Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ بدء التصنيف في علوم الحديث ثم جاء بعدهم بعضُ مَن تأخر عن الخطيب، فأخذ من هذا العلم بنصيب، فجمع القاضي عياض كتاباً لطيفاً سمّاه: ((الإِلماع))، يأخذون منها نصيباً وهذا نظير قول الشافعي رحمه الله تعالى: الخلق كلهم عِيالُ أبي حنيفة في الفقه(١). وبيانه: ما حكي أن الشافعي سمع رجلاً يقع في أبي حنيفة، فدعاه وقال(٢): يا هذا أتقع في رجل سَلَّم له جميع الناس ثلاثة أرباع الفقه، وهو لا يُسَلُّم لهم الربع! قال: وكيف ذلك! قال: الفقه [٨ - ب] سؤال وجواب، وهو الذي تفرد بوضع الأسئلة(٣) فسُلَّمَ له نصف العلم، ثم أجاب عن الكل، وخصومه لا يقولون إنه أخطأ في الكل، فإذا جعل ما وافقوا(٤) فيه مقابلاً لما خالفوا فيه سُلِّم له ثلاثة أرباع العلم، وبقي الربع مشتركاً بين الناس. وبهذا نتبين الفرق بين المعلِّمين والعِيَالِين، ولهذا قيّد بقوله: بعد الخطيب، ثم أشار بقوله: على كتبه، لا كلامه، أنَّ الفَضل للمتقدمين (٥) وأنه ما زاد عليه أحد من المتأخرين. (ثم جاء) أي بعدهم، (بعضُ مَنْ تأخّر عن الخطيب) أي من المحدثين، (فأخذ من هذا العلم) (٦) أي علم أصول الحديث، أو من هذا العلم المذكور في كتب الخطيب، (بنصيب) أي حظ عظيم بفهم قويم، والباء زائدة، (فجمع القاضي عياض) أي من بعض من تأخر وأخذ الحظ الأوفر، (كتاباً لطيفاً) أي موجزاً ظريفاً (سماه الإِلماع) بكسرة الهمزة من لمع البرق وأضاء كاللمع، وكأن فيه إشارات كاللَّمَعَات إلى المرادات. (١) انظر سير أعلام النبلاء ٤٠٣/٦، ومناقب أبي حنيفة ((للمكي)) ص ٢٨٤، وحاشية ابن عابدين ٤٣/١. (٢) في (د) فقال. (٣) في (د) المسألة. (٤) في (د) توافقوا. (٥) في المطبوعة: للمتقين. (٦) في (د) زيادة: ((أي هذا العلم)) بعد قوله: (فأخذ من هذا العلم). ١٤٢ بدء التصنيف في علوم الحديث وأبو حفص المَيَّانِجِيّ جزءاً سماه: ((ما لا يسع المحدِّثَ جهلُه)). (وأبو حفص المَيَّنِجي)(١) بفتح الميم قبل التحتية، وكسر النون، والجيم بلدة من أَذَرَبيجان على مسيرة يومين من مَرَاغَة، وهو معرّب مَيّانَه(٢) . أي جمع (جزأ) أي رسالة مختصرة، سمّاه أي ذلك الجزء، (مالا يسع) أي الشيء الذي لا يطيق (المحدثُ جهلَهُ)(٣) وفي نسخة بنصب المحدث، ورفع (١) ترجم له في العقد الثمين ٣٣٤/٦ فقال: عمر بن عبد المجيد بن عمر بن حسين القرشيّ العَبْدَرِيّ، تقي الدين أبو حفص، المعروف بالمَيَّانِشِيّ. نزيل مكة وشيخها وخطيبها. وذكره ياقوت الحموي في معجم البلدان ٢٣٩/٥ في الكلام على (مَيَّانِش) فقال: مَيَّانِش: بالفتح، وتشديد الثاني، وبعد الألف نون مكسورة، وشين معجمة: قرية من قرى المهدِيَّة بإفريقية صغيرة، بينها وبين المهديَّة نصف فرسخ ... ، منها عمر بن عبد المجيد بن الحسن المهدي المَيَّانِشِي نزيل مكة، روى عنه مشايخنا، مات بمكة فيما بلغني، ونسبته إلي المَهْدِيَّة، ربما دليلاً على أنَّ مَيَّنِش من نواحي إفريقية. انتهى . وأورد الذهبي في سير أعلام النبلاء في وفيات سنة ٥٨١ هـ ١٥٧/٢١ فقال: وفيها مات محدث مكة أبو حفص عمر بن عبد المجيد المیانشيّ. انتهى. وقال الشيخ تقي الدين محمد بن أحمد الحسني الفاسي المتوفي سنة (٨٣٢ هـ): وجدت بخط الشيخ عبد الله بن خليل المالكي: الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد المجيد الصَّفْراويّ سمع من قاضي الحرمين أبي حفص المَيَّانِجِي، لقيه بمكة، سمع عليه في شهور سنة سبع وسبعين وخمس مئة ٥٧٧ هـ جامع الترمذي عن الكّروخي، وكتاب ((المُعْلم)) في ذي الحجة من سنة التاريخ انتهى. وقال الفاسي: وهذا يدل على أمرين: أحدهما: أن أبا حفص المَيَّانِشِي، يقال له: المَيَّانِجِي، ولا يقال: إنه غيره، والثاني: أنه ولي قضاء الحرمين، وهذا عجيب وقد تقدّم أنه خطيب مكة !!. انتهى. العقد الثمين ٣٣٤/٦. (٢) انظر معجم البلدان ٢٤٠/٥ . (٣) هو جزء صغير الحجم جداً، طبع في بغداد (١٣٨٧ هـ) بمطبعة شركة الطبع والنشر الأهلية، بعناية صبحي السَّامرائي، فبلغت أسطره ١٦٢ سطراً. وهو جزء جَمُل اسمه، وهُزِلَ مضمونه وجسمه، والحق أنه لولا ذكر الحافظ ابن حَجَر له في مقدمة شرح النخبة، لما كان له ذكر ولا شأن. وقد ذكر ابن حجر جزء الميانجي، وأغفل ذكر المقدمة الجامعة للحافظ ابن عبد البر في أول كتابه التمهيد . قال الدكتور نور الدين عتر: وكان الأولى من هذا الجزء أن يذكر بعد عياض قسم علوم الحديث في مطلع ((جامع الأصول)» لابن الأثير. شرح نخبة الفكر ص ٣٥. = ١٤٣ بدء التصنيف في علوم الحديث وأمثال ذلك من التصانيف التي اشتُهرت (وبُسِطَتْ) ليتوفر علمها، (واختُصِرَتْ) ليتيسر فَهمُها، جهله أي ما لا ينبغي للمحدث جهله. (وأمثال ذلك) أي هذا وأمثال ذلك على أن العطف على سبيل المعنى أي التصانيف الكثيرة ما ذكر وأمثال ذلك. وقيل: التقدير، وأمثال ذلك كثيرة على أنه مبتدأ خبره محذوف وهو الأظهر. قيل: ويجوز أن يكون عطفاً بحذف المعطوف كقوله تعالى: ﴿والذين تَبَوَّؤُا الدَّارَ والإِيمان﴾(١) وأخلصوه ومنه قولهم: عَلَفَهُ تِبِناً، وماءً بارداً، أي وجمع أمثال ذلك، أو صنف / ٧ - ب/ ذلك وأمثال ذلك. (من التصانيف التي اشتُهرت وبُسطت) بصيغة المجهول أي جعلت التصانيف المجملة في المتن، المفصَّلة/ في الجملة في الشرح مبسوطة تارة، ١١ (ليتوفر) أي ليتكثر(٢) (علمها) بسبب كثرة ألفاظها، فإن الغالب دلالة زيادة المباني على إفادة المعاني، ولأن البسط غالباً يكون بالإِيضاح وحينئذ يتعلق به علم كل [٩ - أ] أحد، فيكثر بخلاف الإِيجاز، والإِجمال، والإِشارة، والإِيماء، فإن كل أحد لا يدركه، فيقلّ العلم به. (واختصرت) أي مع هذا أيضاً تارة (ليتيسر فهمها) الظاهر أن يقول(٣): حفظها، لكن لما كان الاختصار سبباً لتيسير الحفظ، وهو يستلزم تيسير الفهم غالباً(٤) - لأن التطويل يشتّت الفكر، ويُصَعِّب فهمَ المراد. والمقصود الحقيقي هو هذا، وجزء المَيَّانِجِي ضعيف المادة، تكثر فيه الأخطاء العلمية، وفيه الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وقلّ أن ترى فيه بحثاً محرَّراً سليمَ الوجه والحكم، مع ضعف التبويب، وسوء ٢١٧ الترتيب، ويبدو جلياً قصور مؤلفه رحمه الله تعالى في هذا الفن، فاقتضى ذلك البيان خشية الاغترار بالعنوان. الى فلا الميدانجى العسر عبه كبير لاى ع وحقيق بكتابه أن يقال فيه: ما يسع المحدث جهله. انتهى. انظر كلام الشيخ عبد الفتاح أبو غُدَّة في تعليقه على قفو الأثر ص ٣٧، وكلام الدكتور نور الدين عتر في تعليقه على شرح النخبة ص ٣٥. (١) سورة الحشر: (٩). (٢) في (د) يتكثر. (٣) في (د) يقال. (٤) في المطبوعة: غالب. : ١٤٤ بدء التصنيف في علوم الحديث إلى أن جاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمانَ بنُ الصلاح عبدِ الرحمن الشَّهْرَزُورِي، نزيل دمشق، فجمع لَمَا وُلِّي تدريسَ الحدیث بالمدرسة الفهم - وُضِع مَوْضِع الحفظ. قال مُلّ(١) قاسم الحنفي تلميذ المصنف: أوردت عن المصنف أن الاختصار لتيسير(٢) الحفظ لا لتيسير(٢) الفهم، فأفاد أن المراد فهم متين لا يزول سريعاً، فإنها إذا اختُصِرت سَهُل حفظها، وحينئذ يسهل فهمها بسبب حفظها، ولا كذلك المبسوطة، فإنه (٣) إذا وصل إلى الآخر قد يفضل على (٤) الأول. وقوله: (إلى أن جاء) [متعلق بمقدر، أي واستمر الأمر على ما ذكر من الكثرة، والبسط، والاختصار إلى أن جاء](٥) أي ظهر (الحافظ) أي للسنة، (الفقيه) أي للشريعة، (تقيّ الدين) أي المتقي في دينه، (أبو عمرو عثمان بن الصَّلاَح) أي صلاح الدين، وهو لقب لأبيه، (عبد الرحمن الشَهْرَ زُورِيّ) بفتح المعجمة، وسكون الهاء، وفتح الراء، وضم الزاي، - مدينة ببلاد المَرَاغَة بين الموصل وهَمَذَان بناها زُور بن الضحَّاكِ(٦) - (نزيل دِمَشْق) بكسر الدال، وفتح الميم، وتكسر على ما في القاموس (٧)، مدينة عظيمة بالشام شهيرة بالشام، أي نازل مسكنه فيه . (فجمع) أي ابن الصلاح (لمّا وُلَي) بضم الواو وتشديد اللام المكسورة، أي حين (٨) أُعطي (تدريس الحديث) أي علم الحديث: أصوله، وفروعه (بالمدرسة) (١) في المطبوعة: المولى. (٢) في المطبوعة و(د)، لتيسر. (٣) في (د) فإنها. (٤) في (د) ينفل عن. (٥) ليس في (د). (٦) انظر معجم البلدان ٣٧٥/٣. (٧) القاموس المحيط مادة (دمشق) ص ١١٤١ . (٨) في المطبوعة: خير. ١٤٥ بدء التصنيف في علوم الحديث الأَشْرَفِيَّةِ كتابه المشهور، فهذّب فنونه، وأملاه شيئاً بعد شيء، فلهذا لم يَحْصَل ترتيبُهُ أي التي في دمشق، والباء بمعنى في، (الأشْرَفِيَّةَ)(١) أي التي درَّس فيها النووي، (كتابَه) مفعول جمع، (المشهور) أي بمقدمة ابن الصلاح، (فهذَّب) أي نَقَّح (فنونه) أي أصناف أصول علم(٢) الحديث، (وأملاه) بالألف(٣) وفي نسخة صحيحة: فأملاه أي كتابه، (شيئاً) حال من المنصوب، (بعد شيء) صفة، أي واقعاً بعده. والمعنى: قرره وحرره كما مست الحاجة إليه، وحملت الداعية عليه، والمراد بالبعدية البعدية العرفية، فإن الفتور يؤدي إلى القصور، والتعطيل يُنسي التحصيل، فاندفع قول المحشي: كل إملاء شيء بعد/٨ - أ/شيء، وامتنع كلام(٤) شارح على أي ترتيب [٩ - ب] وقع، ويؤيد ما ذكرنا قوله : (فلهذا) أي لأجل أنه لم يخيّل الفنون في خاطره، ولم يرتبها إجمالاً في ذهنه كما هو شأن المصنفين، ودأب المؤلفين، (لم يحصل ترتيبه) أي ترتيب ابن (١) دار الحديث الأشرفية: جوار باب القلعة الشرقي، غربي العصرونية، وشمالي القيمازية الحنفية. وقد كانت دار الحديث الأشرفية داراً لهذا الأمير - يعني صارم الدين قاغاز بن عبد الله النجمي، واقف القيمازية - وله بها حمام ... وفي سنة ثمان وعشرين وست مئة أمر الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن العادل بعمل دار الأمير قاغاز النجمي دار حديث، فتمت في سنتين، وجعل شيخها تقي الدين بن الصلاح، ثم تعاقب عليها بعده الفقيه أحمد بن الفقيه محمد بن عمر الصقلي، ثم الشيخ عبد الكريم بن جمال الدين عبد الصمد الأنصاري الخزرجي المرستاني، ثم أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي، ثم يحيى بن شرف النووي، ثم زين الدين الفارقي، ثم صدر الدين بن الوكيل، ثم الكمال بن الزملكاني، ثم كمال الدين بن الشريشي، ثم الإِمام المزي إلخ ... الدارس ١٩/١ - ٤٧. وكان من آخر من تعاقب عليها الشيخ بدر الدين الحسني خاتمة الحفاظ في الديار الشامية رحمه الله. وهي ما تزال باقية لغاية الآن، ويوجد فيها معهد شرعي للناشئة، بإدارة الشيخ حسين صعبية حفظه الله. (٢) ليست في (ج). (٣) ليست في المطبوعة. (٤) في المطبوعة: قول. ١٤٦ بدء التصنيف في علوم الحديث على الوضع المتناسب. واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرقة، فجمع شَتَات مقاصِدها، وضَمّ إليها من غيرها نُخَب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرَّق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه، الصلاح، أو ترتيب كتابه، (على الوضع المتناسب) أي بين الفنون، (واعتنى) أي اهتم الحافظ (بتصانيف الخطيب) أي بجمعها(١)، (المتفرقة) أي في الفنون، وفي نسخة صحيحية المفرقة (٢)، (فجمع) أي الحافظ. (شَتّات مقاصدها) بفتح الشين، والتاء المخففة، أي متفرقات مقاصد ١٢ تصانيف الخطيب. والشتات والتشتيت / مصدران بمعنى التفريق والافتراق، (وضم إليها) أي إلى التصانيف المذكورة أو المقاصد المسطورة (من غيرها)(٣) أي من غير تصانيف الخطيب، (تُخَبَ فوائدها) بضم النون، وفتح الخاء، جمع نُخْبَة، وهي خيار الشيء، منصوب على أنه مفعول ضمّ، وضمير فوائدها للغير، والتأنيث باعتبار كونه عبارةً عن التصانيف الباقية، أو باعتبار المضاف إليه كقوله : وما حُبُّ الدِّيَارِ شَغَفْنَ قَلبي وجُوِّز رجعُ الضمير إلى تصانيف الخطيب، أي الفوائد المتعلقة بها. وقال شارح: أي خيار فوائد فنون الحديث، فكأنه أراد أنها المفهوم من سياق الكلام كما هو معلوم (٤) . (فاجتمع في كتابه) أي كتاب ابن الصلاح (ما تفرق) أي من الفنون (في غيره) أي في غير كتابه من كتب الخطيب وغيره. (فلهذا) أي للاجتماع المذكور في كتابه، (عكف الناس عليه) أي أقبل (٥) (١) في المطبوعة: يجمعها. (٢) في المطبوعة: وفي نسخة المفرقة أي في الفنون . (٣) في (ج) زيادة: (من غيرها) [بيان] أي من ... (٤) في (ج) المعلوم. (٥) في (ج) اقبلوا. ١٤٧ بدء التصنيف في علوم الحديث وساروا بسيره، فلا يُحصى كم ناظم له ومختصِر، ومستدرِكٍ عليه ومُقتصِر ومعارِض له ومُنتَصِر. المحدثون الذين في الحقيقة هم الناس، أو زبدة الناس على كتابه، وتوجهوا إليه من كل بابه. فإنَّ العَكْفَ والعُكُوف: إقبال الإِنسان على الشيء مُلازماً له، بحيث لا يصرف وجهه. ومنه أُخِذَ(١) الاعتكاف في المسجد. (وساروا بِسَيْره) بفتح السين، وسكون الياء، أي ذهبوا مذهَبَه، وأخذوا مَشْرَبَه، ويحتمل أن يكون بكسر السين، وفتح الياء، أي بطرقه (٢) المرضية في جمع متفرقات [١٠ - أ] الفنون الحديثية . (فلا يحصى)، أي لا يُعَدّ، ولا يُحَدّ (كم ناظمٌ له) أي لمضمون كتابه: كالعراقيّ والقاضي شهاب الحُدُليّ (٣)، (ومختصِر) ، بكسر الصاد، كالنووي، وابن كثير، والبَاجِيّ (٤)، (ومستدرٍك) بكسر الراء، أي زائد (عليه)(٥) ما فاته، كالبُلقِيني، ومُغُلْطَاي، (ومقتصر) ككثير من العلماء أي تارك منه ما زاده . فالاختصار: الإِتيان بالمقصود كله بلفظ أقل من الأول، والاقتصار/٨ - ب/: هو الإِتيان ببعض المقاصد (ومعارض له)، أي كابن أبي الدَّم بإتيانِ كتابٍ مثل كتابه، أو بالاعتراض في ألفاظه ومعانيه، وترتيب أبوابه، وهو الأظهر لمقابلة قوله: (ومنتصر) أي ناصر لكتابه - بإظهار لُبَابه، وكشف نِقَابه، ومنتقم ممن لم يتأدب بآدابه - كالمصنف، وشيخه(٦). (١) في (ج) أخذوا. (٢) في (ج) بطريقته. (٣) في (د) المولى، وفي (ج) الحولي، والمطبوعة: الجدلي، وجاء في هامش (ج) ((الحُدُلي)): بضمتين ولام إلى حُدَيْلَة بطن من الأزد. لب اللباب ص ٧٧))، وانظر الأنساب ١٨٧/٢. (٤) في المطبوعة: والباجي وابن كثير. (٥) في (ج) و (د) بكسر الراء (عليه) أي زائد. (٦) أي انتصر ابن حجر وشيخه العراقي لمقدمة ابن الصلاح، بخلاف من اعترض كابن أبي الدَّم. ١٤٨ الداعي لتصنيف نُخْبَةِ الفِكْر (فسألني بعضُ الإِخوان أنْ أُلَخّصَ له المُهمَّ مِن ذلك) فلخّصتُه في أوراق لطيفة، سميتها: ((نُخْبَة الفِكَر في مصطلح أهلِ الأثَر)» [الداعي لتصنيف الكتاب] (فسألني بعض الإِخوان) وفي نسخة: بعض إخواني، أي في الدين، أو في هذا الفن. ويحتمل الحقيقة، وقيل: هو عِزّ الدين بن جَمَاعَة. وقيل: هو الشيخ شمس الدين محمد بن محمد الزَّرْكَشِيّ بعض الفضلاء(١) من أهل الأدب المطارحين للمؤلف وغيره. والفاء تعقيبية، وقيل: للسببية، لأنه لما كانت التصانيف بعضها مبسوطة، وبعضها مختصرة، ولم يكن شيء منها ملخصاً صار سبباً لسؤاله. (أن أُلَخِّصَ له) أي لذلك البعض، [وأُفرِد باعتبار لفظه مع احتمال إفراده حقيقة، وفي نسخة: لهم، باعتبار معنى البعض](٢)، ويحتمل التغليب، أي أبِيِّن له ولغيره (المهمّ) أي الأمر المقصود، فإن التلخيص تبيين المراد لأنه في الأصل إزالة اللخص بفتحتين، أي القَذَى من العين على ما في الصحاح(٣)، وقد يستعمل في الاختصار لأنه حذف الزوائد، والاكتفاء بالمقاصد. (من ذلك) أي مما ذكر من ١٣ التصانيف في الاصطلاح / أو مما ذكر في كتاب ابن الصلاح، (فلخصته) أي المهم، وهو الأمر(٤) الذي يوقع صاحبه في همّ تحصيله، (في أوراق لطيفة) أي قليلة يسيرة، (سميتها) أي تلك الأوراق باعتبار ما فيها من الألفاظ ومعانيها: (نُخْبَةً الفِكَر) بكسر الفاء، وفتح الكاف، جمع الفِكْر. والنُخْبَة بالضم: فُعْلَة بمعنى المفعول،، أي ما يُنتخب ويُختار. والحاصل خيار ما حصل من الأفكار في علم الأخبار. (في مصطلح أهل [١٠ - ب] الأثر) أيْ أهل الحديث والخبر. قال السخاوي (٥): الأثر لغة: البقيّة، واصطلاحاً(٦): الأحاديث مرفوعةٌ كانت أو موقوفة (٢) ليس في (د). (١) في المطبوعة: الافاضل. (٣) لم نجده في الصحاح. (٤) سقط في (ج). (٥) فتح المغيث ((للسخاوي)) ٣/١. (٦) في (ج) اصطلاح. ١٤٩ منهج ابن حجر في نُخْبَةِ الفِكر على ترتيبِ ابْتَكَرْتُه، وسبيلِ انْتَهَجْتُه، مع ما ضممتُ إليه من شوارد الفرائد، وزوائد الفوائد، فرغب إليّ ثانياً أن أضع عليها على القول المعتمد، وإن قَصَره بعض الفقهاء على الموقوف، ويمكن أن يراد بأهل الأثر من يتبع أثر النبي نَّ عِلماً، وعَمَلاً، وقالاً، وحالاً. (على ترتيب) ، أي عجيب متعلق بلخصته، وجملة سميتها معترضة. (ابتكرته) أي اخترعته ولم أسبق بمثله. يقال: ابتكر الشيء إذا أخذ باكورته، وهي أوله. (وسبيل) أي وعلى طريق غريب (انتهجته) أي جعلته منهاجاً أي سبيلاً واسعاً، وطريقاً واضحاً. يقال: انتهج الطريقةَ استبانها. (مع ما ضممت إليه) أي من عندي، وهو حال من مفعول لخصته، أي مقروناً ذلك المهم الملخص مع مسائلَ ضممتها إليه وزدتها عليه، وبيَّن المضموم بقوله: (من شَوَارد الفوائد) بإضافة الصفة إلى الموصوف(١)، أي النفائس الحسنة والنّكَتِ المستحسنةِ الصعبةِ الوصول إليها، النافرةِ عن الذهن لدقة الحصول لديها. وفرائد الدُّرَر: كبارُها، جمع فريدة، والشوارد جمع شاردة من شَرَد البعير إذا نفر(٢). عبّر عنها بالشوارد لأنها لكثرتها وعدم انضباطها شاردةٌ عن الذهن(٣) (وزوائد الفوائد) ظاهره أنه عطف تفسير، والتحقيق أن المراد بالأولى: ما يتعلق بكلام القوم من النّكت والمعاني اللطيفة، والمباحث الشريفة، وبالثانية: زوائد المسائل التي فاتت المتقدمين، أو حدثت عند المتأخرين. (فرغب) ذلك البعض من الإِخوان بعد تكميل المتن، مائلاً (إليّ ثانياً) أي بعد طلبه المتن أولاً، (أن أضع) [أي في وضعي](٤) (عليها) أي على النُّخْبَة، (١) في (ج) المفعول. (٢) في المطبوعة: نقره. (٣) في (ج) الناس. (٤) سقط من (ج). ١٥٠ الداعي لتصنيف نُزْهَةِ النظر شرحاً يَخُلُّ رموزها، ويفتح كنوزها، ويُوَضَّح ما خَفِي على المبتدي من ذلك، (فأجَبْتُهُ إلى سؤاله رجاءَ الاندراج في تلك المَسَالك) فبالغت في شرحها في الإِيضاح والتوجيه، (شرحاً يَحُلّ رُمُوزَها) أي المتعلقة بمبانيها، (ويفتح كنوزها) أي المنوطَة بمعانيها، (ويوضِح) بالتخفيف ويحتمل التشديد، وهو تفسير للجملتين المتقدمتين، أي يُظهِر (ما خفي على المبتدي من ذلك) أي مما ذكر من الرموز، والكنوز. وإنما قيده بالمبتدي، لأن المنتهي يفهم ذلك من المتن. ولذا قيل: العلم نقطة كَثَّرها الجاهلون، أي [١١ - أ] صاروا سبباً للتكثير لحصول التيسير. ومن ثمة احتاج الشرح إلى الشرح، وهَلُمَّ جَرَّاً. (فأجبته) أي سائل المتن (إلى سؤاله) أي متوجهاً إلى مسؤله، ومائلاً إلى مأموله، (رجاءَ الاندراج) ، أي لرجاء اندراجي، أو راجياً اندراجي، ودخولي (في تلك المسالك) أي مسالك المصنفين، ومقاصد المؤلفين لتحصيل الثناء في الدنيا، والجزاء في العقبى. وقيل: أي راجياً اندراجَ الطالبين لذلك الملخص في معرفة ١٤٠ اصطلاحات المحدثين. وقيل: راجياً اندراجَ هذا الكتاب في سلك / كتب الأئمة بأن ينفع(١) به كما نفع بتلك الكتب، وهو قصدٌ لطيف ومَلْحَظُ شريف. (فبالغت) الفاء للتعقيب، أي بعد ما فرغت من متنها شرعت على وجه المبالغة، أو على طريق بليغ، إجابةً لمرغوبه ثانياً (في شرحها) وهو ظرف وقوله: (في الإِيضاح) متعلق بالفعل، أي في إيضاح لفظها، (والتوجيه) أي في توجيه معناها. وقال تلميذ الشيخ: الفاء في فبالغت تفسير(٢) لقوله: فأجبته، وفاء فأجبته تعقيبية للشرح دون المتن خلاف ما اخترناه، فلاح له في ذلك تنكيت: وهو أنّ عبارة المتن - بحسب ما شرحت - تفيد أنه كتب بعض المتن بعد الشرح. (١) في (د) ينتفع . (٢) في (د) تفسيرية . ١٥١ منهج ابن حجر في نُزْهَةِ النّظر ونبهت على خبايا زواياها؛ لأن صاحب البيت أدرى بما فيه، وظهر لي أنَّ إيراده على صورة البسط أَلْيَق، ودَمْجَهَا ضمن توضيحها أوفق، (ونبهت على خبايا) ، جمع خَبِيَّةٍ، وهي ما سُتِر، (زواياها) جمع زاوية، أيْ نُكَت من المعاني الشريفة كانت مخفية تحت أستار ألفاظها/ ٩ - ب / اللطيفة؛ (لأن صاحب البيت أدرى بما فيه) وفي نسخة: بالذي فيه، أي أعلم بتفاصيل ما في بيته من الأمور الحسية، أو في شِعره من الأمور المعنوية، وهو حكم غالبي، وإلا فكم من شارح أظهر من المعاني ما لم يخطر ببال صاحب المباني . (وظهر لي) أي عند إرادة شرحي، (أنّ إيراده) أي الشرح، (على صورة(١) البسط أليق) أي أكثر ملائمة كما يدل عليه لفظ الشرح(٢)، بل البسط متعين، وكأنه أراد زيادة البسط على أقلّ ما يمكن. (ودَمْجَهَا) بالنصب للعطف على إيراده، والضمير راجع إلى الملخص المسمى بالنُخْبَة، (ضمن توضيحها) بحيث لا يتميز المتن من الشرح. و((ضمنَ)) منصوبٌ [١١ - ب] بنزع الخافض، (أوفق) أي أكثر وفاقاً، وأظهر اتفاقاً، فإن الدمج: هو الدخول في الشيء. يقال: دمج الشيء في الشيء(٣) دموجاً إذا دخل في الشيء واستتر فيه، فالمعنى أن كونها داخلاً في ضمن موضحها وشرحها بحيث يكون المجموع كتاباً واحداً غير متروك من المتن شيء، ولا منفصل بعضه عن بعض كما في أكثر الشروح، أولى وأحق. قيل: فيه تفكيك الضمير لأن ضمير إيراده راجع إلى الشرح،، وضميرَ دمجها إلى النُّخبة، وهو مردود إذ محله أن يكون الضميران لمذكر أو مؤنث(٤) ومرجعهما مختلف، ومع هذا، فالمعتمد جوازه عند وجود القرينة كما في قوله تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي اليَمِّ﴾(٥) وقوله تعالى: ﴿فأنزل الله سكينته عليه وأيده (١) في المطبوعة و(ج) سورة. (٢) كتب فوقها في (ج): بدليل قوله: أن أضع عليها شرحاً يحل رموزها. (٣) ليس في (ج). (٤) في المطبوعة: المذكر أو المؤنث. (٥) سورة طه: (٣٩). ١٥٢ منهج ابن حجر في نُزْهَةِ النّظَر فسلكت هذه الطريقةَ القليلةَ السالك (فأقول:) طالباً من الله تعالى التوفيق فيما هنالك. بجنود لم تروها﴾(١) نعم هذا يرد في الجملة على قوله السابق: فأجبته، فإنه بظاهره في المتن جواب السؤال الأول، وفي الشرح جواب السؤال الثاني، وأيضاً كثر في هذا الكتاب باعتبار مزجه أنه(٢) جُعل لفظاً مُعْرَباً بإعراب في المتن، وإعراب آخر في الشرح، وأمثال ذلك. وهذا عيب خفي كما هو ظاهر، إذ الأحسن في المزج أن لا يتغير إعراب المتن ويتبين الأصل من الفرع، وما قيل من أنّ الصواب ههنا: الإِدماج أي الإِدراج، فليس بشيء لأنهما في اللغة مترادفان، والإِدماج بمعنى الإِدراج خاص بنوع من الحديث كما سيأتي(٣). (فسلكت هذه الطريقة) أي المسمّاة(٤) بالدَّمج، (القليلة السالك) ، أي مطلقاً، أو في دياره، أو فيما بين المحدثين. (فأقول) الفاء جزائية، أي إذا كان ١٥ الأمر كذلك فأقول: / ويمكن أن تكون عاطفة، والعدول إلى المضارع لاستحضار الحال الماضية. (طالباً) أي حال كوني سائلاً (من الله تعالى التوفيق) وهو جعل الشيء مطابقاً للمراد، وموافقاً للإمداد. (فيما هنالك) أي في بيان ما في المتن، واختيار هنالك بعدَ مراعاة السجع [١٢ _ أ] للإيماء/ ١٠ - أ/ إلى بُعد زمان تصنيف الشرح عن زمان(٥) تحرير المتن بمراحل، أو إلى رفعة مرتبةٍ كما يدل عليه قوله: فرغب إليّ، بعد قوله: فسألني . وكما قيل في قوله تعالى: ﴿الَّ ذلك الكتاب﴾(٦) كذا قيل. والأنسب بقاعدة المزج ومطالبة التوفيق أن تكون الإِشارة إلى مجموع المتن والشرح. (١) سورة التوبة: (٤٠). (٢) في(د) لأنه. (٣) ص ٤٦٢. (٤) في المطبوعة: المسمى. (٥) في المطبوعة : عن زيادة. (٦) سورة البقرة: (١) ١٥٣ تعريف الخبر والحديث والأثر (الخَبرُ:) عند علماء هذا الفن مرادف للحديث. [تعريف الخبر والحديث والأثَر] (الخبر عند علماء هذا الفن) أي عند جمهورهم بدليل قوله بعد قيل: وقيل، وفيه إشارة إلى المبالغة في تضعيف القولين الأخيرين، قيل: وهذا إذا جعل القائل في قيل من علماء هذا الفن، وأما لو جعل من غيرهم فلا حاجة إلى التفسير بالجمهور. (مرادف) خبرٌ للخبر. وقيل: الأولى أن يبين معنى الحديث، ثم يقول: والخبر يرادفه، ويمكن دفعه بأن المفاعلة للمشاركة، فبينهما ملازمة. وتُرك التعريف للوضوح، أو اعتماداً على ما يُفهم من المتن، فكأنه قال: الخبر الآتي مرادف(١) (للحديث) وهو [في اللغة](٢) ضد القديم ويُستعمل في قليل الكلام [وكثيره](٢)، قال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانوا صَادِقِين﴾(٣) وفي اصطلاحهم: قول(٤) رسول اللّه وَّ﴾، وفعله، وتقريره، وصفته حتى في الحركات، والسَّكَّنَاتِ، في اليقظة، والمنام. ذكره السخاوي(٥)، وفي ((الخلاصة))(٦): أو الصحابي، أو التابعي ... إلخ. ويرادفه السُّنّة عند الأكثر(٧). وأما الأثر: فمن اصطلاح الفقهاء: فإنهم يستعملونه في كلام السلف، والخبر في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام. وقيل: الخبر، والحديث: ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. والأثر: أعم منهما، وهو الأظهر. (٢) ليس في المطبوعة . (١) في المطبوعة: يترادف. (٣) سورة الطور: (٣٤). (٤) في هامش (ج) ((والحديث أعم من أن يكون قول الرسول ﴿ والصحابي أو التابعي وفعلهم وتقريرهم خلاصة))، ولكن عند الرجوع للخلاصة قال: السلف أطلقوا الحديث على أقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأثارهم وفتاواهم، خلاصة ص ٣٣. (٥) فتح المغيث ((للسخاوي)) ٨/١. (٦) ص ٣٣. (٧) في المطبوعة: الكل. ١٥٤ تعریف الخبر والحديث والأثر وقيل: الحديث ما جاء عن رسول الله وَ له والخبر ما جاء عن غيره، ومن ثَمَّة، قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها: ((الإِخباري))، ولمن يشتغل بالسنة النبوية: ((المحدِّث))، وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلق، (وقيل: الحديث ما جاء) أي كلام جاءنا منقولاً، أو ما نقل (عن رسول الله (1) فيشمل الموضوع(١). واندفع ما قيل: الأولى ما نسب، أو هو ما صدر، وظهر عنه عليه الصلاة والسلام قولاً، وفعلاً، أو تقريراً، ووصفاً خَلْقياً، أو نعتاً خُلُقياً. (والخبر ما جاء عن غيره) أو موقوفاً عليه لا مرفوعاً إليه(٢) اَلَّ، فهما متباينان . (ومن ثمة) أي ومن أجل هذا التعريف، أو من جهة هذا الفرق، (قيل) أي يقال [١٢ - ب] (لمن يشتغل بالتواريخ) جمع التاريخ: وهو الإِعلام بالوقت الذي يُضبط به الوفَيَات، والمواليد، ويُعلم به ما يُلحق(٣) بذلك من الحوادث والوقائع التي من أفرادها الولايات، كالخلافة والتملك ونحوه، كالاستيلاء على البلاد واستخلاصها، والطواعين، والغلاء، والمعاملات، والأمور العجيبة، والأحوال الغريبة . (وماشاكلها) أي من أخبار أهل الكتاب من القصص، وحكايات الملوك، وغيرهم (الإِخباري، ولمن يشتغل بالسنة النبوية/ ١٠ - ب/: المحدِّث) فيه أن مقتضى المقابلة أن يكون المحدث مختصاً بروايات الأحاديث المرفوعة، والحال أنه أعم لشموله رواية الصحابي، والتابعي، ولعله على التغليب. (وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلق) فالخبر / أعم من الحديث حيث ١٦ (١) في هامش (ج) والموضوع ما صح عند أهل الحديث أنه ليس بحديث منقول عن رسول الله # بل موضوع وضعه أحد. خلاصة، لم نجده فيها. (٢) في (ج) إلى. (٣) في (د) يلتحق. ١٥٥ تعریف الخبر والحديث والأثر فکل حدیث خبر من غیر عکس . يصدُق على كل ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام وغيره، بخلاف الحديث، فإنه يختص بالنبي عليه الصلاة والسلام، وبيانُه قوله: (فكل حديث خبر) إذا الخبر ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام، وعن غيره، (من غير عكس) أي لا كل خبر حديث؛ لاختصاص الحديث به عليه الصلاة والسلام، وفيه مناقشة، لأن الخبر يعم خبر غيره عليه الصلاة والسلام مطلقاً، بل ينحصر عند المحدثين في الصحابي، والتابعي؛ ولذا قيل: الفاء للتعليل لا للتفريع، لعدم ظهور أعمية الخبر مما ذُكَر مطلقاً حقيقياً بل اصطلاحياً إضافياً، وبهذا تندفع المناقشة. وقيل: الفاء للتفصيل، فإنه لمَّا قيل بينهما عموم وخصوص مطلق، واحتمل عموم أحدهما فصَّله بقوله: فكل حديث ... إلخ. وأغرب محشٍ هنا وقال: وفيه أن الحديث قد يكون إنشاء، فكيف يَصدُق كل حديث خبر! فإنّ الظاهر أن المراد بالخبر ما يحتمل الصدق والكذب، فبينهما عموم من وجه. انتهى. ووجه غرابته مما لا يخفى. ثم اعلم أن [١٣ - أ] علم الحديث علم يُعْرَف به حال الراوي والمروي من حيث القبول والردّ. وموضوعه: الراوي والمروي من حيث ذلك. وغايته ما يُقبل، وما يُرَدّ من ذلك(١). ومسائله: ما يذكر في كتبه من المقاصد، كذا ذكره الشيخ زكريا في ((شرح ألفية العراقي))(٢). وقال الجلال السيوطي في ألفيته(٣): علمُ الحديث ذو قُوَانِينَ يُحدّ يُدَرَى بها أحوالُ متنٍ وَسَنَد أنْ يُعرَفَ المقبولُ والْمَرْدُودُ فَذَانِكَ الموضُوعُ والمقْصُودُ (١) في (ج) ما يقبل ويرد من ذلك. (٢) فتح الباقي ٧/١ -٨. (٣) الفية السيوطي في علم الحديث ص ٢. ١٥٦ تعریف الخبر والحديث والأثر وعَبَّر هنا بالخبر ليكون أشمل، وقيل: علم الحديث حدّه أنه علم يشتمل على نقلِ ما أضيف إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قيل: وإلى الصحابي، والتابعي من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة . وموضوعه: ذاتُ النبي عليه الصلاة والسلام، وغايته: الفوز بسعادة الدارين، فدخل فيه الأحاديث المتعلقة بصفاته عليه الصلاة والسلام، فإنها أحاديث مرفوعة بإجماع المحدثين، وَهَمُّهُ كحديث أنه عليه الصلاة والسلام همَّ بقلب الرِّداء في الاستسقاء(١)، فإنه داخل في قسم الفعل، فإنّ الهَمَّ فِعلُ القلب. و(عَيِّر) المؤلف (هنا) أي في المتن، (بالخبر) أي دون الحديث، جواب سؤال مقدَّر، وهو أن الحديث خاص به عليه الصلاة والسلام على جميع الأقوال، فهو أولى أن يكون معرفاً في علم الحديث، فأجاب بأنه عبَّر عنه بالخبر. (ليكون أشمل) أي على القول الأخير حتى يكون ما ذكره بعده من الأحكام يتناول خبرَ الرسول/ ١١ - أ/ عليه الصلاة والسلام وغيره، وقال تلميذ المصنف: لأنه يتناول المرفوع عند الجمهور باعتبار الترادف، ويتناول الموقوف، والمنقطع عند من عدا الجمهور. وقال المصنف: قولي ليكون أشمل باعتبار الأقوال، فأما على الأول، فواضح. وأما على الثالث، فلأن الخبر أعم مطلقاً، فكلما ثبت الأعم ثبت الأخص. وأما على الثاني، فلأنه إذا اعتبرت هذه الأمور في الخبر الذي هو وارد من غير النبي ◌َّ، فلاَنُ يعتبر ذلك فيما ورد عنه وهو الحديث من بابِ الأولى، بخلاف ما إذا [١٣ - ب] اعتبرت في الحديث، فإنه لا يلزم اعتبارها في الخبر لأنه (١) أخرج أبو داود قريباً منه في سنة ٦٨٨/١، كتاب صلاة الاستسقاء (٣)، جماع أبواب صلاة الاستسقاء وتفريعها (١)، رقم (١١٦٤)، والحاكم ٣٢٧/١. بلفظ: ((استسقى رسول الله صل﴿ه وعليه خَمِيصَة له سوداء، فأراد رسول الله ﴿ أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثَقُلَتْ عليه قَلَبَها على عاتِقه)). قال ابن حجر في فتح الباري ٤٩٨/٢ بعد سياقه هذا الحديث: وقد استحب الشافعي في الجديد فعل ما هَمَّ به * من تنكيس الرداء مع التحويل الموصوف. ١٥٧ الخبر من حیث تعدد طرقه وتفردها و فهو باعتبار وصوله إلينا (إمّا أن يكونَ له طَرُّق) أي أسانيد أدونُ رتبةً من هذا الحديث على هذا القول. قال التلميذ: / ما ذكرته أولى، إذ في هذا التقرير ما لا يصح، وهو قوله: ١٧ فكلما ثبت الأعم ثبت الأخص مع الإِطناب المُخِلّ. انتهى. ويمكن دفعه بأن مراده خصوص هذا المقام لا مطلق العام، لكن يرد على تعليله للثاني أن الأمور المعتبرة ما عدا المتواتر(١) غير معتبرة في الخبر الذي ورد عن النبي (٢) عليه الصلاة والسلام، فإنّ المشهور، والعزيز، والغريب، وما يترتب عليها كلها من أفراد الحديث المصطلح دون غيره. [الخبر من حيث تعدد طرقه وتفردها] (فهو) أي الخبر (باعتبار وصوله إلينا) أي لا باعتبار أوصافه من الصحة، والحس، والضعف، وغيرها ولا من كونه مرفوعاً، وموقوفاً، ومقطوعاً، ونحوها. (إما أن يكون) أي يوجد (له طرق) جمع طريق بمعنى سبيل، وهو ما يوصل إلى المقصود الحِسّي. استعير للموصل إلى المطلوب المعنوي، ولذا قال: (أي أسانيد) وهو جمع إسناد، والمراد به رجال الحديث، فإنهم يُسنِدُون الخبر إلى ما ينتهي إليه السند، فمدار صحته وغيرها عليهم، فالإِسناد بمعنى السند الذي عليه الاعتماد . ولذا قال ابن المبارك: الإِسناد من الدين، ولولا الإِسناد لقال مَن شاء ما شاء(٣) . (١) في المطبوعة: التواتر. (٢) في (د) الخبر الذي وارد عن غير النبي، وفي (ج) في الخبر الذي ورد في غير النبي. (٣) أخرجه مسلم ١٥/١، المقدمة، باب بيان أن الإِسناد من الدين ... (٥). وروى الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخه ١٦٦/٦، في ترجمة (أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الأمين البخاري) بسنده إلى تلميذ عبد الله بن المبارك: عَبْدَان، قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: الإِسناد عندي من الدين، ولولا الإِسناد لقال مَن شاء: ما شاء، = ١٥٨ الخبر من حیث تعدد طر قه وتفردها كثيرة؛ لأن طُرُقاً جَمْعُ طريق، وقال ابن سيرين: إن هذا الأمر دين، فانظروا عمَّن تأخذون دينكم(١). وقال أبو نَصْر بن سَلَام: ليس شيء أثقل على أهل الإلحاد ولا أبغض إليهم من سماع الحديث، وروايته، وإسناده. كذا ذكره في ((الخلاصة))(٢)، واستشكل بأن القرآن ينبغي أن يكون أبغض إليهم، أو مساوياً للحديثُ في الأبغضية. وأجيب بأنه إنما حكم بذلك بناء على أن الحديث مفسِّر للقرآن وقاضٍ عليه، وأما قول بعض الصوفية: حَدَّثَنَا، باب من أبواب [١٤ - أ] الدنيا، فمراده لمَن غرضه غرض من أغراضها، أو لمن افتخر بعلو سنده لحصول غرض من أغراضها(٤). (كثيرة) صفة أسانيد، ولمّا لم يلزم من وجود أصل الجمع الكثرةُ الزائدة على أقل الجمع علَّله بقوله : (لأن طرقاً(٥) جمع طريق) وهذا واضح، وإنما ذكره لأنه/ ١١ - ب/ توطئة، أو لأنه دليل لتفسير(٦) الطرق بالأسانيد. ولكن إذا قيل له: مَن حدَّثَك؟ بَقِي! (أي بقي ساكتاً مُفْحَماً) قال عَبْدَان: ذَكَرَ - أي ابن المبارك ـ- هذا عند = ذِكر الزنادقة وما يضعون من الأحاديث. انتهى. وهذه الكلمة من الإِمام عبد الله بن المبارك رضي الله عنه، من أفضل ما تُشخّص به منزلة الإِسناد في الدين وأبلَغِه. الإِسناد من الدين للشيخ عبد الفتاح أبو غدَّة ص ١٦ - ١٨. وذكر الحاكم النيسابوري بعد كلام ابن المبارك ... قال أبو عبد الله: فلولا الإِسناد وطلب هذه الطائفة له، وكثرة مواظبتهم على حفظه، لدَرَس منارُ الإِسلام، وتمكن أهل الإلحاد والبدع منه، بوضع الأحاديث، وقلب الأسانيد، فإن الأخبار إذا تعرَّت عن وجود الإِسناد فيها كانت بُتْراً. معرفة علوم الحديث ص ٦. وانظر ما نقله ملا علي ص ٦١٧. (١) أخرجه مسلم ١٤/١، المقدمة، باب بيان أن الإِسناد من الدين ... (٥). (٢) ص ٣٣. (٣) في المطبوعة: الحديث. (٤) في المطبوعة والنسخة المحمودية: عوض من أعواضها. (٥) في (ج) طرق. (٦) في (د) لتفسيره الطرق بالأسانيد، بينما في (ج) لتفسير الطرق بأسانيد. 1 أ ١٥٩ تعريف الإِسناد وفَعِيلٌ في الكَثْرةِ يُجْمَع على فُعُل ـ بضمتين -، وفي القِلَّة على أَفْعِلَةِ، والمراد بالطُرُق الأسانيد، والإسناد: حكايةً طريقِ المَتْن. (وفعيل) أي ما يكون على وزن فعيل من الأسماء المفردة (في الكثرة) أي في حال إرادة الكثرة به، وهي ما فوق العشرة إلى ما لا نهاية له، (يُجمَع على فُعُل بضمتين) كما فعل هنا، فدل على إفادة زيادة الكثرة على أصل الجمع، وبه تمَّ (١) التعليل، لكن تبرع بزيادةِ إفادةِ قاعدة فقال: (وفي القِلَّة) أي وفي حال إرادة القِلّة وهي ثلاثة وعشرة وما بينهما يُجمع (على أَفْعِلَة) بفتح الهمزة، وسكون الفاء، وكسر العين، كأطْرِقَة، ورغيف وأَرْغِفَة، ثم جملة وفَعِيل ... إلخ حالية، وقوله: (والمراد بالطُرُق الأسانيد) عطف على قوله: طرقاً، فيكون من تتمة تعليل تفسير الطرق بالأسانيد الكثيرة. لكن (٢) الأنسب حينئذٍ أن يقول: والمراد بالطريق الإِسناد، أي إنما فَسَّر الطرق بالأسانيد، لأن مرادهم بالطريق إنما هو الإِسناد، كذا قال محشٍ ، وتوضيحه ما قال شارح: وإنما قال: والمراد بالطرق الأسانيد، وإن كان ما سبق مغنياً عنه للتنبيه على أنّ ما ذكره من التفسير ليس مدلولاً حقيقياً للطرق، وإنما استعارة عن السبل(٣). انتهى. ولما خفي هذا الإِدراك على التلميذ قال قوله: / والمراد بالطرق الأسانيد، مُستَدرِك (٤) أي لما عُلِم من كلامه أوّلاً. ١٨ (والإِسناد: حكاية طريق المتن) قال التلميذ: صار الحاصل: أن الطريق حكاية الطريق، ولما طرق المصنف هذا الاعتراض قال: التحقيق أن تكون الإِضافة بيانية في قوله: حكاية طريق المتن. فقلت: التحقيق خلاف هذا التحقيق، لأن الحكاية فِعْلٌ، والطريق أسماء (١) في المطبوعة: عم. (٢) في (ج) لأن. (٣) في المطبوعة و(د): السبيل. (٤) في (ج) مستدركة. ١٦٠ تعريف الإِسناد الرواة، فلا يصح أن يكون أحدهما [١٤ - ب] عين الآخر. انتهى. وقيل: يمكن أن تُوَجَّه العبارة بأن تُجعَل من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الإِسناد هو الطريق المحكي للمتن، والمتن - كما سيجيء (١) - غايةُ ما ينتهي إليه الإِسناد، فيوافق - ما سيأتي (١) عنه في مبحث المرفوع والموقوف - تعريفَ الإِسناد بنفس الطريق على أنه عرَّف الإِسناد بما هو تعريف للسند، قيل: ذكر الطَّبي(٢): أن السند إخبار عن طريق المتن، والإِسناد رفع الحديث إلى قائله(٣). وأجيب بأنه مبني على اختلاف واقع بينهم، والظاهر أن مؤداهما واحد. وقد قال السخاوي في ((شرح تذكرة ابن المُلَقَّن)): الإِسناد والسند هو الطريق الموصل للمتن، والمتن هو الغاية التي ينتهي إليها. وقيل معناه: أن الإِسناد تبيين طريق المتن أنه متواتر أو آحاد. ويؤيده ما في بعض النسخ، والإِسناد حكاية عن طريق المتن . وقيل: المراد بالطريق، ما يوصل إلى /١٢ - أ/المتن، فلا دور، ووجهه أن الإِشكال إنما نشأ من حمل الطريق على المعنى الاصطلاحي، وأما إذا حمل على المعنى اللغوي فيستقيم التعريف، كما قيل في قول الصرفيين(٤): الماضي فِعْلٌ (١) ص ٦٠٣ - ٦٠٥. ٤ (٢) الخلاصة في أصول الحديث ص ٣٣. (٣) لقد عرفوا (الإِسناد) بقولهم: هو حكاية طريق متن الحديث. وعرفوا (السند) بإنه طريق متن الحديث. وسُمِّي (سنداً) لاعتماد الحفاظ عليه في الحكم بصحة الحديث أو ضعفه، أخذاً من معنى (السند) لغة، وهو ما استندتَ إليه من جدار أو غيره. وعلى هذا: فـ (الإِسناد) هو قولك أو قول البخاري مثلاً حدَّثنا فلان، قال: حدثنا فلان ... ، و(السند) هو أولئك الرواة الناقلون المذكورون قبل متن الحديث. والمحدثون يستعملون كلاً من (السند) و(الإِسناد) في موضع الآخر، ويُعرف المراد بالقرائن. انتهى كلام الشيخ عبد الفتاح أبو غدة بتصرف. الإِسناد من الدين ص ١٤ - ١٥ . (٤) الماضي هو الفعل الذي دل على معنى وجد في الزمان الماضي. والمراد بالزمان الماضي: اللغوي [أي الذاهب]، وبالماضي الأول: الصناعي أي الاصطلاحي، فلا يلزم تعريف الشيء بنفسه. شرح السعد على تصريف الزنجاني ص ٤١ في هامش تدريج الأداني، بتصرف يسير.