Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
شرحا ألفية العراقي
الخطيب وغيره قال أبو بكر الصيرفي وهذا خطأ لأن الرواية تعريف له والعدالة
بالخبرة وأجاب الخطيب بأنه قد لا يعلم عدالته ولا جرحه والثالث انه إن كان
ذلك العدل الذي روی عنه لا یروی الا عن عدل کانت روايته تعدیلا والا فلا
وهذا هو المختار عند الأصوليين كالسيف الآمدي
یکونغاشاً في الدین ورده الخطیب بانه قد لا يعلم عدالته ولا جرحه كيف وقد
وجد جماعة من العدول الثقات رووا عن ضعفاء والثاني انها تعديل له ان علم
انه لا يروي الا عن عدل والا فلا وهذا هو الصحيح عند الأصوليين
كالآمدي(١)
( ١) الآمدي : السيف الآمدي أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد الحنبلي ثم الشافعي المتكلم
العلامة صاحب التصانيف العقلية قرأ القراءات والفقه ودرس على ابن أبي المنى وسمع من ابن شاتيل
وبرع في الخلاف وحفظ وسيط الغزالي وتفنن في علم النظر والكلام والحكمة وكان من أذكياء العالم اقرأ
بمصر مدة فنسبوه الى دين الأوائل وكتبوا محضرا باباحة دمه فلما رأى بعضهم ذلك الافراط وقد حمل المحضر
الیه لیکتب كما كتبوا كتب .
حسدوا الفتى اذ لم ينالوا سعيه
فالقوم اعداء له وخصوم
قال ابن حلكان وضعوا خطوطهم بما يستباح به الدم فخرج مستخفيا الى الشام فنزل حماة مدة
وصنف في الأصلين والحكمة والمنطق والخلاف ثم انتقل الى دمشق فولاه الملك المعظم بن العادل تدريس
العزيزية فلما ولى أخوه الأشرف موسى عزل عنها ونادى في المدارس من ذكر غير التفسير والحديث والفقه
أو تعرض لكلام الفلاسفة نفيته فأقام السيف الآمدي خافيا في بيته الى أن توفي سنة ٦٣١ ويحكى عن ابن
عبد السلام أنه قال ما تعلمنا قواعد البحث الا منه وانه قال ما سمعت احدا يلقي الدرس أحسن منه كأنه
يخطب وانه قال لو ورد على الاسلام متزندق يشكك ما تعين لمناظرته غيره وقال سبط ابن الجوزي لم يكن
في زمانه من يجاريه في الأصلين وعلم الكلام ومن تصانيفه المشهورة الأحكام . وأبكار الأفكار قال الذهبي
له نحو العشرين تصنيفاهـ .

٣٢٢
شرحا ألفية العراقي
وأبي عمرو بن الحاجب وغيرهما أما اذا روى عنه من غير تصريح باسمه
فانه لا يكون تعديلاً بل ولو عدله على الابهام لم يكتف به كما تقدم .
وابن الحاجب(١) اما رواية غير العدل فليست تعديلاً اتفاقاً وخرج
بالتصريح باسمه ما لم يصرح به فلا يكون تعديلاً جزماً بل لو عدل فيهما لم
(١) ابن الحاجب: أبو عمرو وعثمان بن عمر بن أبي بكر الكردي الاسنائي واسناء بفتح الهمزة
وسكون السين المهملة وفتح النون وبعدها ألف بلدة صغيرة من أعمال القوصية بالصعيد الأعلى من مصر
كان أبوه حاجبا للأمير عز الدين موسك الصلاحي فاشتغل بالقراءات على الشاطبي وغيره وسمع منه
التيسير والشاطبية ثم قرأ جميع القراءات على أبي الفضل الغزنوي وأبي الجود وسمع من البوصيري وابن
ياسين ثم دخل دمشق فسمع من القاسم بن عساكر ولزم الاشتغال حتى ضرب به المثل وبرع في الأصول
والعربية وتفقه في مذهب امام مالك وكان محباً للشيخ عز الدين بن عبد السلام قال ابن الجزري في ترجمته
ما نصه وتكرردخوله دمشق وآخرما دخلهاسنة ٦١٧ فاشتغل ودرس بالجامع الأموي بزاوية المالكية منه وهي
شمال محراب الحنابلة الذي يلي صحن الجامع فأكب الفضلاء عليه وانتفعوا به كثيراً فلما وقع بينه وبين
صاحب دمشق الصالح بن أبي الجيش ما وقع مع الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث انكرا عليه سوء
سيرته امرهما بأن يخرجا من بلده فخرجا منها سنة ٦٣٨ هـ صنف مختصراً فقيها في مذهب إمامنا مالك وآخر
في أصول الفقيه وناهيك به من اختصار عجيب وصنف الكفاية في علم النحو والشافية في التصريف قال
في الشذرات وكل تصانيفه في نهاية الحسن والافادة وخالف النحاة في مواضع وأورد عليهم اشكالات
والزامات تتعذر الاجابة عنها وكان من أحسن خلق الله ذهنا وهو الذي اهتدى للاجابة عن لغز بعض
العروضيين الشهير وهو :
في المعاني فتلتوي وتلين
ربما عالج القوافي رجال
وعصتهم نون ونون ونون
طاوعتهم عين وعين وعين
فأجابهم بقوله :

٣٢٣
شرحا ألفية العراقي
وهو على ثلاثة مجعول
واختلفوا هل يقبل المجهول
مجهول عين من له راو فقط
مجهول حال باطن وظاهر
ورده الأكثر والقسم الوسط
وحكمه الرد لدی الجماهر
في باطن فقط فقد رأى له
والثالث المجهول للعدالة
ما قبله منهم سليم فقطع
حجية في الحكم بعض من منع
يشبه انه على ذا جعلا
به وقال الشيخ ان العملا
خبرة بعض من بها تعذرت
في کتب من الحدیثاشتهرت
ذا القسم مستورا وفيه نظر
في باطن الأمر وبعض یشھر
اختلف العلماء في قبول رواية المجهول وهو على ثلاثة أقسام مجهول
العين ومجهول الحال ظاهراً وباطناً ومجهول الحال باطنا القسم الأول مجهول
یکتف به كما مر ( واختلفوا ) أي العلماء ( هل يقبل ) الراوي ( المجهول وهو
علی ) أقسام ( ثلاثة مجهول ) الاول ( مجهول ) عین وهو ( من له راو ) أي
من لم يرو عنه الا راو ( فقط ) وسماه الراوي كجبار الطائي(١) وعبد الله بن
أعز (٢) بالزاي
طاوعت في الروي وهي عيون
أي غد مع يدد ذي حروف
وذواة والحوت والنون نونا
ت عصتهم وأمرها مستبين.
قال ابن حلكان عقب نقله لمسألة اللغز فعنى بقوله عين وعين وعين نحو غدو یدودد فان وزن كل
منها فعل اذ أصل غد غدو ويد يدي ودد ددن وبقوله نون ونون ونون الذواة والحوت والنون الذي هو
الحرف هـ وهو بين وانما اقتصرت في نقله عن أبي خلكان لتمامه فيه دون غيره ولزيادة فائدته توفي ضحى
نهار الخميس سادس عشري شوال ودفن خارج باب البحر بتربة الشيخ الصالح أبي شامة سنة ٦٤٦ .
(١ ) جبار الطائي .
(٢) وعبد الله بن أعز: مجهولان كما قال الشارح لم أقف على من ترجمهما .

٣٢٤
شرحا ألفية العراقي
العين وهو من لم يرو عنه الا راو واحد وفيه أقوال الصحيح الذي عليه أكثر
العلماء من أهل الحديث وغيرهم انه لا يقبل والثاني يقبل مطلق وهذا قول من
لم يشترط في الراوي مزيداً على الاسلام والثالث ان كان المنفرد بالرواية عنه لا
يروي الا عن عدل كابن مهدي ويحيى بن سعيد ومن ذكر معهما واكتفينا في
التعديل بواحد قبل وإلا فلا والرابع ان كان مشهوراً في غير العلم بالزهد او
النجدة قبل وإلا فلا وهو قول ابن عبد البر وسيأتي نقله عنه والخامس ان زكاه
أحد من أيمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه قبل والا فلا وهو اختيار أبي
الحسن بن القطان في كتاب بيان الوهم والايهام .
فان كلا منهما لم يرو عنه الا أبو اسحاق السبيعي ( ورده ) أي
مجهول العين ( الاكثر ) من العلماء فلا يقبلونه مطلقاً وهو الصحيح للاجماع
على عدم قبول غير العدل والمجهول ليس عدلاً ولا في معناه في حصول الثقة به
ولان الفسق مانع من القبول كالصبي والكفر فيكون الشك فيه مانعاً من ذلك
كما انه فيهما كذلك وقيل يقبل مطلقاً لقوله تعالى ﴿ان جاءكم فاسق بنبأ
فتبينوا ﴾ أي فتثبتوا كما قرىء به في السبع فاوجب التثبت عند وجود الفسق
فعند عدمه لا يجب التثبت فيجب العمل بقوله وقيل ان كان مشهوراً في غير
العلم كالزهد والنجدة قبل والا فلا وقيل ان زكاه أحد من أيمة الجرح والتعديل
ولو كان الراوي عنه قبل والا فلا وصححه شيخنا وقيل ان كان المنفرد بالرواية
عنه لا يروي الا عن عدل واكتفينا في التعديل بواحد قبل والا فلا ( والقسم
الوسط ) أي الثاني ( مجهول حال باطن وظاهر ) من العدالة والجرح مع معرفة
عينه برواية عدلين عنه (وحكمه الرد ) فلا يقبل مطلقاً ايضاً (لدى ) أي عند
( الجماهر ) من العلماء وقيل يقبل مطلقاً وان لم تقبل رواية القسم الاول وقيل
ان كان الراويان لا يرويان الا عن عدل قبل والا فلا (و) القسم ( الثالث
المجهول للعدالة ) أي مجهولها ( في باطن فقط ) أي لا في الظاهر ( فقد رأى له
حجية ) أي احتجاجاً ( في الحكم بعض من منع ) قبول ( ما قبله ) من

٣٢٥
شرحا ألفية العراقي
قال الخطيب في الكفاية المجهول عند اصحاب الحديث كل من لم يشتهر
بطلب العلم في نفسه ولا عرفه العلماء به ومن لم يعرف حديثه الا من جهة راو
واحد مثل عمرو ذي مر وجبار الطائي وعبد الله بن أعز الهمداني والهيثم بن
حنش ومالك بن أعز وسعيد بن ذي حدان وقيس بن کر کم وخمر بن مالك قال
وهؤلاء كلهم لم يرو عنهم غير أبي إسحاق السبيعي ومثل سمعان بن مشنج
والهزهاز بن ميزن لا يعرف عنهما راو الا الشعبي ومثل بكر بن قرواش وحلام
ابن جزل لم يرو عنهما الا أبو الطفيل عامر بن واثلة ومثل يزيد بن سحيم لم
يرو عنه الاخلاس بن عمرو ومثل جري بن كليب لم يرو عنه إلا قتادة بن
دعامة ومثل عمیر بن إسحاق لم يرو عنه سوی عبد الله بن عون وغیر من ذكرنا
وروينا عن محمد بن يحيى الذهلي قال اذا روى عن المحدث رجلان ارتفع عنه
اسم الجهالةوقال الخطیب أقل ماترفع به الجهالةان يروي عنه اثنان فصاعدا من
المشهورين بالعلم الا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه واعترض عليه
ابن الصلاح بان الهزهاز روى عنه الثوري ايضا قلت وروى عنه ايضا الجراح
بن مليح فيما ذكره ابن أبي حاتم وسمى أباه مازناً بالألف لا بالياء ولعل بعضهم
أماله فكتبه بالياء وخمر بن مالك روى عنه أيضاً عبد الله بن قيس وذكره ابن
حبان في الثقات وسماه خمير بن مالك وذكر الخلاف فيه في التصغير والتكبير ابن
أبي حاتم وكذلك الهيثم بن حنش روى عنه أيضاً سلمة بن كهيل قاله أبو حاتم
الرازي .
القسمين ( منهم ) الفقيه ( سليم ) بضم أوله ابن أيوب الرازي(١) ( فقطع
به ) وعزاه النووي لكثير من المحققين وصححه لأن الأخبار مبنى على حسن
الظن ولأن رواية الأخبار تكون عند من يتعسر عليه معرفة العدالة الباطنة وبهذا
فارقت الرواية الشهادة فانها تكون عند الحكام وهم لا يتعسر عليهم ذلك وقال
الشیخ
(١) سليم بن أيوب الرازي: أبو الفتح سليم بن أيوب بن سليم بالتصغير فيهما الرازي

٣٢٦
شرحا ألفية العراقي
وأما عبد الله بن أعز ومالك بن أعز ◌ّفقد جعلهما ابن ماكولا واحدا
اختلف على أبي اسحاق في اسمه وبكر بن قرواش روى عنه ايضا قتادة فيما
ذكره البخاري وابن حبان في الثقات وسمی ابن حبان أباه قريشا وحلام بن جزل
ذكره البخاري في تاريخه فقال حلاب أي بباء موحدة وخطأه ابن أبي حاتم في
كتاب جمع فيه أوهامه في التاريخ وقال انما هو حلام أي بالميم ثم تعقب ابن
الصلاح بعض كلام الخطيب المتقدم بأن قال قد خرج البخاري حديث جماعة
ليس لهم غير راو واحد منهم مرداس الأسلمي لم يرو عنه غير قيس بن أبي
حازم وخرج مسلم حديث قوم ليس لهم غير راو واحد منهم ربيعة بن كعب
الأسلمي لم يرو عنه غير أبي سلمة بن عبد الرحمن وذلك منهما مصير الى أن
الراوي قديخرج عن کونه مجهولا مردوداً بر وایةواحد عنه والخلاف في ذلك متجه
نحو اتجاه الخلاف المعروف في الاكتفاء بواحد في التعديل قلت لم ينفرد عن
-
ابن الصلاح ( ان العملا يشبه انه على ذا ) القول ( جعلا في كتب ) كثيرة
( من الحديث اشتهرت ) بين الايمة وغيرهم حيث خرج فيها لرواة ( خبرة
بعض من ) خرج له منهم ( بها ) أي بالكتب ( تعذرت في باطن الامر )
لتقادم العهد بهم فاكتفى بالعدالة الظاهرة ( وبعض ) من الايمة وهو البغوي
بفتح اوله وثالثه ( يشهر ) من الشهرة وهي الوضوح يقال شهرت له امراً اشهره
شهراً وشهرة يعني يلقب ( ذا القسم مستوراً )
السافعي صاحب التصانيف والتفسير تلميذ أبي حامد الأسفرائني كان رأساً في العلم والعمل تفقه وهو
كبير لأنه كان اشتغل في صدر عمره باللغة والنحو والتفسير والمعاني ثم لازم الشيخ أبا حامد وعلق عنه
التعليق ولما توفي الشيخ أبو حامد جلس مكانه ورعا زاهدا يحاسب نفسه على الأوقات لا يدع وقتا يمضي
بغير فائدة من كتبه كتاب التفسير المسمى ضياء القلوب وغير ذلك من الكتب سافر للحج وعند رجوعه
غرق ببحر القلزم بساحل جدة سنة ٤٤٧ .

٣٢٧
شرحا ألفية العراقي
مرداس قيس بل روى عنه ايضاً زياد بن علاقة فيما ذكره المزي في التهذيب وفيه
نظر ولم ينفرد عن ربيعة أبو سلمة بل روى عنه ايضا نعيم المجمر وحنظلة بن
علي وايضا فمرداس وربيعة من مشاهير الصحابة فمرداس من أهل الشجرة
وربيعة من أهل الصفة وقد ذكر أبو مسعود ابراهيم بن محمد الدمشقي في جزء
له أجاب فيه عن اعتراضات الدارقطني على كتاب مسلم فقال لا أعلم روی
عن أبي علي عمرو بن مالك الجنبي أحد غير أبي هانىء قال وبرواية أبي هانىء
وحده لا يرتفع عنه اسم الجهالة إلا ان يكون معروفاً في قبيلته او يروي عنه أحد
معروف مع أبي هانىء فيرتفع عنه اسم الجهالة وقد ذكر ابن الصلاح في النوع
السابع والأربعين عن ابن عبد البر قال كل من لم يروعنه الا رجل واحد فهو
عندهم مجهول الا أن يكون رجلاً مشهوراً في غير حمل العلم كاشتهار مالك بن
دينار بالزهد وعمرو بن معدي كرب بالنجدة هـ فشهرة هاذين بالصحبة عند
أهل الحديث آكد في الثقة به من مالك وعمرو والله أعلم .
أي به وتبعه عليه الرافعي(١) والنووي زاد الناظم (وفيه ) أي تلقيب من ذكر
مستوراً ( نظر ) اذ في عبارة
(١) الرافعي : أبو القاسم عبد الكريم بن محمد الامام العلامة إمام الدين الشافعي صاحب
الشرح المشهور الكبير على المحرر وصاحب الوجيز انتهت اليه الرياسة وكان مع براعته في العلم صالحاً
زاهداً ذا أحوال وكرامات ونسك وتواضع قال ابن قاضي شهبة اليه يرجع عامة الفقهاء من أصحابنا في هذه
الأعصار في غالب الأقاليم والأمصار ولقد برز فيه على كثير ممن تقدمه وحاز قصب السبق فلا يدرك شأوه
الا من وضع يديه حيث وضع قدمه تفقه على والده وغيره وسمع الحديث من جماعة قال ابن الصلاح اظن
أني لم أر في بلاد العجم مثله كان ذا فنون حسن السيرة جميل الأمر صنف الوجيز وشرحه في عدة مجلدات
وصنف شرحا لمسند الامام الشافعي واسمعه قال النووي اعلم أنه لم يصنف في مذهب الشافعي رضي الله
عنه ما يحصل لك مجموع ما ذكرته أكمل من كتاب الرافعي ذي التحقيقات بل اعتمادي واعتماد كل مصنف
انه لم يوجد مثله في الكتب السابقات ولا المتأخرات فيما ذكرته من المقاصد المهمة توفي سنة ٦٢٣ .

٣٢٨
شرحا ألفية العراقي
والقسم الثاني مجهول الحال في العدالة في الظاهر والباطن مع كونه
معروف العين برواية عدلین عنه وفيه أقوال أحدها وهو قول الجماهیر کما حكاه
ابن الصلاح ان روايته غير مقبولة والثاني تقبل مطلقا وان لم تقبل رواية القسم
الأول قال ابن الصلاح وقد يقبل رواية المجهول العدالة من لا يقبل رواية
المجهول العين والثالث ان كان الراويان او الرواة عنه فيهم من لا يروي عن غير
عدل قبل والا فلا والقسم الثالث مجهول العدالة الباطنة وهو عدل في الظاهر
فهذا يحتج به بعض من رد القسمين الأولين وبه قطع الامام سليم بن أيوب
الرازي قال لأن الأخبار مبني على حسن الظن بالراوي لأن رواية الأخبار تكون
عند من تتعذر عليه معرفة العدالة في الباطن فاقتصر فيها على معرفة ذلك في
الظاهر وتفارق الشهادة فانها تكون عند الحكام ولا يتعذر عليهم ذلك فاعتبر
فيها العدالة في الظاهر والباطن قال ابن الصلاح ويشبه أن يكون العمل على هذا
الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة في غير واحد من الرواة الذين تقادم
العهد بهم وتعذرت الخبرة الباطنة بهم والله أعلم وأطلق الشافعي كلامه في
اختلاف الحديث انه لا يحتج بالمجهول وحكى البيهقي في المدخل ان الشافعي لا
يحتج بأحاديث المجهولين ولما ذكر ابن الصلاح هذا القسم الأخير قال وهو
المستور فقد قال بعض أيمتنا المستور من يكون عدلا في الظاهر ولا تعرف عدالته
باطناً انتهى كلامه وهذا الذي نقل كلامه آخراً ولم يسمه هو البغوي فهذا لفظه
بحروفه في التهذيب وتبعه عليه الرافعي وحكى الرافعي في الصوم وجهين في
قبول رواية المستور من غير ترجيح وقال النووي في شرح المهذب ان الأصح
قبول روايته وقولي وفيه نظر ليس في كلام ابن الصلاح فهو من الزوائد التي لم
تتميز ووجه النظر الذي أشرت إليه هو ان في عبارة الشافعي في اختلاف الحديث
ما يقتضي ان ظاهري العدالة من يحكم الحاكم بشهادتهما .
الشافعي اختلاف الحديث ما يقتضي ان ظاهري العدالة من يحكم الحاكم
بشهادتهما

٣٢٩
شرحا ألفية العراقي
فقال في جواب سؤال اورده فلا يجوز ان یترك الحکم بشهادتهما اذا كانا
عدلين في الظاهر فعلى هذا لا يقال لمن هو بهذه المثابة مستور نعم في كلام الرافعي
في الصوم ان العدالة الباطنة هي التي يرجع فيها إلى أقوال المزكين ونقل الروياني
في البحر عن نص الشافعي في الام انه لو حضر العقد رجلان مسلمان ولا یعرف
حالهما من الفسق والعدالة انعقد النكاح بهما في الظاهر قال لأن الظاهر من
المسلمين العدالة .
قيل يرد مطلقا واستنكرا
والخلف في مبتدع ما كفرا
نصرة مذهب له ونسبا
وقيل بل اذا استحل الكذبا
من غير خطابية ما نقلوا
للشافعي اذ يقول اقبلوا
ردوا دعاتهم فقط ونقلا
والأكثرون وراءه الا عدلا
عن أهله بدع في الصحيح مادعوا
فیه ابن حبان اتفاقا ورووا
اختلفوا في رواية مبتدع لم يكفر في بدعته على أقوال فقيل ترد روايته
مطلقا لأنه فاسق ببدعته وان كان متأولا فترد كالفاسق من غير تأويل كما استوى
الكافر المتأول وغير المتأول .
فانه قال في جواب سؤال اورده فلا يجوز ان يترك الحكم بشهادتهما اذا
كانا عدلين في الظاهر فلا يحسن تعريف المستور بهذا فان الحاكم لا يسوغ له
الحكم به لكن الظاهر ان الشافعي انما أراد بالباطن ما في نفس الامر لخفائه عنا
فلا يكلف به بدليل انه اطلق في اول اختلاف الحديث انه لا يحتج بالمجهول
واما اكتفاؤه بحضورهما عقد النكاح مع رده المستور فان النكاح انما فيه تحمل لا
حكم ولهذا لو رفع العقد بهما الى حاكم لم يحكم بصحته ثم بين حكم رواية
المبتدع فقال ( والخلف ) أي الاختلاف واقع بين الايمة ( في ) قبول رواية
( مبتدع ما كفرا ) ببدعته ( قيل يرد مطلقاً ) سواء الداعية وغيره لانه فاسق
ببدعته وان كان متأولاً فالتحق بالفاسق غير المتأول كما التحق الكافر المتأول بغير
المتأول .

٣٣٠
شرحا ألفية العراقي
وهذا يروى عن مالك كما قال الخطيب في الكفاية وقال ابن الصلاح انه
بعيد مباعد للشائع عن أيمة الحديث فان كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة غير
الدعاة كما سيأتي والقول الثاني انه ان لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه
او لأهل مذهبه قبل سواء ادعى الى بدعته ام لا وان كان ممن يستحل ذلك لم
تقبل وعزا الخطيب هذا القول للشافعي لقوله أقبل شهادة أهل الأهواء الا
الخطابية من الرافضة لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم قال وحكى هذا
ايضاعٍ أبي ليلى والثوري وأبي يوسف القاضي وروى البيهقي في المدخل عن
الشافعي قال ما في أهل الأهواء قوم أشهد بالزور من الرافضة والقول الثالث انه
إن كان داعية الى بدعته لم يقبل وان لم يكن داعية قبل واليه ذهب أحمد كما قال
الخطيب قال ابن الصلاح وهذا مذهب الكثير أو الأكثر وهو اعدلها وأولاها قال
ابن حبان الداعية الى البدع لا يجوز الاحتجاج به عند أيمتنا قاطبة لا أعلم بينهم
فيه اختلافاً وهكذا حكى بعض أصحاب الشافعي انه لا خلاف بين اصحابه أنه
لا يقبل الداعية وان الخلاف بينهم فيمن لم يدع الى بدعته فقولي ونقل ابن
وهذا يروى عن مالك وغيره ونقله الآمدي عن الاكثرين وجزم به ابن
الحاجب ( واستنكرا ) أي وأنكره ابن الصلاح فقال انه بعيد مباعد للشائع عن
أيمة الحديث فان كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة كما سيأتي
( وقيل ) لا يرد مطلقاً (بل اذا استحل الكذبا ) في الرواية والشهادة (نصرة
مذهب له ) او لاهل مذهبه سواء دعى الى مذهبه ام لا بخلاف ما اذا لم
يستحل ذلك لان اعتقاده حرمة الكذب يمنعه منه فيصدق ( ونسبا ) هذا القول
( للشافعي اذ يقول ) أي لقوله ( اقبل من غير خطابية ما نقلوا ) وعبارته اقبل
شهادة أهل الأهواء الا الخطابية من الرافضة لانهم يرون الشهادة بالزور
الموافقيهم ( والاكثرون ) من العلماء (ورآه ) ابن الصلاح ( الأعدلا ) أي
أعدل الاقوال واولاها ( ردوا دعاتهم فقط ) قال وهو مذهب الكثير او الاكثر

٣٣١
شرحا ألفية العراقي
حبان فيه اتفاقاً أي في رد رواية الداعية وفي قبول غير الداعية ايضاً واقتصر ابن
الصلاح على حكاية الاتفاق عنه في الصورة الأولى وأما الثانية فانه قال في تاريخ
الثقات في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي ليس بين أهل الحديث من أيمتنا
خلاف ان الصدوق المتقن اذا كان فيه بدعة ولم يكن يدعو إليها ان الاحتجاج
( ونقلا فيه ابن حبان اتفاقاً ) حيث قال الداعية الى البدعة لا يجوز الاحتجاج
به عند أئمتنا قاطبة لا أعلم بينهم فيه اختلافاً لكن استغرب شيخنا حكاية
الاتفاق ( و ) قد ( رووا ) أي أئمة الحديث كالبخاري ومسلم أحاديث
( عن ) جماعة من ( أهل بدع ) باسكان الدال ( في الصحيح ) على سبيل
الاحتجاج والاستشهاد بهم لانهم ( ما دعوا ) احداً الى بدعتهم ولا استمالوه
اليها منهم خالد بن مخلد(١) وعبيد الله بن موسى العبسي(٢) وعبد الرزاق بن همام
وعمرو بن دينار .
(١) خالد بن مخلد : القطواني أبو الهيثم البجلي مولاهم الکوفي روی عن سلمان بن بلال وعبد
الله بن عمر العمري ومحمد بن جعف بن أبي كثير ومالك وعبد الرحمن بن أبي المواق واسحاق بن حازم
المدني وجماعة روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود في مسند مالك والباقون بواسطة محمد بن عثمان وعلي
ابن عثمان النفيلي وعباس الدوري وسفيان بن وكيع وابراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي وعباس بن عبد
العظيم العنبري ومعاوية بن صالح الأشعري وآخرون قال عبد الله بن أحمد أبيه له أحاديث مناكير وقال أبو
حاتم يكتب حديثه وقال الأجوري عن أبي داود صدوق ولكنه يتشيع وقال ابن سعد كان متشيعا
منكر الحديث في التشيع مفرطا وكتبوا عنه للضرورة وقال الجوزجاني كان شتاما معلنا بسوء مذهبه توفي
سنة ٢١٣ .
(٢ ) عبيد الله بن موسى العبسي : مولاهم الكوفي أبو محمد الحافظ روى عن اسماعيل بن أبي
خالد وهشام بن عروة والأعمش وهارون بن سليمان الفراء والثوري والحسن بن صالح والأوزاعي وابن
جريج وغيرهم وروى عنه الامام البخاري وروى هو والباقون له بواسطة أحمد بن أبي شريح الرازي

٣٣٢
شرحا ألفية العراقي
بأخباره جائز فاذا دعى الى بدعته سقط الاحتجاج بأخباره وفي المسأله قول رابع
لم يحكه ابن الصلاح انه تقبل أخبارهم مطلقاً وإن كانوا كفاراً أو فساقا بالتأويل
حكاه الخطيب عن جماعة من أهل النقل والمتكلمين وقولي وراءه الا عدلا أي
ابن الصلاح وهي جملة معترضة بين المبتدأ والخبر وفي الصحيحين كثير من
أحاديث المبتدعة غير الدعاة احتجاجاً واستشهاداً كعمران بن حطان وداود بن
الحصين وغيرهما وفي تاريخ نيسابور للحاكم في ترجمة محمد بن يعقوب بن
الأخرم ان كتاب مسلم ملئان من الشيعة وقولي والخلف في مبتدع ما كفرا احتراز
عن المبتدع الذي يكفر ببدعته كالمجسمة ان قلنا بتكفيرهم على الخلاف فيه فان
ابن الصلاح لم يحك فيه خلافا وحكاه الأصوليون فذهب القاضي أبو بكر الى
رد روايته مطلقاً كالكافر المخالف والمسلم الفاسق ونقله السيف الأمدي عن
الأكثرين وبه جزم أبو عمرو بن الحاجب وقال صاحب المحصول الحق انه ان
اما من كفر ببدعته كمنكري علمه تعالى بالمعدوم وبالجزئيات فلا يقبل
على خلاف فيه وقال صاحب المحصول الحق انه ان اعتقد حرمة الكذب قبلنا
روايته والا فلا وقال شيخنا التحقيق انه لا يرد كل مكفر ببدعته لان كل طائفة
تدعي ان مخالفيها مبتدعة وقد تبالغ بتكفيرها فلو أخذ ذلك على الاطلاق
لاستلزم تكفير جميع الطوائف فالمعتمد ان الذي ترد روايته من انكر امراً متواتراً
من الشرع معلوماً من الدين بالضرورة ثم بين الناظم حكم توبة الكاذب في
وروى عنه أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن يحيى الذهلي وابراهيم بن دينار البغدادي وجماعة قال الميموني
ذكر عبيد الله بن موسى فرأيته كالمنكر له وقال كان صاحب تخليط وحدث بأحاديث سوء وقد وثقه جماعة لا
يستهان بهم مثل ابن معين وإبن أبي خيثمة قال ابن سعد قرأ على عيسى بن عمر وعلى علي بن صالح وكان
ثقة صدوقا ان شاء الله تعالى كثير الحديث حسن الهيئة وكان يتشيع ويروي أحاديث في التشيع منكرة
وضعف بذلك عند كثير من الناس وكان صاحب قرآن وذكره ابن حبان في الثقات توفي سنة ٢١٤ .

٣٣٣
شرحا ألفية العراقي
اعتقد حرمة الكذب قلنا روايته والا فلا لأن اعتقاد حرمة الكذب تمنعه منه والله
أعلم .
بأن من لكذب تعمدا
وللحميدي والامام أحمدا
وان يتب والصيرفي مثله
اي في الحديث لم نعد نقبله
ضعف نقلا لم يقو بعد آن
واطلق الكذب وزاد أن من
أبو المظفر يرى في الجاني
ولیس کالشاهد والسمعاني
له من الحديث قد تقدما
بكذب في خبر اسقاط ما
من تعمد كذباً في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فانه لا تقبل
روايته أبدا وان تاب وحسنت توبته كما قاله غير واحد من أهل العلم منهم أحمد
ابن حنبل وأبو بكر الحميدي أما الكذب في حديث الناس وغيره من أسباب
الحديث فقال (وللحميدي)(١) بالاسكان لما مر شيخ البخاري أبي بكر عبد الله
ابن الزبير (والامام أحمداً) وغيرهما (بان من كذب تعمداً أي في الحديث )
النبوي ( لم نعد نقبله ) في شيء ( وان يتب ) وتحسن توبته تغليظاً عليه لما ينشأ
عن فعله من المفسدة العظيمة وهي تصيير ذلك شرعاً وخرج بمتعمد الكذب فيما
ذكر المخطىء ومتعمد الكذب في حديث الناس فانا نقبلهما اذا رجعا ( و )
للامام أبي بكر ( الصيرفي ) شارح الرسالة ( مثله ) أي مثل ما نقل عن الامام
(١ ) الحميدة شيخ البخاري : عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن أسامة أبو بكر
الأسدي الحميدي المكي روى عن ابن عيينة وإبراهيم بن سعد ومحمد بن إديس الشافعي والوليد بن مسلم
ووكيع ومروان بن معاوية وعبد العزيز بن أبي حازم وجماعة وروى عنه الامام البخاري وروی له مسلم
وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في التفسير بواسطة سلمة بن شبيب وجماعة قال أحمد الحميدي
عندنا إمام وقال أبو حاتم هو أثبت الناس في ابن عيينة وهو رئيس أصحابه وهو ثقة إمام قال ابن سعد مات
بمكة سنة ٢١٩ قال الحاكم في مدحه محمد بن اسماعيل اذا وجد الحديث عنه لا يخرجه عن غيره من الثقة به
روى عنه البخاري ٧٥ حديثا .

٣٣٤
شرحا ألفية العراقي
الفسق فانه تقبل رواية التائب منه قال ابن الصلاح وأطلق الامام أبو بكر
الصيرفي الشافعي فيما وجدت له في شرحه لرسالة الشافعي فقال كل من أسقطنا
خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله بتوبة تظهر ومن ضعفنا
نقله لم نجعله قوياً بعد ذلك وذكر ان ذلك مما افترقت فيه الرواية والشهادة قلت
الظاهر انه إنما أراد الكذب في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لا مطلقا بدليل
قوله من أهل النقل أي للحديث ويدل على ذلك انه قيد ذلك بالمحدث فيما رأيته
في كتاب الدلائل والاعلام فقال وليس يطعن على المحدث الا أن يقول عمدت
الكذب فهو كاذب في الأول ولا نقبل خبره بعد ذلك انتهى وقولي والصير في هو
مجر ور معطوف على قوله وللحميدي وقوله بعد أن أي بعد أن ضعف فحذف
لدلالة ضعف المتقدمة عليه وذكر أبو المظفر السمعاني ان من كذب في خبر
واحد وجب اسقاط ما تقدم من حديثه .
أحمد والحميدي ( و ) لكن ( اطلق الكذب ) بكسر الكاف وسكون الذال في
لغة ولم يقيده بالحديث النبوي حيث قال كل من أسقطنا خبره من أهل النقل
لكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله لتوبة تظهر لكن قال الناظم الظاهر ان التقييد
به مراد له بقرينة قوله من أهل النقل أي الحديث ( وزاد ) الصيرفي عليهما ( ان
من ضعف نقلاً ) أي من جهة نقله كوهم وقلة اتقان ( لم يقو بعد ان ) حكم
بضعفه أي وان رجع الى التحري والاتقان على ما اقتضاه كلامه لكن حمله
الذهبي على من يموت على ضعفه وفيه بعد لان الصيرفي قال ( وليس ) الراوي
في ذلك ( كالشاهد ) فان شهادته تقبل بعد توبته بخلاف رواية الراوي كما
تقرر لان الحديث حجة لازمة لجميع المكلفين وفي جميع الامصار فكان حكمه
اغلظ مبالغة في الزجر عن الرواية له بلا اتقان وعن الكذب فیه عملاً بقوله صلى
الله عليه وسلم ان كذبا علي ليس ككذب على أحد ( و ) الامام ( السمعاني أبو
المظفر يرى في ) الراوي ( الجاني بكذب في خبر ) نبوي ( اسقاط ما له من

٣٣٥
شرحا ألفية العراقي
قال ابن الصلاح وهذا يضاهي من حيث المعنى ما ذكره الصيرفي .
فقد تعارضا ولكن كذبه
ومن روى عن ثقة فكذبه
کذبه الآخر وأردد ما جحد
لا تثبتن بقول شيخه فقد
ما يقتضي نسيانه فقد رأوا
وان يرده بلا اذكر او
وحكى الاسقاط عن بعضهم
الحكم للذاكر عند المعظم
نسيه سهيل الذي أخذ
كقصة الشاهد واليمين اذ
عن نفسه يرويه لن يضيعه
عنه فكان بعد عن ربيعة
يروي عن الحي لخوف التهم
والشافعينهى ابن عبدالحكم
الحديث ) أي ما ( قد تقدما ) له من الحديث قال ابن الصلاح وما ذكره
السمعاني يضاهي من حيث المعنى ما ذكره الصيرفي أي لكون رد حديثه
المستقبل انما هو لاحتمال كذبه وذلك جار في حديثه عند ابن السمعاني في
المستقبل هذا وقد قال النووي في شرح مسلم وغيره وما ذكره هؤلاء الايمة
ضعيف مخالف للقواعد والمختار القطع بصحة توبته في هذا أي في الكذب في
الحديث وقبول رواياته بعدها وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافراً فاسلم
قال وأجمعوا على قبول شهادته ولا فرق بين الشهادة والرواية في هذا وما قاله .
كنت ملت اليه ثم ظهر لي ان الاوجه ما قاله الأئمة لما مر ويؤيده قول أئمتنا
ان الزاني اذا تاب لا يعود محصناً ولا يحد قاذفه واما اجماعهم على صحة رواية
من كان كافراً فاسلم فلنص القرآن على غفران ما سلف والفرق بين الرواية
والشهادة ان الرواية الكذب فيها اغلظ منه في الشهادة لان متعلقها لازم لكل
المکلفین وفي کل الاعصار کما مر مع خبر ان کذبا علي لیس ککذب على أحد ثم
بين الناظم انكار الاصل تحديث الفرع عنه فقال ( ومن روى ) من الثقات

٣٣٦
شرحا ألفية العراقي
اذا روى ثقة عن ثقة حديثا فكذبه المروي عنه صريحا كقوله كذب علي أو
بنفي جازم كقوله ما رأيت هذا له فقد تعارض قولهما فيرد ما جحده الأصل لأن
الراوي عنه فرعه ولكن لا يثبت كذب الفرع بتكذيب الأصل له في غير هذا
الذي نفاه بحيث يكون ذلك جرحاً للفرع لأنه ايضا مكذب لشيخه في نفيه
لذلك وليس قبول جرح كل منهما بأولى من الآخر فتساقطا وقولي في آخر البيت
کذبه مفعول مقدم لقولي لا تثبتن وقولي واردد ما جحد اي اردده من حيث
الفرع اذا نفى الأصل تحديثه للفرع به خاصة ولا ترده من حيث الأصل نفسه اذا
حدث به كما صرح به القاضي أبو بكر فيما حكاه الخطيب عنه وكذا اذا حدث به
فرع آخر ثقة عنه ولم يكذبه الأصل فهو مقبول وهذا واضح أما اذ لم يكذبه
الأصل صريحاً ولكن قال لا أذكره أو لا أعرفه ونحو ذلك مما يقتضي جوازاً ان
یکون نسيه فذلك لا يقتضي رد رواية الفرع عنه ومع ذلك فقد اختلف فيه هل
( عن ) شيخ ( ثقة ) حديثاً (فكذبه ) صريحاً كقوله كذب علي ( فقد
تعارضا ) في قولهما كالبينتين اذا تكاذبتا اذ الشيخ قطع بكذب الراوي والراوي
قطع بالنقل عنه ( ولكن كذبه ) أي الراوي ( لاتثبتن ) أنت ( بقول شيخه )
هذا بحيث يكون جرحاً له ( فقد كذبه الآخر ) ايضاً فانه يقول بل سمعته منه
وليس قبول جرح احدهما باولى من الآخر بخلاف شهادة الفرع فان تكذيب
الاصل له جرح له في تلك الشهادة وفرق بغلظ باب الشهادة وضيقه ( واردد )
أنت اذا تعارضا ( ما جحد ) الشيخ لكذب واحد منهما لا بعينه لكن لوحدث
به الشيخ او ثقة غير الاول عنه ولم يكذبه قبل اما اذا لم يصرح بتكذيبه فان
جزم بالرد كقوله ما رویت هذا او ما حدثت به او لم أحدثه به فحكمه كذلك
كما قاله ابن الصلاح تبعاً لغيره وجزم به الناظم في شرحه وكذا شيخنا في شرح
النخبة لكنه نقل في شرح البخاري عن جمهور المحدثین قبوله حملاً لما قاله على
النسيان ( وان يرده ) بقوله ( لا اذكر ) هذا ولا اعرف اني حدثته به ( او )

٣٣٧
شرحا ألفية العراقي
يكون الحكم للفرع الذاكر أو للأصل الناسي فذهب جمهور أهل الحديث
وجمهور الفقهاء والمتكلمين الى قبول ذلك ان نسيان الأصل لا يسقط العمل بما
نسيه قال ابن الصلاح وهو الصحيح وذهب بعض أصحاب أبي حنيفة الى
اسقاطه بذلك وحكاه ابن الصباغ في العدة عن أصحاب أبي حنيفة مثاله
حديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من رواية ربيعة بن أبي عبد الرحمن
عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم
نحوهما من ( ما يقتضي ) يعني يحتمل ( نسيانه ) كلا اعرف انه من حدثني
( فقد رووا ) أي جمهور المحدثين ( الحكم للذاكر ) وهو الراوي عنه كما هو
( عند المعظم ) من الفقهاء والمتكلمين وصححه جماعات منهم ابن الصلاح
لان الراوي مثبت والشيخ ناف ولانه ثقة جازم فلا ترد روايته بالاحتمال لان
الشيخ غير جازم بالنفي لاحتمال نسيانه وعبارة الناظم تشمل ظني الاصل
والفرع فيقدم الراوي وهو الاشبه في المحصول لكن يشكل بتقديم الشيخ في
جزميهما وعلى ما اخترته في شرح لب الاصول من تقديم الراوي في المسئلتين
تقديماً للمثبت على النافي لا اشكال (وحكى الاسقاط) في المروي اي عدم قبوله
بذلك ( عن بعضهم ) بكسر الميم وهم قوم من الحنفية لان الراوي فرع الشيخ
فهو متابع له فاذا انتفت روايته انتفت رواية فرعه كشهادة فرعه وردبان شهادة
الفرع لا تسمع مع القدرة على شهادة الاصل بخلاف الرواية ومثل لذلك بقوله
(كقصة) حديث (الشاهد واليمين) المروي بلفظ ان النبي صلى الله عليه وسلم
قضى باليمين مع الشاهد (اذ نسيه سهيل) هو ابن صالح ( الذي أخذ ) بالبناء
للمفعول أي روى الحديث ( عنه ) عن أبيه عن أبي هريرة ( فكان ) سهيل
( بعد عن ربيعة ) بن أبي عبد الرحمن(١) (عن نفسه يرويه ) فيقول اخبرني
ربيعة وهو عندي ثقة اننى حدثته اياه ولا أحفظه .
(١) ربيعة بن أبي عبدالرحمن: هو المعروف بربيعة الرأي يكنى أبا عثمان المدني روى عن أنس =

٣٣٨
شرحا ألفية العراقي
قضى اليمين مع الشاهد زاد أبو داود في رواية ابن عبد العزيز الدراوردي قال
فذكرت ذلك لسهيل فقال أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة اني حدثته إياه ولا
أحفظه قال عبد العزيز وقد كانت أصابت سهيلا علة أذهبت بعض عقله ونسي
بعض حدیثه فکان سهیل بعد يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه ور واه أبو داود ايضا
من رواية سليمان بن بلال عن ربيعة قال سليمان فلقيت سهيلاً فسألته عن هذا
الحديث فقال لا أعرفه فقلت له إن ربيعة أخبرني به عنك قال فان كان ربيعة
أخبرك عني فحدث به عن ربيعة عني .
قال عبد العزيز الدراوردي(١) وقد كان أصابت سهيلاً علة اذهبت بعض
عقله ونسي بعض حديثه فكان يحدث به عمن سمعه منه وفائدته له الاعلام
بالمروي وكونه (لن يضيعه) من أضاع اذ بتركه لروايته يضيع وقد جمع جماعة من
والسائب بن يزيد ومحمد بن يحيى وابن المسيب وابن أبي ليلى والأعرج ومكحول وجماعة وروى عنه
يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك وشعبة والسفيانان وحماد بن سلمة والليث والدراوردي وغيرهم وثقه
جماعة من أهل الجرح والتعديل كان مفتيا بالمدينة وكان يجلس اليه وجوه الناس وكان يحصى في مجلسه
أربعون معتما أدرك بعض الصحابة وأكابر التابعين قال الليث عن عبيد الله بن عمر هو صاحب معضلاتنا
واعلمنا وافضلنا توفي سنة ١٣٦ .
(١) عبد العزيز بن محمد الدراوردي: ابو محمد المدني مولى جهينة قال ابن سعد دراورد قرية
بخراسان روى عن زيد بن أسلم وشريك بن عبيد الله ويحيى بن سعيد الأنصاري وهشام بن عروة وحمید
الطويل وجعفر الصادق وربيعة وغيرهم وروى عنه شعبة والثوري وهما أكبر منه وابن اسحاق وهو من
شيوخه والشافعي وابن مهدي وابن وهب ووکیع وداودبن عبد الله الجعفري والحميدي وغیرهم قال مصعب.
الزبيري كان مالك يوثق الدراوردي وقال أحمد بن حنبل كان معروفاً بالطلب واذا حدث من كتابه فهو
صحيح واذا حدث من كتب الناس وهم وكان يقرأ من كتبهم فيخطي قال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث
يغلط ولد بالمدينة ونشأ بها وسمع بها العلم والأحاديث ولم يزل بها حتى توفي سنة ١٨٧.

٣٣٩
شرحا ألفية العراقي
وقد مثل ابن الصلاح بحديث آخر تركت التمثيل به لما سأذكره وهو
حديث رواه الثلاثة المذكورون من رواية سليمان بن موسى عن الزهري عن
عروة عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً اذا نكحت المرأة بغير إذن وليها فنكاحها
باطل فذكر الترمذي ان بعض أهل الحديث ضعفه من أجل ان ابن جريج
قال ثم لقيت الزهري فسألته فانكره وانما تركت التمثيل بهذا المثال لعدم صحة
انكار الزهري له فقد ذكر الترمذي بعده عن ابن معين انه لم يذكر هذا الحرف
علی ابن جریج الا اسماعيل بن إبراهيم قال وسماعه عن ابن جريج ليس بذلك
انما صحح كتبه على كتب عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواذ ما سمع من
ابن جريج وضعف يحيى رواية إسماعيل بن ابراهيم عن ابن جريج وقد جمع
غير واحد من الأيمة أخبار من حدث ونسي منهم الدارقطني والخطيب قال
الخطيب في الكفاية ولأجل ان النسيان غير مأمون على الانسان فيبادر الى جحود
ما روى عنه وتكذيب الراوي له كره من كره من العلماء التحديث عن الأحياء
ثم روى عن الشعبي انه قال لابن عون لا تحدث عن الأحياء وعن معمر انه قال
لعبد الرزاق ان قدرت الا تحدث عن رجل حي فافعل وعن الشافعي انه قال
لابن عبد الحكم إياك والرواية عن الأحياء وفي رواية البيهقي في المدخل لا
تحدث عن حي فان الحي لا يومن عليه النسيان قاله له حين روى عن الشافعي
حكاية فأنكرها ثم ذكرها .
الايمة اخبار من حدث ونسي منهم الدارقطني والخطيب قال ولاجل ان النسيان
غیر مأمون على الانسان فیبادر الى جحود ما روي عنه وتکذیب الراوي له كره
من كره من العلماء التحديث عن الاحياء ( والشافعي ) بالاسكان لما مر قد
( نهى ابن عبد الحكم ) محمد بن عبد الله حين روى عنه حكاية فانكرها ثم
ذكرها على انه ( يروي عن الحي لخوف التهم ) بتقدير انكار الشيخ وظاهره ان
محله اذا كان للمروي طريق آخر غير طريق الحي والا فلا كراهة اذ قد يموت

٣٤٠
شرحا ألفية العراقي
اسحاقوالراوزي وابن حنبل
ومن روی بأجرة لم يقبل
يخرم من مروءة الانسان
وهو شبيه أجرة القرآن
وغيره ترخصا فان نبذ
لكن أبو نعيم الفضل أخذ
أفتى به الشيخ أبو اسحاق
شغلا به الکسب أجز ارفاقا
اختلفوا في قبول رواية من أخذ على التحديث أجراً فذهب أحمد
واسحاق وأبو حاتم الرازي الى أنه لا يقبل ورخص في ذلك آخرون منهم أبو
نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري
الراوي قبل موت الشيخ فيضيع المروي ان لم يحدث به غيره ثم بين أخذ الاجرة
على التحديث فقال ( ومن روى ) الحديث ( باجرة ) أو نحوها كجعالة ( لم
يقبل ) روايته ( إسحاق ) بن إبراهيم المعروف بابن راهوية ( و ) أبو حاتم
( الرازي و ) الامام أحمد ( بن حنبل وهو ) أي المأخوذ على ذلك ( شبيه
أجرة ) معلم ( القرآن ) ونحوه في الجواز وعدمه الا ان العادة ثم جارية
بالاخذ من غير خرم مروءة والاخذ هنا ( يخرم ) أي ينقص ( من مروءة
الانسان ) الآخذ لذلك اذ قد شاع بين أهل الحديث رداءة ذلك وتنزیه العرض
عن النظر اليه ولاساءة الظن بفاعله ( لكن ) الحافظ ( أبو نعيم الفضل ) بن
دكين(١) شيخ البخاري ( أخذ ) عوضاً عن التحديث ( و) كذا أخذه
( ١ ) الفضل بن دكين: هو لقب واسمه عمرو بن حماد بن زهير التيمي مولى آل طلحة أبو نعيم
الكوفي الأحول روى عن الأعمش وسلمة بن وردان ويونس بن أبي اسحاق ومصعب بن سليم ويحيى
ابن أبي الهيثم العطار والمسعودي والثوري ومالك بن مغول ومالك بن أنس وابن أبي ذيب وجماعة وروى
عنه البخاري فأكثر وروى هو والباقون بواسطة يوسف بن موسى القطان ومحمد بن عبد الله بن نمير
وأبي خيثمة وغيرهم وروى عنه عبد الله بن المبارك ومات قبله وعثمان بن أبي شيبة ويحيى بن معين وأحمد