Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ الجُزءُ الثاني - ٥٥٢- وَمَنْ أَتَى حَدِّثْ وَلَوْ لَمْ تَنْصَلِحْ نَّتُهُ، فَإِنَّهَا سَوْفَ تَصِحّ ٥٥٣- (فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ كِبَار جلَّهُ: (أَبَى عَلَيْنَا الْعِلْمُ إِلَّ لِلَّه))) (ومن) شرطية (على الحديث) متعلق بـ ((يخف)) قدم ضرورة (تخليطًا) مفعول مقدم ضرورة أيضًا لـ (يخف) أي من يخش التخليط في حديثه؛ بأن يدخل عليه ما ليس منه (لهرم) متعلق بـ«يخف)، مصدر هرم، من باب تعب بمعنى: كبر، وضعف (أو لعمی والضعف): أي ضعف عقله (كف) جواب الشرط، أي امتنع عن التحديث. وحاصل معنى البيت: أن من خاف على حديثه التخليط، ورواية ما ليس من حديثه لسبب من الأسباب، كالهرم، ونحوه ترك التحديث، وذلك يختلف باختلاف الناس، وأما ضبط بعضهم له بثمانين فمحمول على الغالب، وإلا فمن كان ثابت العقل مجتمع الرأي فلا بأس بعدها . فقد حدث بعدها جماعة من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. ثم إن من أتى من الطلبة غير مخلص في الطلب لا ينبغي أن يمنع من الحديث؛ لأنه يجره إلى الإِخلاص، وإلى ذلك أشار بقوله: نَيَّتُهُ، فَإِنَّهَا سَوْفَ تَصِحّ وَمَنْ أَتَى حَدِّثْ وَلَوْ لَمْ تَنْصَلِحْ (أَبَى عَلَيْنَا الْعِلْمُ إِلاَّ لِلَّه))) (فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ كِبَار جلَّهُ: (ومن) موصولة مفعول مقدم لـ((حدث))، أو مبتدأ خبره ((حدث)) (أتى) إليك طالبًا للحديث (حدث، ولو) وصلية (لم تنصلح نيته) بعدم إخلاصه (فإنها) أي نية ذلك الطالب (سوف تصح) فيما بعد، فإن العلم يجره إلى الإخلاص (فقد روينا) أي نقلنا أيتها العلماء (عن) أئمة (كبار جلة) بالكسر، أي عظام سادة، ومقول القول جملة قوله: (أبى) أي امتنع (علينا العلم) أن يكون (إلا لله) بحذف مدة الجلالة بعد اللام الثانية للضرورة. وذكر الشارح أنه لغة، وما ذكر مستنده، ولا أظن صحته فتأمل. وحاصل معنى البيتين: أن من أتى إليك يطلب الحديث فحدثه، سواء كان صالح النية أم لا ، فإنه سيرزقه الله النية الصالحة فيما بعد، ولأنه قد تقدم أن التأهل وقت التحمل لا يشترط. فقد روي عن معمر، وحبيب بن أبي ثابت، والغزالي بألفاظ متقاربة طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله، وعن الحسن، والثوري: طلبنا العلم للدنيا، فجرنا إلى ١٠٢ شَرِجُ الْفِيَةُ السَّيُوطِى - ٥٥٤- وَلَلْحَديثِ الْغُسْلُ وَالتَّطَهُّرُ وَالطِّيبُ وَالسِّوَاكُ وَالتَّبَخُّرُ ٥٥٥- مُسَرِّحًا وَاجْلِسْ بِصَدْرِ بِأَدَبْ وَهَيْئَة (مُنَّكِئًا عَلَى رَتَبْ) ٥٥٦- وَلَا تَقُمْ لأَحَدِ وَمَنْ رَفَعْ صَوْنًا عَلَى الْحَدِيثِ فَازْبُرُهُ وَدَعْ (*) ٥٥٧- وَلَا تُحَدِّثْ قَائِمًا (أَوْ مُضْطَجِعْ) أَوْ فِي الطَّرِيقِ (أَوْ عَلَى حَالٍ) شَنِعْ ٥٥٨- وَأَفْتَتِحِ المَجْلِسَ كَالَّتْمِيمِ بالَحَمْدِ وَالصَّلاةِ وَالنَّسْلِيمِ ٥٥٩ - ( بَعْدَ قِرَاءَةٍ لآيٍ) وَدُّعَا وَلَيَكُ مُقْبِلاً عَلَيْهِمُ مَعَا ٥٦٠- وَرَتِّلِ الْحَدِيثَ وَاَعْقِدْ مَجْلسَا يَوْمًّا بِأُسْبُوعٍ لِلِمْلاَءِ اثْنِسَا الآخرة، وعن ابن عيينة: طلبنا الحديث لغير الله فأعقبنا الله ما ترون. وعن ابن المبارك: طلبنا العلم للدنيا، فدلنا على ترك الدنيا، إلى غير ذلك. ثم بین ما یستحب له إذا أراد حضور مجلس التحديث، فقال: وَالطِّيبُ وَالسِّوَاكُ وَالتَّبَخُرُ وَلَلْحَديثِ الْغُسْلُ وَالتَّطَهُّـرُ مُسَرَّحًا وَاَجْلِسْ بِصَدْرِ بِأَدَبْ وَهَيْئَة (مُشَّكَثًا عَلَى رَتَبْ) وَلا تَقُمْ لِأَحَدٍ وَمَّنْ رَفْعْ صَوْتًا عَلَى الْحَدِيثِ فَازْبُرُهُ وَدَعْ أَوْ فِي الطَِّيقِ (أَوَ عَلَى حَالِ) شَنِعْ وَلَا تُحَدِّثْ قَائمًا (أَوَ مُضْطَجِعْ) بِالْحَمْدَ وَالصَّلاةِ وَالتَّسْلِيمِ وَفْتَتِحِ الْمَجْلِسَ كَالنَّثْمِيمِ وَلَيَكُ مُقَبِلاً عَلَيَّهِمُ مَعَّا (بَعْدَ قِرَاءَةٍ لآي) وَدُعَا وَرَتِّلِ الحَديثَ (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: كان مالك رحمه الله إذا رفع أحد صوته في مجلس الحديث انتهره وزجره، ويقول قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ﴾ [الحجرات: ٢] فمن رفع صوته عند حديثه فكأنما رفع صوته فوق صوته. ٠ ١٠٣ - الجزء الثاني (وللحديث الغسل) مبتدأ وخبر، أي يستحب للمحدث أن يغتسل غسل الجنابة عند إرادة نشر الحديث (والتطهر) من عطف العام على الخاص؛ ليشمل الوضوء والتيمم (والطيب) أي استعماله في بدنه وثوبه، فقد قال أنس رضي الله عنه: ((كنا نعرف خروج رسول الله وَ ه بريح الطيب)) (١) (والسواك) يطلق على التسوك، وعلى الآلة، وعليه بقدر مضاف، أي استعماله (والتبخر) أي استعمال البخور في بدنك وثوبك، والبخور، وزان رسول: دخنة (٢) يتبخر بها. قاله في المصباح، وقوله: (مسرحًا) حال مقدم من فاعل اجلس، قدم على العاطف ضرورة، ويحتمل كونه حالاً من فاعل حدث وجملة وللحديث الغسل معترضة أي حدث حال كونك مسرحًا لحيتك، وكذا ممشطًا شعرك إن كان لك؛ لأنه مَله: ((كان يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته)) (٣) (واجلس) أيها المحدث إذا أردت التسميع لقوم (بصدر) أي صدر المجلس وهو كما في القاموس: أوله (بأدب) مع الطلبة بأن تحترمهم وتعتني بهم (وهيبة) بالباء أي إجلال للحديث، وفي نسخة ابن شاكر وهيئة بالهمزة، أي حالة حسنة (متكئًا) أي حال كونك متمكنًا في جلوسك، لأن الاتكاء يطلق على الجلوس متمكنًا وعلى الميل في القعود معتمداً على أحد الشقين. أفاده في المصباح، والمراد هنا الأول (على رتب) بفتحتين جمع رتبة كدرجة ودرج وهو ما أشرف من الأرض. قاله في ((ق)) و((التاج)) والجار والمجرور متعلق بـ(متكنًا))، أي متمكنًا على شيء مرتفع يخصك من منبر، أو غيره، فقد كان مالك رحمه الله يجلس على منصة، وعليه الخشوع (ولا تقم لأحد) كائنا من كان، فإنه قیل بكراهته. قلت: ولكن لا دليل عليه، ومسألة القيام للقادم طويلة الذيل كتبت فيها رسالة لكنها لم تطبع. (ومن) شرطية (رفع) من الحاضرين (صوتًا) له (على الحديث فازبره) جواب ((من))، أي امنعه عن ذلك، يقال: زبره يزبره، من بابي قتل، وضرب: منعه، ونهاه، وزجره، أفاده في ((ق)) (ودع) التحديث إن لم يترك ذلك، أو دع من رفع صوته يخرج من المجلس، فقد كان مالك يفعل ذلك، ويقول: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ (١) أخرجه الخطيب في جامعه، وابن سعد عن إبراهيم مرسلاً، وصححه الشيخ الألباني . انظر صحيح الجامع الصغير ج ٢ ص ٨٩١ . (٢) والدخنة، وزان غرفة: بخور كالذريرة، يدخن بها البيوت. اهـ. المصباح ج ١ ص ٢٠٤ . (٣) صحيح من حديث سهل بن سعد رضي الله عنهما. انظر صحيح الجامع ج ٢ ص ٣٥١ . ١٠٤ شَرْعُ الفِيَة السُّيُوظِىّ - فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ﴾ [الحجرات: ٢] فمن رفع صوته عند حديثه فكأنما رفع صوته فوق صوته. (ولا تحدث قائمًا) أي في حال قيامك (أو مضطجع) عطف على ما قبله منصوب، وقف عليه بالسكون على لغة ربيعة، أي في حال اضطجاعك، افتعال من الضجوع، وهو وضع الجنب على الأرض (أو في الطريق) يشمل المشي فيه والجلوس عليه (أو على حال شنع) أي قبيح، يقال: شنع، ككرم، فهو شنيع، وشنع بكسر النون، وأشنع: کریه. اهـ ((ق))، وقيل: قبيح. اهـ. تاج. والمراد الحالة التي تسوء خلقك، كالجوع، والشبع المفرطين، ونحوهما. وحاصل المعنى: أنه لا ينبغي لك أن تحدث على حالة تنافي تعظيم حديث رسول الله وَلّ من الأشياء المذكورة، فقد كره العلماء ذلك، فكان مالك يكره أن يحدث في الطريق، أو وهو قائم، أو وهو مستعجل، وقال: أحب أن أتفهم ما أحدث به عن رسول الله وكل﴾ . وسئل سعيد بن المسيب عن حديث وهو مضطجع في مرضه، فجلس وحدث به، فقيل له: وددت أنك لم تتعن، فقال: كرهت أن أحدث عن رسول الله صل﴾ وأنا مضطجع. وسئل ابن المبارك عن حديث وهو يمشي، فقال: ليس هذا من توقير العلم. (وافتتح) أيها المحدث (المجلس) أي مجلس التحديث (كالتتميم) أي مثل تتميمك له (بالحمد) لله تعالى. وأبلغ ما ورد في ذلك خطبة الحاجة، فعن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا: ((إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًاً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا﴾ إلى قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١] رواه أبوداود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، واللفظ لابن ماجه، وفي أخرى لأبي داود بعد قوله ورسوله: أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا یضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئا. قال الترمذي: حديث حسن. ١٠٥ الجزءالثاني - وإنما عدلت عما ذكره العلماء في هذا المحل؛ لأن اللائق بمن يشح بدينه، ويحرص على تحصيل مطلوبه، أن لا يعدل عما صح عن نبيه مَّل إلى غيره. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] (والصلاة) على رسول الله بَّ} (والتسليم) عليه خروجًا من الكراهة(١) في إفراد أحدهما من الآخر حسبما صرحت به الآية الكريمة. وأبلغ ما ورد في الصلاة عليه مسيّ الصلاة الإبراهيمية المتفق على إخراجها في الصحيحين، وغيرهما، وهي: ((اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)). ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته))، أو ((السلام على النبي ورحمة الله وبركاته)). (بعد القراءة) من قارئ حسن الصوت (لآي) جمع آية، وهي لغة العلامة، والآية من القرآن: كلام متصل إلى انقطاعه، قاله في ((ق))، وفي المصباح: الآية من القرآن: ما یحسن السکوت علیه. اهـ. سُمِّيت آية لأنها علامة لانقطاع كلام من كلام، ويقال: لأنها جماعة حروف من القرآن. اهـ. تاج. روى الحاكم في المستدرك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((كان أصحاب رسول الله وَّ إذا اجتمعوا تذاكروا العلم وقرؤوا سورة))(٢). (و) افتتح أيضًا بـ (دعا) بالقصر للوزن: أي بدعاء يليق بالحال، وليكن دعاؤك بالجوامع من الدعوات: وهي الدعوات المأثورة فكلها جوامع. فقد كان رسول الله ◌ُّي يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سواه. فمنها، حديث أنس بن مالك رضي الله عنه كان أكثر دعاء النبي ◌َّر: ((اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)) متفق عليه. (١) القول بكراهة الإفراد مما لا دليل عليه، وما استندوا إليه في ذلك ليس بقوي، وقد أشبعت الكلام في ذلك في الشرح الكبير، وفي شرح النسائي . (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ج ١ ص ٩٤ عن أبي سعيد قال: كان أصحاب رسول الله عِدَّم إذا جلسوا كان حديثهم يعني الفقه، إلا أن يقرأ رجل سورة، أو يأمر رجلاً بقراءة سورة - وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي . ١٠٦ شَرِجُ لُّدُ السَّيُوطِى . ومنها ما أخرجه الترمذي وحسنه، والحاكم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما كان رسول الله ◌َ لا يقوم من مجلس حتى يدعو بهذه الدعوات: ((اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا أبدًا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا )). ومنها ما أخرجه النسائي، والحاكم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي وسلم يقول: ((اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وارزقني علمًا ينفعني)). وزاد النسائي في رواية عن أبي هريرة: ((وزدني علماً والحمد لله على كل حال وأعوذ بالله من حال أهل النار » . وإسناده حسن. وأولى ما يختم به المجلس ما رواه النسائي عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: كان رسول الله وَ ﴿ بأخرة إذا اجتمع إليه أصحابه فأراد أن ينهض، قال: ((سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، عملت سوءًا وظلمت نفسي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)) فقال: قلنا: يا رسول الله! إن هذه كلمات أحدثتهن، قال: أجل جاءني جبرائيل، فقال: يا محمد! هن كفارت المجلس)) . صححه الحاكم، وأخرجه الطبراني في المعاجم الثلاثة مختصراً بسند جيد. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أنه قال: كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلس خير، ومجلس ذكر إلا ختم الله له بهن كما يختم بالخاتم على الصحيفة: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك)) . رواه أبو داود، وابن حبان، وصححه. (وليك) أي: المحدث (مقبلاً عليهم) أي الحاضرين (معًا) أي: مجتمعين، أو في مكان واحد قال في ((المصباح)) تقول: خرجنا معًا، أي: في زمن واحد، وكنا معًا، أي في مكان واحد، منصوب على الظرفية، وقيل: على الحال أي: مجتمعين، والفرق بين فعلنا معًا، وفعلنا جميعًا أن معًا تفيد الاجتماع حالة الفعل، وجميعًا بمعنى كلنا يجوز فيها الاجتماع والافتراق، وألفها عند الخليل بدل من التنوين لأنه عنده ليس له لام، وعند يونس، والأخفش كالألف في الفتى، فهي بدل من لام محذوفة. اهـ (١). (١) المصباح المنيرج ٢ ص ٢٤٢ . ١٠٧ - الجزءالثاني والمراد أنه يقبل على الحاضرين جميعًا إذا أمكن، فإن ذلك مستحب؛ لقول حبيب بن أبي ثابت: كانوا يحبون إذا حدث الرجل أن لا يقبل على الواحد فقط، ولكن يعمهم، وعنه أيضًا: إنه من السنة. (ورتل الحديث) أيها المحدث، أي: تمهل في قراءته، ولا تعجل، ولا تسردها سردًا يمنع فهم بعضه، ففي الصحيحين عن عائشة أنه ◌ّالير: ((لم يكن يسرد الحديث کسردكم ) زاد الإسماعيلي: ((إنما كان حديثه فهما تفهمه القلوب » وزاد الترمذي: ولكنه كان يتكلم بكلام بین فصل یحفظه من جلس إليه )) وقال: حديث حسن صحيح. وأخرج البخاري عن عروة، قال: ((جلس أبو هريرة إلى جنب حجرة عائشة، وهي تصلي، فجعل يحدث، فلما قضت صلاتها قالت: ألا تعجب إلى هذا وحديثه، إن النبي وَلّ إنما كان يحدث حديثًا لو عده العاد أحصاه)). ثم بين الكلام على الإِملاء، فقال: يَوْمًا بِأُسْبُوعٍ لِلإِمْلاَءِ اثْتَسَا وَاَعْقِدْ مَجْلِسَا . (واعقد) أيها المحدث العارف (مجلسا) مفعول به لـ ((اعقد)) أي: محلاً يجتمع فيه الناس للاستماع (يومًا) واحدًا (بأسبوع) بالضم، ويقال فيها: سبوع، مثل قعود، أي سبعة أيام، وجمعه أسابيع، أفاده في المصباح (للاملاء) بنقل حركة الهمزة إلى اللام، ثم حذفها، وهو لغة، لا ضرورة، ويتعين هنا للوزن. من أمليت الكتاب على الكاتب: إذا ألقيته عليه . ويقال: أمللته عليه إملالاً، فالأولى لغة بني تميم، وقيس، والثانية لغة الحجاز، وبني أسد . وجاء الكتاب العزيز بهما ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ [الفرقان: ٥]، ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أفاده في المصباح. وفي ((ق)) أملَّه: قال له، فكتب عنه. اهـ. فأفاد أن الإملاء لا يكون إلا مع الكتابة . (ائتسا) مفعول لأجله، مصدر ائتسى يأتسي، بمعنى اقتدى، أي اقتداء بفعل النبي وَلله، والصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. وحاصل المعنى: أنه يقول: اعقد أيها المحدث يومًا من أيام الأسبوع لإملاء الحديث على الطلبة، سواء كان إملاؤك من كتابك، أو حفظك، وهو أشرف، لا سيما، وقد ١٠٨ شَرِجُ الفِيَدُالشَّيُوظِي اختلف في التحديث من الكتاب، اقتداء بفعل النبي وَيّ، فإنه أملى الكتب إلى الملوك، وفي المصالحة يوم الحديبية، وفي غير ذلك. وبفعل الصحابة، فقد أملى واثلة بن الأسقع رضي الله عنه الأحاديث على الناس، وهم يكتبونها عنه. رواه البيهقي وغيره. وبفعل التابعين ومن بعدهم، فقد أملئ شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وهمام، ووكيع، وحماد بن سلمة، ومالك، وابن وهب، وأبو أسامة، وابن علية، ويزيد بن هارون، وعاصم بن علي، وأبو عاصم، وعمرو بن مرزوق، والبخاري، وأبو مسلم الكجي، وجعفر الفريابي، والهجيمي، في خلق يطول سردهم. وإنما زاد قيد ((يومًا بأسبوع)) على العراقي لما في البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يذكر الناس في كل خميس، وقال: ((إني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله ل﴿ يتخولنا بالموعظة، مخافة السآمة علينا)). وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ((حدث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين فإن أكثرت فثلاث مرار )). (تنبيه): الإملاء من أعلى مراتب الإسماع والتحمل عند الأكثرين، ولذا قال الحافظ السلفي رحمه الله (من الكامل): منْ أَلسُنْ الْحُفَّاظِ والْفُضَلاَ وَاَظبْ عَلَى كَتْبِ الأَمَالِي جَاهِدَاً مَّا يَكْتَبُ الإِنْسَانُ فِي الإِمْلاَ فََأَجَلُّ أَنْوَاعِ العُلُومِ بِأَسْرِهَا وقال السخاوي: ومن فوائده اعتناء الراوي بطرق الحديث وشواهده، ومتابعته وعاضده، بحيث يتقوي، ويثبت لأجلها حكمه بالصحة أو غيرها، ولا يتروي، إلى آخر ما ذكره(١). ثم بين حكم اتخاذ المستملين، فقال: (١) تمام ما ذكره: ويرتب عليها إظهار الخفي من العلل، ويهذب اللفظ من الخطأ والزلل، ويتضح ما لعله يكون غامضًا في بعض الروايات، ويفصح بتعيين ما أبهم، أو أهمل، أو أدرج فيصير من الجليات، وحرصه على ضبط غريب المتن والسند، وفحصه عن المعاني التي فيها نشاط النفس لأتم مستند، وبعد السماع فيها عن الخطإ والتصحيف، الذي قل أن يعري عنه لبيب أو حصيف، وزيادة التفهم والتفهيم لكل من حضر، من أجل تكرر المراجعة في تضاعيف الإملاء والكتابة والمقابلة على الوجه المعتبر، وحوز فضيلتي التبليغ والكتابة، والفوز بغير ذلك من الفوائد المستطابة، كما قرره الرافعي وبينه ونشره وعينه. اهـ. فتح المغيث ج ٣ ص ٢٤٩ - ٢٥٠ . ١٠٩ - الجزء الثاني ٥٦١- ثُمَّ اتَّخِذْ مُسْتَمْلِيًّا مُحَصِّلا وَزَدْ إذَا يَكْثُرُ جَمْعٌ وَاعْتَلَى ٥٦٢ - يُبَلِّغُ السَّامِعَ أَوْ يُفَهِّمُ وَأَسْتَنْصَتَ النَّاسَ إِذَا تَكَلَّمُوا وَزَدْ إِذَا يَكْثُرُ جَمْعٌ وَاعْتَلَى ثُمَّ انَّخِذْ مُسْتَمْلَيًا مُحَصِّلا وَأَسْتَنْصَتَ النَّاسَ إِذَا تَكَلَّمُوا يُلِّغُ السَّامِعَ أَوْ يُفَهِّمُ (ثم) إذا کثر جموع الناس ولم يبلغھم صوتك (اتخذ) أيها المحدث وجوبًا کما صرح به الخطيب (مستمليًا) يتلقن منك ويبلغ الحاضرين البعيدين عنك (محصلا) اسم فاعل من التحصيل، وهو في الأصل استخراج الذهب من حجر المعدن، والمراد به هنا الماهر في التبليغ. والأصل فيه ما رواه أبو داود، والنسائي وغيرهما من حديث رافع بن عمرو قال: ((رأيت رسول الله وَيه يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء وعلي رضي الله عنه یعبر عنه)) (١) . وفي الصحيح عن أبي جمرة قال: ((كنت أترجم بين ابن عباس، وبين الناس)). وهكذا فعله أئمة الحديث وحفاظه، كمالك وشعبة، ووكيع، واحترز بقوله: محصلاً عن المغفل البليد، كالمستملي الذي قال لممليه وقد قال له: حدثني عدة: ما نصه عدة ابن من؟ فقال له المملي : عدة ابن؟ فقدتك. وكالآخر الذي قال لممليه، وقد قال له: عن أنس، قال ((رسول))، كذا في كتابي، وهو (رسول الله)) إن شاء الله: ما نصه: قال ((رسول))، وشك أبو عثمان، وهي كنية الملي في ((الله))، فقال له المملي: كذبت يا عدو الله ما شككت في الله قط . (وزد) أيها المحدث على المستملي الواحد (إذا يكثر جمع) أي: جماعة الحاضرين بحيث لا يكفي واحد فزد بحسب الحاجة، فقد كان لعاصم بن علي الذي حزر مجلسه بأكثر من مائة ألف إنسان مستمليان، ولأبي مسلم الكجي الذي حزر بنيف وأربعين ألف محبرة سوى النظارة سبعة يتلقى بعضهم عن بعض. (واعتلى) أي كان المستملي في مكان عالٍ من كرسي ونحوه، وإلا فيقوم على قدميه، كما فعل ابن علية بمجلس مالك، وآدم بن أبي إياس بمجلس شعبة، وغيرهم، والجملة مستأنفة (يبلغ) المستملي وجوبًا ما سمعه منك، ويؤديه على وجهه من غير تغيير (السامع) (١) صحيح: انظر صحيح أبي داود، رقم ١٧٢٣ . ١١٠ شِجَ الْفِيَّةُ السَُّوطِىّ ٥٦٣- وَبَعْدَهُ بَسْمَلَ ثُمَّ يَحْمَدُ مُصَلِّبًا وَبَعْدَ ذَاكَ يُورِدُ ٥٦٤ - مَا قُلْتَ أَوْ مَنْ قُلْتَ مَعْ دُعَائِه لَهُ وَقَالَ الشَّيْخُ فِي انْتِهَائِهِ ٥٦٥ - ((حَدَّثَنَا)) وَيُورِدُ الإسْنَادَا مُتَرْجِمًا شُيُوخَهُ الأَفْرَادَا ٥٦٦- وَذِكْرُهُ بِالْوَصْفِ أَوْ بِاللَّقَب أَوْ حِرْفَةِ لا بَأْسَ إِنْ لَمْ يَعِبِ (*) منه، دون المملي، لبعده، ولو قال: يبلغ البعيد لكان أوضح أي: البعيد الذي لا يسمع کلام المملي أصلاً، والجملة حال من فاعل اعتلى. (أو يفهم) من بلغه على بعد لكن لم يتفهمه، فيتوصل بصوت المستملي إلى تفهمه وتحققه، وقد تقدم حكم من لم يسمع إلا من المستملي عند قوله : مَا بَلَّغَ السَّامِعَ مُسْتَمْليه وَجَازَ أن يَرْوِيَ عَنْ مَمْلِيهِ وَأَبْنُ الصَّلاَحِ قَالَ هَذَا يُحَظَلَّ للأقْدَمِينَ وَعَّلَيْهِ الْعَمَلُ (واستنصت الناس) أي: طلب المستملي الإنصات، وهو السكوت مع الاستماع من الحاضرين (إذ تكلموا) وقت الإملاء، وفي نسخة: «لکیما یفهموا » أي: ما ملی علیھم، اقتداء بقوله وَدير لجرير في حجة الوداع: ((استنصت الناس)). متفق عليه. مُصَلِّبًا وَبَعْدَ ذَاكَ يُورِدُ وَبَعْدَهُ بَسْمَلَ ثُمَّ يَحْمَدُ مَا قُلْتَ أَوْ مَنْ قُلْتَ مَعْ دُعَائِهِ لَهُ وَقَالَ الشَّيْخُ فِي انْتِهَائِه مُتَرْجِمًا شُيُوخَهُ الأَفْرَادَا ((حَدَّثَنَا)) وَيُورِدُ الإِسْنَادَاً أَوْ حِرْفَةِ لا بَأْسَ إِنْ لَمْ يَعِبِ وَذَكْرُهُ بِالْوَصْفِ أَوْ بِاللَّقَب (وبعده) أي: بعد استنصاتهم (بسمل) أي قال المستملي: بسم الله الرحمنَ الَرحيم، وهذا أول شيء يقوله، قاله السخاوي(١). (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: لا بأس أن يذكر الشيخ من يروي عنه بلقب مثل ((غندر)) أو وصف نحو ((الأعمش)) أو حرفة مثل ((الحناط)) أو بنسبته إلى أمه مثل ((ابن علية)) إذا عرف الراوي بذلك، ولم يقصد أن يعيبه به، وإن كره الملقب به ذلك. (١) فتح ج ٣ ص ٢٥٦ . ١١١ - الجُزءُ الثّاني (ثم) بعد البسملة (يحمد) الله تعالى بالمحامد المأثورة، كما قدمنا الكلام على ذلك (مصليًا) على النبي ◌ِّ، أي: ومسلمًا لما قدمنا. والأولى أن يصلي بالصلاة الإبراهيمية على اختلاف ألفاظها، فإنه لا يعادلها شيء غيرها مما ذكروا أيًّا كان كما قاله النووي. (وبعد ذاك) كله (يورد) المستملي، أي: يذكر قوله: (ما قلت) أي: أي شيء ذكرت من الأحاديث (أو من قلت) أي: أي شخص ذكرت من الشيوخ، قيل: ولا يقول: من حدثك؟ أو من سمعت؟ فإنه لا يدري بأي لفظة يبتدئ، لكن قال ابن دقيق العيد: والأحسن أن يقول: من حدثك، أو من أخبرك؟ إن لم يقدم ذكر أحد إلا أن يكون الأول عادة للسلف مستمرة، فالاتباع أولى. ذكره السخاوي(١) . (مع) بسكون العين لغة في الفتح (دعائه له) أي: دعاء المستملي للمملي رافعًا لصوته قائلاً: رحمك الله، أو أصلحك الله، أو غفر الله لك، وما أشبهه. قال يحيى بن أكثم: نلت القضاء وقضاء القضاء والوزراة، وكذا وكذا، فما سررت بشيء مثل قول المستملي: من ذكرت رحمك الله؟ (وقال الشيخ) المملي (في انتهائه) أي: انتهاء المستملي مما يقوله، ومقول قال قوله: (حدثنا) شيخنا العلامة المتقن فلان ابن فلان. (ويورد الإسنادا) بألف الإطلاق، أي: يذكر الإِسناد بتمامه، حال كونه (مترجمًا شيوخه) بضم الشین وتكسر جمع شيخ، أي: مبينًا أحوالهم وصفاتهم بما هم أهله كما فعل جماعة من السلف، كقول أبي مسلم الخولاني: حدثني الحبيب الأمين، عوف بن مسلم، وكقول مسروق: حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة حبيب الله، المبرأة. وكقول عطاء: حدثني سيد الفقهاء أيوب، وكقول وكيع: حدثنا سفيان أمير المؤمنين في الحديث. تنبيه: کلما مر ذکر النبي پ﴾ ویرفع صوته، وإذا ذکر صحابيًّا ترضی علیه، فإن كان ابن صحابي قال: رضي الله عنهما، وكذا يترحم على الأئمة. (الأفرادا) بألف الإطلاق، جمع فرد، بدل من شيوخه أي مترجمًا أفراد شيوخه بأن يترجم لكل شيخ بترجمة مستقلة ليتميز تمام تميز، ويحتمل أن يكون صفة شيوخه وقیده به، (١) فتح ج ٣ ص ٢٥٧ . . ١١٢ شَرِجُ الْفِيَّةُ السَّيُوطِيّ - ٥٦٧ - وَآَرْوِ فِي الإِمْلا عَنْ شُيُوخٍ عُدُِّوا عَنْ كُلِّ شَيْخِ أَثَرٌ، وَيَجْعَلُ ٥٦٨- أَرْجَحَهُمْ مُقَدَّمًا، وَحَرِّر وَعَالَيَا قَصيرَ مَتْنِ اخْتَرٍ ٥٦٩- ثُمَّ أَبنْ (عُلُوَّهُ وَصحَّتَهَ وَضَبْطَهُ وَمُشْكلاً وَعَّتَهْ لئلا يدخل فيه الشيوخ الذين في الإِسناد كلهم، فإن ذكر ترجمة غير شيوخه الذين تلقى منهم مشروط بالفصل بـ((يعني)) ونحوها كما تقدم في قوله: ولا تزد في نسب أو وصف من فوق شيوخ عنهم ما لم يبن بنحو يعني البيت والله أعلم. (وذكره) أي: ذكر المملي شيوخه من إضافة المصدر إلى فاعله، وهو المناسب للسابق واللاحق، ويحتمل أن يكون من إضافة المصدر إلى مفعوله أي: ذكر الشيخ، وهو مبتدأ خبره قوله: ((لا بأس)). (بالوصف) أي: صفة النقص بدلالة قوله: ((إن لم يعب)) كالأعمش (أو باللقب) كغندر (أو حرفة) كالخياط (لا بأس) به، وإن كره ذلك (إن لم يعب) أي: إن لم يقصد عيبه به، بل أراد تعريفه لكونه معروفًا بها . وحرمه بعضهم مطلقًا، والأولى كما قال البلقيني: إنه إن وجد طريقًا إلى العدول عن الوصف، فهو أولى، وإلا فلا كراهة. عَنْ كُلِّ شَيْخِ أَثَرٌ ، وَيَجْعَلُ وَأَرْوٍ فِي الإِمْلا عَنْ شُيُوخِ عُدُِّوا وَعَاليًا قَصِيْرَ مَتْن اخْتَر أَرْجَحَهُمْ مُقَدَّمًا، وُحَرِّر وَضَبْطَهُ وَمُشْكلاً وَّعَلَّتَهَ ثُمَّ أَبِنْ (عُلُوَّهُ وَصحَّتَهَ (وارو) أيها المحدث الذي يريد الإملاء (في الاملا) بالنقل والقصر للضرورة، أي ارو في حال إملائك الحديث استحبابًا (عن شيوخ) كثيرين، ولا تقتصر على شيخ واحد، إذ التعدد أكثر فائدة، قيل: مثل الذي يروي عن شيخ واحد كرجل له امرأة واحدة، فإذا حاضت بقي(١) (عدلوا) أي وصفوا بالعدالة، فلا ترو إلا عن ثقة من شيوخك، دون (١) ومعنى هذا الكلام أن الذي له شيخ واحد ربما احتاج من الحديث لما لا يجده عند شيخه، فيصير حائرًا، وكذلك من له زوجة واحدة قد يتفق توقانه إلى النكاح في حال حيضها، فيصير حائرًا، فإن كان له زوجة أخرى أو أمة حصل الغرض. اهـ . فتح المغيث ج ٣ ص ٢٦٥ . ١١٣ الجُزْءُ الثاني ٥٧٠ - وَاجْتَبِ الْمُشْكلَ كَالصِّفَات وَرُخَصَّا مَعَ الْمُشَاجَرَاتِ كذاب، أو فاسق، أو مبتدع، قال ابن مهدي: لا یکون الرجل إمامًا، وهو يحدث عن كل أحد (عن كل شيخ) بدل من الجار والمجرور قبله (أثرا) مفعول ((ارو))، وفي نسخه ابن شاكر ((أثر)) بالرفع، وعليه فالجار والمجرور خبر مقدم عليه. يعني أنك تحدث في ذلك المجلس عن كل شيخ من شيوخك حديثًا واحدًا، ولا تزيد عليه، فإنه أعم للفائدة. و (يجعل) المملي، ولو قال: وتجعل بالتاء، لكان أولى ليوافق لقوله: ارو (أرجحهم) بعلو سنده، أو كونه أحفظ، أو أسن أو غير ذلك مفعول أول (مقدمًا) بصيغة اسم مفعول، أي: متقدمًا على غيره مفعول ثانٍ (وحرر) ما تمليه، أي قومه، قال في المختار: تحرير الکتاب وغيره: تقويمه. اهـ. (وعاليًا) أي: سندًا عاليًا مفعول مقدم لـ ((اختر))، لما في العلو من الفضل (قصير متن) لما فيه من مزيد الفائدة (اختر) أيها المحدث المملي، والأولى كونه في الفقه والترغيب، قال علي ابن حجر (من المتقارب): وَظيفَتُنَا مائَةٌ لِلْغَـرِبـ ـب فِي كُلِّ يَوْمٍ سِوَى مَا يُعَادُ أحاديثُ فِقْه قَصَارٌ جِيَادُ شَرِيكَيَّةٌ أَوْ هُشَيَمية (ثم) بعد أن أمليت (أبن) أي: أظهر للسامعين (علوه) أي علو إسناده (وصحته) إن كان صحيحًا، أي: وحسنه، وضعفه (وضبطه ومشكلا) في الأسماء والألفاظ، وكذا أظهر غامض المعنى وتفسير الغريب (وعلته) إن كانت فيه علة. ثم ذكر ما لا ينبغي للمملي أن يمليه، فقال: وَرُخَصًا مَعَ الْمُشَاجَرَات وَأَجْتَنَبِ الْمُشْكِلَ كَالصِّفَات (واجتنب) أي : ابتعد في إملائك (المشكل) أي ذكر المشكل من الأحاديث (كالصفات) أي كأحاديث الصفات لما لا يؤمن على السامعين من الخطإ والوهم، والوقوع في التشبيه والتجسيم، فقد قال علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن یکذب الله ورسوله، رواه البخاري، وروى البيهقي في الشعب عن المقدام بن معدي کرب عن رسول الله ◌ُ ل﴾ قال: ((إذا حدثتم الناس عن ربهم، فلا تحدثوهم بما يغرب أو يشق عليهم)) (١). وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ((ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان (١) حديث ضعيف انظر ضعيف الجامع للشيخ الألباني ص ٦٦ رقم ٤٦٢ . ١١٤ شَرِجُ الْغِيَّةُ السُُّيُوَظِىّ - ٥٧١ - وَالزَّهُدُ مَعْ مَكَارِمِ الأَخْلاقِ أَوْلَى فِي الإِمْلاءِ بِالاِنِّفَاقِ) ٥٧٢- وَاخْتِمْهُ بِالإِنْشَادِ وَالنَّوَادر وَمُثْقِنٌ خَرَّجَهُ لِلْقَاصِرِ لبعضهم فتنة )) . رواه مسلم. (و) اجتنب أيضًا كما قال الخطيب (رخصا) جمع رخصة، وهي السهولة وأي ذكر أحاديثها للعوام، لما يخشى عليهم من تتبعها، وترك العزائم (مع المشاجرات) من الشجر، يقال: شجر الأمر بينهم شجراً، من باب قتل: اضطرب، واشتجروا: تنازعوا، وتشاجروا بالرماح: تطاعنوا. قاله في المصباح. والمراد هنا التشاجر الذي وقع بين الصحابة لئلا يقع السامعون في بعض الصحابة. وكذلك اجتنب الإسرائيليات. ثم بين ما ينبغي أن يلقيه المملي، فقال: أَوْلَى فِي الإِمْلاء بالاتِّفَاق) وَالزَّهُدُ مَعْ مَكَارِمِ الأَخْلاقِ (والزهد) مبتدأ، أي: الحديث الدال والباعث على الإعراض عن الدنيا (مع مكارم الأخلاق) أي: مع الأحاديث الدالة على مكارم الأخلاق، ومن الكرم، والعطف، ولين الجانب، وإنجاز الوعد، والتواضع، والصبر، ونحوها (أولى) خبر المبتدإ، أي: أحق بالذكر من غيرهما (في) مجلس الإملاء بنقل حركة الهمزة للوزن، وذلك بالاتفاق بين أهل العلم؛ لأن هذه الأمور هي التي يحتاج إلى سماعها خصوصًا العوام، فإن غالبهم بمعزل عن التخلق بها. وأما ما تقدم فإنما يحتاج إليه الخواص الذين يميزون بين ما هو حق فیتبعونه، وما هو باطل فيجتنبونه. ثم ذکر کیفیة ختم الإملاء، فقال: وَاخْتِمْهُ بِالإِنْشَادِ وَالنَّوَادر (واختمه) أي : مجلس الإملاء (بالإنشاد) أي قراءة الأشعار المباحة المرققة (والنوادر) المستحسنة، وكونها مناسبة لما أملاه من الأحاديث الأولى، ويذكرها بأسانيدها، فعادة الأئمة من المحدثين جارية بذلك، وقد استدل الخطيب بما رواه عن علي رضي الله عنه، قال: ((روحوا القلوب، وابتغوا لها طرف الحكمة فإنها تملُّ كما تمل الأبدان)) (١)، وكان (١) وفي سند هذا الأثر محمد بن حمير، قال الدارقطني: لا أعرفه . ١١٥ - الجُزءُ الثاني ٥٧٣ - (أَوْ حَافِظٍ بِمَا يُهِمُّ يُشْغَلُ) وَقَابِلِ الإِمْلَاءَ حينَ يَكْمُلُ (*) الزهري يقول لأصحابه: هاتوا من أشعاركم هاتوا من أحاديثكم فإن الأذن مجاجة والقلب حمض (١). ثم ذكر حكم استعانة المملي بالحافظ المتقن إذا كان هو قاصرًا، أو مشتغلاً بما هو أهم، فقال : وَمُثْقِنٌ خَرَّجَهُ لِلْقَاصِرِ (أَوْ حَافظ بِمَا يُهِمُّ يُشْغَلُ) (ومتقن) مبتدأ، أي: حافظ متقن خبره قوله: (خرجه)، أي: الحديث الذي يريد إملاءه قبل يوم مجلسه (للقاصر) أي: المملئ القاصر عن التخريج لقصور معرفته بالحديث وعلله واختلاف وجوهه. (أو حافظ) بالجر عطفًا على القاصر أي: خرجه لحافظ قادر على التخريج إلا أنه (بما) (#) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: يجب على الشيخ في الإملاء أن يختار الأحاديث المناسبة للمجالس العامة - وفيها من لا يفقه كثيرًا من العلم - فيحدثهم بأحاديث الزهد ومكارم الأخلاق ونحوها، وليجتنب أحاديث الصفات؛ لأنه لا يؤمن عليهم من الخطإ والوهم والوقوع في التشبيه والتجسيم، ويجتنب أيضًاً الرخص والإسرائيليات وما شجر بين الصحابة من الخلاف، لئلا يكون ذلك فتنة للناس، ثم يختم مجلس الإملاء بشيء من طرف الأشعار والنوادر. كعادة الأئمة السالفين رضي الله عنهم. وإذا كان الشيخ المملي غير متمكن من تخريج أحاديثه التي يمليها، إما لضعفه في التخريج، وإما لاشتغاله بأعمال تهمه كالإفتاء أو التأليف: استعان على ذلك بمن يثق به من العلماء الحفاظ. واعلم أن الإملاء سنة جيدة اتبعها السلف الصالح رضوان الله عليهم، ثم انقطع بعد الحافظ ابن الصلاح المتوفى سنة ٦٤٣، قال الناظم في التدريب (ص ١٧٦): ((وقد كان الإملاء درس بعد ابن الصلاح إلى أواخر أيام الحافظ أبي الفضل العراقي، فافتتحه سنة ٧٩٦ فأملى ٤٠٠ مجلس وبضعة عشر مجلسًا إلى سنة موته سنة ٨٠٦، ثم أملى ولده إلى أن مات سنة (٨٢٦) ٦٠٠ مجلس وكسرًا، ثم أملى شيخ الإسلام ابن حجر إلى أن مات سنة ٨٥٢ أكثر من ١٠٠٠ مجلس، ثم درس تسعة عشر سنة، فافتتحته أول سنة ٨٧٢ فأمليت ٨٠ مجلسًا ثم ٥٠ أخری)). وقد انقطع الإملاء بعد ذلك إلا فيما ندر، لندرة العلماء الحفاظ، وندرة الطالبين الحريصين على العلم والرواية. وقد رأيت بعض أمالي الحافظ ابن حجر مخطوطة في إحدى المكاتب، ويا ليتنا نجد من يطبعها وينشرها على الناس . (١) يقال: فؤاد حمض، بفتح، فسكون، ونفس حمضة: تنفر من الشيء أول ما تسمعه . أفاده في المعجم الوسيط ج ١ ص ١٩٨ . ١١٦ شَرِجُ الْفِيَةِ الشَّيْطِيّ - أي بشيء، أو بالذي متعلق بـ يشغل (يهم) بفتح الياء من باب قتل، أو بضمها رباعيًّا، يقال: همه الأمر وأهمه: إذا أقلقه، وحزنه (يشغل) بالبناء للمفعول، يقال: شغلت بالأمر بالبناء للمفعول: تلهيت به. أفاده في المصباح. وحاصل المعنى: أنه إذا قصر المحدث عن تخريج الإملاء، أو كان مشغولاً بأعمال تهمة، كالإفتاء، والتأليف فلا بأس أن يستعين على ذلك ببعض الحفاظ المتقنين، كا فعله جماعة من الشيوخ. ثم ذكر المقابلة بعد الإملاء بقوله: وَقَابِلِ الإِمْلاءَ حِينَ يَكْمُلُ (وقابل) أيها المحدث (الإملاء) أي: المملئ بفتح اللام (حين يكمل) إملاءه، فإن المقابلة واجبة كما تقدم لإصلاح ما فسد منه بزيغ القلم وطغيانه، وفيه حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه، وقد تقدم. (تتمة): الزيادات في هذا الباب قوله: ((وأشرف العلوم علم الأثر)) وقوله: ((ابن دقيق العيد)) البيت. وقوله: ((هذا هو الأرجح والصواب))، إلى قوله: ((إذا تعددا)). وقوله: ((فقد روينا البيت))، وقوله: ((والسواك والتبخر)). وقوله: ((متكئًا على رتب))، وقوله: ((أو مضطجع)). وقوله: ((أو على حال)). وقوله: ((بعد قراءة لآي)). وقوله: ((يومًا بأسبوع)). وقوله: ((أو حافظ بما يهم يشغل)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. * ١١٧ - الجُزْءُ الثاني مسألة ٥٧٤- (وَذَا الْحَديثِ وَصَفُوا، فَأَخْتَصَّاً بِـ ((حَافِظ))، كَذَا الْخَطِيبُ نَصَّا ٥٧٥ - وَهْوَ الَّذِي إِلَيْهِ فِي التَّصْحِيحِ يُرْجَعُ وَالتَّعْدِيلِ وَالنَّجْـرِيحِ ٥٧٦- أَنْ يَحْفَظَ السُّنَّةَ مَا صَحَّ وَمَا يَدْرِي الأَسَانِيدَ وَمَا قَدْ وَهَمَا مسألة أي: هذا مبحثها، وهي متممة للنوع الماضي. وهي في ذكر بعض الألقاب التي تطلق على أهل الحديث، وهي: الحافظ، والمحدث، والمسند، وأمير المؤمنين، كما بينها بقوله: (وَذَا الْحَديثِ وَصَفُوا ، فَأخْتَصَّا بـ ((حَافظ))، كَذَا الْخَطيبُ نَصَّا (وذا الحديث) أي: صاحب الحديث، مفعول مقدم لقوله: (وصفوا) بالبناء للفاعل، أي أهل الحديث، وفي نسخة الشارح ((وذو)) بالواو، فهو مبتدأ، وجملة ((وصفوا)) خبره بتقدير رابط، أي: وصف أهل الحديث صاحب الحديث، أو صاحب الحديث وصفوه. ثم بين ما وصف به فقال (فاختصا) بالبناء للفاعل، أو المفعول لأنه يلزم ويتعدى، فإذا كان متعديًا يبنى للمفعول، وفي نسخة الشارح فخصا بالبناء للمفعول (بحافظ) متعلق بما قبله، أي: بهذا الوصف، وهو اسم فاعل من حفظ الشيء: إذا منعه من الضياع والتلف (كذا) أي مثل هذا التنصيص (الخطيب) أبو بكر الحافظ أحمد بن علي بن ثابت البغدادي (نصًّا) بألف الإطلاق، أي عين اختصاص صاحب الحديث بالحافظ، ثم ذكر كلام الخطيب، فقال : وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ في التَّصْحِيحِ يُرْجَعُ وَالتَّعْدِيِلِ وَالتَّجْـرِيحِ (وهو) أي الحافظ في اصطلاح المحدثين (الذي إليه) متعلق بـ ((يرجع)) (في التصحيح) أي: تصحيح الحديث متعلق بـ يرجع أيضًا يرجع بالبناء للمفعول (والتعديل) عطف على التصحيح، أي: الحكم بعدالة الرواة (والتجريح) أي: الحكم بجرحهم. يَدْرِي الأَسَانِيدَ وَمَا قَدْ وَهَمَا أَنْ يَحْفَظَ السُّنَّةَ مَا صَحَّ وَمَا ١١٨ شَرِجُ الْفِيَّةُ الشَّيُوطِىّ ٥٧٧ - فيه الرَّوَاةُ زَائدًا أَوْ مُدْرَجَا وَمَا بِهِ الإِعْلالُ فِيهَا نَهَجَا ٥٧٨ - يَدْرِي اصْطِلاحَ الْقَوْمِ وَالنَّمَيُّزَاَ بَيْنَ مَرَاتِبِ الرِّجَالِ مَيَّزاً ٥٧٩- في ثِقَة وَالضَّعْف وَالطَّبَاق كَذَا الْخَطِيبُ حَدَّ للإطلاقِ وَمَا بِهِ الإِعْلالُ فِيهَا نَهَجَا فيه الرُّوَاةُ زَائدًا أَوْ مُدْرَجَا (أن) مصدرية (يحفظ) صاحب الحديث (السنة) النبوية، وكذا الآثار المروية، وأن وصلتها في تأويل المصدر مجرور بالباء السببية، والجار والمجرور متعلق بـ (يرجع)) أي يرجع إليه بسبب حفظه السنة. إلخ (ما صح) بدل مما قبله، أي الذي صح منها يعني: بحفظه صحيح الأحاديث (وما) عطف على السنة أي: يحفظ الذي (يدري) به (الأسانيد) من علم الرجال (و) يحفظ أيضًا (ما قد وهما) كغلط وزنًا ومعنى، والألف للإِطلاق (فيه الرواة زائدًا) حال من ((ما)) أي حال كونه زائدًا (أو مدرجًا) في المتن، أو في الإسناد (و) يحفظ أيضاً (ما به الإعلال فيها) أي: الأسانيد (نهجا) أي: بان، يقال: نهج الطريق، ينهج بفتحتين نهوجًا: وضح، واستبان، وأنهج بالألف مثله، ونهجته أنهجه: أوضحته، يستعملان لازمين ومتعديين. قاله في المصباح. قلت: والمناسب هنا اللزوم، أي: يحفظ الشيء الذي اتضح به الإعلال في الأسانيد يعني : أنه يعرف علم علل الأحاديث. بَيْنَ مَرَاتب الرِّجَال مَيَّزَاً يَدْرِي اصْطِلاحَ الْقَوْمِ وَالنَّمَيُّزَاَ كَذَا الْخَطِيبُ حَدَّ لِلإِطلاقِ فِي ثِقَةٍ وَالضَّعْفِ وَالطِّبَاق (يدري) أن يعرف معرفة تامة، والجملة حال من فاعل يحفظ اصطلاح القوم أي مصطلحات المحدثين التي تضمنتها كتبهم، كهذه، وأصلها، وابن الصلاح. (و) يدري أيضًا (التميزا) أي: التفاوت الذي (بين مراتب الرجال) فإنها تتفاوت، وفي نسخة و((التمييزا)) بياءين، أي: يدري التمييز بين مراتبهم، وقوله: (ميزا) حال من فاعل ((يدري)) أي حال كونه مميزًاً لذلك، وضابطًا له، وقوله: (في ثقة والضعف) متعلق بـ((ميزا)) أي: مميزًا بين مراتبهم في صفة الثقة والضعف؛ لأن صفة الثقة والضعف متفاوتة كما مر ١١٩ الجُزءُ الثاني - ٥٨٠- وَصَرَّحَ الْمِزِّيُّ (*) أَنْ يَكُونَ مَا يَفُوتُهُ أَقَلَّ مِمَّا عَلِمَا في باب ألفاظ التعديل والتجريح. فالمراد بالثقة هنا معناها المصدري، يقال: وثقت به أثق بالكسر فيهما وثوقًا وثقة وموثقًا: إذا ائتمنته، ويقال: هو، وهي، وهم، وهن: ثقة؛ لأنه مصدر، وقد يجمع في الذكور والإناث، فيقال: ثقات. أفاده في ((ق)) والمصباح. (والطباق) أي: يدري أيضًا تباين طبقاتهم فالطباق بالكسر جمع طبقة، وهي في اللغة - كما سيأتي في محله - عبارة عن القوم المتشابهين، وفي الاصطلاح: قوم تقاربوا في السن والإِسناد، أو في الإسناد فقط، يعني: أن هذا الحافظ يعرف تفاوت مراتبهم في الطبقات، إذ يتفق اسمان في اللفظ، فيظن أحدهما الآخر، فيميز ذلك بمعرفة طبقاتهما . (كذا) أي مثل هذا التعريف مفعول مطلق لـ ((حد)). (الخطيب) أبو بكر أحمد بن علي ابن ثابت البغدادي، مبتدأ خبره جملة (حد) أي: عرف ذا الحديث (للإطلاق) أي لأجل أن يطلق عليه اسم الحافظ. ثم ذكر تعريف الحافظ المزي للحافظ أيضًا، فقال: وَصَرَّحَ الْمِزِّيُّ أَنْ يَكُونَ مَا يَفُوتُهُ أَقَلَّ مِمَّا عَلَمَا (وصرح) أي بين من التصريح، يقال: صرح بما في نفسه: أخلصه للمعنى المراد، أو أذهب عنه احتمالات المجاز والتأويل، أفاده في ((المصباح)). (المزي) الإِمام الحافظ الأوحد محدث الشام جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف القضاعي ثم الكلبي الشافعي، وُلد بحلب سنة (٦٥٤ هـ) ونشأ بالمزة، وتفقه قليلاً، ثم أقبل على هذا الشأن، ورحل، وسمع الكثير، ونظر في اللغة، ومهر فيها، وفي التصريف، وقرأ العربية، وأما معرفة الرجال فهو حامل لوائها، والقائم بأعبائها، لم تر العيون مثله، صنف تهذيب الكمال والأطراف وأملى مجالس، وأوضح مشكلات ومعضلات ما سبق إليها في علم الحديث ورجاله وولي مشيخة دار الحديث (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: المزي بكسر الميم والزاي. نسبة إلى ((المزة)»: قرية كبيرة غناء في وسط بساتين دمشق، وهو الحافظ أو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي، وهو شيخ الحافظ الذهبي، وتوفي يوم السبت ثاني عشر صفر سنة ٧٤٢ رحمه الله. ١٢٠ شَرِجُ الْفِيَةُ الشَّيُطِىّ ٥٨١- وَدُونَهُ ((مُحَدِّثٌ)) أَنْ تُبْصرَةْ مِنْ ذَاكَ يَحْوِي جُمَلاً مُسْتَكْثَرَهْ ٥٨٢- وَمَنْ عَلَى سَمَاعه الْمُجَرَّد مُقْتَصرٌ لا عِلْمَ سِمْ بِـ ((الْمُسْند)) ٠٠ الأشرفية، ومات يوم السبت ١٢ صفر سنة ٧٤٢ هـ عن (٨٨) سنة(١). والمزي: بكسر الميم نسبة إلى مزة قرية كبيرة غناء في وسط بساتين دمشق . يعني: أن الحافظ المزي بين في تعريف الحافظ بـ (أن يكون ما يفوته) من الرجال وتراجمهم، وأحوالهم، وبلدانهم (أقل) خبر يكون (مما علما) بالبناء للفاعل، والألف للإطلاق، أي من الذي علمه من ذلك. وحاصل معنى البيت: أن الحافظ المزي قال لما سأله تلميذه الحافظ السبكي عن حد الحافظ: أقل ما يكون أن الرجال الذين يعرفهم، ويعرف تراجمهم، وأحوالهم، وبلدانهم، أكثر من الذين لا يعرفهم، ليكون الحكم للغالب. ولما أنهى الكلام على الحافظ شرع يبين المحدث، فقال: وَدُونَهُ (( مُحَدِّثٌ )) أَنْ تُبْصِرَهْ مِنْ ذَاكَ يَجْوِي جُمَلاً مُسْتَكْثَرَهُ (ودونه) أي: الحافظ في الرتبة خبر مقدم لقوله: (محدث) أي: المحدث في اصطلاحهم دون الحافظ رتبة، ثم بين تعريفه بقوله: (أن) مصدرية (تبصره) أي: تعرفه (من ذاك) أي من الذي تقدم في تعريف الحافظ متعلق بـ ((يحوي)) أي: يجمع، يقال: حويت الشيء أحويه حواية، واحتويت عليه: إذا ضممته، واستوليت عليه. قاله في المصباح جملاً وفي نسخة جملة مفعول به لـ ((يحوي)) (مستكثره) أي: معدودة بأنها كثيرة . وحاصل معنى البيت: أن المحدث من يجمع جملاً كثيرة من صفات الحافظ إن لم يجمعها کلها . ثم بين المسند، وهو دون المحدث، فقال: وَمَنْ عَلَى سَمَاعِهِ الْمُجَرَّدِ مُقْتَصِرٌ لَا عِلْمَ سِمْ بِـ (الْمُسْنِدِ)) (ومن) مفعول مقدم، أو مبتدأ، أي الذي شخص (على سماعه المجرد) أي: عن معرفة (١) انظر طبقات الحفاظ ص ٥١٧ .