Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
- الجُزْءُ الثاني
(فاعن به) أمر من عنيت به عناية، من باب رمى: إذا اشتغلت به، والأكثر فيه عني
بالبناء للمفعول، قاله في ((المصباح)) بتغيير.
أي اجتهد أيها الطالب في معرفة غريب الحديث، حفظًا وتدبرًا، فإنه مهم، يقبح
جهله بأهل الحديث خاصة، ثم بأهل العلم عامة .
(ولا تخض) أي لا تدخل فيه، يقال: خاض في الأمر خوضًا: دخل فيه، قاله في
((المصباح)). (بالظن) أي متلبسًا به، فإنه أمر ليس بالهين، والخائض فيه حقيق بالتحري،
جدير بالتوقي .
وقد قال أحمد رحمه الله مع جلالته في العلم لما سئل عن حرف منه: اسالوا أصحاب
الغريب، فإني أكره أن أتكلم في قول رسول الله وَّ بالظن، فأخطئ، وقال شعبة في
لفظة: خذوها عن الأصمعي، فإنه أعلم بهذا مِنَّا.
(ولا تقلد) أي لا تتبع في معرفته أحدًا (غير أهل الفن) الماهرين به إن وجدتهم،
وإلا فكتبهم، لأن من لم يكن من أهله أخطأ في تصرفه، وإذا كان الأصمعي مع جلالته
يقول: أنا لا أفسر حديث رسول الله وَّل﴾، ولكن العرب تزعم أن السقب اللزيق،
= الإمام أحمد عن حرف من الغريب فقال: ((سلوا أصحاب الغريب، فإني أكره أن أتكلم في حديث رسول
الله ◌ِّم بالظن)). وأجود التفسير ما جاء في رواية أخرى أو عن الصحابي أو عن أحد الرواة الأئمة.
وأول من صنف فيه أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي المتوفي سنة ٢١٠ وقد قارب عمره ١٠٠ سنة، وأبو
الحسن النضر بن شميل المازني النحوي المتوفي أول سنة ٢٠٤ عن نحو ٨٠ سنة، والأصمعي - واسمه عبد
الملك بن قريب - المتوفى سنة ٢١٣ عن نحو ٨٨ سنة، وهؤلاء متعاصرون متقاربون، ويصعب الجزم بأيهم
صنف أولاً، والراجح أنه أبو عبيدة. ثم جاء الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة ٢٢٤ عن ٦٧ سنة
فجمع كتابه فيه، فصار هو القدوة في هذا الشأن، فإنه أفنى فيه عمره، حتى لقد قال: ((إني جمعت كتابي هذا
في أربعين سنة، وربما كنت أستفيد الفائدة من الأفواه فأضعها في موضعها، فكان خلاصة عمري». ثم كثر
بعد ذلك التأليف فيه، وانظر: كشف الظنون (ج ٢ ص ١٥٥ - ١٥٧) وانظر أيضًا: مقدمة النهاية لابن الأثير.
ومن أهم الكتب المؤلفة في هذا الشأن (الفائق) للزمخشري وهو مطبوع في حيدر آباد. والنهاية لأبي
السعادات مبارك بن أبي الكرم المعروف بابن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٠٦، وهو أوسع كتاب في هذا
وأجمعه، وقد طبع بمصر مرتين أو أكثر، ولخصه الناظم (السيوطي) وقال إنه زاد عليه أشياء، وملخصه
مطبوع بهامش النهاية .
ثم إن من أهم ما يلحق بهذا النوع البحث في المجازات التي جاءت في الأحاديث، إذ هي عن أفصح العرب
عِدَّم، ولا يتحقق في معناها إلا أئمة البلاغة. ومن خير ما ألف فيها كتاب (المجازات النبوية) تأليف الإمام
العالم الشاعر الشريف الرضي - محمد بن الحسين - المتوفى سنة ٤٠٦ رضي الله عنه، وهو مطبوع في
بغداد سنة ١٣٢٨ .

١٦٢
شَرِجُ الْفِيَّةُ السَُّوطِيّ -
فكيف بغيره ممن لا يعرف بالفن؟ أم كيف بما يرى من ذلك بهوامش الكتب مما يجهل
كاتبه؟ بل شرط بعضهم فيمن يقلد اطلاعه على أكثر استعمالات ألفاظ الشارع حقيقة
ومجازًا، فقال: ولا يجوز حمل الألفاظ الغريبة من الشارع على ما وجد في أصل كلام
العرب، بل لا بد من تتبع كلام الشارع والمعرفة بأنه ليس مراد الشارع من هذه الألفاظ
إلا ما في لغة العرب، وأما إذا وجد في كلام الشارع قرائن بأن مراده من هذه الألفاظ
معانٍ اخترعها هو فيحمل عليها، ولا يحمل على الموضوعات اللغوية كما هو في أكثر
الألفاظ الواردة في كلام الشارع. انتهى. وهذا هو المسمى عند الأصوليين بالحقيقة
الشرعية. قاله السخاوي(١).
(وخيره) مبتدأ، أي أحسن ما فسر به الغريب (ما) موصولة خبر المبتدأ، أي التفسير
الذي (جاء) أي ورد مبينًا (من طريق) أخرى، كالدخ بضم الدال، وحكي فتحها، الوارد
في القصة المشهورة لابن صياد، فإنه جاء مفسراً في رواية أخرى بأنه الدخان، ووهم من
فسره بالجماع.
(أو) جاء (عن الصحابي) راوي ذلك الحديث (أو) عن (راو) آخر غير الصحابي،
والواو بمعنى ((أو))، وقوله (قد حكوا) جملة مستأنفة، أي ذكر العلماء أن هذه الوجوه كلها
من خير ما فسر به الغريب .
(تتمة): الزيادات في هذا الباب: قوله: ((وابن الأثير الآن)) البيت ..... وقوله: ((او
عن الصحابي، وراو قد حكوا)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) فتح ج ٤ ص ٣١ .

-
الجُزْءُ الثّاني
١٦٣
المصحَّفُ وَالمَحَرَّف
٦٢٧ - وَالْعَسْكَرِيْ صَنَّفَ فِي التَّصْحیف
وَالدَّارَّقُطْنِيْ أَّمَا تَصْنِيف (*)
المصحف والمحرف
الواقعان في المشتبه من السند والمتن، أي هذا مبحثهما، وهما النوع السادس
والأربعون والسابع والأربعون، ولكونهما تحويل الكلمة من الهيئة المتعارفة إلى غيرها كانا
فيًّا مهمًا لا ينهض بأعبائهما إلا الحفاظ الحذاق، كالدار قطني، وأبي أحمد العسكري، كما
أشار إليه بقوله:
وَالدَّارَ قُطْنِيْ أَّمَا تَصْنيف
وَالْعَسْكَرِيْ صَنَّفَ في التَّصْحِيف
(والعسكري صنف) مبتدأ وخبر، أي ألف الإمام اللغوي الحجة أبو أحمد الحسن بن
عبد الله بن سعيد العسكري المولود في شوال سنة ٢٩٣ والمتوفى في ذي الحجة سنة
٣٨٢ هـ وقيل: في صفر سنة ٣٨٣ هـ. (في) فن (التصحيف) والتحريف وشرح ما يقع
فیه، وهو من أنفس الكتب، وأكثرها فائدة، کما قاله ابن شاكر .
وقال السخاوي: له عدة كتب أكبرها لسائر ما يقع فيه التصحيف من الأسماء،
والألفاظ غير مقتصر على الحديث، ثم أفرد منه كتابًا يتعلق بأهل الأدب، وهو ما يقع فيه
التصحيف من ألفاظ اللغة، والشعر، وأسماء الشعراء، والفرسان، وأخبار العرب وأيامها
ووقائعها وأماكنها، وأنسابها .
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: فن ((التصحيف والتحريف)) فن جليل عظيم، ولا يتقنه إلا الحفاظ
الحاذقون، وفيه حكم على كثير من العلماء بالخطإ، ولذلك كان من الخطر أن يقدم عليه من ليس له بأهل،
وقد حكى العلماء كثيرًا من الأخطاء التي وقعت للرواة في الأحاديث وغيرها. ولم نسمع بكتاب خاص
مؤلف في ذلك غير كتابين: أحدهما: للحافظ الدارقطني - علي بن عمر - المتوفى في ٨ ذي القعدة سنة
٣٨٥، وهذا الكتاب لم نسمع بوجود نسخ منه، وإنما ذكره ابن الصلاح والنووي وابن حجر والسيوطي، ولم
يذكره صاحب كشف الظنون، ولم أجده في تراجم الدارقطني التي رأيتها، ويظهر أن السيوطي رآه، لأنه نقل
منه في التدريب (ص ١٩٧).
الثاني: (التصحيف والتحريف وشرح ما يقع فيه) للإمام اللغوي الحجة أبي أحمد العسكري - الحسن بن عبد
الله بن سعيد - المتوفى في صفر سنة ٢٨٣ كما ذكر ذلك تلميذه الحافظ أبو نعيم في تاريخ إصبهان (ج ١ ص
٢٧٢) وهذا الكتاب موجود بدار الكتب المصرية في نسخة مكتوبة سنة ٦٢١ وأوراقها ١٥٦ ورقة، وقد طبع
نصفه بمصر في سنة ١٣٢٦، طبعًا غير جيد، وليتنا نوفق إلى إعادة طبعه كله طبعًا جيدًا متقنًا. وهو من أنفس
الكتب وأكثرها فائدة.
:

١٦٤
شَرْجُ الفِيَّةُ السَُّوظِيُّ -
٦٢٨ - فَمَا يُغَيَّرْ نُقْطُهُ ((مُصَحَّفُ)
أَوْ شَكْلُهُ لا أَحْرُفٌ ((مُحَرَّفُ))
ثم آخر فيما يختص بالمحدثين من ذلك غير متقيد بما وقع فيه التصحيف فقط، بل ذكر
فيه ما هو معرض لذلك، وفي بعض المحكي مما وقع لبعض المحدثين ما يكاد اللبيب
يضحك منه. اهـ (١).
(والدارقطني) عطف على الضمير في ((صنف)) هو الإمام الحافظ نسيج وحده، وقريع
دهره في صناعة الحديث، ومعرفة رجاله، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي
المتوفي سنة ٣٨٥ عن ٧٩ سنة، منسوب إلى ((دار قطن)) محلة ببغداد.
وقوله: (أيما تصنيف) بالنصب و ((ما)) زائدة صفة لمحذوف أي تصنيفًا كاملاً في بابه،
قال ابن هشام في ((المغني)) في أثناء تعداد معاني ((أيٍّ): ((والرابع أن تكون دالة على معنى
الكمال، فتقع صفة للنكرة، نحو: زيد رجل أي رجل، أي كامل في صفات الرجال،
وحالا للمعرفة، کمررت بعبد الله أي رجل». اهـ.
والمعنى: أنه صنف في هذا الفن كتابًا مفيدًا جدًّا، قال الناظم: أورد فيه كل تصحيف
وقع للعلماء حتى في القرآن، من ذلك: ما رواه عن عثمان بن أبي شيبة، قرأ على أصحابه
في التفسير: ((جعل السفينة في رحل أخيه))، فقيل له: إنما جعل السقاية، فقال: أنا وأخير
أبوبكر لا نقرأ لعاصم.
وقرأ أيضًا: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبِّكَ﴾ قالها: ألف لام ميم، يعني: كأول البقرة، قال
الذهبي: لعله سبق في لسانه، وإلا فقطعًا أنه يحفظ سورة الفيل.
وقرأ أيضًا: ((فضرب لهم بسنور له ناب)) ، فردوا عليه فقال: قراءة حمزة عندنا بدعة،
قال الذهبي : فكأنه كان صاحب دعابة، ولعله تاب وأناب.
ثم بين معنى التصحيف والتحريف، فقال:
فَمَا يُغَيَّرْ نُقْطُهُ((مُصَحَّفُ)
أَوْ شَكْلُهُ لا أَحْرُّفِ ((مُحَرَّفُ "
(فما) الفاء فصيحية، و((ما)) شرطية لجزم الفعل بعدها، مبتدأ (يغير) بالبناء للمفعول
(نقطه) نائب فاعله، وهو بضم ففتح جمع نقطة، كغرفة وغرف، إلا أنه خففه بتسكين
القاف للوزن، أَيْ أَيُّ حرف غيرت نقطة من نقطه (مصحف) خبر لمحذوف مع الرابط، أي
فهو مصحف بصيغة اسم المفعول.
(١) فتح ج ٤ ص ٥٦ .

١٦٥
الجزءالثاني
-
٦٢٩ - فَقَدْ يَكُونُ سَنَدًا وَمَثْنَا
وَسَامِعًا وَظَاهِرًا وَمَعْنَى (*)
(أو شكله) بالرفع عطف على ((نقطه))، أي أو غير شكله أي حركاته، يقال: شكلت
الكتاب شكلاً، من باب قتل: أعلمته بعلامات الإعراب، قاله في المصباح. (لا أحرف)
أي ليست الأحرف منه مغيرة (محرف) أي فهو محرف.
وحاصل معنى البيت: أن ما كان فيه تغيير حرف أو حروف بتغيير النقط مع بقاء صورة
الخط يسمى تصحيفًا، وما كان فيه ذلك في الشكل يسمى تحريفًا، وستأتي أمثلة كل
منهما، وهكذا قسمه الحافظ رحمه الله.
ثم ذكر أقسامه فقال:
فَقَدْ يَكُونُ سَنَدًا وَمَثْنَا وَسَامِعًا وَظَاهِرًا وَمَعْنَى
(فقد يكون) أي المذكور من التصحيف والتحريف (سندًا) أي فيه (ومتنا) أي فيه، (و)
يكون أيضًا (سامعًا) أي خطأ سمع سامع، وذلك بأن يكون الاسم واللقب، أو الاسم
واسم الأب على وزن اسم آخر ولقبه، أو اسم آخر واسم أبيه، والحروف مختلفة شكلاً
ونقطًا، فيشتبه على السامع، فيغيره (و) يكون أيضًا (ظاهرًا) يعني: لفظًا بدليل ما بعده (و)
يكون (معنى) أي من جهة المعنى، قال المحقق ابن شاكر: لكنه ليس من التصحيف على
الحقيقة، بل هو من باب الخطأ في الفهم.
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: قسم الحافظ ابن حجر هذا النوع إلى قسمين: فجعل ما كان فيه تغيير حرف
أو حروف بتغيير النقط مع بقاء صورة الخط تصحيفًا، وما كان فيه ذلك في الشكل: تحريفًا، وهو اصطلاح
جديد، وأما المتقدمون فإن عباراتهم يفهم منها أن الكل يسمى بالاسمين، وأن التصحيف مأخوذ من النقل عن
الصحف، وهو نفسه تحريف .
قال العسكري في أول كتابه (ص ٣): ((شرحت في كتابي هذا الألفاظ والأسماء المشكلة التي تتشابه في صورة
الخط، فيقع فيها التصحيف، ويدخلها التحريف)).
وقال أيضًا (ص ٩): ((فأما قولهم الصحفي والتصحيف، فقد قال الخليل: إن الصحفي الذي يروي الخطأ عن
قراءة الصحف، باشتباه الحروف. وقال غيره: أصل هذا أن قومًا كانوا أخذوا العلم عن الصحف من غير أن
يلقوا فيه العلماء، فكان يقع فيما يروونه التغيير، فيقال عنده: قد صحفوا، أي رووه عن الصحف وهم
مصحفون، والمصدر التصحيف)).
وهذا التصحيف والتحريف قد يكون في الإسناد أو في المتن من القراءة في الصحف، وقد يكون أيضًا من
السماع لاشتباه الكلمتين على السامع، وقد يكون أيضًا في المعنى، ولكنه ليس من التصحيف على الحقيقة،
بل هو من باب الخطأ في الفهم، والمثل ستأتي.

١٦٦
شَرْجُ الْفِيَّةُ السَّيُوطِىّ -
٦٣٠ - فَأَوَّلٌ: ((مُرَاجِمٌ)) صَحَّفَهُ
يَحْيَى ((مُزَاحِمًا)) فَمَا أَنْصَفَهُ (3)
٦٣١ - وَبَعْدَهُ: ((يُشَفِّقُونَ الْخُطَبَا))
صَحَّفَهُ وَكِيعُ قَالَ: ((الْحَطَبَا)) ( ** )
ثم ذكر أمثلة هذه الأقسام بالترتيب، فقال:
يَحْيَى ((مُزَاحِمًا)) فَمَا أَنْصَفَهُ
فَأَوَّلٌ : ((مُرَاجِمٌ)) صَحَّفَهُ
(فأول) الفاء فصيحية، أي: إذا أردت أمثلة هذه الأقسام، فأقول لك: أول منها، وهو
مبتدأ على حذف مضاف، أي مثال ((أول))، وهو التصحيف في السند (مراجم) بضم الميم
فراء فجيم والد العوام، وابنه هذا يروي عن أبي عثمان النهدي، وروى عنه شعبة .
(صحفه) أي: مراجما هذا (يحيى) بن معين بن عون الإمام الجليل، إمام الجرح
والتعديل، المتوفى سنة ٢٣٣ فجعله (مزاحمًا) بالزاي المعجمة، والحاء المهملة، وذلك في
حديث شعبة عن العوام بن مراجم، عن أبي عثمان النهدي، عن عثمان بن عفان رضي الله
عنه، قال: قال رسول اللـه ◌َله: ((لتؤدن الحقوق إلى أهلها)) الحديث.
(فما) نافية (أنصفه) أي: ما أعطاه حقه، يقال: أنصف الرجل صاحبه: أعطاه حقه،
أفاده في ((اللسان))، يعني: أن يحيى ما أعطى هذا الاسم ما يستحقه من الضبط .
ثم ذكر مثال الثاني بقوله :
وَبَعْدَهُ: ((يُشَقِّقُونَ الْخُطَبَا))
صَحَّفَهُ وَكِيِعُ (١) قَالَ: «الْحَطَبَا))
(وبعده) أي : بعد تصحيف السند، أو بعد مراجم، وهو خبر مقدم، وقوله: (يشققون
الخطبا) مبتدأ مؤخر محكي لقصد لفظه.
(صحفه وكيع) ابن الجراح الإمام الحافظ المتوفى سنة ١٩٦ هـ، يعني: أن هذا الكلام
يذكر بعدما تقدم مثالاً لتصحيف المتن، حال كونه صحفه وكيع (قال الحطبا) أي: حال
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: العوام بن مراجم - بالراء والجيم - القيسي، يروي عن أبي عثمان النهدي،
روى عن شعبة، صحف يحيى بن معين في اسم أبيه فقال مزاحم بالزاي والحاء المهملة.
( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: حديث روي عن معاوية قال: ((لعن رسول الله ◌ِلَّيلم الذين يشققون
الخطب تشقيق الشعر - صحفة وكيع فقال: ((الحطب)) بالحاء المهملة المفتوحة بدل الخاء المعجمة المضمومة.
ونقل ابن الصلاح: أن ابن شاهين صحف هذا الحرف مرة في جامع المنصور فقال بعض الملاحين: ((يا قوم
فكيف نعمل والحاجة ماسة؟!)).
(١) وكيع بمنع الصرف للوزن .

١٦٧
الجزءالثاني
-
٦٣٢ - وَثَالثُ: كَـ ((خَالِد بْنِ عَلْقَمَهْ))
شُعْبَةُ قَالَ: ((مَالكُ بْنُ عُرْفُطَهْ))(*)
كونه قائلاً فيه الحطب بدل الخطب، وهو حديث رُوي عن معاوية رضي الله عنه قال :
((لعن رسول الله وَ ل الذين يشققون الخطب تشقيق الشعر)) أي: الذين يتكلفون تحسينها
كما يتكلفون تحسين الشعر، فصحفه وكيع بالحاء المهملة المفتوحة بدل الخاء المعجمة
المضمومة .
ونقل ابن الصلاح أن ابن شاهين صحف هذا الحرف مرة في جامع المنصور فقال بعض
الملاحين: يا قوم فكيف نعمل والحاجة ماسة (١).
ثم ذكر مثال الثالث، فقال:
وَثَالثٌ: كَـ (خَالِدِ بْنِ عَلَقَمَهْ))
شُعْبَةُ قَالَ: ((مَالكُ بْنُ عُرْفُطَهْ))
و، و ء
(وثالث) أي مثال ثالث الأقسام، وهو التصحيف في السمع مبتدأ خبره (كخالد بن
علقمه، شعبة) ابن الحجاج مبتدأ، خبره جملة قوله قال فيه (مالك بن عرفطه) بالتصحيف،
والحديث في مسند الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن مالك بن
عرفطة، عن عبد خير، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله وَل: ((نهى عن الدباء
والمزفت)) قال أحمد: صحف شعبة فيه، فإنما هو خالد بن علقمة، وقد رواه زائدة بن
قدامة، وغيره على ما قاله أحمد، قاله ابن الصلاح(٢)، وذكر المحقق ابن شاكر ههنا
اعتراضًا فيه نظر، وكحديث عاصم الأحول رواه بعضهم، فقال: واصل الأحدب.
( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: هذا المثال فيه نظر كثير عندي. فإن خالد بن علقمة الهمداني الوادعي يروي
عن عبد خير عن علي في الوضوء، وروى عنه أبو حنيفة والثوري وشريك وغيرهم، وروى شعبة الحديث
نفسه عن مالك بن عرفطة عن عبد خير عن علي، فذهب النقاد إلى أنه أخطأ فيه، وأن صوابه خالد بن
علقمة. وقد يكون هذا، أي: أن شعبة أخطأ، ولكن كيف يكون تصحيف سماع وهذا الشيخ شيخ لشعبة
نفسه؟! فهل سمع اسم شيخه من غير الشيخ؟! ما أظن ذلك، فإن الراوي يسمع من الشيخ بعد أن يكون
عرف اسمه، وقد ینسی فیخطئ فيه .
والذي يظهر لي أنهما شيخان، روى شعبة عن أحدهما، وروى غيره عن الآخر.
والمثال الجيد لتصحيف السماع: اسم ((عاصم الأحول- رواه بعضهم فقال: ((عن واصل الأحدب)) قال ابن
الصلاح. (ص ٢٤٣): ((فذكر الدارقطني أنه من تصحف السمع، لا من تصحيف البصر)).
كأنه ذهب - والله أعلم - إلى أن ذلك مما لا يشتبه من حيث الكتابة، وإنما أخطأ فيه سمع من رواه)).
(١) علوم الحديث ص ١٤٢ .
(٢) علوم الحديث ص ١٤١ .

١٦٨
شَرْجُ الْفِيَّةُ السَّيُوطِيّ -
٦٣٣ - وَرَابِعٌ: مِثْلُ حَدِيثِ ((احْتَجَرَا))
صَحَّفَهُ بِالِيمِ بَعْضُ الْكُبَرَاَ (*)
٦٣٤ - وَخَامسٌ: مِثْلُ حَدِيثِ ((الْعَنَزَهْ))
( ** )°-
ظَنَّ الْقَبِيلَ عَالِمٌ مِنْ عَنَزَهُ
ثم ذكر مثال الرابع، فقال :
صَحَّفَهُ بِالمِيمِ بَعْضُ الْكُبَرَآَ
وَرَبِعٌ: مِثْلُ حَديث ((احْتَجَرَا))
(ورابع) أي: ورابع الأقسام، وهو التصحيف في اللفظ مبتدأ خبره قوله: (مثل حديث
احتجرا) بألف الإطلاق حال كونه (صحفه بالميم) بدل الراء (بعض الكبرا) فاعل ((صحف))،
وهو عبد الله بن لهيعة بن عقبة المصري، المتوفي سنة ١٧٤، وهو ما رواه ابن لهيعة، عن
كتاب موسى بن عقبة إليه بإسناده، عن زيد بن ثابت: ((أن رسول الله وسلم احتجم في
المسجد)) وإنما هو بالراء احتجر في المسجد بخُصِّ وحصير حجرة يصلي فيها)) (١)،
فصحفه ابن لهيعة لكونه أخذ من کتاب بغیر سماع، ذکر ذلك مسلم في ((کتاب التمییز)) له.
ثم ذكر مثال الخامس، فقال:
ظَنَّ الْقَبِيلَ عَالِمٌ مِنْ عَنَزَهْ
وَخَامِسٌ: مِثْلُ حَدِيثِ (الْعَنَزَه))
(وخامس) أي: وخامس الأقسام وهو التصحيف في المعنى وإعرابه كسابقه (مثل
حديث العنزه) في حديث: ((أن النبي ◌َّ صلى إلى العنزة)) والعنزة بفتحتين عصا أقصر من
الرمح، ولها زج من أسفلها، والمراد أنها كانت تغرز بين يديه إذا صلى في الفضاء لتستره.
(ظن القبيل) أي: توهم أن المراد بالعنزة في هذا الحديث القبيلة المشهورة (عالم)
(١) الحديث أخرجه بدون التصحيف الشيخان، وبالتصحيف أحمد في مسنده ج ٥ ص ١٨٥ .
( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: كتب في الأصل المقروء على المصنف تحت ((بعض الكبرا)). ((ابن لهيعة)).
فقد روى ابن لهيعة بإسناده عن زيد بن ثابت ((أن رسول الله عليكم احتجم في المسجد- وهذا تصحيف،
وإنما هو ((احتجر)) بالراء، أي اتخذ حجرة من حصير أو نحوه للصلاة.
( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: هو أبو موسى محمد بن المثنى العنزي الحافظ، من قبيلة ((عنزة)) بفتح العين
والنون، فقد جاء في الحديث (أن النبي ◌ِّ بَّه صلى إلى عنزة)) بفتح العين والنون أيضًا، وهي رمح صغير له
سنان، كان يغرز بين يدي النبي ◌ِّيّا إذا صلى في الفضاء ستره له. فاشتبه على ابن المثنى معنى الكلمة، فظنها
القبيلة التي هو منها فقال: ((نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة، قد صلى النبي ◌ِّم إلينا))! قال الناظم في
التدريب (ص ١٩٧): ((وأعجب من ذلك ما ذكره الحاكم عن أعرابي: أنه زعم أن النبي ◌ِّ صلى إلى شاة.
صحفها: عنزة بسكون النون، ثم رواها بالمعنى على وهمه، فأخطأ من وجهين. وهذا الذي استغربه الحافظ
السيوطي رحمه الله، قد وقع مثله منه، فيما استدركناه عليه سابقًا فإنه نقل حديثًا عن أبي شهاب - وهو
الحناط - فتصحف عليه وظنه ((ابن شهاب)) ثم نقله بالمعنى فقال: ((كحديث الزهري)).

-
الجزء الثاني
١٦٩
التنوين للتعظيم أي عالم جليل (من) قبيلة (عنزه)، وهو الحافظ الحجة أبو موسى محمد بن
المثنى أحد شيوخ الأئمة الستة المذكورين في قولي :
ذَوُو الأصُول السِّتَّةِ الْوُعَاةُ
اشْتَركَ الأَئمَّةُ الْهُدَاةُ
الحَافظينَ النَّاقَدَيَنِ الْبَرَرَهُ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ المَهَرَه
نَصْرِ(٣)، وَيَعْقُوبِ (٤) وَعَمَّرُوُ (٥) السَّري
أَوْلَئِكَ الأَشِّجُّ(١) وَأَبْنِ مَعْمَرٍ (٢)
ابْنُ المِثَنَّى(٨) وَزِيَادٌ(٩) يَحْتَذَّي
وَأَبْنُ الْعَلَاَءِ (٦)، وَأَبْنُ بَشَّارِ(٧) كَذَا
وحاصل معنى البيت: أن أبا موسى محمد بن المثنى العنزي المتوفى سنة ٢٥٢ توهم أن
العنزة في حديث: ((أن النبي ◌َ يصلى إلى عنزة)) (١٠) المراد بها القبيلة التي هو منها،
فقال: نحن قوم لنا شرف نحن من عنزة قد صلى النبي ◌َيّ إلينا.
وقال الناظم: وأعجب من ذلك ما ذكره الحاكم عن أعرابي زعم النبي ◌ّ صلى إلى
شاة. صحفها عنزة بسكون النون، ثم رواها بالمعنى على وهمه فأخطا من وجهين.
وقال ابن الصلاح: وكثير من التصحيف المنقول من الأكابر الجملة لهم فيه أعذار لم
ينقلها ناقلوها .
قال الإمام أحمد: ومن يعرى من الخطإ والتصحيف.
(تتمة): الظاهر أنه ليس في هذا الباب زيادة كما هو صنيع المحقق في نسخته والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) عبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج الكوفي المتوفى سنة ٢٥٧ هـ.
(٢) محمد بن معمر القيسي البصري المتوفى سنة ٢٥٠ هـ .
(٣) نصر بن علي الجهضمي البصري المتوفى سنة ٢٥٠ هـ .
(٤) يعقوب بن إبراهيم الدورقي المتوفى سنة ٢٥٢ هـ .
(٥) عمرو بن علي الفلاس المتوفى سنة ٢٤٩ هـ .
(٦) محمد بن العلاء أبو كريب الهمداني الكوفي المتوفى سنة ٢٤٨ هـ .
(٧) محمد بن بشار أبو بكر بندار البصري المتوفى سنة ٢٥٢ هـ .
(٨) محمد بن المثنى أبو موسى العنزي البصري المتوفى سنة ٢٥٢ هـ .
(٩) زياد بن يحيى الحساني العدني المكي المتوفى سنة ٢٥٤ هـ .
(١٠) الحديث متفق عليه .

١٧٠
شَرِجُ الْفِيَة الشَّيُوظِيّ -
الناسخ والمنسوخ
٦٣٥ - النَّسْخُ: (رَفْعٌ أَوْ بَيَانٌ ) وَالصَّوَابْ
فِي الْحَدِّ: رَفْعُ حُكْمٍ شَرْعِ بِخِطَابْ
الناسخ، والمنسوخ من الحديث
أي: هذا مبحثه وهو النوع الثامن والأربعون من أنواع علوم الحديث.
والنسخ لغة: يطلق على الإزالة، وعلى النقل، والتحويل واصطلاحًا: عرفه
بقوله :
النَّسْخُ: (رَفْعٌ أَوْ بَيَانٌ) وَالصَّوَابُ فِي الْحَدِّ: رَفْعُ حُكْمٍ شَرْعٍ بِخِطَابْ
(النسخ رفع) مبتدأ وخبر، أي رفع للحكم أي لتعلق الخطاب التنجيزي الحادث
المستفاد من إطلاق اللفظ، على معنى أن المزيل لحكم الأول هو الناسخ، إذ لولا وروده لا
يستمر، وهذا قول القاضي أبي بكر ومتابعيه (أو) لتنويع الخلاف (بيان) أي: قيل: النسخ
بيان لانتهاء أمد الحكم، وهذا قول الأستاذ أبي إسحاق ومتابعيه .
(والصواب) مبتدأ، أو خبر مقدم ، أي: القول الحق (في الحد) أي: في تعريف النسخ
متعلق بما قبله، وقوله: (رفع حكم شرع بخطاب) خبر، أو مبتدأ مؤخر، محكي لقصد
لفظه .
وحاصل المعنى: أن المختار في تعريف النسخ هو أنه رفع حكم شرعي بخطاب، أي:
رفع الشارع حكمًا منه متقدمًا بحكم منه متأخر، فالمراد برفع الحكم قطع تعلقه عن
المكلفين، واحترز به عن بيان المجمل، وبإضافته للشارع عن إخبار بعض من شاهد النسخ
من الصحابة، فإنه لا يكون نسخًا، وإن لم يحصل التكليف به لمن لم يبلغه قبل ذلك إلا
بإخباره، وبالحكم عن رفع الإباحة الأصلية، فإنه لا يسمى نسخًا، وبالمتقدم عن
التخصيص المتصل بالتكليف كالاستثناء ونحوه، وبقوله: بحكم منه متأخر عن رفع الحكم
بموت المكلف، أو زوال تكليفه بجنون ونحوه، وعن انتهائه بانتهاء الوقت، كقوله اعلاه :
((إنكم ملاقو العدو غدًا، والفطر أقوى لكم فأفطروا)) (١) فالصوم بعد ذلك اليوم ليس نسخًا.
ذكره في ((التدريب))(٢) .
(١) أخرجه مسلم مطولاً بلفظ: ((إنكم مصبحو عدوكم)). ج ٣ ص ١٤٤ .
(٢) ج ٢ ص ١٧٥ - ١٧٦ .

٠
الجُزءُ الثّاني
-
١٧١
(3
٦٣٦ - فَاعْنَ بِهِ فَإِنّهَ مَهم
(وَبَعْضُهُمْ أَتَاهُ فِيهِ الْوَهْمُ)
٦٣٧ - يُعْـرَفُ بالَّصِّ مِنَ الشَّارِعِ أَوْ
صَاحبه أَوْ عُرِفَ الْوَقْتُ، وَلَوْ
٦٣٨ - (صَحَّ حَدِيثٌ) وَعَلَى تَرْكَ الْعَمَلْ
أُجْمِعَ: فَالْوَفْقُ عَلَى النَّاسِخِ دَلّ (*)
فَاعْنَ بِهِ فَإِنّهُ مُهـمٌ
(وَبَعْضُهُمْ أَتَاهُ فِيهِ الْوَهْمُ)
ءِ
(فاعن) أمر من عنى بكذا يعني، من باب رمى: إذا شغل به، أو من عني بكذا مغير
الصيغة، أي اشتغل، واجتهد (به) أي بمعرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث (فإنه) أي هذا
النوع (مهم) فقد مر علي رضي الله عنه على قاصٌّ فقال: أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ فقال:
لا ، فقال: هلكت وأهلكت، وقال الزهري: أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ
الحدیث من منسوخه.
(وبعضهم) مبتدأ، أي: بعض من اعتنى بالتصنيف في هذا النوع وجملة قوله: (أتاه
فيه الوهم) خبر المبتدإ، أي: حصل له الخطأ فيه حيث أدخل فيه ما ليس منه لخفاء معنى .
النسخ وشرطه .
ثم ذكر ما يعرف به النسخ، فقال :
صَاحبه أَوْ عُرفَ الْوَقْتُ، وَلَوْ
يُعْرَفُ بِالنَّصِّ مِنَ الشَّارِعِ أَوْ
أُجْمِعَ: فَالْوَفَقُ عَلَى النَّاسِخِ دَلّ
(صَحَّ حَدِيثٌ) وَعَلَى تَرْكِ الْعَمَلْ
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث فن من أهم فنونه وأدقها وأصعبها.
قال الزهري: ((أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ الحديث من منسوخه)). والإمام الشافعي رضي الله عنه
كانت له يد طولى في هذا الفن، قال أحمد بن حنبل لابن وارة - وقد قدم من مصر - ((كتبت كتب
الشافعي؟)) قال: ((لا)). قال: ((فرطت! ما علمنا المجمل من المفسر، ولا ناسخ الحديث من منسوخه)): حتى
جالسنا الشافعي)). وقد ألف الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي المتوفى سنة ٥٨٤ كتابا نفيسًا في هذا
الفن، سماه (الاعتبار في بيان الناسخ والمنسوخ من الآثار) طبع في حيدر آباد وحلب ومصر.
ويعرف النسخ بأمور: منها: النص من رسول الله عِدَّم، كحديث: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها،
وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فكلوا ما بدا لكم» رواه مسلم عن بريدة. ومنها: قول الصحابي:
كحديث جابر: ((كان آخر الأمرين من رسول الله علي للم ترك الوضوء مما مست النار)). رواه أبو داود
والنسائي، وكحديث أبي بن كعب: ((كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام، ثم أمر بالغسل)) رواه أبو
داود والترمذي وصححه. ومنها: أن يعرف تاريخ الحديثين، فيكون المتأخر نساخًا للمتقدم، کحدیث شداد =

-
١٧٢
شَرْع الْفِيَةُ السَّيُوطِيّ .
(يعرف) بالبناء للمفعول، أي النسخ (بالنص) أي التصريح (من الشارع) أي النبي وَلّ
بذلك كقوله: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)» (١)، و «كنت نهيتكم عن لحوم
الأضاحي فوق ثلاثة فكلوا ما بدا لكم))(٢)، و ((كنت نهيتكم عن الظروف)) (٣) الحديث (أو)
قول (صاحبه) بأن هذا منسوخ، أو نحو، كقول جابر رضي الله عنه: ((كان آخر الأمرين
من رسول الله (لي ترك الوضوء مما مست النار)) (٤)
وشرط أهل الأصول في هذا أن يخبر بتأخره، فإن قال: هذا ناسخ، لم يثبت به النسخ،
لجواز أن يقوله عن اجتهاد، واعترض العراقي عليهم وصوب إطلاق أهل الحديث (٥).
(أو عرفت الوقت) أي: تاريخ ورود الحديثين، كحديث شداد بن أوس مرفوعًا:
((أفطر الحاجم والمحجوم)) (٦) ذكر الشافعي أنه منسوخ بحديث ابن عباس: ((أن النبى ◌َ لـ
ـلا
احتجم وهو محرم صائم)) (٧)، لأن ابن عباس إنما صحبه محرمًا في حجة الوداع سنة
عشر، وفي بعض طرق حديث شداد أن ذلك كان زمن الفتح سنة ثمان. ثم ذكر أن
الإجماع يدل على النسخ فقال:
(ولو صح حديث) باستيفاء شروط الصحة (و) لكن (على ترك العمل) متعلق بقوله:
(أجمع) بالبناء للمفعول، أي : أجمع العلماء على ترك العمل بذلك الحديث (فالوفق)
بالفتح مبتدأ، أي: اتفاقهم عليه (على الناسخ) متعلق بـ (دل) خبر المبتدإ، أي: أرشد على
= ابن أوس مرفوعًا: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) رواه أبو داود والنسائي، ذكر الشافعي أنه منسوخ بحديث ابن
عباس: ((أن النبي ◌ِّم احتجم وهو محرم صائم)) رواه مسلم، فإن ابن عباس إنما صحبه في حجة الوداع
سنة ١٠ وفي بعض طرق حديث شداد أنه كان زمن الفتح سنة ٨ .
وإذا صح حديث وثبت إجماع الفقهاء المجتهدين على ترك العمل به: دل ذلك على أنه منسوخ، أي دل
الإجماع على أن هناك نصًا آخر ناسخًا له لم يصل إلينا، لأن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ. وتفصيل هذا في
مباحث علم الأصول.
(١) أخرجه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي.
(٢) أخرجه مسلم، والترمذي .
(٣) أخرجه مسلم، والترمذي .
(٤) صحيح: أخرجه أبو داود، والنسائي.
(٥) شرح الألفية ص ٢٩٢ .
(٦) رواه أبو داود والنسائي، وابن ماجه .
(٧) أخرجه مسلم .

١٧٣
- الجُزْءُ الثاني
أن هذا الحديث له ناسخ، وإن لم نقف عليه، وإنما لم نقل إن الإجماع هو الناسخ؛ لأنه لا
ينسخ ولا ينسخ، بل يستدل له به على وجود خبر معه يقع به النسخ، إذ لا ينعقد إلا بعد
رسول الله ګ ولا نسخ بعده.
ومثاله حديث الترمذي عن جابر رضي الله عنه قال: ((حججنا مع النبي ◌َّ فكنا نلبي
عن النساء، ونرمي عن الصبيان)). قال الترمذي: أجمع أهل العلم أن المرأة لا يلبي عنها
غيرها .
وإنما قيد بقوله: ((صح)) أنه لا يحكم عليه بالنسخ إلا إذا عرفت صحته، وإلا فيحمل
على أنه غلط .
(تتمة): الزيادات في هذا الباب قوله: ((رفع أو بيان)). وقوله: ((وبعضهم أتاه فيه
الوهم)). وقوله: ((صح الحديث)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

١٧٤
شَرْجُ الفِيَّة الشَّيُوظِيّ -
مختلف الحديث
٦٣٩ - (أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ في الْمُخْتَلِف
الشَّافِعِي، فَكُنْ بِذَا النَّوْعِ حَفِيِ (*)
٦٤٠ - فَهْوَ مُهِمٌّ، وَجَمِيعُ الْفِرَقِ)
فِي الدِّينِ: تُضْطَرُّلَهُ فَحَقِّق
مختلف الحديث
أي: هذا مبحثه، وهو النوع التاسع والأربعون من أنواع علوم الحديث، أي: باب
معرفة مختلف الحدیث و حكمه.
(أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِي الْمُخْتَلف
الشَّافِعِي، فَكُنْ بِذَا النَّوْعِ حَفِي
فِي الدِّينِ : تُضْطَرُّلَهُ فَحَقِّق
فَهْوَ مُهِمٌّ، وَجَمِيعُ الْفِرَقِ)
(أول) مبتدأ أي: أسبق (من صنف) أي جمع (في المختلف) أي: النوع المسمى
بمختلف الحديث (الشافعي) خبر المبتدإ، ويحتمل العكس، أي: إن أسبق من جمع في
مختلف الحديث هو الإمام الحجة علم الأئمة ومقتدى الأمة محمد بن إدريس بن العباس
المتوفى سنة ٢٠٤ هـ عن ٥٤ سنة، فإنه رحمه الله صنف فيه كتاب اختلاف الحديث، لكنه
لم يقصد استيعابه، بل إنما ذكر جملة ينبه بها على طريق الجمع في ذلك، ثم صنف ابن
قتيبة فأتى فيه بأشياء حسنة وأشياء قصر باعه فيها، وكذا صنف أبو جعفر بن جرير
الطبري، وأبو جعفر الطحاوي في كتابه ((مشكل الآثار))، وهو من أجل كتبه، وكذا صنف
فيه أبو بكر بن فورك، وأبو محمد القصري(١) وابن حزم نحو عشرة آلاف ورقة، وبينه
وبين الناسخ والمنسوخ عموم وخصوص مطلق، فكل ناسخ ومنسوخ مختلف ولا عكس.
أفاده السخاوي(٢) .
(فكن) الفاء فصيحية، أي: إذا كان مختلف الحديث مما يعتنى به، فكن أيها المحدث
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: الحفي - بوزن غني -: العالم يتعلم باستقصاء، والملح في سؤاله والجمع
((حفواء» بوزن علماء. قاله في القاموس، ووقف عليه هنا كالوقف على المرفوع - مع أنه منصوب - على
لغة ربيعة .
(١) هو عبد الجليل بن موسى بن عبد الجليل الأوسي الأندلسي، المشهور بالقصري، أبو محمد، متكلم، مفسر،
صوفي، له مؤلفات . اهـ معجم المؤلفين ج ٥ ص ٨٤ .
(٢) فتح ج ٤ ص ٦٥، ٦٦ .

١٧٥
- الجُزءُ الثاني
٦٤١- وَإِنَّمَا يَصْلُحُ فِيهِ مَنْ كَمَلْ
فِقْهَا وَأَصْلاً وَحَديثًا وَأَعْتَمَلْ (*).
(بذا النوع) أي: مختلف الحديث (حفي) خبر ((كن))، وقف عليه على لغة ربيعة، أي:
مبالغًا في تحقيقه (فهو مهم) جملة تعليلية، أي: لأنه مهم (وجميع الفرق) جمع فرقة أي:
طوائف العلماء من المحدثين، والمفسرين، والفقهاء وغيرهم (في الدين) متعلق بقوله:
(تضطر له) أي: تحتاج إلى هذا الفن في معرفة أمور الدين (فحقق) أي: إذا كان الأمر
كذلك فينبغي لك أن تحقق معرفته وتغوص في أسراره.
ثم ذكر أن كل أحد لا يصلح لتحقيقه، بل له أهل يقدرون قدره، فقال:
فِقْهًا وَأَصْلاً وَحَدِيثًا وَاعْتَمَلْ
وَإِنَّمَا يَصْلُحُ فِيهِ مَنْ كَمَلْ
(وإنما يصلح) فيه لغات ثلاث صلح يصلح، من باب قعد، وصلح يصلح بالضم
فيهما، وصلح يصلح بالفتح فيهما: خلاف فسد (١) (فيه) أي للكلام على مختلف الحديث
(من) فاعل ((يصلح)) (كمل) من باب قرب، وضرب، وتعب، وهذه أردؤها(٢) (فقهًا
وأصلاً وحديثًا) منصوبات على التمييز، أي: من كان كاملاً في فن الفقه، والأصل،
والمراد أصول الدين، وأصول الفقه، والحديث (واعتمل) افتعال من العمل، أي: بالغ في
تحقيقها، وغاص في بحر معانيها الدقيقة، فإنه لا يشكل عليه من ذلك إلا النادر في بعض
الأحيان، ثم ذكر تعريفه، فقال:
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: قال النووي في التقريب: ((هذا فن من أهم الأنواع، ويضطر إلى معرفته
جميع العلماء من الطوائف، وهو: أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهرًا، فيوفق بينهما، أو يرجح
أحدهما. وإنما يكمل له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه والأصوليون الغواصون على المعاني وصنف فيه
الشافعي رحمه الله تعالى، ولم يقصد استيفاءه، بل ذكر جملة منه ينبه بها على طريقه)). وزعم الناظم في
الشرح أن الشافعي لم يقصد إفراده بالتأليف وإنما تكلم عليه في كتاب الأم.
ولكن هذا غير جيد، فإن الشافعي كتب في الأم كثيرًا من أبحاث اختلاف الحديث وألف فيه كتابًا خاصًّا بهذا
الاسم، وهو مطبوع بهامش الجزء السابع من الأم، وذكره محمد بن إسحاق النديم في كتاب (الفهرست)
ضمن مؤلفات الشافعي (ص ٢٩٥) وابن النديم من أقدم المؤرخين الذين ذكروا العلوم والمؤلفين، فإنه ألف
كتاب (الفهرست) حوالي سنة ٣٧٧، وقد ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمة الشافعي التي سماها (توالي
التأسيس بمعالي ابن إدريس) ضمن مؤلفاته التي سردها نقلاً عن البيهقي (ص ٧٨). والبيهقي من أعلم الناس
بالشافعي وكتبه، وذكره ابن حجر أيضًا في شرح النخبة.
(١) أفاده في المصباح ج ١ ص ٣٤٥ .
(٢) المصدر المذكور ج ٢ ص ٥٤١ .

١٧٦
شَرْع الْفِيَّةُ الشَّيُعطِىّ -
٦٤٢ - وَهْوَ: حَديثٌ قَدْ أَبَاهُ آخَرُ (*)
فَالْجَمْعُ إِنْ أَمْكَنَ لا يُنَافِرُ
٦٤٣ - كَمَتْنِ ((لا عَدْوَى)) وَمَنْنِ ((فِرَأَ )»
فَذَاكَ الطَّبْعِ، وَذَا لاسْتِقْرَاً
٦٤٤ - (وَقِيلَ: بَلْ سَدُّذَرِيعَةٍ ، وَمَنْ
يَقُولُ: مَخْصُوصٌ بِهَذَا: مَا وَهَنْ)
وَهْوَ : حَدِيثٌ قَدْ أَبَاهُ آخَرُ فَالْجَمْعُ إِنْ أَمْكَنَ لا يُنَافِرُ
(وهو) أي: مختلف الحديث (حديث قد أباه) أي : عارضه في الظاهر حديث (آخر)
مثله في القوة، وإلا فلا معارضة أصلاً، ثم إنه ينقسم إلى قسمين: أحدهما ما يمكن فيه
الجمع أشار إليه بقوله: (فالجمع) مبتدأ خبره جملة الشرط، أي: الجمع بين مدلولي
الحديثين المتعارضين ظاهرًا (إن أمكن) بوجه صحيح (لا ينافر) في نسخة الشارح بصيغة
المضارع، أي لا ينافي أحد الحديثين الآخر، وفي نسخة المحقق لا تنافر بصيغة المصدر،
و((لا)) عاملة عمل ((ليس)) وخبرها محذوف، أي: بينهما، وجواب ((إن)) محذوف، أي:
فهو متعين، وجملة ((لا تنافر)) علة للتعين، أي: لعدم التنافر.
وحاصل المعنى: أن الجمع بين الحديثين إن أمكن بوجه صحيح تعين المصير إليه لعدم
التنافر بينهما، ولا يصار إلى التعارض، ولا النسخ، بل يجب العمل بهما معًا.
ثم ذكر مثالاً لما يمكن فيه الجمع بقوله :
فَذَاكَ لِلطَّبْعِ، وَذَا لاسْتِقْراً
كَمَتْنِ ((لا عَدْوَى)) وَمَتْنِ ((فِرَّأَ ))
يَقُولُ: مَّخْصُوَصٌ بِهَذَا:مَّا وَهَنْ
وَقِيلَ : بَلْ سَدُّ ذَرِيعَةَ، وَمَّنْ
(كمتن «لا عدوى))) خبر ◌ُمحذوف أي: ذلك كمتن ((لا عدوى، ولا طيرة)»، فإنه يدل
على نفي الإِعداء مطلقًا، و((عدوى)) اسم من الإِعداء يقال: أعداه الداء إعداء، وهو أن
يصيبه مثل ما أصاب صاحب الداء.
(ومتن ((فرا))) بألف الإطلاق وهو حديث: ((فر من المجذوم فرارك من الأسد)) فإنه يدل
على إثبات الإِعداء، وكلاهما في ((الصحيح))، فقد سلك العلماء في وجه الجمع بينهما
مسالك أشار إلى الأول بقوله: (ف) ـقال بعضهم: (ذاك) أي الحديث الأول (للطبع) أي
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: هذا تعريف لمختلف الحديث، وقد سبق تعريفه في كلام النووي ومنه يفهم
ما هنا .

١٧٧
- الجُزْءُ الثّاني
نافٍ له، يعني: أن الأمراض لا تعدي بطبعها (وذا) أي الحديث الثاني (لاستقرا) أي كائن
لأجل التتبع، يقال: استقرأت الأشياء: تتبعت أفرادها لمعرفة أحوالها وخواصها. قاله في
((المصباح))، أي أن التتبع لما أجراه الله من العادة جعل مخالطة المريض بالصحيح سببًا
لإِعدائه مرضه.
والحاصل أن الحديث الأول نفي لما يعتقده أهل الجاهلية، وبعض الحكماء من أن هذه
الأمراض من الجذام والبرص تعدي بالطبع، ولهذا قال: ((فمن أعدى الأول؟)).
والحديث الثاني: بين أن الله تعالى جعل مخالطة المريض الصحيح سببًا لإِعدائه
مرضه، ثم قد يتخلف ذلك عن سببه كما في سائر الأسباب، فحذر من الضرر الذي يغلب
وجوده عند وجود سببه بفعله تعالى.
وهذا المسلك هو الذي سلكه ابن الصلاح. وأشار إلى الثاني بقوله: (وقيل: بل سد
ذريعة) أي: الأمر بالفرار من باب سد الذرائع، والذرائع جمع ذريعة: وهي الوسيلة، أي
منع الوسائل التي تؤدي إلى تعدي هذه الأمراض.
وحاصل هذا القول: أن نفي العدوى باقٍ على عمومه، وقد صح قوله ◌َّر: ((لا يعدي
شيء شيئًا)) وقوله من لقد لمن عارضه بأن البعير الأجرب يكون في الإبل الصحيحة فيخالطها
فتجرب، حيث رد عليه بقوله: ((فمن أعدى الأول؟)) وأما الأمر بالفرار من المجذوم فمن
باب سد الذرائع، لئلا يتفق للشخص الذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداء،
لا بالعدوى المنفية، فيظن أن ذلك بسبب مخالطته، فيعتقد صحة العدوى، فيقع في
الحرج، فأمر بتجنبه حسمًا للمادة.
وهذا المسلك سلكه جماعة، واختاره الحافظ في ((شرح النخبة)).
ثم أشار إلى الثالث بقوله:
(ومن) مبتدأ موصول (يقول) في الجمع بينهما (مخصوص) خبر لمحذوف، أي:
العدوى مخصوص (بهذا) أي الجذام (ما) نافية (وهن) من باب وعد: ضعف، أي: ما
ضعف قوله، والجملة خبر المبتدإ، وحاصله أن إثبات العدوى في الجذام ونحوه مخصوص
من عموم نفي العدوى، فيكون معنى قوله: ((لا عدوى)) أي : إلا في الجذام ونحوه، فكأنه
قال: لا یعدي شيء شيئًا إلا فيما تقدم تبيني له.

١٧٨
شِعُ الْفِيَّةُ الشَّيُوطِى
٦٤٥ - أَوْ لا: فَإِذْ يُعْلَمُ نَاسِخٌ قُفي (*)
أَوْ لا: فَرَجِّحْ، وَإِذَا يَخْفَى قف ( ** )
وهذا المسلك سلكه القاضي أبو بكر الباقلاني، وبقي رابع، وهو أن الأمر بالفرار
رعاية خاطر المجذوم، لأنه إذا رأى الصحیح تعظم مصيبته، وتزداد حسرته .
ويؤيده حديث: ((لا تديموا النظر إلى المجذومين))، فإنه محمول على هذا المعنى، وفيه
مسالك أخر. والمحقق ابن شاكر جعل الرابع أضعف الأقوال وقوى الأول، وهو الذي
يترجح عندي. والله أعلم.
والقسم الثاني: ما لا يمكن الجمع فیه وأشار إليه بقوله:
أَوْ لا: فَرَجِّحْ، وَإِذَا يَخْفَى قِفِ
أَوْ لا : فَإِذْ يُعْلَمُ نَاسِخٌ قُفِي
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أي: اتبع.
( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إذا تعارض حديثان ظاهرًا، فإن أمكن الجمع بينهما فلا يعدل عنه إلى غيره
بحال، ويجب العمل بهما معًا. وقد مثل له الناظم بحديث ((لاعدوى)) مع حديث ((فر من المجذوم فرارك من
الأسد)) وهما حديثان صحيحان. قال الناظم في التدريب (ص ١٩٨): ((قد سلك الناس في الجمع مسالك:
أحدها: أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها، لكن الله تعالى جعل مخالطة المريض للصحيح سببًا لإعدائه
مرضه، وقد يتخلف ذلك عن سببه، كما في غيره من الأسباب، وهذا المسلك هو الذي سلكه ابن الصلاح.
الثاني: أن نفي العدوى باقٍ على عمومه، والأمر بالفرار من باب سد الذرائع، لئلا يتفق للذي يخالطه شيء
بتقدير الله تعالى ابتداء، لا بالعدوى المنفية، فيظن أن ذلك بسبب مخالطته، فيعتقد صحة العدوى، فيقع في
الحرج، فأمر بتجنبه حسمًا للمادة، وهذا المسلك هو الذي اختاره شيخ الإسلام.
الثالث: أن إثبات العدوى في الجذام ونحوه، مخصوص من عموم نفي العدوى، فيكون معنى قوله: ((لا
عدوى)) أي: لا من الجذام ونحوه فكأنه قال: لا يعدي شيء إلا فيما تقدم تبييني له أنه يعدي، قاله القاضي
أبو بكر الباقلاني.
الرابع: أن الأمر بالفرار رعاية لخاطر المجذوم، لأنه إذا رأى الصحيح تعظم مصيبته، وتزداد حسرته، ويؤيده
حديث: ((لا تديموا النظر إلى المجذومين)) فإنه محمول على هذا المعنى. وفيه مسالك أخر)).
وأضعفها المسلك الرابع كما هو ظاهر، لأن الأمر بالفرار ظاهر في تنفير الصحيح من القرب من المجذوم.
فهو ينظر فيه لمصلحة الصحيح أولاً، مع قوة التشبيه بالفرار من الأسد، لأنه لا يفر الإنسان من الأسد رعاية
لخاطر الأسد أيضًا !!
وأقواها عندي المسلك الأول الذي اختاره ابن الصلاح، لأنه قد ثبت من العلوم الطبية الحديثة أن الأمراض
المعدية تنتقل بواسطة الميكروبات، ويحملها الهواء أو البصاق أو غير ذلك، على اختلاف أنواعها، وأن تأثيرها
في الصحيح إنما يكون تبعًا لقوته وضعفه بالنسبة لكل نوع من الأنواع، وأن كثيراً من الناس لديهم وقاية
خلقية تمنع قبولهم لبعض الأمراض المعينة، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال. فاختلاط الصحيح
بالمريض سبب لنقل المرض، وقد يختلف هذا السبب. كما قال ابن الصلاح رحمه الله.
وإذا كان الحديثان المتعارضان لا يمكن الجمع بينهما فإن علمنا أن أحدهما ناسخ للآخر أخذنا بالناسخ، وإن لم
يثبت النسخ أخذنا بالراجح منهما، وأوجه الترجيح كثيرة مذكورة في كتب الأصول وغيرها، وقد ذكر =

١٧٩
الجُزْءُ الثاني
-
٦٤٦ - وَغَيْرُ مَا عُورضَ فَهْوَ الْمُحْكَمُ
تَرْجَمَ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ الْحَاكِمُ (24)
(أو لا) يمكن الجمع بين مدلوليهما بوجه من الوجوه، فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن
يعلم ناسخه، وإليه أشار بقوله: (فإذ) بمعنى إذا (يعلم) بالبناء للمفعول (ناسخ) بطريقة من
الطرق المشروحة فيما تقدم (قفي) بالبناء للمفعول، أي تبع ذلك الناسخ فينسخ الآخر.
وإلى الثاني أشار بقوله: (أو لا) يعلم ناسخه، ولكن فيه مرجح من المرجحات (فرجح)
أيها المحدث، أي: اسلك مسلك الترجيح بصفات الرواة، وكثرتهم والمرجحات أكثر من
مائة، ولخصها الناظم في ((التدريب)) في سبعة أقسام فارجع إليه(١) .
وإلى الثالث أشار بقوله: (وإذا يخفى) وجه الترجيح (قف) أمر من وقف يقف،
يقال: وقفت عن الشيء أقف، من باب وعد: إذا أمسكت عنه، أي: أمسك عن العمل
بأحد الحديثين حتى يتبين لك أمره، وهذا أولى من التعبير بالتساقط لأن خفاء ترجيح
أحدهما عن الآخر إنما هو بالنسبة للمعتبر في الحالة الراهنة مع احتمال أن يظهر لغيره ما
خفي عليه، أو له فيما بعد.
ولما أنهى الكلام على ما ظاهره التعارض شرع يبين ما لا تعارض فيه أصلاً، فقال:
وَغَيْرُ مَا عُورِضَ فَهْوَ الْمُحْكَمُ تَرْجَمَ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ الْحَاكِمُ
(وغير ما عورض) أي: الحديث الذي خلا عن معارض، يعني : أنه لم يأت خبر
يضاده في المعنى ظاهرًا، فـ((غير)) مبتدأ، خبره جملة قوله : (فهو المحكم) ودخلت الفاء في
الخبر لما في المبتدإ من معنى العموم.
والمعنى: أن الحديث الذي سلم من معارض يسمى بالمحكم، وهو ما اتضح المراد منه
(ترجم) أي: عقد بابًا له (في علم الحديث) أي: في كتابه المسمى ((معرفة علوم الحديث))،
وغيره هنا للنظم (الحاكم) فاعل ترجم أي: بوّب له الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله
= الحازمي منها في الاعتبار (ص ٨ - ٢٢) خمسين وجهًا ونقلها العراقي في شرحه على ابن الصلاح، وزاد
عليها حتى أوصلها إلى مائة وعشرة (ص ٢٤٥ - ٢٥٠) ولخصها الناظم في التدريب (ص ١٩٨ - ٢٠٠).
وإذا لم يمكن ترجيح أحد الحديثين وجب التوقف فيهما.
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: جعل الحاكم من أنواع الحديث نوعًا سماه (المحكم) وهو ما سلم من
المعارضة، وتبعه على ذلك الحافظ ابن حجر. ومثل له الحاكم بأمثلة منها حديث: ((لا يقبل الله صلاة بغير
طهور، ولا صدقة من غلول)). وحديث ((لا شغار في الإسلام)). ونقل المؤلف عن الحاكم أنه قال: ((وقد صنف
فيه عثمان بن سعيد الدارمي كتابًا كبيرًا)».
(١) تدريب ج ٢ ص ١٨٢ - ١٨٦ .

١٨٠
شَرِجُ الْفِيُ الشَّيُوطِيّ _
٦٤٧ - وَمَنْهُ ذُو تَشَابُه لَمْ يُعْلَمِ
تَأْوِيلُهُ، فَلا تَكَلَّمْ تَسْلَمٍ
٦٤٨ - مثْلُ حَديث ((إنَّهُ يُغَانُ)
كَذَا حَديثُ (أُنْزِلَ الْقُرْآنُ)) (*))
المشهور بابن البيع الحاكم النيسابوري رحمه الله تعالى المتوفى سنة ٤٠٥ هـ في كتابه
المذكور، وعده نوعًا مستقلاً من جملة أنواع الحديث، وأمثلته كثيرة، منها: حديث: ((إن
أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله))(١)، وحديث: ((لا يقبل الله صلاة بغير
طهور، ولا صدقة من غلول))(٢)، وحديث: ((إذا وضع العَشاء، وأقيمت الصلاة فابدءوا
بالعشاء))(٣)، وحديث: ((لا شغار في الإسلام)) (٤) ، وقد صنف فيه عثمان بن سعيد الدارمي
كتابًا كبيرًاً.
ثم ذكر المتشابه، فقال:
تَأوِيلُهُ، فَلا تَكَلَّمْ تَسْلَمٍ
وَمَنْهُ ذُوْ تَشَابُهُ لَمْ يُعْلَمِ
كَذَا حَديثُ ((أُنْزِلَ الْقُرْآنُ))
مثْلُ حَديثِ (إِنَّهُ يُغَانُ)
(ومنه ذو تشابه) مبتدأ وخبر، أي بعض الحديث النبوي صاحب تشابه (لم يعلم تأويله)
صفة ((ذو))، أو حال منه، أي غير معلوم التأويل بأن لم يتبين المراد منه، كما أن من القرآن
( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: من الحديث - المتشابه - كمتشابه القرآن، وهو ما لا سبيل إلى معرفة
حقيقة المراد منه. وينبغي للورع أن يقف عن الكلام فيه خوف الزلل.
وقد مثل له المؤلف بحديث الأغر - بالغين والراء - المزني، وكانت له صحبة، أن رسول الله حق پثم قال:
((إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)). رواه مسلم (ج ٢ ص ٣١٢) ورواه أبو داود
وغيرهما. وقد سئل عنه الأصمعي فقال: ((لو كان قلب غير النبي ◌ِّم لتكلمت عليه، ولكن العرب تزعم
أن الغين: الغيم الرقيق».
وذكر المؤلف مثالاً آخر حديث ((أنزل القرآن على سبعة أحرف)» وقد تكلم عليه في الإتقان (ج ١ ص ٥٦ - ٦٢)
وذكر في معناه نحوًا من أربعين قولاً، أولها: أنه من المشكل الذي لا يدرى معناه، لأن الحرف يصدق لغة
على حرف الهجاء وعلى الكلمة وعلى المعنى وعلى الجهة .
قاله ابن سعدان النحوي. وهذا مثال لا نوافقه عليه. وليس هذا موضع تحقيقه وبيان الحق في معناه.
(١) متفق عليه.
(٢) أخرجه مسلم، والترمذي .
(٣) متفق عليه .
(٤) صحيح، أخرجه أحمد، وابن حبان، والبيهقي .