Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
أُصح الأسانيد
وكحَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ عن ثابت عن أنس. ودونها في الرتبة:
كسُهَيْل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة.
وكالعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة؛ فإن
الجميع يشملهم اسم ((العدالة والضبط))، إلا أنَّ في المرتبة الأولى
من
الأشعري رضي الله تعالى عنه. قال التلميذ: لقائل أن يقول: إن كان بُرَيْد بن
عبد الله تامَ الضبط، فلا يصح جعله في الرتبة(١) الدنيا، وإن لم يكن تامَ الضبط،
فليس حديثه بصحيح(٢)، فلم يدخل في أصل المَفْسَم. قلت: هو تامّ وغيره أتم
وأُصرح، ولذا يصح: الصحيح وأصح.
(وكحَمَّاد) بتشديد الميم. (ابن سَلَمَة(٣)، عن ثابت، عن أنس. ودونها)
الظاهر [٤٦ - ب] ودونه أي دون دونها. (في الرتبة: كسُهَيْل) بالتصغير. (ابن أبي
صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. وكالعَلاء) بفتح العين. (ابن عبد الرحمن، عن
أبيه، عن أبي هريرة) ومعرفة مراتبهم موقوفة على معرفة أسماء الرجال وطبقاتهم،
وتفصيلٍ فضائلهم وصفاتهم.
(فإنّ الجميع) أي جميع من ذكر ممن هو في أعلى المراتب، ومَن هو في
دونها، وأدونها وغيرهم. (يشملهم اسم العدالة، والضبط) أي أصلهما الكافيين في
أصل الصحة. والمراد بالضبط: تمام الضبط، واللام للعهد لما صرح فيما سبق (٤)،
فلا يرد ما قال تلميذه: هذا ظاهر في أن المعتبَر في حَدِّ الصحيح مطلقُ الضبط لا
الموصوف بالتمام .
(إلا أنّ في المرتبة الأولى) أي المشتملة على الطرق العليا فيهم (من
(١) في (ج) المرتبة.
(٢) في (ج) بالصحيح.
(٣) في (ج) ابن أبي سلمة، وهو خطأ.
(٤) ص ٢٤٣.

٢٦٢
مناظرة أبي حنيفة مع الأوزاعي
الصفات المرجحة ما يقتضي تقديمَ روايتهم على التي تليها. وفي التي
تليها من قوة الضبط ما يقتضي تقديمها على الثالثة،
الصفات المرجّحَة) يعرفها المحدثون الحُذَّاق. (ما يقتضي تقديم روايتهم) أي
المذكورين /٣٥ - أ/ في الطبقة العليا. (على التي تليها، وفي التي تليها،) أي تلي
التي تليها. (من قوة الضبط) أي وغيره من الصفات. (ما يقتضي تقديمها على
الثالثة) أي على المرتبة الثالثة وطبقتها من الرجال.
[مناظرة أبي حنيفة مع الأوزاعي]
قال تلميذه: ومناظرة أبي حنيفة مع الأوْزَاعي معروفة رواها الحَازِميّ. قلت:
٥٨ إنها لا تنافي ما ذكره(١) الشيخ من التفضيل على وجه التفصيل / بين العدول(٢) من
الرواة. غايته أن الإِمام اختار الترجيج بالفقه الذي هو استناد(٣) الاعتماد.
والأوزاعي اختار علو الإِسناد(٤) وقد ذكرها ابن الهُمَام(٥).
وهي: أنَّ الإِمام أبا حنيفة اجتمع مع الأوْزَاعِيّ بمكة في دار الحَنَّطين(٦)، فقال
الأوْزَاعي: ما لكم لا ترفعون الأيدي عند الركوع، والرَّفْعِ منه؟ فقال: لأجل أنه لم
يصح عن رسول الله ◌َ ليل فيه شيء . - أي مما يوجب العمل به بأن لا يكون له
معارِض أرجح منه، أطلق لأنه أدْعى إلى إلزام الخصم - فقال الأوْزَاعيّ: [٤٧ - أ]
كيف لم يصح وقد حدثني الزُّهْرِيّ، عن سَالِم، عن أبيه - أي ابن عُمَر - أنّ
رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وعند
(١) في المطبوعة: ذكر.
(٢) في (ج) العدل.
(٣) في (ج) إسناد.
(٤) في المطبوعة: الاستناد.
(٥). فتح القدير ٢٧٠/١، والبناية شرح الهداية ٢٢٧/٢، وشرح مسند أبي حنيفة ص ٣٥ - ٣٧. وما بين
الحاصرتين استدركناه من فتح القدير، وشرح مسند أبي حنيفة. وانظر قواعد في علوم الحديث
ص ٢٩٩ تعليقاً. وعقود الجواهر المنيفة ١٠٢/١، ومناقب أبي حنيفة للمكي ١١٣/١.
(٦) حرفت في المطبوعة و(د) و(ج) إلى: الخَيَّاطين، والمثبت من (المحمودية) والمصادر السابقة في التعليق (٥).
1

٢٦٣
مناظرة أبي حنيفة مع الأوزاعي
وهي مقدَّمة على رواية مَنْ يُعَدُّ ما يَتَفَرَّد به حَسَناً، كمحمد بن إسحاق
عن عاصم بن عمر عن جابر، وعمرو بن شُعَيْب عن أبيه
الركوع، وعند الرفع منه. فقال أبو حنيفة: حدثنا حمّاد عن إبراهيم، عن عَلْقَمَةَ
والأسْوَدِ، عن عبد الله بن مسعود: أنّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان لا يرفع
يديه إلا عند افتتاح الصلاة، ثم لا يعود [لشيء من ذلك ... ](١).
فقال الأوزاعي: أُحَدِّتُك عن الزُّهْرِي، عن سالم، عن أبيه، وتقول: حدثني
حَمَّاد، عن إبراهيم !. فقال أبو حنيفة رحمه الله: كان حَمَّد أفقه [من الزُّهْرِيّ،
وكان إبراهيم أفقه] من سَالِم، وعلْقَمَة ليس بدون ابن عمر في الفقه، وإن كانت
لابن عمر صحبة، وإن كان له فضل صحبة، فالأسود له فضل كثير، وعبدُ الله،
[عبدُ الله](٢)، فرجَّح بفقه الرواة كما رجح الأوزاعي بعلو الإِسناد، وهو - [أي
الترجيح بالفقه](٣) - المذهبُ المنصور عندنا. انتهى كلام المحقّق. وبقية هذا البحث
حررناها في ((شرح المشكاة)) (٤).
(وهي) أي المرتبة الثالثة. (مقدمة على رواية مَن يُعَدّ،) بصيغة المجهول.
(ما يتفرد) أي هو (به) راجع إلى ما. (حَسَناً) مفعول ثانٍ، أي يُعَدُّ حسناً لذاته لأن
مرتبة الصحيح فوق مرتبة الحسن، بل مُقَدَّمة أيضاً على رواية (٥) مَن يُعَدّ ما يتفرد به
صحيحاً لغيره.
(كمحمد) أي مَن يعد المذكور كمحمد (ابن إسحاق، عن عاصم بن
عمر،) بلا واو. (عن جابر، وعمرو) بالواو وكعمرو. (ابن شُعَيْبٍ) أي ابن
محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص. (عن أبيه،) أي شُعَيْب، أو محمد.
(١) نقص استدرك من فتح القدير ٢٧٠/١.
(٢) سقط من المطبوعة.
(٣) زيادة من ((المرقاة)) ٤٩٨/١. انظر مبحثاً نفيساً حول (الترجيح بفقه الراوي) في ((الأجوبة الفاضلة)) لِلَّكْنوي
ص ٢١٠ - ٢١٩.
(٤) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٤٩٨/١ - ٤٩٩.
(٥) في المطبوعة: روايته.

٢٦٤
أصح الأسانيد
عن جده .
وقِسْ على هذه المراتب ما يشبهها. والمرتبةُ الأولى هي التي
أَطْلَق عليها بعض الأئمة أنها أصح الأسانيد. والمعتمد عدم الإِطلاق
لترجمة معينة منها.
(عن جَدِّه) أي جَدّ عمرو، أو جد شعيب. والجد(١) محمد بن عبد الله بن
عمرو بن العاص كذا في ((المُظْهِر)). وقيل: جد عمروبن شعيب هو عبد الله بن
عمرو بن العاص، وأبوه محمد. والمراد من الجد الجد الأعلى وهو الصحابي،
لكن فيه أن عمرو بن العاص أيضاً صحابي، ويندفع / ٣٥ - ب/بأنه معلوم من
الخارج أنه لم يدركه. قال الزَّعْفَرَاني شارح ((المصابيح)): اختلف أنّ شعيباً سمع
من جده عبد الله بن عمرو أم لا، ولذا لم يخرِّج الشيخان الحديث الذي رواه
[٤٧ - ب] عمرو عن جده.
(وقِسْ على هذه المراتب) أي العليا، والوسطى، والسُّفْلَى. (ما يشبهها) أي
من اتفاق الشيخين، وأفراد البخاري، وأفراد مسلم. أو المعنى: قِسْ على هذه
المراتب الثلاثة المذكورة المرتبة ما يشبهها من أمثلة أخرى في الصفات المرجِّحَة.
(والمرتبة الأولى هي التي أطْلَقَ عليها بعض الأئمة أنها أصح الأسانيد) إنما
أعادها ليرتبط بها قوله :
٥٩
(والمعتمد عدم الإِطلاق / لترجمة معينة) كأن يقال: للزُّهْرِي(٢)، عن
سالم ... إلخ مثلاً إنه أصح الأسانيد على الإطلاق من جميع أسانيد الصحابة.
وهذا معنى قول الجَزَرِيّ: ولم أرَ مَن عمَّمَه، وهذا يؤيد مخاصمة أبي حنيفة
للأوْزَاعي. (منها) أي من التراجم بدلالة ترجمة، أو من المرتبة الأولى يعني من
تراجمها .
(١) سقط من (ج).
(٢) في (ج) الزهري.

٢٦٥
أصح الأسانيد
نعم يُسْتَفاد من مجموع ما أَطْلَق الأئمةُ عليه ذلك
والحاصل: أنّ القول المختار أنه لا يُطْلَقُ على إسناد معيَّن بأنه أصح الأسانيد
مطلقاً، لأن تفاوت مراتب الصحة مترتب(١) على تمكن الإِسناد من شروط الصحة،
ويَعِزّ (٢) وجود أعلى درجات القبول في كل فرد فرد(٣) من ترجمة واحدة بالنسبة
لجميع الرواة، كذا حققه العراقي (٤)، وصرَّح به غير واحد من المحدثين، وقال
النووي(٥): إنه المختار.
لأن الإِطلاق يتوقف على وجود أعلى درجات القَبول من الضبط، والعدالة،
ونحوهما في كل فرد من رواة السند المحكوم له بالنسبة لجميع الرواة الموجودين
في عصره، ويَعِزّ اجتماع سلسلة كذلك.
إذ لا يعلم، أو يظن أن هذا الراوي حاز أعلى الصفات حتى لا يوازى بينه
وبين كل فرد [فرد](٦) من جميع مَن عاصره، فإن كان لا بُدّ من الإِطلاق، فيقيّد كل
ترجمة بصحابيّها(٧)، أو بالبلد التي منها أصحاب تلك الترجمة بأن يقال: أصح
أسانيد فلان أو فلانين، فإنه أقل انتشاراً وأقرب إلى الحصر، بخلاف الأول، فإنه
حصر باب واسع جداً شديد الانتشار، فظهر أن إطلاقهم لا يُستفاد منه أَصَحِّيَة
الإِسناد المعيّن.
(نعم، [٤٨ - أ] يُستفاد من مجموع(٨) ما أطلق الأئمة (٩) عليه ذلك) أي ما
(١) في (د) مرتب.
(٢) في (ج) يغير.
(٣) وعند الرجوع للعراقي ص ٩ لم نجدها، وهي موجودة في (ج) و(د) والمطبوعة .
(٤) فتح المغيث ((العراقي)) ص ٩.
(٥) التقريب ص ٢ - ٣، وارشاد طلاب الحقائق ص ٥٨، وتدريب الراوي ٧٦/١.
(٦) سقط من المطبوعة.
(٧) في (ج) بأصحابها.
(٨) في (د) جميع.
(٩) سقط من (د).

٢٦٦
مراتب الأصحيّة
أَرْجَحِيَّتُه على ما لم يطلقوه. ويَلْتَحِق بهذا التفاضل:
١ - ما اتفق الشيخان على تخريجه بالنسبة إلى ما انفرد به أحدهما.
٢ - وما انفرد به البخاريُّ.
٣ - إلى ما انفرد به مسلم؛ لاتفاقِ العلماء بعدهما على تلقي
كتابيهما بالقَبول، واختلافٍ بعضهم.
ذُكِر من كونه أصح الأسانيد، وليس المراد المجموع من حيث المجموع.
(أَرْجَحِيَّتُهُ) أي يُستفاد منه أنّ ما أطلقوا(١) عليه ذلك من الأسانيد أرجح (على ما
لم يُطلقوه)(٢) أي لا على (٣) عموم الأسانيد، ومطلقها.
(ويلتحق بهذا التفاضل) أي الذي عليه مدار علو الإِسناد (ما اتفق الشيخان
على تخريجه) ويقال له: المتفق عليه، أي ما/٣٦ - أ/ أودعه الشيخان البخاري
ومسلم، في صحيحيهما - الذي أولهما أصحهما - لا كل الأمة (٤)، وإنْ تضمَّن اتفاقهما
لتلقّيها لهما(٥) إلا ما عُلِّلَ مما أجيب عنه بالقَبول. قال السخاوي: بل ما فيهما -
إلا ما استُثْني - قطعيّ، دون مطلق الصحيح فنظري، ثم إنه على مراتب: فأعلاها(٦) ما
اتفِق على تواتره، وإن اشترك مع ما عداه في مسمَّى إفادة العلم، ثم المشهور.
(بالنسبة إلى ما انفرد به أحدهما، وما انفرد به البخاريُّ بالنسبة إلى ما انفردَ
به مسلمٌ لاتفاق العلماء بعدهما على تلقِّي كتابيهما) أي على أخذهما، والإِقبال
عليهما. (بالقَبول) أي علماً، وعملًا. (واختلافٍ بعضهم) أي ولوقوع(٧) اختلاف
بعضهم.
(١) عبارة المطبوعة: منه ما اطلق.
(٢) في (ج) يطلقون.
(٣) سقط من (ج).
(٤) فالمتفق عليه: ما اتفق عليه البخاري ومسلم، لا ما اتفق عليه كل الأمة.
(٥) في (د) إليهما.
(٦) في المطبوعة: فاعليها.
(٧) عبارة (ج) أي ولو وقع.

٢٦٧
المفاضلة بين الصحيحين
في أيهما أرجح. فما اتفقا عليه أرجحُ من هذه الحيثية مما لم يتفقا
عليه .
وقد صرح الجمهور بتقديم ((صحيح البخاري)) في الصحة،
(في أيُّهما أرجح) قيل: الصواب: في أنّ أيَّهما أرجح، فإن حرف الجر لا
يدخل الجملة، وهذا الاختلاف لا يوجب عدم تفاضل ما اتفقا على غيره.
قال المصنف: ما انفرد به البخاري راجحٌ أيضاً لترجيح أفضليته، فإنهم إذا
قَصَرُوا اختلافهم عليهما(١)، استُفِيدَ مرجوحية غيرهما، وترجيحهما، أي البخاري
ومسلم إذا اتفقا/ أفاد تصريح الجمهور بتقديم البخاري .
٦٠
قال تلميذه: ليس في هذا أكثر مما في الشرح في المعنى (٢) لكن في اللفظ.
قلت: زيادة المبنى (٣) تدل على زيادة المعنى، فأقل ما يكون أنه أوضَحَ ما
أَغْلِق في الشرح.
[المفاضلة بين الصحيحين]
(فما اتفقا عليه أرجح من هذه الحيثية [مما لم يتفقا عليه])(٤) قال المصنف:
أي من حيث تلقِّي كتابيهما بالقَبول، وقد يعرض عليه(٥) عارض يجعل المَفُوقَ
فائقاً .
قال تلميذه: فيكون من حيثية أخرى وهو المفهوم من [٤٨ - ب] الحيثية(٦).
(وقد صرَّح الجمهور بتقديم ((صحيح البخاري)) في الصحة)(٧) إشارة إلى
(١)) في المطبوعة و(د) عليها.
(٢) في (ج) أكثر ما في شرح البخاري في المعنى.
(٣) في المطبوعة و(د): البناء.
(٤) زيادة من المطبوعة.
(٥) لیس في (ج) و (د).
(٦) في (ج) من الحيثية مما لم يتفقا عليه.
(٧) انظر هدي الساري مقدمة فتح الباري ص ٩ - ١٠ .

٢٦٨
المفاضلة بين الصحيحين
ولم يوجد عن أحد التصريح بنقيضه. وأما ما نقل عن أبي عليّ
الَّيْسَابُورِيّ أنه قال: ما تحت أديم السماء
دليل تقديم ما انفرد به البخاري على ما انفرد به مسلم.
(ولم يوجد عن أحد التصريح بنقيضه) أي بتقديم مسلم على البخاري.
ويطلق عليه النقيض في العُرْف ولم يُرْوَ عدم تقديم البخاري على مسلم كما هو
متعارَف أهل الاصطلاح، يدل عليه قوله الآتي: فلم يصرح بكونه أصح من صحيح
البخاري .
فإن قيل: اختلاف بعضهم في أيَّهما أرجح يُشْعِر بقول بعضهم في أرجحية
مسلم، فهذا تصريح بنقيضه. قلنا: لعلَّ ما ذكره من اختلافهم مبنيٌّ على إطلاقاتهم
وما يفهم من كلامهم، ولا يكون منهم تصريح بذلك، وما نُقِل عن الشافعي من
قوله: ما أعلم بعد كتاب الله عز وجل أصح من موطأ مالك، فقبل وجود
الكتابين(١)، كذا في الجواهر(٢).
(وأمّا ما نُقِل عن أبي علي النّيْسابُورِيّ) بفتح النون، وسكون الياء، بعدها
سين مهملة.
(أنه قال: ما تحت أديم السماء) أي على ظاهرها، أو جِرْمِها.
(١) وذهب بعض العلماء إلى أن الموطأ هو أول مصنف في الحديث الصحيح، لما علم من تحرِّي الإِمام
مالك في اختيار أحاديثه. وقد اعترض هذا الرأي بأن مالكاً لم يخص كتابه بالحديث الصحيح، بل
أَدخل فيه المرسل والمنقطع والبلاغات أيضاً وأجيب أنه تبين اتصالها، وصلها ابن عبد البر في التمهيد
جميعاً، خلا أربعة أحاديث من البلاغات لم يصل أسانيدها ...
وإن مالكاً مزج الحديث بأقوال الصحابة والتابعين وساق الجميع سياقاً واحداً، فلم يكن كتابه مجرداً
للحديث المرفوع، أما البخاري فقد ميز أقوال الصحابة والتابعين فأوردها في تراجم الأبواب، فكتابه
خاص بالحديث الصحيح المرفوع فحاز الأولية بذلك، أما إذا نظرنا إلى مطلق الجمع للحديث
الصحيح ولو كان ممزوجاً بغير المرفوع، فالموطأ أول كتب الصحيح وجوداً والله أعلم. انتهى باختصار
من تعليق شيخنا الدكتور نور الدين عتر على علوم الحديث ص ١٨ تعليق رقم (٣).
(٢) جواهر الأصول في علم حديث الرسول ص ١٨، ولكن بإثبات ((شيئاً) بعد قوله: ما أعلم.

٢٦٩
المفاضلة بین الصحیحین
أصحّ من (كتاب مسلم))، فلم يصرح بكونه أصحَّ مِنْ ((صحيح
البخاري))؛ لأنه إنما نفى وجودَ كتاب أصح من كتاب مسلم؛ إذ المنفي
إنما هو ما تقتضيه صيغة أَفْعَل من زيادة صحة في كتاب شارك كتابَ
مسلم في الصحة، يمتاز بتلك الزيادة عليه، ولم ينفِ المساواة،
(أصح من ((كتاب مسلم))، فلم يصرِّح) فاعله عائد إلى (ما نُقِل))، والإِسناد
مجازي أو إلى أبي عليّ، فجواب أمّا محذوف/٣٦ - ب/وهذا تعليل للجواب،
والمعنى: وأما ما نقل فلا ينافي ما ذكر لأنّ ذلك الناقل، أو المنقول عنه لم يصرِّح
(بکونه) أي کتاب مسلم.
(أصحّ من ((صحيح البخاري))، لأنه إنما نفى وجود كتاب أصح من ((كتاب
مسلم))؛ إذ المنفي إنما هو ما تقتضيه صيغة أفعل من زيادة صحة في كتاب شارَك
((كتاب مسلم)) في الصحة يمتاز) أي ذلك الكتاب.
(بتلك الزيادة عليه) أي على ((كتاب مسلم)). (ولم يَنْفِ المساواة) فإن قلت:
هذا إنما هو بحسب [اللغة، وأما بحسب](١) العُرْفِ فلا. والمعتبر هو المفهوم
العُرْفِيّ كما حُقِّق في حديث: ((ما رأيتُ أحْسَنَ مِن رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم))(٢) وقد صرَّح السيِّد في ((شرح المفتاح)) وغيره بأن المقصود من [مثل](٣)
هذا التركيب نفي الأفضلية والمساواة معاً، وذلك لأنه المتبادَر [٤٩ - أ] من
الكلام .
قلت: فلا يكون صريحاً بأن مسلماً أصح من البخاري لاحتمال أنْ يراد
المعنى لغة، ولذا قال: فلم يصرح، فيه أنه نقيض ما قالوا من أنَّ البخاري أصح من
مسلم سواء أراد به نفي الأفضلية، أو نفيها مع نفي المساواة.
(١) سقط من (ج).
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، انظر مجمع الزوائد ١٣٠/٥.
(٣) سقط من المطبوعة .

٢٧٠
المفاضلة بين الصحيحين
قال المصنف: فإن قيل: العرف يقضي(١) في قولنا: ما في البلد أعلم من
زيد، بنفي من يساويه أيضاً، قلنا: لا نُسَلِّم، أنّ عرفهم كذلك. قال تلميذه: يردّ
هذا قول النسفي في ((العمدة)): أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: ((ما طَلَعَتْ
٦١ شَمْسٌ ولا غَرَبَتْ بعد النبيين على أحدٍ / أفضلَ من أبي بكر))(٢). قال النسفي:
فهذا يقتضي أن أبا بكر أفضل من كل من ليس بنبي. انتهى. قال المصنف:
سَلَّمْنَا، لكن يجوز إطلاق مثل هذه العبارة، وإن وجد مساوٍ، إذ هو مقام مدح
ومبالغة، وهو يحتمل مثل ذلك.
قال تلميذه: فتفوت فائدة اختصاصه بالذكر، وهو خلاف القصد. انتهى.
وهو غريب لأنّ كلام الشيخ أنّ الفائدة قد تكون المبالغة(٣)، ولهذا صرح العلماء:
بأنه ليس نصٌّ في أفضلية الصِّدِّيق وعلي رضي الله تعالى عنهما (٤).
قال ابن القَطَّان: ذهب مَن لا يعرف معنى الكلام إلى أنّ مثل قوله صلى الله
تعالى عليه وسلم: ((ما أَقَلَتْ الغَبْرَاءُ، ولا أَظَلَّتْ الخَضْرَاءُ أصدقَ لَهْجَةٌ من أبي
ذَرّ))(٥) مقتضاه أن يكون أبو ذر صدق العَالَم أجمع. قال: وليس المعنى كذلك
(١) في المطبوعة و(ج): يقتضي .
(٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية) ٣٢٥/٣، وابن أبي حاتم في ((العلل)) ٣٨٤/٢، وابن حبان في
((المجروحين)) ١٢٧/١، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (١٢٢٤). قال أبو نعيم: غريب من حديث
عطاء عن أبي الدرداء، تفرد به عنه ابن جريج، ورواه عنه بقية بن الوليد وغيره عن ابن جريج. وقال
ابن أبي حاتم : ... هذا حديث موضوع !!.
(٣) في (د) للمبالغة .
(٤) أي لا يوجد نص في تفضيل الصِّدِّيق وعليّ رضي الله عنهما، ولو كان هذا الحديث نصاً في تفضيل الصديق
لصرَّحوا به.
(٥) أخرجه الترمذي ٦٢٨/٥، كتاب المناقب (٤٦)، باب مناقب أبي ذر رضي الله عنه (٣٥)، رقم
(٣٨٠١) ولفظه: ((ما أظلت الخضراء، ولا أَقلت الغبراء أَصدق من أبي ذر)». وابن ماجه ٥٥/١،
المقدمة، باب في فضائل أصحاب رسول الله صل ﴿ (١١)، رقم (١٥٦). والإِمام أحمد في المسند
١٦٣/٢، ١٧٥، ٢٢٣. وأقرب لفظ لما أورده المصنف ما أخرجه ابن أبي شيبة ١٢٤/١٢، كتاب
الفضائل، ما جاء في أبي ذر الغفاري، رقم (١٢٣١٥).

٢٧١
المفاضلة بين الصحيحين
وإنما نفى أن يكون أحد أعلى رتبة منه في الصدق، ولم ينف أن يكون في الناس
مثله في الصدق، وإلا لكان أصدق من الصِّدِّيق [رضي الله عنه](١)، وليس كذلك
بل قُصَارى أمره المساواة له. ولو أراد صلى الله تعالى عليه وسلم ما ذهبوا إليه
لقال: أبو ذر أصدق من كل ما أقَلَّتْ ...
وأما قول شارح: ويمكن أن يقال: إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أورد
كلامه على اللغة لا العُرْف، وإلا لكان أبو ذر أصدقَ من النبي صلى الله تعالى عليه
وسلم، وكذا من الصديق، فغفلة عظيمة، بل زلة جسيمة [٤٩ - ب]/٣٧ - أ/ لأن
أبا ذرّ لا يصح أن يساوي صدقُه صدقَ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالإِجماع،
فهو وسائر الأنبياء مستثنى عقلاً وشرعاً، ويراد بالحديث أنه أصدق مِن أقرانه كما أنّ
كلام [الله تعالى](٢) مستثنى في كلام النيسابوري، وإلا فيلزم(٣) المساواة قطعاً وهو
خلاف الإِجماع .
وقال البِقَاعي: الحق أنَّ هذه الصيغة تارة تُستعمل على مقتضى أصل اللغة،
فتنفي الزيادة فقط، وتارة على مقتضى ما شاع(٤) من العرف فتنفي المساواة. ومثل
قوله عليه الصلاة والسلام: ((ما طَلَعَتْ شمسٌ (٥)، ولا غَرَبَتْ على أَحَدٍ ... ))
الحديث، وإن كان ظاهره نفي أفضلية الغير لكنه إنما ينساق لإِثبات أفضلية
المذكور.
والسِّرُّ في ذلك أنّ الغالب في كل اثنين هو التفاضل دون التساوي، فإذا نُفي
أفضلية أحدهما ثبت أفضلية الآخر. ويمثل هذا ينحلُّ الإِشكال المشهور على قوله
صلى الله تعالى عليه وسلم: ((مَنْ قال حينَ يُصْبِحُ، وحين يُمْسِي: سُبْحَاَن اللَّهِ
(١) زيادة من (ج).
(٢) سقط من (ج).
(٣) في المطبوعة: فلزم.
(٤) في المطبوعة: شاء.
(٥) المطبوعة و(د): الشمس.

٢٧٢
المفاضلة بين الصحيحين
وكذلك ما نُقِل عن بعض المغاربة أنه فضَّل ((صحيح مسلم)) على
(صحيح البخاري))، فذلك فيما يرجع إلى حُسْنِ السِّيَاق، وجَوْدةِ
الوضع، والترتيب،
وبحمدِهِ مئةَ مرة لم يأتِ أحدٌ يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحدٌ قال مِثْلَ
ذلك، أو زَادَ عليه))(١). فالاستثناء بظاهره من النفي، وبالتحقيق من الإِثبات. ويصير
ذلك كالحديث الذي روي عن أبي المُنْذِر قال: قلت يا نبيّ الله: عَلِّمني أفضل
الكلام قال: ((يا أبا المُنْذِر، قل: لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَه لا شَرِيكَ له، لهُ المُلْكُ، وله
الحمدُ، يحيي ويُمِيتُ، بيدهِ الخيرُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير، مئةَ مرة في كل يوم،
فإنك يومئذ أفضل الناس عملاً إلا مَن قال مثلَ ما قلت))(٢). انتهى.
والحاصل: أنّ الحمل على المعنى اللغوي كافٍ لنفي التصريح ومنعه.
(وكذلك) أي ومثل ما تقدم في عدم إفادة تصريح تقديم صحيح مسلم من
جميع الوجوه.
٦٢
(ما نُقِل عن بعض المغاربة أنّه) أفرد الضمير باعتبار / لفظ البعض، والمراد
أنّ جمعاً منهم.
(فضَّل ((صحيح مسلم)) على ((صحيح البخاري))) [٥٠ - أ] لكنْ أوَّله
الجمهور وقالوا: إنْ صَحّ. (فذلك) أي فترجيح مُسْلِم مُسَلَّم (فيما يرجع إلى
حسن السِّياق) أي بين الأحاديث (وجَوْدَةِ الوضع) أي في الثبوت (والترتيب) فإنه
يبدأ بالمجمل، والمُشْكِل والمنسوخ، والمُعَنْعَن، والمُبْهَم ثم يُردِف بالمبيِّن،
(١) أخرجه البخاري (فتح البخاري) ٣٣٨/٦ - ٣٣٩، كتاب بدء الخلق (٥٩)، باب صفة إبليس وجنوده
(١١)، رقم (٣٢٩٣). ومسلم ٢٠٧١/٤، كتاب الذكر ... (٤٨)، باب فضل التهليل والتسبيح
والدعاء (١٠)، رقم (٢٨ - ٢٦٩١).
0
(٢) أخرجه البزار في مسنده، انظر كشف الأستار عن زوائد البزار ٤ /١٠، رقم: (٣٠٧٣) ومجمع الزوائد
٨٨/١٠.
ـر»

٢٧٣
المفاضلة بين الصحيحين
ولم يُفْصِحْ أحدٌ منهم بأنَّ ذلك راجعٌ إلى الأصَحِّيَّة، ولو أفصحوا
به لردّه عليهم شاهدُ الوجود، فالصفات التي تدور عليها الصحة
في ((كتاب البخاري)) أتمُّ منها في ((كتاب مسلم)) وأَسَدُّ.
والناسِخ، والمصرِّح، والمعيِّن، والمنسوب. كذا نقله البعض عن شرح
السخاوي(١) ((للتبصرة والتذكرة)(٢). وقد اختص(٣) مسلم في كتابه أيضاً بجمع
طرق الحديث في مكان واحد ليُسَهِّل الكشف منه بخلاف البخاري كما في ((شرح
التقریب)»(٤).
(ولم يُفْصِح) أي لم يبِيِّن، ولم يُصَرِّح. (أحدٌ منهم) أي من المغاربة،
وغيرهم من المحدثين (بأن ذلك) أي التفضيل(٥) (راجع إلى الأصَحِّيَّة) أي أَصَحِّيَّة
مسلم من البخاري. (ولو أفصحوا به) أي ولو أوضحوا(٦) بكونه أصح. (لردّه) أي
إفصاحَهم (عليهم شاهد/٣٧ - ب / الوجود) الإِضافة للبيان، يعني إن أظهروا
رجوع التفضيل إلى الأصحِّيَّة لَرَدَّ شاهدُ الوجود - الذي إنكاره مكابرة - ذلك الرجوع
علیهم، ودفعه إليهم لأنه خلاف ما عليه الوجود.
(فالصفات التي تدور عليها الصحة) أي من العدالة، وتمام الضبط، وغيرهما
من وجود الاتصال، وعدم الشذوذ (في ((كتاب البخاري)) أتمّ منها) أي من تلك
الصفات الواقعة (في ((كتاب مسلم)) وأسَدُّ) بفتح السين المهملة، وتشديد الدال
المهملة، أي أكثر سداداً، وأظهر صواباً.
(١) في (د) البخاري، وهو تحريف.
(٢) في المطبوعة و(ج) و(د): للتذكرة والتبصرة، وما اثبتناه هو ما سمى به ((العراقي)) ألفيته. انظر فتح
المغيث (للسخاوي)) ٢/١.
(٣) في المطبوعة: اختصر.
(٤) تدريب الراوي شرح تقريب النووي ٩٥/١.
(٥) في (ج) والمطبوعة: التفصيل.
(٦) في المطبوعة: لو افصحوا.
:م

٢٧٤
شرط البخاري ومسلم
وشرطه فيها أقوى وأَشَدُّ .
وأما رجحانه مِن حيثُ الاتصالُ، فلاشتراطه أنْ يكون الراوي قد
ثبت له لقاءُ مَنْ روى عنه، ولو مرةً، واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة،
[شرط البخاري ومسلم]
(وشرطه(١)) أي البخاري بحسب ما تُتُبِّع في صنيعه(٢) (فيها) أي في الصحة.
(أقوى وأشد وأمَّا رجحانه من حيث الاتصال) أي اتصال السند. (فلاشتراطه) أي
البخاري. (أن يكون الراوي قد ثبت له لِقَاء مَن روى عنه ولو مرةً) يعني: وإذا ثبت
اللُّقِيّ، فكل ما روي عنه محمول على أنه سمع منه بلا واسطة، فهذا كمال ما
يمكن أن يقال في الاتصال. (واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة) أي وإمكان اللُّقِيّ،
فحُسْنُ (٣) الظن حَمْلُ الرواية على الاتصال، فاندفع بهذا ما ذكره محشٍ. فإن
قلت: كيف يكفي ذلك مع أن [٥٠ - ب] كتابه صحيح ولا بد فيه من الاتصال؟
قلت: لعله جاء هذا الحديث في كتابه في موضع آخر متصلاً أو كان اتصاله بمَن
روى عنه مشهوراً، فالمراد بمَن روى عنه [من روى عنه](٤) ظاهراً ولو كان
بالواسطة. انتهى. وفيه أنه لو كان كذلك لكان الاختلاف لفظياً.
والصواب: كون الخلاف(٥) حقيقياً وأنّ هذا تفصيل لمجمل (٦) ما سبق من قوله:
فالصفات ... إلخ(٧).
(وحاصله: أنّ البخاري أشد اتصالاً من كتاب مسلم لأن مسلماً كان مذهبه أنّ
الإِسناد المعنعن له حكم الاتصال إذا تعاصر المُعَنْعِن والمُعَنْعَن عنه، وأمكن
(١) في (ج) شرط.
(٢) في المطبوعة: صيغته.
(٣) في (ج) والمطبوعة: فيحسن.
(٤) زيادة من (ج) والمحمودية.
(٥) في (ج) الاختلاف.
(٦) في (ج) بمجمل.
(٧) ص ٢٧٣ .

٢٧٥
شرط البخاري ومسلم
وألْزَم البخاريَّ بأنه يحتاج أن لا يقبل العنعنة أصلاً، وما ألزمه به
ليس بلازم؛ لأن الراوي إذا ثبت له اللقاء مرةً، لا يجري في
روايته احتمال أن لا يكون قد سمع منه، لأنه يلزم من جريانه، أن
یکون
اجتماعهما، والبخاري لم يحمله على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة
واحدة. ولهذا قال النووي: وهذا المذهب يرجِّح كتاب البخاري.
(وألزم) أي مسلم (البخاريَّ بأنه يحتاج) البخاري (إلى أن لا يقبل
العنعنة)(١) وهي مصدر مصنوع مأخوذ من روى فلان، عن فلان، / على طريقة ٦٣
البسملة، والحمدلة، وغيرهما.
قال العراقي (٢)): العنعنة مصدر عنعن الحديث إذا رواه بلفظ من غير بيان
للتحديث، أو الإِخبار، أو السماع .
(أصلاً) أي سواء كانت عنعنةَ معاصرٍ، أو عنعنةَ مُلاَقٍ، لأن المقصود من
اشتراط اللقاء السماع. والعنعنة تحتمل عدم السماع، فما باله يقبل عنعنة
الملاقي؟!
(وما ألزمه) أي مسلم البخاريَّ (به ليس بلازم لأن الراوي إذا ثبت له اللقاء
مرة، فلا يجري في روايته احتمال أن لا يكون قد سمع منه) ومراده
أن/٣٨ - أ/ احتمال عدم السماع(٣) بعيد جداً، فوقع النفي على وجه الإطلاق
الإرادة المبالغة. ويدل عليه تعليله بقوله:
(لأنه يلزم من جريانه) أي جريان الاحتمال على تقدير وقوعه. (أن يكون)
(١) إن مسلماً لا يقصد البخاريَّ في كلامه المشار إليه - في صحيح مسلم ٢٨/١ - ٢٩ - بل يقصد
عليَّ بن المَدِيني. قال ابن كثير: قيل إنه يريد البخاريَّ، والظاهر أنه يريد عليَّ بن المَدِيني. الباعث
الحثيث ص ٤٩. وهذا القول هو الذي رجَّحه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في بحث نفيس آخر
((المُوقِظة)) ص ١١٥ - ١٤٠ فانطره هنالك، ففيه الغُنية.
(٢) فتح المغيث ((للعراقي)) ص ٧٣.
(٣) في المطبوعة: السماع في رواياته بعيد.

٢٧٦
شرط البخاري ومسلم
مُدَلِّسَاً، والمسألة مفروضة في غير المدلِّس.
أي الراوي. (مدلِّساً) بتشديد اللام المكسورة. وهو: مَن يروي الحديث عن
معاصره وملاقيه، والحال: أنه ليس له سماع(١) عنه. (والمسألة) أي التي نحن
فيها. (مفروضة في غير المدلس) على ما سيأتي أنّ عنعنة [٥١ - أ] المعاصر
محمولة على السماع، إلا مِن المدلِّس.
وبما حررنا اندفع قول تلميذه اعتراضاً على المصنف في قوله: فلا يجري في
روايته احتمال، بأنه إن أراد عقلاً فممنوع، وإن أراد اللازم المذكور، فمِثله فيٍ عنعنة
المعاصر الذي لم يثبت عدم لقائه لمَن عاصره على ما لا يخفى عن ذوي النَّهَى.
إذ حاصل كلام الشيخ: أنّ العنعنة وإن كانت تحتملُ عدمَ السماع، إلا أنها
لا تحتمل هنا غيرَ السماع، وإلا يلزم أن يكون الراوي مدلِّساً، والمسألة مفروضة
في غير المدلِّس لأنّ الكلام في الصحيح الذي هو من أقسام المقبول، والمدلَّس
من أقسام المردود كما سيجيء(٢).
وقال محشٍ : قوله: وألزم البخاري: إشارة إلى اعتراض مسلم على البخاري،
وهو أنه يلزم من اشتراط اللقاء أن لا يَقبل المُعَنْعَن، مع أنه كثير في كتابه، وهو
الذي يقال في سنده: فلان، عن فلان، وذلك لأن المُعَنْعَن إما مرسَل كما هو قول
الجمهور، وهو قول التابعي: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: كذا. أو
منقطع، وهو الذي لم يتصل سنده، وإذا ثبت لقاء الراوي، والمروي عنه، وقال
الراوي: عن فلان، عن فلان، فالمتبادر أنه سمعه منه، فيكون تدليساً وهو مذموم.
وفيه نظر من وجهين:
الوجه الأول: أنه (٣) يلزم مُسْلِماً أيضاً أن لا يقبل المعنعن، وقد كَثُر في كتابه
لأنه إذا ثَبَتَ المعاصرة، وقال الراوي: عن فلان، عن فلان، فالمتبادر أنه سمعه
(١) في (ج) عنه سماع.
(٣) عبارة (ج) أنه يلزم أن مسلماً.
(٢) ص ٤١٦.

٢٧٧
عدد رجال البخاري ومسلم الذين تُكُلِّم فيهم
وأما رجحانه مِن حيثُ العدالةُ والضبطُ؛ فلأَنَّ الرجال الذين
تُكُلِّم فيهم مِن رجال مسلم أكثرُ عدداً من الرجال الذين تُكُلِّم فيهم
مِن رجال البخاريّ،
منه، فيكون تدليساً مذموماً، فإن التدليس في الإِسناد قسمان:
أحدهما: أنْ يَرْوي عمَّن لَقِيَّهُ ما لم يَسْمَعْ منه مُوهِمَاً(١) أنه سَمِعَه منه.
والثاني: أنْ يروي عمَّن عاصره ما لم يَسْمَع منه مُوهِمَاً(٢) أنه لقيه وسمعه
منه .
والوجه الثاني: أنَّ المُعَنْعَن بهذا المعنى لا يقبله لا مسلم، ولا البخاري، ولا
دَخَلَ في عدم قبوله، وقَبوله لاشتراط اللقاء وعدمه، فإِنَّ سَبَب عدمٍ قَبوله عدمُ
الاتصال. [٥١ - ب].
وحاصل الجواب: أنّ (٢) المعنعن متصلٌ إذا أمكن لقاء الراوي والمروي
عنه، / مع براءتهما عن التدليس كما صرَّح به في ((الخلاصة))(٣). وقد برىء ٦٤
البخاري منه، ولما أودع المعنعن في كتابه ظهر أَنَّ(٤)) لاشتراط اللقاء دخل في قبول
المعنعن لا في عدم قبوله.
[عدد رجال البخاري ومسلم الذين تُكُلِّم فيهم]
(وأما/٣٨ - ب / رجحانه) أي كتاب البخاري (من حيث العدالة، والضبط
فلأن الرجال الذين تُكُلِّم) بصيغة الماضي المجهول، أي طُعِن (فيهم من رجال
مسلم أكثر عدداً من الرجال الذين تُكُلِّم فيهم من رجال البخاري) فإنّ الذين(٥)
(١) في المطبوعة: موهوماً.
(٢) سقط من (ج).
(٣) ص ٥٠.
(٤) سقط من المطبوعة.
(٥) في (ج) الذي.
٠٠ ٫

٢٧٨
عدد رجال البخاري ومسلم الذين تُكُلِّم فيهم
مع أنَّ البخاريَّ لم يُكْثِرِ مِنْ إخراج حديثهم، بل غَالِبُهم مِنْ شيوخه
الذين أخذ عنهم ومارس حديثهم، بخلاف مسلم في الأمرين.
انفرد البخاري بهم: أربع مئة وخمسة وثلاثون رجلاً، [والمتكلّم فيه منهم بالضعف
نحو من ثمانين رجلاً. والذين انفرد بهم مسلم ست مئة وعشرون رجلا](١)،
والمتكلَّم فيه منهم مئة وستون رجلاً على الضعف. كذا ذكره السخاوي في ((شرح
ألفية العراقي))(٢). قال تلميذه: إن أراد الذين أخرج عنهم مسلم في غير
المتاَبَعَات، ومَن ليس مقروناً بغيره فممنوع، بل هما سواء لمَن تتبع ما في الكتابين
مطلقاً، ولا شك أنَّ التخريج عمن لم يُتْكَلَّم فيه أصلاً أولى من التخريج عمن تُكُلُّم
فيه .
(مع أن البخاري لم يُكْثِر) بضم الياء. (من إخراج حديثهم) أي حديث
الرجال الذين تُكُلِّم فيهم. والمعنى: أنّ الذين انفرد بهم البخاري ممن تُكُلّمَ فيه لم
يُكْثِر مِن تخريج أحاديثهم. (بل غالبهم من شيوخه) أي من مشايخ البخاري. قال
تلميذه: خرَّج المصنف في المقدمة بخلافه.
(الذين أخذ عنهم، ومارس حديثَهم بخلاف مسلم في الأمرين) قال
السخاوي (٣): الذين انفرد بهم البخاري وهم ممن تُكُلُّم فيه أكثرهم من شيوخه
لَقِيَهم، وخَبَرَهم، وخَبَر حديثهم بخلاف مسلم، فأكثر مَن انفرد به ممِّنْ تُكُلِّم فيه
من المتقدمين، ولا شك أن المرء أعرف بحديث شيوخه من حديث غيرهم ممن
تقدم عنه. انتهى. فرجاله أقلّ احتمالا للتكلم(٤) من رجال مسلم. وأيضاً أكْثَرَ
مسلمٌ من إخراج [٥٢ - أ] أحاديث الذين انفرد بهم ممن تُكُلُّم فيه. فقوله: غالبهم
مبتدأ، ومن شيوخه خبره.
(١) سقط من (ج).
(٢) فتح المغيث ((للسخاوي)) ٣١/١ -٣٢.
(٣) فتح المغيث ٣٢/١.
(٤) في (د) والمطبوعة: للمتكلم.

٢٧٩
الأحاديث المنتقدة على البخاري ومسلم
وأما رجحانه مِنْ حيثُ عدمُ الشذوذِ والإِعِلالِ؛ فَلأَنَّ ما انْتُقِدَ
على البخاريّ من الأحاديث أقلُّ عدداً مما انْتُقِدَ على مسلم. هذا
مع اتفاق العلماء على أنَّ البخاري كان أَجَلَّ من مسلم في العلوم،
وأعْرَفَ بصناعة الحديث منه، وأنَّ مسلماً تلميذُه وخِرِّيجُه، ولم
يَزَلْ يستفيد منه ويتبع آثارَه، حتى قال الدَّار قُطْنِيّ:
[الأحاديث المنتقدة على البخاري أقلّ عدداً ممّا انتُقِد على مسلم]
(وأما رُجْحَانُه من حيث عدمُ الشذوذ والإِغلال) بفتح الهمزة جمع العِلل
جمع العِلَّة، أو بكسرها مصدر أعَلَّ. (فلأِنّ ما انْتُقِد) بصيغة المجهول. (على
البخاري من الأحاديث) بيان لـ: ((ما)). (أقل عدداً مما انتقد على مسلم) فإن
الأحاديث التي انْتُقِدَتْ عليهما بلغت مئتي حديث وعشرة أحاديث اختص البخاري
منها بأقل من ثمانين. ويشتركان في اثنين وثلاثين، وباقيها مختص بمسلم كذا في
المقدمة. قال تلميذه: النقد غير مُسَلَّم في نفسه، ثم إنَّه ليس كله من الحيثيتين.
(هذا) أي خذ هذا. (مع اتفاق العلماء على أنّ البخاري كان أجلَّ من مسلم
في العلوم) أي عموماً. (وأعرفَ بصِناعةِ الحديث) بكسر الصاد. (منه) أي من
مسلم خصوصاً. (وأنّ) أي وعلى أن (مسلماً تلميذه، وخرِّيجُه) بكسر الخاء
المعجمة، والراء المشدّدة، أي معلِّم أدَّبه كذا في ((المفيد)). وفي ((القاموس))(١):
الخِرِّيجِ كعِنِّين بمعنى مفعول. ويقال: خَرَّج الرجل أصحابه/٣٩ - أ/ علَّمهم،
وأخرجهم من الجهل.
(ولم يزل) أي مسلم (يستفيد) أي العلوم (منه) أي البخاري (ويتّبِع
آثاره) / أي في تقريره، وتحريره، ويتردد إليه، ويُقبِّل يديه لوصول فوائده، وحصول ٦٥
عوائده. (حتى قال الدَّارَقُطْنيُّ: ) بفتح الراء، وضم القاف، وسكون الطاء، نسبة
(١) مادة (خرج) ص ٢٣٧ .

٢٨٠
الأحاديث المنتقدة على البخاري ومسلم
لولا البخاري لما راح مُسلمٌ ولا جاء.
إلى محلة ببغداد(١)، وهو إمام جليل في فن الحديث.
(لولا البخاريّ) أي وُجُودُه وَجُودُه(٢). (لما راح مسلم، ولا جاء) أي ما
ظهر في هذا الفن، ولم يضع فيه القدم بناء على أنّ الفضل لمن تقدم والله أعلم.
قيل: ما سبق دليل تفصيلي وهذا دليل إجمالي، واعتُرِض عليه بأنَّه لا يلزم من ذلك
أرْجَحِيَّة المصنَف بالفتح، كما أنه لا يلزم مرجُوحِيَّتُهُ. وأجاب عنه السخاوي : بأنه
الأصل، وهذا القدر كاف في المطلوب الظني، وفي حاشية تلميذه تحت
[٥٢ - ب] قوله(٣): وأما ما نقل عن أبي علي النيسابوري، وإنما أخرته إلى هنا لأن
كلامه يَنْجَرُّ إلى آخر المبحث(٤). قال المصنف: وفي العبارة إشارة إلى التنكيت
على ابن الصلاح من وجهين :
أحدهما: أنّ ابن الصلاح بعد أن ساق كلام أبي عليّ قال(٥): وهذا قول مَن
فضَّل مِن شيوخ الحديث(٦) كتاب مسلم على كتاب البخاري، إن كان المراد به أنّ
كتاب مسلم يترجَّح بأنه لم يمازِجه(٧) غير الصحيح فلا بأس به، ولا يلزم أن يكون
أرجح فيما يرجع إلى نفس الصحيح. وإن كان المراد به أنّه أصح صحيح، فهذا
مردود على قائله(٨)، فجمع - أي ابن الصلاح - بين كلامي أبي علي، وبعض أهل
(١) انظر مراصد الاطلاع ٥٠٧/٢.
(٢) سقط من (ج). وجوده الثانية: أي عطاؤه.
(٣) انظر ص ٢٦٨ .
(٤) في (ج) البحث.
(٥) انظر علوم الحديث ص ١٨ - ١٩.
(٦) عبارة ابن الصلاح: ((شيوخ المغرب)) بدل ((شيوخ الحديث)).
(٧) في المطبوعة: يخارجه.
(٨) في علوم الحديث ((لابن الصلاح: ((من يقوله)) بدل ((قائله)). وعلق الدكتور نور الدين عتر على هذا
الموضوع بقوله: لكنا ننبه إلى أن هذه المفاضلة لا تعني أن كل حديث في صحيح البخاري أصح من
كل حديث في صحيح مسلم! بل قد يوجد أحاديث في مسلم أصح من أحاديث في البخاري. لكن =