
ذكر تلميذه أنه قال المصنف في تقريره: المراد به أصل القَبول لا التساوي فيه،
حتى يكون القوي ناسخاً للأقوى(٢)، بل الحسن يكون ناسخاً للصحيح لوجود أصل
القبول. قال تلميذه: في هذا مخالفة لما تقدم من قوله: يحصل فائدة تقسيمه
باعتبار مراتبه عند المعارضة. قال قائل: هذا أمر وقع في أثناء التقرير، فلا يبحث
فيه. قلت: [فقوله](٣): لا يخلو إما أن يكون/ معارضهُ مقبولاً مثلَه، أو يكون ٩٥
مردوداً، تقسيم غير حاصر، لأنه جاز أن يكون معارضه دونه في القبول، وليس
بمردود، /٥٦ - أ/ والله أعلم. انتهى.
والذي سنح بالبال، والله أعلم بالحال: أنه لما قسَّم المقبول أولاً، وذكر ما
يتعلق به من المعارضة وغيره، ذكر هنا تقسيماً آخر باعتبار أصل القَبول ومقابله،
وذكر ما يتعلق به من المعارضة المختصة به، أو لَمَّا كانت تلك المعارضة مختلفاً
فيها، أعرض عنها وذكر المعارضةَ المتفَقَ عليها، وهذا بمذهبنا المنصور أحق، وما
سبق بمختار مذهبه أوفق.
(والثاني:) أي المردود.
(١) سقط من المطبوعة.
(٢) في (ج) للقوي.
(٣) سقط من (ج).

٣٦٢
مختلف الحدیث
لا أثر له؛ لأنّ القوي لا يؤثر فيه مخالفةُ الضعيف.
وإنْ كانت المُعَارَضة (بمِثْلِهِ) فلا يخلو إمّا أنْ يمكن الجمعُ
بين مدلولَيْهِما بغير تَعشُّف، أَوْ لا (فإنْ أمْكَنَ الجَمْعُ فهو) النوع
(لا أثر له) أي لا تأثير له في أن يكون [مقابلاً، فضلاً عن أن يكون(١)]
معارضاً ومناقضاً.
(لأن القوي) أعم من أن يكون صحيحاً أو حسناً.
(لا يؤثر فيه مخالفةُ الضعيف) لعدم العمل به إلا إذا لم يوجد هناك حديث
قوي، فيقدَّم على الرأي(٢) كما هو مذهبنا. أو إذا كان في فضائل الأعمال بشرط أن
لا يكون مدافعاً لأصل من الأصول [٧٧ - أ].
[مُخْتَلِفُ الحَدِيثِ]
(وإن كانت المعارضة) أي معارضة حديث، (بمثله) أي بمقبول آخر، (فلا
يخلو) أي حينئذ من أمرين:
(إما أن يمكن الجمع) أي بتأويل، أو تقييد، أو تخصيص (بين مدلوليهما)
أي معنييهما، (بغير تعسف) متعلق بالجمع، والتعسف: أزْيَد من التكلف، لأنه
خروج عن الجَادَّة. قال المصنف: لأن ما كان بتعسف فللخصم أن يُرُدَّه، وينتقل
إلى ما بعده من المراتب، نقله تلميذه.
(أوْ لا) أي لا يمكن الجمع مطلقاً، أو يمكن، ولكنه بتعسف.
(فإن أمكن الجمع) أي بتكلف من غير تعسف، كما سيأتي بيانه في أمثلته(٣) ،
(فهو) أي فقِسْم الحديث المعارض للغير الممكن الجمع بينهما، (النوع) أي أحد
(١) سقط من (ج).
(٢) في المطبوعة: الراوي.
(٣) انظر المتن ص ٣٦٤.

٣٦٣
مختلف الحدیث
أنواعه، (المُسَمَّى) أي المذكور في حقه أنه (مُخْتَلِف الحديث)(١)
بكسر اللام أي مختلف مدلول حديثه، ويناسبه ما يقابله: فهو الناسخ(٢). وضَّبَطه
بعضهم بفتح اللام [على أنه](٣) مصدر ميمي، ويلائمه قوله فيما بعد (٤): فالترجيح،
وقال محشٍ : صححه الشيخ الجَزّرِي(٥) على صيغة اسم الفاعل، وبعضهم على
صيغة اسم المفعول.
هذا، والطَّي(٦). جعل الناسخ والمنسوخ، وما عمل فيه بالترجيح داخلة في
مختلف الحديث، وأمَّا ((مُخْتَلِفُ))، فلم يختلفوا في رفعه، لأنه في المتن خبر
المبتدأ، وإن كان ظاهرُ الشرح يقتضيه أن يكون منصوباً على أنه مفعول ثانٍ
للمسمى، وقد أشرنا إلى دفعه. وتكلف بل تعسف(٧) بعضهم فقال: أي المسمى
مختلف الحديث إياه. وغيّره بعضهم بقوله: بمختلف الحديث بأنْ تكون الباء
متعلقاً بالمسمى، على أنه قد سبق مراراً أن المصنف جعل كتابيه(٨) واحداً، فمن
قرأ المتن، فيتعين عليه مراعاة المتن، ومن قرأ الشرح يلزمه إعراب الشرح. وهذا
إذا لم يمكن الجمع بينهما ولو بتأويل، فلو قال: هو(٩) النوع الذي
يقال/٥٦ - ب/له: مختلف الحديث، لَحَسُنَ المَزْجُ، لكان أحسن.
(١) لزيادة الفائدة والتوسع انظر: علوم الحديث ص ٢٨٤، وارشاد طلاب الحقائق ص ١٨٨، وفتح
المغيث (العراقي)) ص ٣٣٥، وفتح المغيث (للسخاوي)) ٦٥/٤، والباعث الحثيث ص ١٦٩،
وتدريب الراوي ١٩٦/٢، وقواعد في علوم الحديث ص ٤٦، والخلاصة في أصول الحديث
ص ٥٩، ومنهج النقد في علوم الحديث ص ٣٣٧.
(٢) عبارة المطبوعة: ما يقابله بالناسخ وهو خطأ، وانظر المتن صفحة ٣٧٦.
(٣) سقط من (ج).
(٤) ص ٣٨٦.
(٥) في (ج) الجوزي.
(٦) في الخلاصة ص ٦٠.
(٧) عبارة (ج) وتكلف وتعسف فقال. وفي (د) تعقب بينما في هامشها تعسف.
(٨) في (ج) والمطبوعة: كتابيهما، وسقطت لفظة ((واحداً) من (ج).
(٩) في (ج) هذا.

٣٦٤
مختلف الحديث
مَثْلَ له ابن الصلاح بحديث: ((لا عَدْوَى ولا طِيَرَة))،
ثم المراد [٧٧ - ب] بالاختلاف اختلاف مدلوله ظاهراً، هو من أهم الأنواع
يضطر إليه جميع الطوائف من العلماء، وإنما تكفل(١) به الجامعون بين التفسير،
٩٦ والحديث/ والفقه، والأصول. وأول مَن تكلم فيه الإِمام الشافعي رحمه الله، وله
فيه مجلد جليل من جملة كتب ((الأم)).
(ومثّل له) أي لهذا النوع (ابنُ الصلاح(٢) بحديث ((لا عَدْوى ) بفتح وسكونِ
المهملتين (٣)، وألفٍ مقصورة بعد واو، اسم من الإِعداء [كالدعوى] (٤) والتقوى من
الادّعاء والاتِّقاء، وهو ما يعدي من جَرَب أو نحوه، وإعداؤه مجاوزته مِن صاحبه
إلى غيره بمجاورته. وفي ((النهاية))(٥): أعداه الداءُ يعديه إعداء، وهو أن يصيبه مثلَ
ما لصاحب الداء.
(ولا طِيَرَة))(٦)) وهي: التشاؤم بالشيء على ما كان في عادة الجاهلية، من
أنهم إذا توجّهوا إلى جهةٍ ورأوا طيراً طار إلى يمينهم تفاءلوا به وقالوا: إنه مبارك،
وإن طار إلى يسارهم تشاءموا ورجعوا إلى بيوتهم. ومنه أصحاب المشأمة في مقابلة
أصحاب الميمنة. والتشاؤم قد يكون بغير الطير، كمقابَلَة كلب، أو حمار، أو كافر،
أو فاجر.
وقد يكون بالقول كما إذا سمع يا حيران، أو لفظَ شَرّ، أو نفي خير، فالتطير
غلب في التشاؤم. أما الفأل الحسن فأخذه مستَحْسَن كما إذا سمع يا سعيد، يا
(١) في المطبوعة: ينكفل، وفي (ج) يكفل.
(٢) علوم الحديث ص ٢٨٤ .
(٣) في (ج) بمهملتين.
(٤) سقط من (د).
(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر: ١٩٢/٣.
(٦) أخرجه البخاري (فتح الباري) ١٥٨/١٠، كتاب الطب (٧٦)، باب الجذام (١٩)، رقم (٥٧٠٧).
ومسلم ١٧٤٣/٤، كتاب السلام (٣٩)، باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ... (٣٣)، رقم
(١٠٢ - ٢٢٢٠) و(١٠٩ -٢٢٢٢)، والإمام أحمد في المسند ١٧٤/١، ١٨٠، ٢٦٩، ٣٢٨.

٣٦٥
مختلف الحدیث
رشيد، [يا أفلح، يا منصور، وأمثال ذلك(١) ].
والفأل بالمصحف ما صدر عن السلف، واختَلَف فيه المتأخرون،
ولا شك أن التشاؤم بما فيه مكروه، سواء بالحروف،
أو بالمعنى. وأما التفاؤل بالمعنى أو بظهور بسملة ونحوها فلا بأس به، وأما
الحروف فلا دلالة لها على القبح والحسن أبداً، ثم الطِيَرَة مصدر كالخِيَرَة، ولا
ثالث لهما كذا في ((النهاية))(٢). وفي ((الصحاح))(٣): تطيرت من الشيء، وبالشيء،
والاسم منه: الطِيَرَة [٧٨ - أ] على وزن العِنْبَة، وهِي ما يُتَشَاءَم به من الفأل
الرديء.
قال النووي(٤): هي بكسر الطاء، وفتح الياء على وزن العِنْبَة، هذا هو
الصحيح المعروف في رواية الحديثِ وكتبٍ اللغة، وحكى القاضي، وابنُ الأثير أن
منهم من سكَّن الياء. وتمام الحديث: ((ولا هَامَةً، ولا صَفَرَ، ولا غُولَ)). والهامة:
بتخفيف الميم، من طير الليل. وقيل: هي(٥) البُوم، وكانت العرب تزعم أن روح
القتيل الذي لا يُدرِك ثاره تصير هامة فتقول: اسقوني اسقوني، فإذا أدرك ثاره
طارت. وكانوا يزعمون أن صَفَر حية في البطن، والذي يجده الإِنسان عند جوعه
من عضَّه. وقيل: كانوا يتشاءمون بصَفَر ويقولون: تكثر فيه الفتن. والغُول: أحد
الغيلان، وهم جنس من الجن، /٥٧ - أ/ كانت العرب تزعم أنها تتراءى للناس في
الفلاة، فتلَوَّن في صور شتى(٦)، فَتَغُولُهم أي تُضِلَّهم عن الطريق وتهلكهم،
(١) سقط من (د).
(٢) ١٥٢/٢.
(٣) ٦٠/٢ مادة (طير).
(٤) شرح مسلم ((للنووي)) ٢١٨/١٤.
(٥) في (ج) هو.
(٦) في (ج) والمطبوعة: شيء.

٣٦٦
مختلف الحديث
مع حديث: ((فِرَّ مِنْ المَجْذُومِ فِرَارَك مِنَ الأَسَد». وكلاهما في
الصحیح،
فنفاه(١) وَّةَ. وليس هو نفياً لوجوده لقوله تعالى: ﴿كالذي استهْوَتْه
الشياطِينُ في الأرض خَيْران﴾(٢) الآية. بل إبطال زعمهم في تَلَّوُّنه بالصور(٣)
المختلفة. وأما ما ذكره في ((مختصر النهاية)) أن معنى لا غُول، أي لا يستطيع أن
يضِل(٤) أحداً، فليس على ظاهره، لمخالفته الآية المذكورة.
(مع حديثٍ: ((فِرَّ ) بكسر الفاء، وتشديد الراء المفتوحة، ويجوز كسرها.
(من المَجْذُومِ) وهو الذي أصابه الجُذَام. وكأنه ◌ُذِم أي قُطِع. قال في
(القاموس))(٥): الجُذَامِ كغُرَاب، علة تَحْدُث من انتشار السوداء في البدن كله،
٩٧ فَيَفْسُدُ مزاج الأعضاء وهيئاتها، وربما / انتهى إلى تَأَكَّلِ الأعضاء وسقوطها عن
تقُّح(٦).
(فراركَ) بالنصب أي كفرارك (من الأسَد))) ونحوه مما هو ظاهر الضرر، أي
فراراً شديداً، أو فراراً على قدر توكلك على الذي بيده الأمر. وكذا مع حديث: ((لا
يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحَ))(٧).
(وكلاهما في [٧٨ - ب] الصحيح) أي معدودان فيه، أما الأول: فرواه
أحمد ومسلم (٨) عن جابر رضي الله عنه على ما في ((الجامع الصغير)) للسيوطي(٩).
(١) في (ج) فنهاهم.
(٣) في (ج) بالصورة.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٧١.
(٤) في (ج) يغل.
(٥) القاموس المحيط مادة (الجذم) ص ١٤٠٤ .
(٦) في (ج) تقرع.
(٧) أخرجه البخاري (فتح الباري) ٢٤١/١٠، كتاب الطب (٧٦)، باب لا هامة (٥٣)، رقم (٥٧٧١).
بلفظ: ((لا يوردن)». ومسلم ١٧٤٣/٤، كتاب السلام (٣٩)، باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ... (٣٣)،
رقم (١٠٤ - ٢٢٢١) واللفظ له.
(٨) مسند الإمام أحمد ١٧٤/١، ١٨٠، ٢٦٩، ٣٢٨. ومسلم ١٧٤٣/٤، كتاب السلام (٣٩)، باب لا
عدوى ولا طيرة ولا هامة ... (٣٣)، رقم (١٠٢ - ٢٢٢٠) و (١٠٩ -٢٢٢٢).
(٩) فيض القدير شرح الجامع الصغير ٤٣٤/٦.

٣٦٧
مختلف الحديث
وظاهرهما التعارض.
ووجه الجمع بينهما أنَّ هذه الأمراضَ لا تُعْدِي بطبعها، لكِنَّ الله
سبحانه وتعالى جعل مخالطةَ المريض بها للصحيح سبباً لإِعدائه
مَرَضَه، ثم قد يتخلّف ذلك عن سببه كما في غيره من الأسباب،
وأما الثاني: فقال الزَّرْكَشي: رواه الشيخان(١)، فأراد المصنف أنهما في مرتبة
واحدة من الصحة مع قطع النظر أن أحدهما أصح من الآخر كما
تقرر. (وظاهرهما التعارض) في المعنى المدلول بهما؛ إذا الأولُ [يدل](٢) على
نفي الإِعداءِ مطلقاً، والثاني على إثباته المؤكّد بالأمر للجزم المشبه بالحتم(٣).
(ووجه الجمع بينهما) أي بين الحديثين، (أن هذه الأمراض) أي من
الجُذام، والبَرَص، وغيرهما، (لا تُعدي بطبعها) أي كما يقول به الطَبْعِيَّة(٤)، (لكن
الله سبحانه وتعالى جعل مخالطةً المريض بها) أي بهذه الأمراض، (الصحيح)
مفعول ثان للمخالطة، واللام للتقوية، (سبباً) مفعول ثان لـ: جعل، (لإِعدائه) بكسر
الهمزة، (مَرَضَه) أي لإِعدائه تعالى مرض(٥) المريض إلى الصحيح، (ثم قد
يتخلف ذلك) أي الإِعداء، (عن سببه) وهو المخالطة، (كما في غيره من الأسباب)
حيث يتخلف السبب، كعدم الشِبع بالأكل لمن له جوع البقر، وعدم الري بالشرب
لمن له الاستسقاء.
(١) صحيح البخاري (فتح الباري) معلّقاً ١٥٨/١٠، كتاب الطب (٧٦)، باب الجذام (١٩)، رقم (٥٧٠٧).
أما مسلم فقد أخرج حديث: ((لا عدوى ولا طيرة) المار آنفاً، ولم نجد عنده حديث: ((فر من
المجذوم ... وقد تساهل بعضِ المُخَرِّجين بإطلاق قولهم: متفق عليه، أو: رواه الشيخان.وهذا ليس
بدقيق، بل المتفق عليه حديث ((لا عدوى))، أما (فِرَّ من المجذوم)) فليس عند مسلم. فتنبه.
(٢) سقط من المطبوعة.
(٣) في (ج) للحتم.
(٤) في (ج) الطبيعة. وفي المطبوعة والمحمودية: الطبيعية.
(٥) في (ج) مريض.

٣٦٨
مختلف الحديث
كذا جَمَع بينهما ابن الصلاح تبعاً لغيره.
(كذا جمع بينهما ابن الصلاح(١) تبعاً لغيره) وحاصله: أن النفي في قوله
صلى الله تعالى عليه وسلم لِما كان يعتقده أهل الجاهلية وبعضُ الحكماء
الفلسفية، وأرباب العلوم الرياضية والطبيعية، من أن هذه الأمراضَ من الجُذَام
والبَرَص تُعدي بالطبع، /٥٧ - ب/كما زعموا أن الماء بالطبع يُغرِق، والنار بالطبع
يُحرق. وقد ردهما الله عز وجل بكتابه أبلغَ رد في قصة(٢) إبراهيم وموسى عليهما
السلام، وأن الإِثبات في الحديث الثاني باعتبار السبب(٣) العادي في جعل ذلك،
ولكونه * رحمة للعالمين حذَّر أمته المرحومة من الضرر الذي يوجد عنده عادة
بفعل الله تعالى. وفي التشبيه بالأسد [٧٩ - أ] إيماء إلى ذلك.
وقد يقال: [الجمع بينهما](٤) بأن النفيَ للاعتقاد، والأمرَ بالفرار(٥) للفعل،
كما نَهى صلى الله تعالى عليه وسلم عن الدخول في بلدٍ الطاعون(٦) مع أن
المعتقَدَ أنْ لا تأثير لغير الله تعالى، وأنه: ﴿إذا جاء أجلُهُم لا يستأخِرَون ساعةً ولا
يَسْتَقْدِمُون﴾(٧). والظاهر أن الأمر بالفرار رخصة للضعفاء(٨)، ولذا خصه
بالمخاطب. وأما الكاملون المتوكلون، فلا حَرَج في حقهم إذ صح أنه ◌ّر أكل مع
مجذوم وقال: ((باسم الله، ثقةً بالله وتوكلا عليه)) رواه أبو داود(٩) وغيره. وأما ما ورد
(١) علوم الحديث ص ٢٨٤ - ٢٨٥ .
(٢) في (ج) والمطبوعة: قضية.
(٣) في (ج) سببه.
(٤) سقط من (ج).
(٥) في (ج) للفرار.
(٦) حيث قال النبي : ((إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا
تخرجوا منها ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري) ١٧٨/١٠، كتاب الطب (٧٢)، باب من خرج
من أرض لا تلائمه (٢٩)، رقم (٥٧٢٧).
(٨) عبارة (د) خصه بالضعفاء، وفي المطبوعة: رخصة الضعفاء.
(٧)
سورة الأعراف، الآية: ٣٤.
(٩) في سننه ٢٣٩/٤، كتاب الطب (٢٧)، باب في الطيرة (٢٤)، رقم (٣٩٢٥) بلفظ: ((كُلْ ثقةً بالله =

٣٦٩
مختلف الحديث
والأَوْلى في الجمع بينهما أن يقال: إنَّ نفيَ بَِّ للعَدْوَى باقٍ
على عمومه، وقد صحَّ قوله وَّرَ: ((لا يُعْدِي شيءٌ شيئاً)).
من أنه قال لمجذوم جاء (١) ليبايعه، فلم يمدَّ يده(٢) إليه وقال: ((قد
بايعت))(٣)، فمحمول على بيان الجواز، أو على اختلاف الحال. ففي الأول
نَظَرَ إلى المسبِّب المناسبِ لمقام الجمع، وفي الثاني: نَظَرَ إلى السبب الملائم
لمقام التفرقة، وبيّن أن كُلَّ من المقامين حق.
(والأَوْلَى) أي عند المصنف، (في الجمع بينهما أن يقال: / إن نفيه صلى الله ٩٨
تعالى عليه وسلم للعَدْوَى باقٍ على عمومه) وفيه أنه على تقدير الأول أيضاً باقٍ على
عمومه، لأن كلام ابن الصلاح ليس تخصيصاً، بل هو تأويل وصرف عن ظاهره،
ضرورةً الجمع بينه وبين معارضه، لكن المفهومَ من كلامه الآتي أنه أراد بقوله:
على عمومه، ظاهرَه العام، أي لا وجود للعدوى أصلاً لا بالطبع، ولا بالسبب.
(وقد صح قوله وَالَ: ((لا يُعْدِي شَيءٌ شيئاً)))(٤) أراد به أنه مُؤَيِّد لبقائه على
عمومه. وفيه أنه لا فرق بين هذا الحديث وحديث: ((لا عدوى))(٥) بل هو أبلغ من
هذا. قال محشٍ : فإن قلت: هذا أيضاً يقبل تأويلَ ابن الصلاح، قلت(٦):
سلمناه، لكنّ تعدد عباراتِ الحديث وتكررَها يدل على أن المراد بها ما يتبادر منها.
= وتوكلا عليه)). أما لفظ الكتاب فأخرجه الترمذي ٢٣٤/٤، كتاب الأطعمة (٢٣)، باب ما جاء في
الأكل مع المجذوم (١٩)، رقم (١٨١٧).
(١) في المطبوعة: جاءه.
(٢) في (د) يديه.
(٣) أخرج ابن ماجه ١١٧٢/٢. كتاب الطب (٣١)، باب الجذام (٤٤)، رقم (٣٥٤٤). والإِمام أحمد
في المسند ٣٩٠/٤، ألفاظاً قريبة من هذا المعنى، حيث ورد عنهما: ((كان في وفد ثقيف رجل
مجذوم، فأرسل إليه النبي ◌َل# ارجع فقد بايعتك)).
(٤) أخرجه الترمذي ٣٩٢/٤، كتاب القدر (٣٠)، باب ما جاء لا عدوى ولا هامة ولا صفر (٩)، رقم
(٢١٤٣). والإِمام أحمد في المسند ٤٤٠/١.
(٥) مر تخريجه ص ٣٦٤ تعليق رقم (٦).
(٦) في (ج) قلنا سلمنا.

٣٧٠
مختلف الحديث
وقوله وَ اله لمن عارضه بأَنَّ البعير الْأَجْرَبَ يكون في الإِبل الصحيحة
فيخالطها فتجربُ، حيث ردَّ عليه
انتهى. وفيه [٧٩ - ب] أن ابن الصلاح يُسَلّم هذا، لكنْ صَرَفه عن ظاهره لحديث
آخر يعارضه بحسب الظاهر، ويؤيده(١) مشاهدة التأثير السببي(٢) في الغالب،
فيتعين أن يُحمل(٣) النفيُ على الطبع والحقيقة، والإِثباتُ على السبب والمجاز،
كما جمعوا في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾(٤) أي ما رميت خَلْقً إذ رميت
كَسْباً. وكذا قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُم ولكنّ اللَّهَ قَتْلَهم﴾ (٤) أي ما قتلتموهم(٥) حقيقة
بل صورةً، ولكنّ الله قتلهم حقيقة .
(وقوله): أي وقد صح قوله ( *) أي مؤيِّد أيضاً/٥٨ - أ/ لبقائه على عمومه
(لمن عارضه،) أي بحسب الظاهر، وإلا فمعارضة النبي ◌َّ كفرٌ على الحقيقة،
فتحمل المعارضة على المعارضة اللغوية لا الاصطلاحية، فالمعنى: استشكله وسأله
وقابل كلامه (بأن البعير الأجرب يكون في الإِبل الصحيحة)(٦) أي فيما بينها(٧)،
فقوله: (فيخالطها) مستغنىّ عنه، (فَتَجْرَب) بفتح الفوقية، وسكون الجيم، وفتح
الراء، [وفي نسخة: بضم الفوقية، وسكون الجيم](٨) أي فتصير الإِبل جرباء.
(حيث رد عليه) أي حين رد على معارضته(٩) ومقابلته لقوله وَاليه: ((لا يُعدِي
(١) في (ج) ويشاهده.
(٢) سقط من (د).
(٣) في (ج) يحل.
(٤) سورة الأنفال، الآية: (١٧).
(٥) في (د) قتلتهم.
(٦) في (ج) الصحيح.
(٧) في (د) والمطبوعة: بينهما.
(٨) سقط من (ج). وعبارة الأصول المعتمدة: (د) والمحمودية والمطبوعة: ((وسكون الراء)) !! والصواب ما
أثبتناه من حاشية لقط الدرر ص ٦٩.
(٩) في (د) معارضة معارضته.

٣٧١
مختلف الحديث
بقوله: ((فمَنْ أَعْدَى الأوّل))؟!
شيءٌ شيئاً))(١) بما ذكر، (بقوله:) مستغنى عنه بـ: ((قولُهُ)) سابقاً.(٢)
وأما قول شارح: وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك الحديث لا يَدفع
الإِيراد. فيَرِدُ عليه أنه يحتاج إلى العلم بوقوع حديث: ((لا يُعْدِي شيءٌ شيئاً)(١)،
وَوَرَدَ مرتين، الثانية لدفع المعارضة، فتأمل.
ثم رأيت محشياً قال عند قوله: حيث رد عليه بقوله: الأولى ترك(٣)، ذلك
ليكون قوله: ((فمَن أعدى)) بدلاً مما سبق من لفظ قوله صلى الله تعالى عليه وسلم إن
كان [قوله](٤) بمعنى مقوله، أو مقولاً له إن كان بمعناه المصدري(٥). وتوجيهه:
[٨٠ - أ] أن قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في وقت الردّ حاصل بهذا الحديث
وهو: ((فمن أعدى ... )) (٦)، أو نقول: التقدير وقد صح قوله صلى الله تعالى عليه وسلم
الدالُّ على عدم الإِعداء. وقوله: ((حيث)) علة لذلك.
((فمن أعدى الأول)))(٦) ظاهره أنه أراد صلى الله تعالى عليه وسلم بهذا
الكلام أن وقوع الجرب - بناء على السبب - لا ينافي نفي الإِعداء بالطبع
المركوز (٧) في طباع الجاهلية، وإلا فلو حمل الإِعداء على الطبع فقط، فمَن
أعدى(٨) الأول؟ إذ لا فرق بين طبع إبل وطبع إبل، ومقصود الشارع (٩) ◌َّ إخراجه
(١) مر تخريجه ص ٣٦٩.
(٢) ص ٣٧٠ حيث قال في المتن: وقوله وَّ لمن عارضه ...
(٣) في (د) بترك، وفي المطبوعة: تركه.
(٤) سقط من المطبوعة.
(٥) في (ج) بمعنى المصدر.
(٦) أخرجه البخاري (فتح الباري) ١٧١/١٠، كتاب الطب (٧٦)، باب لا صفر (٢٥)، رقم (٥٧١٧). ومسلم
١٧٤٣/٤، كتاب السلام (٣٩)، باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ... (٣٣)، رقم ١٠١ - ٢٢٢٠).
(٧) في (ج) المذكور.
(٨) في (ج) اعداء.
(٩) في (ج) والمطبوعة: الشارح.

٣٧٢
مختلف الحديث
يعني أنّ الله تعالى ابتدأ ذلك في الثاني، كما ابتدأه في الأول. وأمّا
الأمر بالفِرَار من المَجْذُومِ، فِمِنْ باب سدِّ الذرائع،
٩٩ من فساد عقيدته/ وإيصاله إلى لب توحيده وحقيقته. والتعبير [بالإِعداء](١)
للمشاكلة. ولذا قال النووي(٢) رضي الله تعالى عنه: معنى الحديث أن البعير
الأول(٣) الذي جَرِب مَن أجربه؟(٤).
أقول: ولعل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عَلِمَ بنور النبوة أن المعارض جعله
مُعدياً بطبعه، فردَّهُ عليه بقوله: ((فمن أعدى الأول))(٥).
(يعني أن الله تعالى ابتدأ ذلك) [أي الإِعداء (في الثاني كما ابتدأ)](١) أي
مثلَ ابتدائه (في الأول) وفيه نظر؛ إذ الثاني يحتمل أن يكون بسبب، وأن لا يكون
بسبب، وحديث: ((فِرَّ مِن المجذوم))(٦) وتأثير المخالطة بحسب المشاهدة، وحديث
((امتناعه صلى الله تعالى عليه وسلم مبايعةَ المجذوم باليد))(٧) ظاهر في أن الثاني
ليس كالأول، فتأمل، فإنه ليس بمعنى: ((فَمَن أعدى الأول))(٥)، بل هو من باب إرخاء
العِنَان للخصم، أي سَلَّمْنَا أن البعير أعدى الإِبل بمخالطته، فمن أعدى البعير؟
وإنما عدل عن البعير إلى الأول لأنه قد يقال: ذلك البعير خالط أجربَ آخر، وهَلُمَّ
جَرَّاً، فدفع /٥٨ - ب / كلامهم بالأول(٨)، وعبّر بـ: مَن إشارة إلى أن هذا إنما هو فعلُ
الفاعل الحقيقي.
(وأما الأمر بالفِرار من المجذوم، فمن باب سَدّ الذرائع) أي الوسائل إلى
(١) سقط من (ج).
(٢) شرح مسلم ((للنووي) ٢١٧/١٤.
(٣) في (د) الإِبل.
(٤) في (د) أجرب، وفي المطبوعة: جربه.
(٥) مر تخريجه ص ٣٧١.
(٦) مر تخريجه ص ٣٦٧.
(٧) مر تخريجه ص ٣٦٩.
(٨) في (ج) الأول.
٠

٣٧٣
مختلف الحديث
لئلا يتفقَ للشخص الذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير الله تعالى
ابتداء، لا بالعدوى المنفية، فَيُظنَّ أنّ ذلك بسبب مخالطته، فيعتقد
صحة العدوى، فيقع في الحرج، فأمر بتَجَتُبِه حَسْماً للمادة،
الرذائل، كسوء الاعتقاد، أي من باب(١) سدِّ توهمها؛ (لئلا يتفق)، كان الأظهر أن
يقول: لأنه إن [٨٠ - ب] اتفق.
(للشخص الذي يخالطه) أي المجذوم، (شيءٌ) فاعل يتفق، (من ذلك،) أي
الجذام (٢) الذي يدل عليه المجذوم، (بتقدير الله تعالى ابتداءً) أي اتفاقاً (لا
بالعدوى المنفية) توكيد(٣) لقوله: ابتداء، (فيظنَ) بالنصب [عطف](٤) على جواب(٥)
النفي، (أن ذلك،) أي حصول الجذام (بسبب مخالطته) أي الشخص للمجذوم،
(فيعتقد صحة العدوى، فيقع في الحرج) أي في الإِثم.
فيه أنه إذا ظن أن الجذامَ حصل بسبب المخالطة، واعتقد صحةَ العدوى
بالتأثير السببي لا حرج فيه، وإن أراد به أنه بسبب الخلطة يعتقد صحة العدوى
بالطبع، فيرد [عليه](٦): أنه حينئذ يجب على كل [أحد](1) أن يجتنب ما يتعلق
بالأسباب، كالمعالجة بالأدوية، بل مزاولة الأطعمة والأشربة، حيث يحتمل أنه(٧)
يظن أنه الأدوية ونحوها لها تأثير بطبعها، فيعتقد اعتقاد الطبعية، فيخرج عن المِلَّة
الحنيفية(٨)
(فأمر بِتَجَنَِّهِ) أي المجذوم وهو إعادة للمدَّعى بعبارة أخصر؛ (حسماً للمادة)
(١) عبارة المطبوعة: أي باب سد من توهمها.
(٢) في (د) والمطبوعة: للجذام.
(٣) في المطبوعة: تأكيد.
(٥) في المطبوعة: وجوب.
(٦) سقط من المطبوعة .
(٧) في (د) أن.
(٨) في (ج) و(د) الحنفية .
(٤) زيادة من المحمودية .

٣٧٤
مختلف الحدیث
والله أعلم.
وقد صنّف في هذا النوع الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى
کتاب ((اختلاف الحديث))، لكنه لم یقصِد استيعابه،
ويَرِدُ عليه اجتنابه صلى الله تعالى عليه وسلم عن المجذوم عند إرادة المبايعة، مع
أن منصب النبوة بعيدٌ من أن يُورِدُ لحسم مادة ظن العدوى كلاماً يكون مادة لظنها
أيضاً. فإن الأمر بالتجنب أظهرُ في فتح مادة ظن أنّ العدوى لها تأثير بالطبع، وعلى
كل تقدير، فلا دلالة أصلاً على نفي العدوى سبباً. وللشيخ التَّوْرِبِشْتي(١) هنا كلام
دقيق على وجه التحقيق ذكرته في شرح المشكاة(٢) والله ولي التوفيق.
(والله أعلم) وكان مأخذ كلامه قول صاحِب ((النهاية))(٣) تحت حديث: ((لا
يُؤْرِدُ مُمرِضٌ على مُصِحِّ))(٤): كأنه كره [ذلك مَخَافة] أن يظهر بمالٍ (٥) المُصِحّ ما ظَهَر
بمالٍ (٥)، المُمْرِض(٦)، فيظن أنها أعدتها فيأثم بذلك. انتهى. يعني فيظن أنها أعدتها
١٠٠ بطبعها لقوله: فيأثم بذلك، لأنه لو ظن أنها(٧) أعدتها/ بسببها(٨)، فلا يأثم
بذلك، فيكون من باب ((إذا سَمِعْتُم بأرضٍ فيها طَاعُون فلا تَدْخُلُوهَا))(٩)
(وقد صنف) وفي نسخة: صنع (في هذا النوع [٨١ - أ] الإِمام الشافعي
رحمه الله تعالى كتاب ((اختلاف الحديث))، لكنه لم يقصد استيعابه) كناية عن عدم
استيعابه، وإلا فمن أين يعلم قصده؟ لكن(١٠) يشير إليه أنه لم يفرده بالتأليف، بل
(١) انظر ترجمته ص ١٣٢، تعليق رقم (٥).
(٢) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٥٢٠/٤.
(٣) ١٢/٣.
(٤) مر تخريجه ص ٣٦٦.
(٥) في المحمودية : بحال.
(٦) حرفت العبارة في (د) و(ج) والمطبوعة، والصواب ما أثبتناه من النهاية ١٢/٣، وما بين الحاصرتين منه.
(٧) في (ج) والمطبوعة: أنه.
(٨) في (ج) بسبب.
(٩) مر تخريجه ص ٣٦٨، تعليق رقم (٦).
(١٠) في (ج) لكنه.

٣٧٥
مختلف الحديث
وقد صنّ فيه بعده ابنُ قُتَيِّبَةَ، والطَّحَاوِيّ، وغيرهما.
وإنْ لم يمكن الجمع فلا يخلو إما أنْ يُعْرَف التاريخ (أَوْ لا)
جعله جزءً من كتابه ((الأم)). وأقول: بل لا يمكن الاستيعاب لاختلاف فهوم أولي
الألباب، وإنما أظهر الإِمام في ((الأم)) طريق الجمع في بعض الأحاديث / ٥٩ - أ/،
ليعلم كيفية أنواع الجمع، ولا يلزم بَعْدَ ضبط القواعد الأصولية [استيعاب](١)
الأمثلة(٢) الجزئية، وحاصله: أنه ذكر جملة إجمالية تُنَبِّه العارفَ على طريقة الجمع
التفصيلية .
(وقد صنف فيه) أي في هذا النوع (بعده) أي بعد الشافعي (ابن قُتَيبة) بضم
القاف، وفتح الفوقية، وباء ساكنة، وهو شيخ الشيخين وقد أجاد. (والطحاوي) وهو
إمام جليل من علماء(٣) الحنفية، واسم كتابه: ((مشكل الأخبار ومعاني الآثار)) وقد
أفاد. (وغيرهما) قال ابن خُزَيْمَة: لا أعرف حديثين صحيحين متضادين(٤)، فمَن
كان عنده شيء فليأتني به لأؤلف بينهما.
(وإن لم يمكن الجمعُ) أي بغير تعسف، (فلا يخلو) أي الحديث من أحد
الأمرين: (إما أن يُعرف التاريخ) أي تاريخ الحديثين، (أوْ لا) فيه حَزَازَةٍ(٥) فإنه
جعله متناً مقابلاً لقوله في المتن: فإن أمكن (٦) ...
وحق العبارة أن يقابله بقوله(٧): وإلا، ولهذا غيَّر الأسلوب في الشرح وجُعل
مقابلاً لقوله: وإن لم يمكن، وجعل قوله: أوْ لا مقابلاً لقوله: إما أن يعرف. ويمكن
(١) سقط من (ج).
(٢) في (ج) والمطبوعة: أمثلة.
(٣) في (ج) أمام.
(٤) في (ج) مضادين.
(٥) الحزازة: وجع في القلب من غيظ ونحوه، القاموس المحيط مادة (حز) ص ٦٥٣.
(٦) انظر ص ٣٦٢.
(٧) حرفت في (د) إلى: ((بقوله والأول هذا)).

٣٧٦
الناسخ والمنسوخ
فَإِنْ عُرِف (وَثْبَتَ المُتَأَخِرِ) به، أو بأصرحَ منه (فهو الناسخُ، والآخرُ
المَنْسُوخ)
أن يجعل قوله في المتن: أَوْ لا)) على ((أمكن))، أي أوْ لا يمكن الجمع، ويجعل الواو
في: وَثَبتَ، للحال، بتقدير قد، لا للعطف ليحتاج إلى تقدير المعطوف
[عليه](١)، وهذا باعتبار حل المتن بانفراده، وقد تقدم أنه جعل المتن جزء من
الشرح، فعليه يتعين(٢) أن يكون معنى أوْ لا، أي أوْ لا يعرف تاريخهما.
[الناسخ والمنسوخ](٣)
(فإن عرف) أي تاريخهما، (وثبت) يحتمل العطف والحال، [٨١ - ب]
(المتأخر) أي المتأخر منهما، فإنه محطّ المقصود، لأنه إذا علم المتأخر، فلا
يحتاج حينئذ إلى تاريخ المتقدم. والمراد أنه ثبت تأخر(٤) أحدهما (به) أي
بالتاريخ، (أو بأصرحَ منه) أي من التاريخ كنصه وَلقر على نسخ أحد الخبرين، أو
نص صحابي، كما سيأتيان(٥)، (فهو) أي المتأخر، (الناسخ، والآخر) أي المتقدم،
المنسوخ).
في ((الخلاصة))(٦): الناسخ: كل حديث دلَّ على رفع حكم شرعي سابق،
ومنسوخه كل حديث رُفع حكمه الشرعي (٧) بدليل شرعي متأخر عنه. وهو فن مهم
(١) سقط من (ج).
(٢) في المطبوعة: بيقين.
(٣) لزيادة الفائد والتوسع انظر: علوم الحديث ص ٢٧٦ - ٢٧٧، وارشاد طلاب الحقائق ص ١٨٥،
والباعث الحثيث ص ١٦٤، والخلاصة في أصول الحديث ص ٦٠، ومعرفة علوم الحديث
ص ٨٥، وفتح المغيث (للعراقي)) ص ٣٣٠، فتح المغيث ((للسخاوي)) ٤٦/٤، وتدريب الراوي
١٨٩/٢، وقواعد في علوم الحديث ص ٤٧، ومنهج النقد في علوم الحديث ص ٣٣٥.
(٤) في (د) تأخير.
(٦) ص ٦٠.
(٧) في (د) الشرع.
(٥) انظر المتن ص ٣٧٩، ٣٨٠.

٣٧٧
الناسخ والمنسوخ
والنَّسْخُ: رفعُ تعلُّقِ حكمٍ شرعي بدليلٍ شرعي متأخرٍ عنه.
صعب يُفْتَقَرُ إليه. وعِلمه فرض كفاية أعيا(١) الفقهاء، وأعجز العلماء.
قال حذيفة: إنما يُفْتِي مَن عرفه. فقيل له: مَن يعرفه؟ قال: عمر رضي الله
تعالی عنه.
(والنسخ: رفعُ تَعَلَّقِ حكم شرعي) أي قطع تعلقه بالمكلفين. والحكم:
إسناد أمر إلى آخر. وباعتبار توصيفه بشرعي أريد به الخطاب المتعلق [بأفعال
العباد](٢). (بدلیل شرعي متأخر عنه). /
١٠١
وإنما قال: تعلق حكم، لأن نفس الحكم قديم لا يرتفع، لأنه خطاب الله
تعالى المتعلق بأفعال المُكَلَّفين. قال شارح: وخرج به المباح بحكم الأصل، فإنه
ليس بحكم شرعي. وفيه بحث؛ لأن حكم إباحة الأشياء إنما عُلم بالشرع كقوله
تعالى: ﴿هو الذي خَلَقَ لكم ما في الأرض جميعاً﴾(٣) /٥٩ - ب/ ونحوه من
قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾(٤) ﴿وجعَلْنا نومَكُم سُبَاتاً ﴾ [وجعلنا الليل لباساً](٥) *
وجعلنا النَّهار معاشاً﴾(٦). قال: ثم خرج الرفع بالموت، والنوم، والغفلة، والجنون
مما ليس بدليل شرعي، وفيه نظر؛ لأن مآلها كلها إلى دليل شرعي. قال: وكذا بيان
المجمل والاستثناء والشرط، ونحوها مما هو متصل بالحكم مبيِّن لغايته، أو منفصل
عنه، مُخَصِّص(٧) لعموم، أو مُقَيِّد لإِطلاق إذ لا تأخر(٨) فيها، وخرج أيضاً قول
بعض الصحابة: خبر کذا ناسخ. انتهى.
(١) حرفت في المطبوعة إلى ((أعمى)).
(٢) سقط من (ج) و(د).
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٩.
.. (٤) سورة الأعراف، الآية: ٣١.
(٥) سقط من (ج) و (د) والمحمودية.
(٦) سورة النبأ، الآيات: ٩ - ١١.
(٧) في (د) مخصوص.
.(٨) في (د) تأخير.

٣٧٨
الناسخ والمنسوخ
والنَّاسِخُ: ما دلَّ على الرفع المذكور. وتسميته ناسخاً مجاز؛
لأن الناسخ في الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى.
ويُعْرَفُ النَّسْخُ بأمور: أصرحُها: ما ورد في النص،
والمجمل ما لم يتضح دلالته مثل: بيان الخيط الأبيض بالفجر، عند من
[٨٢ - أ] جعله من قبيل المجمل، ومِن العام الذي يراد به الخاص، مثل ما وقع
من الشرط في صلح الحديبية عند قولهم: ومَن جاءكم منّا رددتموه علينا، فإن النبي
صلى الله تعالى عليه وسلم إنما أراد الرجال. ذكره البِقَاعِي. قال التلميذ: نظر
البيضاوي في هذا التعريف، فإن الحادث ضد السابق، وليس رفع الحادث للسابق
بأولى من رفع السابق للحادث(١)، وهذا أحد الوجوه التي رد القاضي بها هذا
التعريف.
(والناسخ: ما دل) وفي نسخة: ما يدل (على الرفع المذكور، وتسميته) أي
الرفع، (ناسخاً مجاز) من باب إضافة الفعل إلى السبب والدليل.
(لأن الناسخ في الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى) لقوله تعالى: ﴿ما ننسَخْ من
آيةٍ أو نُنسِها نأتِ بخيرٍ منها أو مِثْلِهَا﴾(٢)، فإطلاقه على الرفع المراد به الدال عليه
أعم من أن يكون آية أو حديثاً، فالناسخ هو الله سبحانه وتعالى، وإن كان يُجْرِي
النسخ على لسان نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم.
(ويعرف النسخ بأمور:) أي ثلاثة بحسب ما ذكرها المصنف.
(أصرحها:) أي أولها وأوضحها (ما ورد في النص) أي من كتاب، أو
(١) عبارة المطبوعة: ((وليس رفع الحد السابق بأولى من رفع الحادث للسابق)). وما أثبتناه من الإِبهاج في شرح
المنهاج ٢٢٧/٢.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٠٦.

٣٧٩
الناسخ والمنسوخ
كحديث بُرَيْدَة في (صحيح مسلم)): ((كنتُ نَهَيْتُكُم عن زيارةِ القُبُور
أَلا فزُورُوها، فإنَّها تُذَكِّر الآخرة)».
ومنها ما يجْزِمُ
سنة، (كحديث بُرَيْدة) بضم موحدة، وفتح راء، وسكون ياء، (في ((صحيح
مسلم)) (١): ((كنت نهيتكم) أي أولاً، (عن زيارة القبور ألا)، بتخفيف اللام، للتنبيه.
(فزوروها) أي القبور؛ (فإنها) أي الزيارة المفهومة من الفعل، أو القبور، أي
رؤيتها، (تُذَكَّر الآخرة) وتذكر الآخرة: تعين على استعداد الزاد للرحلة إليها،
وتُزَهِّد في الدنيا وما عليها، وتُقِلّ طول الأمل، وتُحَسِّن العلم والعمل(٢)، وترحم
على الأحياء والأموات، وغيرها من الفوائد الزاخرة، والعوائد(٣) الفاخرة.
وهذا الحديث من غرائب الناسخ والمنسوخ حيث يشملهما (٤) . والغالب أن
يكونا حديثين بينهما فصل ما، ونحوه حديث ((رَجْمُ مَاعِزِ دون جَّدٍ))(٥) بعد قوله:
((النَّيِّب(٦) بالثِّيِّب جلد مئة، [٨٢ - ب] وَرَجْمٌ بالحجارة))(٧). وبيان أنواع الناسخ
والمنسوخ ليس هذا محله.
(ومنها) أي من الأمور التي يعرف بها النسخ الدال على الناسخ، (ما يَجْزِم)
(١) ٦٧٢/٢، كتاب الجنائز (١١)، باب استئذان النبي ◌َّ ربه ... (٣٦)، رقم (١٠٦ - ٩٧٧)، ولكن
بغير لفظ: ((فإنها تذكر الآخرة))، وهذه الزيادة أخرجها ابن ماجه ٥٠١/١، كتاب الجنائز (٦)، باب
ما جاء في زيارة القبور (٤٧)، رقم (١٥٧١)، والحاكم في المستدرك ٣٧٦/١، ولم ترد لفظة ((ألا))
في صحيح مسلم، والسنن الأربعة، ولكنها وردت عند الحاكم فليُتنبَّه.
(٢) في (ج) و (د) الأمل.
(٣) في المطبوعة: العوائل.
(٤) في (د) والمطبوعة: شملهما.
(٥) حرفت في المطبوعة إلى: ارجم ما عزون جلد. والحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند ٩٢/٥، ٩٥،
٩٦، ١٠٨. بلفظ: ((أن رسول الله وَ﴿ رَجَمَ ماعز بن مالك ولم يذكر جدداً)).
(٦) في (ج) والمطبوعة: الشيب بالشيب، وهو خطأ.
(٧) أخرجه مسلم ١٣١٧/٣، كتاب الحدود (٢٩)، باب حد الزنى (٣)، رقم (١٣ - ١٦٩٠).
-
-

٣٨٠
الناسخ والمنسوخ
فيه الصحابيّ بأنه متأخَّر، كقول جَابر رضي الله عنه: ((كان آخرُ
الأَمْرَين مِن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تَرْكُ الوضوءِ ممّا
مَسَّتِ النَّار)). أخرجه أصحاب السنن.
ومنها ما يُعْرَف بالتاریخ، وهو کثیر .
أي الحديث الذي يجزم (فيه الصحابي بأنه) أي الناسخ، أو أحد الحديثين،
(متأخر).
١٠٢
قال محشٍ : فيه تساهل وكذا/ في قوله الآتي. ويمكن / ٦٠ - أ/ توجيه كلام
الشارح بأن تجعل ما مصدرية، ويجعل ضمير بأنه عائد إلى الحديث.
(كقول جابر رضي الله عنه: ((كان آخرَ الأمرين من رسول الله صلى الله تعالى
عليه وسلم ترك الوُضوء)، بالرفع على أنه اسم كان، خبره(١) آخر الأمرين، أو
بالعكس والوضوء بضم الواو، أي ترك التوضي، (مما مَستِ النار) أي طبخته.
(أخرجه أصحاب السنن)(٢) أي الأربعة .
(ومنها ما يعرف بالتاريخ، وهو) أي مثاله (كثير) أي لا يحتاج إلى ذكره،
كحديث شَدَّاد بن أَوْس وغيره: أن رسول الله وَ الَر قال: ((أفطر(٣) الحَاجِم
والمَحْجُوم)) (٤)، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما: ((أن النبي صلى الله تعالى عليه
(١) في (د) خبرها.
(٢) سنن أبي داود ١٣٣/١، كتاب الطهارة (١)، باب في ترك الوضوء مما مست النار (٧٤)، رقم
(١٩٢). وسنن الترمذي ١١٦/١ - ١٢٠، كتاب الطهارة (١)، باب ما جاء في الوضوء مما غيرت
النار (٨٥)، رقم (٨٠) وسنن النسائي ١٠٨/١ كتاب الطهارة (١) باب ترك الوضوء مما غيرت النار
(١٢٣)، رقم (١٨٥). وسنن ابن ماجه ١٦٥/١، كتاب الطهارة (١)، باب الرخصة في ذلك
(٦٦)، رقم (٤٩٠) واللفظ للنسائي .
(٣) عبارة (د) افطر الحجام الحاجم والمحجوم. وهو خطأ.
(٤) أخرجه البخاري (فتح الباري) ١٧٤/٤، كتاب الصوم (٣٠)، تعليقاً في ترجمة باب الحجامة والقيء
للصائم (٣٢).