Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
- الجُزْءُ الأولُ
٣٨٥- فَإِنْ يُعَمِّمْ مُطلَقًا أَوْ مَنْ وُجدْ
فِي عَصْرِهِ صُحِّحَ رَدٌّ وَاعْتُمِدْ
أجمله) أي عممه يعني أنه لم يعينه، كأن يقول: أجزت لك، أو لكم، أو لمحمد جميع
مروياتي .
وحاصل هذا النوع: أن يجيز المحدث لمعين، أو معينين في غير معين، وهو المسمى
بإجازة خاص بعام، وهو مقبول كسابقه عند جمهور العلماء من المحدثين، وغيرهم،
سلفًا وخلفًا رواية وعملاً بالمروي به بشرطه الآتي في شرط الإِجازة، ولكن الخلاف
فيه أقوى .
مما تقدم، لأنه أحاله على أمر عام، ولم ينص له على شيء معين.
ثم ذكر الثالث، وهو التعميم في المجاز سواء عين المجاز به، أو أطلق بقوله:
فِي عَصْرِهِ: صُحِّحَ رَدٌّ وَاعْتُمدْ
فَإِنْ يُعَمِّمْ مُطلَقًا أَوْ مَنْ وُجِدْ
(فإن يعمم) المحدث، ومفعوله محذوف لدلالة ما قبله أي ذا، يعني المجاز له (مطلقًا)
أي من دون قيد بما يأتي، وسواء عين المجاز به أو لا، بأن يقول: أجزت المسلمين، أو كل
أحد الكتاب الفلاني، أو جميع مروياتي (أو) قيده بقيد شبيه بالإطلاق كأن يجيز (من وجد
في عصره) أي وقته، كأن يقول: من أدرك زماني أو أهل زماني (صحح) بالبناء للمفعول
(رد) أي رد الرواية بهذا النوع (واعتمد) بالضبط المذكور، وهو عطف تفسير لصحح، أي
اعتمد هذا الرأي العلماء.
منهم الحافظ عبد الغني بن سرور، والماوردي.
وقال ابن الصلاح: لم نر، ولم نسمع عن أحد ممن تقدم يقتدي به أنه استعمل هذه
الإِجازة فروى بها، ولا عن الشرذمة المستأخرة الذين سوغوها، والإجازة في أصلها
ضعف، وتزداد بهذا التوسع والاسترسال ضعفًا كثيرًا لا ينبغي احتماله. اهـ (١).
لكن رد عليه باستعمال جماعات لها ممن تقدمه كما يأتي، ومقابل الصحيح قول من
جوزها مطلقًا .
وهو قول الحافظ الخطيب البغدادي، والحافظ أبي عبد الله بن منده، والحافظ أبي
العلاء الهمداني العطار، وجوزها أبو الطيب الطبري للموجود عند الإجازة خاصة، نقله
عنه الخطيب .
(١) علوم الحديث ص ١٨٤.

٤٢٢
شَرْعُ الفِّيّة الشَّيُوطِىّ -
٣٨٦- مَا لَمْ يَكُنْ عُمُومُهُ مَعْ حَصْرٍ
فَصَحِّحَنْ، كَالْعُلَمَا بِمِصْرِ
٣٨٧- وَالْجَهْلُ بِالْمُجَازِ وَالْمُجَاز لَهُ
كَلَمْ يُبَيِّنْ ذُو اشْتَرَاكِ : أَبْطَلَهْ
ومن أدلتهم قوله بَّلة: ((بلغوا عني)) الحديث. وقيدنا القيد بشبيه الإطلاق، لأنه لو كان
قیداً حاصرًا جاز كما أشار إليه بقوله:
مَا لَمْ يَكُنْ عُمُومُهُ مَعْ حَصْرٍ
فَصَحِّحَنْ، كَالْعُلَمَا بِمِصْرٍ
(ما) مصدرية ظرفية (لم يكن عمومه) أي المجاز له (مع) بسكون العين لغة في فتحها
(حصر) بوصف حاصر، يعني أن الرد المذكور كان مدة عدم حصره بقيد حاصر، فأما إذا
كان تعميمه مقيدًا بوصف حاصر، (فصححن) تلك الإجازة العامة وذلك (كـ) قوله:
أجزت (العلما) بالقصر للوزن، أي العلماء الموجودين (بمصر) البلد المعروف، أو نحوه،
كأجزت لمن ملك نسخه من التصنيف الفلاني.
واحترزنا بقولنا: بوصف حاصر عما لا حصر فيه، كأهل بلد كذا فهو كالعامة المطلقة.
ثم ذكر النوع الرابع، وهو إجازة مجهول لمجهول بقوله:
كَلَمْ يُبَيِّنْ ذُو اشْتَرَاكِ: أَبْطَلَهْ
وَالْجَهْلُ بِالْمُجَازِ وَالْمُجَازِ لَهُ
(والجهل) مبتدأ، خبره جملة أبطله (بالمجاز) به من الحديث، أو الكتاب، أو نحوهما
(والمجاز له) أي الشخص الذي أجيز له، كأجزت بعض الناس بعض مروياتي.
(كلم يبين) بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل قوله (ذو اشتراك) والجملة صلة ما
المصدرية محذوفة، لأن حذفها جائز عند بعض النحاة، كما قاله ابن هشام في مغني
اللبيب، أي كما لم يبين ذو اشتراك، أي كعدم تبيين صاحب الاشتراك من الشخص أو
الكتاب.
والمعنى: أنه إذا سمى المجيز كتابًا، أو شخصًا، وقد تسمى بذلك الكتاب، أو الشخص
سواه، مثل أن يقول: أجزت لك أن تروي عني كتاب السنن، وفي مروياته عدة كتب
يعرف كل منها بالسنن، كأبي داود، والدار قطني، والبيهقي، وغيرها، أو يقول: أجزت
محمد بن عبد الله الأنصاري، وفي ذلك الوقت جماعة مشتركون في هذا الاسم (أبطله)
أي أبطل الجهل بذلك الإجازة، وذكر الضمير باعتبار المذكور.

٤٢٣
- الجُزْءُ الأولُ
٣٨٨- وَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِالأَعْيَانِ مَعْ
تَسْمِيَة أَوْ لَمْ يُصَفِّحْ مَا جَمَعْ
وحاصل معنى البيت: أن الجهل المذكور يبطل الإِجازة، لعدم التمييز عند السامع،
وكونه مما لا سبيل لمعرفته، وأما إذا سمى المجاز لهم ولكنه لا يعرفهم بأعيانهم فإنه لا يضر،
وإليه أشار بقوله :
وَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِالأَعْيَانِ مَعْ تَسْمِيَةٍ أَوْلَمْ يُصَفِّحْ مَا جَمَعْ
(ولا يضر) في صحة الإجازة (الجهل) أي جهل المجيز (بالأعيان) أي أشخاص المجاز
لهم (مع تسمية) أي ذكر أسمائهم وأنسابهم بحيث يزول الاشتباه عنهم، ويتميزون من
غيرهم على العادة الشائعة في ذلك.
وحاصل المعنى: أنه إذا جهل المجيز أعيان المجاز لهم مع تسميتهم، فإنه لا يضر ذلك
في الإِجازة كما أنه لا يشترط في معرفة المسمع عين السامع الذي سمع منه، وكذا الواحد
المسمى المعين ممن يجهل المجيز عينه من باب أولى، كما نص عليه عياض (أو لم يصفح)
بالبناء للفاعل، أي لم ير المجيز صفحات وجوه (ما) بمعنى من (جمع) أسماءهم في
إجازته .
يقال: صفحت القوم صفحًا، من باب نفع، وتصفحتهم: رأيت صفحات
وجوههم، والتضعيف هنا للمبالغة، والصفح بالفتح: من كل شيء جانبه، والصفحة
بالهاء مثله، والجمع صفحات، مثل سجدة وسجدات. أفاده الفيومي، فقوله: أو لم
يصفح عطف على الجهل بتقدير حرف مصدري، أي أو أن لم يصفح يعني أنه لا يضر
الجهل، ولا عدم تصفحهم.
وحاصل المعنى: أن المجيز إذا جمع بالإِجازة جماعة سماهم من غير حصر عددهم،
وتصفحهم واحدًا واحدًا جاز قياسًا على السماع أيضًا، وإن توقف بعضهم في القياس من
أجل أنه لا يلزم من كون قسم السماع لم يتأثر بذلك أن تكون الإجازة كذلك، لإمكان
ادعاء القدح في الإِجازة دون السماع، فالقياس ظاهر، لأنه إذا صح في السماع الذي الأمر
فيه أضيق لكونه لا يكون لغير الحاضر مع الجهل بعينه، فصحته مع ذلك في الإجازة التي
الأمر فيها أوسع لكونها للحاضر والغائب من باب أولى.
ثم ذكر النوع الخامس من أنواع الإجازة، وهو التعليق فيها بقوله :

٤٢٤
شَرْجُ الفِيَّةُ الشَّيُطِيّ -
٣٨٩ - وَإِنْ يَقُلِ فِي الأَصَحِّ أَبْطلٍ (*)
((أَجَزْتُ مَنْ شَاءَ وَمَنْ شَاءَ عَلِي))
٣٩٠ - وَصَحَّحُوا ((أَجَزْتُهُ إِنْ شَاءَ)) أَوْ
((أَجَزْتُ مَنْ شَاءَ)) رِوَايَةً رَأَوْا
أَجَزْتُ مَنْ شَاءَ وَمَنْ شَاءَ عَلِي (١)
وفِي الأَصَحِّ أَبْطلُ وَإِنْ يَقُلِ
(وفي الأصح) من قولي العلماء متعلق بقوله (أبطلوا) أي حكموا ببطلان الإجازة (إن
يقل) المجيز في إجازته (أجزت من شاء) الإجازة مني (و) كذا إن يقل أجزت (من شاء)
الإجازة له (علي) ابن فلان، لرجل معين، فـ ((علي)) فاعل شاء.
وحاصل معنى البيت: أنه إذا علق المجيز الإجازة بالمشيئة، فإما أن تكون معلقة بمشيئة
مبهم لنفسه، كأن يقول: من شاء أن أجيز له، فقد أجزت له، أو أجزت لمن شاء، وإما أن
تكون بمشيئة غير المجاز معينًا لغيره، كأن يقول: أجزت لمن شاء علي بن محمد مثلاً أن
أجيز له، أو من شاء علي بن محمد أن أجیز له فقد أجزته .
أو يقول لشخص: أجزت لمن شئت أن أجیزه، أو نحو ذلك.
فالأصح أن الإجازة في الصورتين باطلة، لأنها إجازة لمجهول، فهي كقوله: أجزت
لبعض الناس، أفتى بذلك القاضي أبو الطيب الطبري، ومثله عن الماوردي.
ومقابل الأصح: قول من أجاز في الصورتين، وهو قول أبي يعلى محمد بن الحسين بن
الفراء الحنبلي، وأبي الفضل محمد بن عبيد الله بن عمروس المالكي.
· واستدل لهما بأن هذه الجهالة ترتفع عند وجود المشيئة، ويتعين المجاز له عندها.
واحتج ابن الفراء بقوله بَّ لما أمر زيدًا على غزوة مؤتة: فإن قتل زيد، فجعفر، فإن قتل
جعفر فابن رواحة، فعلق التأمير.
ثم إن هذا كله فيما إذا كان التعليق للإِجازة، وأما إذا كان للرواية فالأصح الجواز، كما
أشار إليه بقوله :
وَصَحَّحُوا ((أَجَزْتُهُ إِنْ شَاءَ)) أَوْ
((أَجَزْتُ مَنْ شَاءَ)) رِوَايَةً رَأَوْا
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: خ: وَفِي الأصح أبطلوا إن يقل.
(١) ووقع في نسخة بدل الشطر الأول قوله:
وإن يقل ففي الأصح أبطل
البیت
أجزت من شاء .

٤٢٥
الجُزُءُ الأولُ
٣٩١- وَالإِذْنُ لِلْمَعْدُومِ فِي الأَقْوَى امْتَنَعْ
ثَالِثُهَا: جَازَ لِمَوْجُودِ تَبَعْ
(صححوا) أي حكم الحذاق من العلماء بصحة الإِجازة إذا قال (أجزته) أي فلانًا (إن
شاء) الرواية عني، أو أجزت لك إن شئت أن تروي عني، أو أحببت، أو أردت.
وحاصل المعنى: أنه إذا قال: أجزت لفلان كذا إن شاء الرواية عني فالصحيح الجواز،
لانتفاء الجهالة، وحقيقة التعليق، ولم يبق سوى صيغته، وقيل: لا تجوز.
(أو) قال (أجزت من شاء رواية) عني فكذلك (رأوا) أي العلماء جوازها.
وحاصل المعنى: أنه إذا علق الرواية بالمشيئة، كقوله: أجزت من شاء الرواية عني،
جازت، بل هي أولى بالجواز كما قاله ابن الصلاح، لأنه تصريح بمقتضى الحال، لأن
مقتضى كل إجازة تفويض الرواية بها على مشيئة المجاز له، لا تعليق في الإِجازة، هكذا
قال ابن الصلاح، وقاسه على بعتك إن شئت، قال العراقي: لكن الفرق بينهما تعيين
المبتاع، بخلافه في الإِجازة، فإنه مبهم، قال: والصحيح عدم الصحة، قال: نعم وزانه
هنا أجزت لك أن تروي عني إن شئت الرواية عني، والأظهر الأقوى هنا الجواز لانتفاء
الجهالة وحقيقة التعليق.
ثم ذكر النوع السادس من أنواع الإجازة، وهو الإِذن للمعدوم بقوله :
ثَالثُهَا : جَازَ لِمَوْجُودِ تَبَعْ
وَاَلِإِذْنُ لِلْمَعْدُومِ فِي الأَقْوَى امْتَنَعْ
(والإذن) مبتدأ خبره جملة امتنع، أي الإجازة (للمعدوم) أي غير المولود (في الأقوى)
أي القول الأرجح متعلق بقوله (امتنع) أي صار ممنوعًا.
وحاصل المعنى: أن الإِجازة للمعدوم اختلف فيها العلماء، كقوله: أجزت لمن يولد
لفلان على مذاهب .
الأول: المنع مطلقًا، وهو الصحيح، جزم به أبو الطيب الطبري، والماوردي، وابن
الصباغ، لأن الإجازة في حكم الإخبار جملة بالمجاز به، فكما لا يصح الإخبار للمعدوم
لا تصح الإجازة له .
والثاني: الجواز مطلقًا، وبه قال الخطيب، وألف فيه جزءًا، وقال: إن أصحاب أبي حنيفة،
ومالك أجازوا الوقف على المعدوم، كوقفت هذا على من يولد لفلان .
يعني فيلزمهم القول به في الإجازة من باب أولى؛ لأن أمرها أوسع.

٤٢٦
شَرِجُ الْفِيَةُ السَّيُوطِىّ -
٣٩٢- وَصَحَّحُوا جَوازَهَا لِطِفْلٍ
وَكَافِر وَنَحْوِ ذَا (*) وَحَمْلِ
وهذا القول هو المطوي في قوله (ثالثها): أي الأقوال، مبتدأ خبره جملة قوله (جاز)
أي الإذن للمعدوم الموجود) متعلق بقوله (تبع) بفتحتین، یکون للواحد، والجمع، وقد
يجمع على أتباع، وهو منصوب على الحال من المعدوم، وقف عليه بالسكون على لغة
ربيعة، أي حال كونه تابعًا لموجود بأن عطف عليه، كأجزت لك ولمن يولد لك، أو أجزت
لفلان ولمن سيولد له، أو لعقبه ما تناسلوا .
وحاصل هذا القول: أنه إن عطفه على موجود جاز، بل أولى بالجواز مما إذا أفرده بها
قياسًا على الوقف وفعله من المحدثين أبو بكر بن أبي داود، فقال: أجزت لك ولأولادك
ولحبل الحبلة.
وصرح بتصحيحه القسطلاني في المنهج المبهج.
ثم ذكر السابع، وهو الإجازة لغير متأهل، كالطفل ونحوه بقوله :
وَكَافر وَنَحْو ذَا وَحَمْلِ
وَصَحَّحُوا جَوازَهَا لِطفْلِ
(وصححوا) أي العلماء (جوازها) أي الإجازة (لطفل) أي صبي غير مميز (وكافر ونحو
ذا) أي الكافر ممن ليس أهلاً للرواية كفاسق، ومبتدع، ومجنون (و) صححوها أيضًا
لـ(حمل) سواء نفخ فيه الروح، أم لا، عطف على موجود كأبويه، أم لا .
وحاصل معنى البيت: أن العلماء صححوا جواز الإِجازة لغير متأهل للرواية
كالمذكورين. فأما الطفل فجوزها الجمهور، لأنها إباحة والإباحة تصح لغير المميز، بل
وللمجنون لعدم افتراقهما في غالب الأحكام، وأبطلها بعضهم، ونقل عن الشافعي لمن لم
يستكمل سبع سنين، أي: لأنه مظنة التمييز غالبًا.
وأما الكافر فلم يوجد تصريح بصحتها له من المتقدمين والمتأخرين مع تصريحهم
بصحة سماعه .
إلا أن شخصًا من الأطباء سمع الحديث في يهوديته على أبي عبد الله محمد بن
عبد المؤمن الصوري، وكتب اسمه في طبقة السماع، وأجاز الشيخ لمن سماع وهو من
جملتهم، وذلك بحضرة أبي الحجاج المزي، ثم هداه الله للإسلام، وحدث وسمع منه
الناس، فهذا يدل على أن المزي يرى ذلك، قال السخاوي: بل وأجازه ابن تيمية، وإذا
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: كالفاسق والمجنون. اهـ. من هامش الأصل.

٤٢٧
الجُزْءُ الأولُ
-
٣٩٣- وَمَنْعَهَا بِمَا الْمُجيزُ يَحْملُهْ
مِنْ بَعْدِهَا، فَإنْ يَقُلْ لا نُبْطِلُهْ
٣٩٤ - ((أَجَزْتُ مَا صَحَّ وَمَا يَصِحُّ لَكْ
مِمَّا سَمِعْتُ أَوْ يَصِحُ مَا سَلَك))
جاز للكافر، فالفاسق والمبتدع من باب أولى، وأما المجنون، فهي تصح له كما ذكر
الخطيب، وأما الحمل، فقال العراقي: لم أجد فيه أيضًا نقلاً، ولا شك أنه أولى بالصحة
من المعدوم، والخطيب يرى صحتها للمعدوم.
وإلى ما تقدم أشار العراقي في ألفيته حيث قال:
بِحَضْرَةِ المزِّيِّ تَشْرَى فُعلاً
وَلَمْ أَجِدْ فِي كَافِر نَقْلاً بَلَى
وَّهْوَ مِنْ الْمَعَدُومِ أَوْلَى فِعَْلاً
وَلَمْ أَجِدْ فِي الْحَمْلَ أَيْضًا نَقْلاً
قُلْتُ رَأَيَّتُ بَعْضَهُمْ قَدْ سَأَلَهُ
وَلَلْخَطِيبِ لَمْ أَجِدَ مَنْ فَعَلَهْ
مَا صَفَحَ الأَسْمَاءَ فِيهَا إذْ فَعَلْ
مَعَّ أَبَوَيْهِ فَأَجَازَ وَلَعَلّ
هَلْ يُعْلَمْ الْحَمْلُ وَهَذَا أَظْهَرُ
وَيَنْبَغِي الْبِنَا عَلَى مَا ذَكَـُرُوا
ثم أشار إلى النوع الثامن من أنواع الإجازة، وهو الإجازة بما لم يتحمله بعد بقوله:
مِنْ بَعْدِهَا، فَإِنْ يَقُلْ لا نُبْطِلُّهْ
وَمَنْعَهَا بِمَا الْمُجِيزُ يَحْملُهْ
مِمَّا سَمِعْتُ أَوْ يَصِحُ مَا سَلَك))
((أَجَزْتُ مَا صَحَّ وَمَا يَصِحُ لَكْ
(ومنعها) بالنصب عطفًا على جوازها أي: صححوا منع الإِجازة وبطلانها (بما) أي
المروي الذي (المجيز يحمله) مبتدأ خبره وهو صلة ((ما)) أي الحديث الذي يحمله الشيخ
المجيز للطالب (من بعدها) أي بعد الإِجازة متعلق بـ ((یحمله)).
يعني أن الشيخ إذا أجاز للطالب بما لم يتحمله بوجه من سماع أو إجازة ليرويه ذلك
الطالب إذا تحمله المجیز، فالصحیح بل الصواب کما قاله النووي، وهو الذي حكاه عیاض
عن أبي الوليد يونس بن المغيث القرطبي منع ذلك.
سواء عطفه على موجود بأن قال: أجزت لك ما رویته وما سأرویه أو لا، لأنه إخبار بما
لا خبر عنده منه، وإذن بما لا إذن لا، وإباحة ما لم يعلم هل يصح له الإذن فيه أم لا .
ومقابل الصحيح إجازة بعض المتأخرين المعاصرين للقاضي عياض لمن سأله الإجازة
كذلك، ووجهه بعضهم بأن شرط الرواية أكثر ما يعتبر عند الأداء لا عند التحمل (فإن يقل)

٤٢٨
شَرِجُ الْفَنَةُ السَّيُوطِىّ
٣٩٥- في مثْل ذَا لا تُدْخِلِ الْمَجَازَاَ
أَوْ صَحَّ عِنْدَ غَيْرِ مَنْ أَجَازَاً
٣٩٦- وَمَنْ رَأَى إجَازَةَ الْمُجَاز
- وَلَوْ عَلا - فَذَاكَ ذُو امْتيَازِ
٠
الشيخ (لا نبطله) جواب (إن)»، قدم على معمول فعل الشرط للضرورة، ورفع على قلة،
ومقول القول قوله (أجزت ما صح) عندك حال الإجازة (وما يصح لك) أي عندك بعدها
أني أرويه (مما سمعت) ـه من الأحاديث بيان لـ ((ما)) (أو) اقتصر على قوله ما صح وكلمة
(یصح ما سلك) أي ما ذكره يعني : أنه ترك ذلك ((یصح)) مکتفیًا بـ «ما صح)).
وحاصل معنى البيت: أنه إذا قال الشيخ: أجزت لفلان ما صح، ويصح عنده من
مسموعاتي، صحت الإِجازة.
فتجوز الرواية لما صح عنده بعد الإِجازة أنه سمعه قبلها، وقد فعله الدار قطني وغيره،
وكذا لو لم يقل: ((ويصح)) لأن المراد ما صح حال الرواية، لا الإِجازة.
قال السخاوي: والفرق بين هذه، والتي قبلها أنه هناك لم يرو بعد بخلافه هنا، فقد
روى ولكن تارة يكون عالما بما رواه، وهذا لا كلام فيه، وتارة لا يكون عالمًا فيحيل الأمر فيه
على ثبوته عند المجاز. اهـ (١).
ثم إنه لا يشمل ما صح عنده بالإجازة، أو صح عند غيره، كما ذكره بقوله :
أَوْ صَحَّ عِنْدَ غَيْرِ مَنْ أَجَازَاً
فِي مِسْلِ ذَا لا تُدْخِلِ الْمُجَازَا
(في مثل ذا) أي الإِجازة المتقدمة (لا تدخل) أيها الراوي بها (المجازا) بضم الميم أي ما
تحمله بالإجازة (أو صح) عطف على المجاز لأنه صلة ((ال))، أي أو الصحيح (عند غير من
أجازا) أي عند غير الشيخ الذي أجاز لك بهذه الكيفية .
وحاصل معنى البيت: أنه إذا أجاز لك الشيخ بالصيغة المتقدمة، وهي أجزت لك ما
صح إلخ، فليس لك أن تروي ما تحمله بالإجازة، أو ما صح عند غيره لأنه مقيد بسماعه .
ثم أشار إلى النوع التاسع، وهو إجازة المجاز بقوله:
وَلَوْ عَلَا فَذَاكَ ذُو امْتيَاز
وَمَنْ رَأَى إِجَازَةَ الْمُجَازِ
(ومن) شرطية (رأى) من العلماء صحة (إجازة المجاز) بضم الميم، أي الحديث الذي
(١) فتح ج ٢ ص ٢٦٦ .

٤٢٩
- الجُزْءُ الأولْ
٣٩٧- وَلَفْظُهَا ((أَجَزْتُهُ)) ((أَجَزْتُ لَهْ)
فَإِنْ يَخُطَّ نَاوِيًّا (فَيُهْملَهُ
تحمله الراوي بالإِجازة، كأن يقول: أجزت لك مجازاتي، أو رواية ما أجيز لي، أو ما أبيح
لي روايته (ولو علا) ذلك المجاز، أي كثر بسبب توالي الإجازات (فذاك ذو امتياز) مبتدأ
وخبر، جواب من، يعني: أن ذلك الرائي ذو تميز وفضل على من لم ير صحة ذلك لكون
رأيه صوابًا .
وحاصل معنى البيت: أن العلماء اختلفوا في إجازة المجاز، كقوله: أجزت لك
مجازاتي ونحو ذلك.
فمنع ذلك بعضهم، لأن الإجازة ضعيفة فيقوى الضعف باجتماع إجازتين.
ثم إن هذا المنع سواء عطف على الإذن بمسموع، أم لا، وقيل: إن عطف على الإِجازة
بمسموع صح، وإلا فلا، والصحيح الذي عليه العمل وهو الذي أشار إلى ترجيحه هنا
جوازها مطلقًا، لأن المقصود منها بقاء سلسلة الإِسناد.
(تنبيه): قال العراقي: ينبغي لمن يروي بالإجازة عن الإجازة أن يتأمل كيفية إجازة شيخ
شيخه لشيخه، ومقتضاها حتى لا يروي بها ما لم يندرج تحتها، فربما قيدها بعضهم بما صح
عند المجاز، أو بما سمعه المجیز فقط، أو بما حدث به من مسموعاته، أو غير ذلك، فإن كان
أجازه بلفظ أجزت له ما صح عنده من سماعاتي فليس للمجاز الثاني أن يروي عن المجاز
الأول إلا ما علم أنه صح عنده أنه من سماع شيخه الأعلى، ولا يكتفي بمجرد صحة
الإِجازة. اهـ(١).
ولما أنهى الكلام في أنواع الإجازة التسعة، وأحكامها، شرع يبين الألفاظ المستعملة
فيها، فقال :
وَلَفْظُهَا (أَجَزْتُهُ) (أَجَزْتُ لَهُ) فَأَنْ يَخُطَّ نَاوِيًّا (فَيُهْمِلَهْ
(ولفظها) أي اللفظ المستعمل في الإجازة، وهو مبتدأ خبره جملة قوله (أجزته) أي
أجزت فلانًا مسموعاتي أو مروياتي، متعديًا بنفسه، وبدون ذكر لفظه الرواية، أو نحوه
الذي هو المجاز به حقيقة .
وهذا نقله أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي صاحب المجمل وغيره في جزء سماه
مآخذ العلم؛ فإنه قال: معنى الإِجازة في كلام العرب مأخوذ من جواز الماء الذي يسقاه
(١) شرح الألفية ج ٢ ص ٨٦، ٨٧ .

٤٣٠
شِعُ الْفِيَّة الشَّيُوظِيّ _
المال من الماشية والحرث، يقال منه: استجزت فلانًا، فأجازني: إذا أسقاك ماء الأرضك أو
ماشيتك، كذلك طالب العلم يسأل العالم أن يجيزه علمه، فيجيزه إياه.
قال ابن الصلاح: فعلى هذا يجوز أن يقال: أجزت فلانًا مسموعاتي، أو مروياتي
متعديًا بغير حرف جر من غير حاجة إلى ذكر لفظ الرواية أو نحو ذلك.
وأما من يجعل الإِجازة بمعنى التسويغ والإذن والإباحة، فيحتاج إلى ذلك، وهو
المعروف، فيقول: أجزت له رواية مسموعاتي، كما قال (أجزت له) أي متعديًا بحرف
جر، وبدون إضمار، ومن يقول: أجزت له مسموعاتي، فعلى سبيل الإضمار للمضاف
الذي لا يخفى نظيره، وحينئذٍ ففي الأول الإضمار والحذف، دون الثاني الذي هو أظهر
وأشهر، وفي الثالث الإضمار فقط. أفاده السخاوي رحمه الله(١).
ثم إن التلفظ بالإجازة سواء كان مع الكتابة أم لا، هو الأعلى رتبة، ويليه الكتابة مع
قصد الإِجازة بدون تلفظ، وإليه أشار بقوله (فأن) الفاء للترتيب وأن مصدرية (يخط) أي
يكتب الشيخ بالإِجازة، حال كونه (ناويًا) لها، يعني: أن الكتابة بالإِجازة مع قصدها تلي
التلفظ بها، ثم تلي الكتابة بدون القصد، وإليها أشار بقوله (فيهمله) بالنصب عطفًا على
يخط من الإهمال، وهو الترك، أي يلي الخط مع النية أن يخط، ويهمل النية، وذكر
الضمير في قوله فيهمله بتأويل النية بالقصد.
والحاصل: أن كيفية الإِجازة أربعة: الكتابة مع اللفظ، وهو الأعلى، ثم اللفظ
بدون الكتابة، ثم الكتابة مع النية، ثم الكتابة مع إهمال النية، وهذا قال فيه العراقي:
الظاهر عدم الصحة، وقال ابن الصلاح: غير مستبعد تصحيح ذلك بمجرد هذه الكتابة
في باب الرواية الذي جعلت فيه القراءة على الشيخ مع أنه لم يلفظ بما قرئ عليه إخباراً
منه بذلك .
قلت: هذا هو المناسب لحل ألفاظ البيت، وهو الموافق لما في شروح الألفية العراقية،
والتدريب، وأما ما قاله العلامة ابن شاكر من أن الناظم رجح هنا إبطال الإجازة بالكتابة فلا
وجه له، ولعله جعله إن شرطية جوابها فيهمله ولا يلتئم الكلام عليه، فتدبر، وكذا حل
الشارح غير ملائم، فتأمل.
(١) فتح ج ٢ ص ٢٧٨، ٢٧٩ .

٤٣١
- الجُزْءُ الأولُ
٣٩٨- وَلَيْسَ شَرْطًا الْقَبُولُ بَلْ إِذَا
رَدَّ فَعنْدِي غَيْرُ قَادِحٍ بِذَا)
٣٩٩- وَأَسْتُحْسِنَتْ مِنْ عَالِمٍ لِمَاهِرِ
(※)
وَشَرْطُهُ يُعْزَى إِلَى أَكَابِرِ
٠٠
فالحاصل: أن الناظم رحمه الله ذكر في هذا البيت كيفية الإِجازة بمراتبها، فقوله:
ولفظها إلخ يتضمن اللفظ مع الكتابة، واللفظ بدونها، وقوله: فأن يخط ناويًا صريح في
الكتابة مع النية، وقوله: فيهمله: إشارة إلى الكتابة مع عدمها، وإنما كان القول أعلى من
الكتابة، لأنه دليل رضاه القلبي بالإجازة، والكتابة دليل القول الدال على الرضا، والدال
بغیر واسطة أعلى.
ثم ذكر أن الإِجازة لا تحتاج إلى قبول المجاز له، فقال:
رَدَّ فَعِنْدِي غَيْرُ قَادِحِ بِذَاً
وَلَيْسَ شَرْطًا الْقَبُولُ بَلْ إِذَا
(وليس شرطًا) في صحة الرواية بها وشرطًا خبر ليس مقدمًا واسمها قوله (القبول) أي
قبول المجاز له إياها (بل إذا رد) المجاز له الإِجازة، وكذا لو رجع المجيز عنها (فعندي غير
قادح) في الإجازة (بذا) أي بسبب رده للإِجازة، يعني: أن المجاز له لو ردها فهو غير قادح
لها برده، فقوله: عندي متعلق بـ ((قادح)» قدم للضرورة، وقوله غير قادح، خبر لمحذوف
أي فهو غیر قادح والجملة جواب إذا.
وحاصل معنى البيت: أن قبول المجاز له للإجازة غير شرط فى صحة الرواية بها كما
صرح به البلقيني.
قال الناظم: بل لو رد المجاز له إياها فعندي أنه لا يضر، وكذا لو رجع الشيخ عنها. قال:
ويحتمل أن يقال: إن قلنا: الإِجازة إخبار لم يضر الرد ولا الرجوع، وإن قلنا: إذن وإباحة،
ضرا كالوقف، والوكالة، ولكن الأول هو الظاهر، ولم أر من تعرض لذلك. اهـ (١).
ثم إنما تستحسن الإِجازة إذا صدرت من عالم لعالم، واشترطه بعضهم، وإليه أشار
بقوله :
وَاَسْتُحْسِنَتْ مِنْ عَالِمٍ لِمَاهِرِ
وَشَرْطُهُ يُعْزَى إِلَى أَكَابِرٍ
(١) ج ٢ ص ٤٣ .
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: الإجازة: أن يأذن الشيخ لغيره بأن يروي عنه مروياته أو مؤلفاته وكأنها =

٤٣٢
-
شَرْجُ الفِيَة الشَّيُوظِىّ -
= تتضمن إخباره بما أذن له بروايته عنه.
وقد اختلفوا في جواز الرواية والعمل بها، فأبطلها كثير من العلماء المتقدمين، قال بعضهم: ((من قال لغيره:
أجزت لك أن تروي عني ما لم تسمع -: فكأنه قال: أجزت لك أن تكتب علي! لأن الشرع لا يبيح رواية ما
لم يسمع».
وهذا يصح لو أنه أذن له في رواية ما لم يسمع مع تصريح الراوي بالسماع، لأنه يكون كذبًا حقيقة، أما إذا
كان يرويه عنه على سبيل الإجازة - وهو محل البحث -: فلا. وقال ابن حزم: ((إنها بدعة غير جائزة)) ومنع
بعض الظاهرية من العمل بها، وجعلوها كالحديث المرسل.
وهذا القول - أعني: إبطالها - ضعفه العلماء وردوه.
وتعالى بعضهم فزعم أنها أصح من السماع. وجعلها بعضهم مثله.
والذي رجحه العلماء أنها جائزة، يروى بها ويعمل، وأن السامع أقوى منها .
قال ابن الصلاح (ص ١٥٢): ((إن الذي استقر عليه العمل وقال به جماهير أهل العلم من أهل الحديث
وغيرهم - : القول بتجويز الإجازة وإباحة الرواية بها. وفي الاحتجاج لذلك غموض، ويتجه أن نقول: إذا
أجاز له أن يروي عنه مروياته وقد أخبره بها جملة -: فهو كما لو أخبره تفصيلاً، وإخباره بها غير متوقف
على التصريح نطقًا، كما في القراءة على الشيخ، كما سبق، وإنما الغرض حصول الإفهام والفهم، وذلك
يحصل بالإجازة المفهمة. والله أعلم)).
أقول: وفي نفسي من قبول الرواية بالإجازة شيء، وقد كانت سبًا لتقاصر الهمم عن سماع الكتب سماعًا
صحيحًا بالإسناد المتصل بالقراءة إلى مؤلفيها، حتى صارت في الأعصر الأخيرة رسمًا يرسم، لا علمًا يتلقى
ويؤخذ. ولو قلنا بصحة الإجازة إذا كانت بشيء معين من الكتب لشخص معين أو أشخاص معينين -: لكان
هذا أقرب إلى القبول. ويمكن التوسع في قبول الإجازة لشخص أو أشخاص معينين مع إبهام الشيء المجاز،
كأن يقول له: ((أجزت لك رواية مسموعاتي)) أو ((أجزت رواية ما صح وما يصح عندك أني أروبه)). أما
الإجازات العامة، كأن يقول: ((أجزت لأهل عصري)) أو ((أجزت لمن شاء)) أو (لمن شاء فلان)) أو المعدوم، أو
نحو ذلك مما قاله الناظم هنا: فإني لا أشك في عدم جوازها.
وإذا صحت الرواية بالإجازة فإنه يصح للراوي بها أن يجيز غيره، ويجوز لهذا الغير أن يروي بها، وخالف
في ذلك أبو البركات الأنماطي، فذهب إلى أن الرواية بها لا تجوز، لأن الإجازة ضعيفة، فيقوي الضعف
باجتماع إجازتين.
قال النووي في التقريب (ص ١٤١ تدريب): ((والصحيح الذي عليه العمل جوازه، وبه قطع الحفاظ الدارقطني
وابن عقدة وأبو نعيم وأبو الفتح نصر المقدسي، وكان أبو الفتح يروي بالإجازة عن الإجازة، وربما والى بين
ثلاث)».
ولفظ الإجازة قد وضح مما قلناه. والأصل أن يقوله الشيخ لافظًا به، فإن كتبه من غير نطق فقد رجح الناظم
هنا إبطال الإجازة .
وهو غير راجح، بل الكتابة والنطق سواء.
قال ابن الصلاح (ص ١٦٠): ((ينبغي للمجيز إذا كتب إجازته أن يتلفظ بها، فإن اقتصر على الكتابة كان =

٤٣٣
الجُزُءُ الأُولّ
-
٤٠٠ - رَبِعُهَا عِنْدَهُمُ: الْمُنَاوَلَهُ
أَنْ يُعْطِيَ الْمُحَدِّثُ الْكِتَابَ لَهْ
(واستحسنت) بالبناء للمفعول، أي الإِجازة أن تكون (من) مجيز (عالم) بما يجيز به
(الماهر) أي لمجاز حاذق بالفن (وشرطه) مبتدأ، أي اشتراط كونها من عالم لماهر- وقوله (يعزي)
بالبناء للمفعول أي ينسب، خبر المبتدأ إلى (أكابر) بالصرف للضرورة، أي الأئمة الكبار.
وحاصل معنى البيت: أنهم قالوا: إنما تستحسن الإِجازة إذا كان المجيز عالمًا بما يجيزه،
وكان المجاز له من أهل العلم أيضًا، لأنها تسويغ، وترخيص يتأهل له أهل العلم، لمسيس
حاجتهم إليها .
وقد اشترط بعضهم ذلك، وحكي عن مالك.
وقال ابن عبد البر: الصحيح أنها لا تجوز إلا لماهر بالصناعة في شيء معين لا يشكل
إسناده. اهـ.
وذلك لأنه إذا لم يكن كذلك لم يؤمن أن يحدث المجاز له عن الشيخ بما ليس من
حديثه، أو ينقص من إسناده الرجل والرجلين.
(تنبيه): قال السخاوي رحمه الله: كثر تصريحهم في الأجائز بـ((ما يجوز لي، وعني
روايته)) فقيل: إنه لا فائدة في قوله: عني، والظاهر أنهم يريدون بقولهم لي مروياتهم،
أعني: مصنفاتهم، ونحوها، وهو كذلك، وحينئذٍ فكتابتها ممن ليس له تصنيف، أو نظم
أو نثر عبث أو جهل. اهـ (١)؟.
ثم ذكر القسم الرابع من وجوه التحمل وهو المناولة بقوله :
رَبِعُهَا عِنْدَهُمُ: الْمُنَاوَّلَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْمُحَدِّثُ الْكِتَابَ لَهْ
=
ذلك إجازة إذا اقترن بقصد الإجازة، غير أنه أنقص مرتبة من الإجازة الملفوظ بها. وغير مستبعد تصحيح
ذلك بمجرد الكتابة في باب الرواية التي جعلت فيها القراءة على الشيخ - مع أنه لم يلفظ بما قرئ عليه:
إخبارًا منه بما قرئ علیه)).
وهذا هو الحق، وبهذا الدليل نرجح أن الكتابة فيها كالتلفظ سواء.
واستحسن العلماء الإجازة من العالم لمن كان أهلاً للرواية ومشتغلاً بالعلم، لا للجهال ونحوهم. وذهب
بعضهم إلى أن هذا شرط في صحتها.
قال ابن عبد البر: ((إنها لا تجوز إلا لماهر بالصناعة في شيء معين لا يشكل إسناده)).
وهذا قول قد يكون أقرب إلى الصواب من كل الأقوال.
(١) فتح ج ٢ ص ٢٨٣ - ٢٨٤ .

٤٣٤
شَرْجُ الغَيَّةُ السُّيُوطِيّ -
٤٠١ - ملكًا، تَلِي إِعَارَةٌ، أَوْ يُخْضرَة
للشَّيْخِ ذِي الْعِلْمِ لِكَيْمَا يَنْظُرَة
٤٠٢- ثُمَّ يَرُدَّهُ إِلَيْهِ، وَأَذِنْ
فِي الصُّورَتَيْنِ فِي رِوَآيَةٍ، فَدِنْ
للشَّيْخِ ذِي الْعِلْمِ لِكَيْمَا يَنْظُرَه
مِلْكًا ، تَلِي إِعَارَةٌ، أَوْ يُحْضرَهُ
فِي الصَّورَتَيْنِ فِي رِوَايَةٍ، فَدِنْ
ثُمَّ يَرُدَّهُ إِلَيْهِ، وَأَذْنْ
(رابعها) أي رابع وجوه تحمل الحديث، مبتدأ (عندهم) أي العلماء حال منه.
(المناولة) خبر المبتدأ ويجوز العكس، وهي لغة: العطية، ومنه في حديث الخضر:
((فحملوهما بغير نول)) أي عطاء واصطلاحاً: إعطاء الشيخ شيئًا من مروياته مع إجازته به
صریحًا، أو كناية، كما أشار إليه بقوله:
(أن) مصدرية (يعطي المحدث كتاب له) أي للطالب (ملكًا) بتثليث المیم، حال من
((الكتاب)) أي حال كونه مملوكًا له، و((أن)) وصلتها في تأويل المصدر خبر لمحذوف، أي
هي إعطاء المحدث إلخ.
وحاصل معنى البيت: أن النوع الرابع من أنواع التحمل هو المناولة، وهي إعطاء
المحدث الكتاب للطالب، سواء كان تصنيفًا له، أو أصل سماعه، أو فرعًا مقابلاً
بالأصل، وكذا مجازه ملكًا له هبة، أو بيعًا، أو ما يقوم مقامهما، قائلاً: هذا من
تصنيفي، أو نظمي، أو سماعي، أو روايتي عن فلان، وأنا عالم بما فيه فاروه عني، وهذه
الصورة هي الأعلى، وتليها ما كانت إعارة كما ذكرها بقوله (تلي) هذه الصورة الأولى
(إعارة) بالرفع فاعل ((تلي)) أي مناولة الشيخ الكتاب على وجه الإعارة، وكذا الإِجازة
ونحوها، فيقول له: خذ عني، وهو روايتي، على الوجه المشروح أولاً، فانتسخه، ثم
قابل به، أو قابل به نسختك التي انتسختها، أو نحو ذلك، ثم رده إليَّ(أو يحضره)
بالنصب عطفًا على ((يعطي)) أي يحضر الكتاب الطالب (للشيخ) أي عند المحدث (ذي
العلم) أي المعرفة بما في الكتاب (لكيما ينظره) أي يطالع الكتاب، ويتصفحه، متأملاً ليعلم
صحته، وعدم الزيادة فيه، والنقص منه، فأما إذا لم يكن عارفًا بما فيه فيجب عليه المقابلة
بأصل كتابه، كما صرح به الخطيب (ثم يرده إليه) أي يرد الشيخ ذلك الكتاب إلى الطالب،
ويقول له: وقفت على ما فيه، وهو كتابي، أو روايتي عن فلان، أو نحوه، فاروه عني،
أو أجزت لك روایته.

٤٣٥
- الجُزْءُ الأولُ
٤٠٣- وَأَخَذُوا بِهَذه إجْمَاعَا
بَلْ قِيلَ : ذِي تُعَادلُ السَّمَاعَا
٤٠٤- (وآخَرُونَ فَضَّلُوهَا) وَالأَصَحّ
تَلِي، وَسَبْقُهَا إِجَازَةً وَضَحْ
قال ابن الصلاح: وهذا قد سماه غير واحد من أئمة الحديث عرضًا، وقد سبقت
حكايتنا في القراءة على الشيخ أنها تسمى عرضًا، فلنسم ذلك عرض القراءة، وهذا عرض
المناولة. اهـ(١).
وممن فعل هذا عبد الله بن عمر، أو عبد الله بن عمرو (٢)، وابن شهاب، ومالك،
وأحمد، والأوزعي، والذهلي، وآخرون، كما قاله السخاوي(٣) (و) قد (أذن) له
جملة حالية من ((الشيخ)) أي حال كونه آذنًا للطالب (في الصورتين) المذكورتين، أي
صورة دفع الشيخ الكتاب إلى الطالب، إما ملكًا أو إعارة، وصورة إحضاره الكتاب
إلى الشيخ ليتأمله، ثم يرده إليه (في رواية) أي رواية ما في الكتاب كما شرحناه آنفًا،
وقوله (فدن) تتميم للبيت، أمر من دان يدين، بمعنى أطاع، أي أطع المحدثين في
قواعدهم؛ لأنهم أهل للطاعة، حيث إنهم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما
ثبت به الحديث(٤) .
ثم إن المناولة المقرونة بالإذن أعلى أنواع الإِجازة مطلقًا، لما فيها من التعيين
والتشخيص بلا خلاف بين المحدثین فیه. ثم ذكر حكمها فقال:
بَلْ قِيلَ : ذِي تُعَادِلُ السَّمَاعَا
وَأَخَذُوا بِهَذهِ إِجْمَاعًا
تَلِي، وَسَبْقُهَا إِجَازَةً وَضَحْ
وَآخَرُونَ فَضَّلُوهَا وَالأَصَحّ
(وأخذوا) أي العلماء من المحدثين وغيرهم (بهذه) أي المناولة المقرونة بالإجازة
(١) علوم الحديث ص ١٤٧ .
(٢) فيه الشك هل هو ابن عمر أو ابن عمرو؛ لأن أبا عبد الرحمن الحبلي قال: أتيت عبد الله بكتاب فيه
أحاديث ..... إلخ. فلم يبين هل هو ابن عمر أو ابن عمرو. اهـ .
(٣) فتح ج ٢ ص ٢٨٩ - ٢٩٠ .
(٤) وهو قوله ◌ِوَالثّهم في حديث طويل أخرجه أبو داود والترمذي، وابن حبان، والحاكم مصححًا: ((وإن العلماء
هم ورثة الأنبياء)) الحديث . وضعفه بعضهم للاضطراب في سنده، لكن له شواهد يتقوى بها، كما قال
الحافظ في الفتح ج ١ ص ١٩٣ .

٤٣٦
شَرْجُ الفِيَّةُ الشَّيُوطِيّ -
(إجماعا) حال من الفاعل، أو مفعول مطلق على النيابة أي حال كونهم مجمعين عليه، أو
أخذوا أخذ إجماع، والمعنى أن صحة المناولة المقرونة بالإِجازة مجمع عليه، والأصل فيه
حديث: أنه وَّ: ((كتب لأمير السرية كتابًا، وقال له: لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا،
فلما بلغ المكان قرأه على الناس)) الحديث علقه البخاري بالجزم(١)، وحديث ابن عباس:
((أن رسول الله تما ثيل بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة، وأمره أن يدفعه إلى
عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى)) الحديث (٢) بل قيل (ذي) أي المناولة
المقرونة بالإِذن (تعادل) أي تساوي (السماعا) في الرتبة والقوة.
يعني: أن بعض العلماء جعلوها مساوية للسماع.
وهو قول جماعة من أئمة المدنيين، كأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام،
وابن شهاب، وربيعة الرأي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعن جماعة من المكيين:
كمجاهد، وأبي الزبير، ومسلم الزنجي، وابن عيينة، ومن الكوفيين، كعلقمة،
وإبراهيم النخعي، والشعبي، ومن البصريين: كقتادة وأبي العالية، وأبي المتوكل
الناجي، ومن المصريين: كابن وهب، وابن القاسم، وأشهب، ومن الشاميين،
واخراسانیین، وغيرهم.
(وآخرون) من أهل الحديث (فضلوها) أي المناولة على السماع، يعني: أن بعض
المحدثين ذهبوا إلى أن المناولة أولى من السماع، نقله عنهم ابن الأثير في مقدمة جامع
الأصول؛ لأن الثقة بها أثبت لما يدخل من الوهم على السامع والمسمع (والأصح) من
الأقوال، وهو الذي عليه المحققون أنها (تلي) السماع، بل والقراءة في الرتبة، فهي منحطة
عنهما .
وهذا قول سفيان الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأبي حنيفة، والشافعي،
والبویطي، والمزني، وأحمد، وإسحاق، ویحیی بن يحيى، ومالك.
وقال الحاكم: وعليه عهدنا أئمتنا، وإليه ذهبوا، وإليه نذهب، واحتج له بقوله قلالآتى :
(«نضَّر الله امرأً سمع مقالتي، فوعاها حتى يؤديها إلى من لم يسمعها))(٣) .
(١) وصله البهيقي والطبراني بسند حسن. اهـ. تدريب ج ٢ ص ٤٣ .
(٢) أخرجه البخاري .
(٣) صحيح أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم بألفاظ، انظر صحيح الجامع الصغير ج ٢ ص ١١٤٥،
١١٤٦ .

·
٤٣٧
- الجُزْءُ الأولُ
٤٠٥ - وَصَحَّ إِنْ نَاوَلَ وَاسْتَرَدَّاً
وَمَنْ مُسَاوِي ذَاكَ الاصْلِ أَدَّى
وبقوله: تسمعون ويسمع منكم(١) فإنها لم يذكر فيها غير السماع، فدل على
أفضليته (وسبقها) مبتدأ، خبره جملة قوله وضح أي سبق المناولة المقرونة بالإِجازة، أي
تقدمها في الرتبة إجازة أي مجردة من المناولة (وضح) ؛ لأن تلك مختلف فيها دون هذه
لما ذكرنا من الإجماع، وإنما أخرت عنها في الذكر؛ لأنها جزء لأول نوعيها، أو لكون
الإجازة تشمل المروي الكثير بخلافها على الأغلب، أو لقلة استعمال المناولة على الوجه
الأكمل الفاضل، أو لاشتمال كل منهما على فاضل ومفضول، إذ أول أنواع الإجازة،
أعلى من ثاني نوعي المناولة، فلم ينحصر لذلك التقديم في واحد، وحينئذٍ فقدمت
الإِجازة لكثرة استعمالها .
ثم إنه بقي من صور هذا النوع الذي هو المناولة المقرونة بالإجازة صورتان.
الأولى: هي المناولة ثم الاسترداد، وإليه أشار بقوله:
وَصَبِحَّ إِنْ نَاوَلَ وَاسْتَرَدَّا وَمَنْ مُسَاوِي ذَاكَ الاصْلِ أَدَّى
(وصح) التحمل (إن) شرطية (ناول) أي: أعطى الشيخ الطالب الكتاب ونحوه، مع
الإِجازة له بروايته (و) لكنه (استردا) بألف الإطلاق، أي طلب رد ما أعطاه في الوقت،
ولم یمکنه منه، بل أمسكه الشیخ عنده.
وحاصل المعنى: أنه إن ناول الشيخ مرويه الطالب، ثم استرده في الحال، فقد صح هذا
الصنيع منه، فتجوز الرواية، والعمل به، ولكنه دون ما سبق لعدم اطلاع الطالب على ما
یحمله، و غيبته عنه .
ويحتمل كون ((أن)) مصدرية، وهي وصلتها في تأويل المصدر فاعل صح والمعنى
عليه: وصح مناولة الشيخ مروية الطالب، واسترداده منه، أي فتجوز الرواية والعمل به
(و) لكن إذا أراد الطالب الرواية لذلك (من مساوي ذاك الأصل) أي من كتاب مساو لما
أعطاه الشيخ، والجار والمجرور متعلق بقوله (أدى) أي روي، والجملة مستأنفة أي عليه أن
يؤدي من مساوي ذلك الأصل، أو أدى عطف على ناول فهو من جملة فعل الشرط، أي
إن أدى من مساوي ذلك الأصل صح.
وحاصل المعنى: أن الطالب المناول على هذه الكيفية، إذا أراد رواية ما تحمله على هذا
(١) صحيح أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم . انظر صحيح الجامع ج ١ ص ٥٦٧ .

٤٣٨
شَرْجُ الْفِيَّة الشَّيُوظِيّ -
٤٠٦- قيلَ : وَمَا لِذِي مِنْ امْتِيَاز
◌َعَلَى الَّذِي عُيِّنَ مِنْ مُجّازِ
٠٫٠٠٠٠
٤٠٧ - وَإِنْ يَكُنْ أَحْضَرَهُ مَنْ يُعْتَمَدْ
وَمَا رَأَى: صَحَّ، وَإِلَّ فَلْيُرَدّ
الوجه يلزمه أن يؤديه من مساوي ذلك الكتاب المردود، بأن وجد فرعًا مقابلاً به موثقًا
بموافقة ما تناولته الإجازة كما يعتبر ذلك في الإجازة المجردة، ومن باب أولى إن أداه من
ذلك الأصل المسترد منه إن ظفر به وغلب على ظنه سلامته من التغيير.
ثم إن هذه المناولة لا مزية لها على الإجازة المعينة، وإليه أشار بقوله :
قيلَ : وَمَا لِذِي مِنْ امْتِيَاز
عَلَى الَّذِي عُيِّنَ مِنْ مُجَاز
(قيل) أي قال جماعة من أصحاب الفقه والأصول (وما) نافية (الذي) أي لهذه المناولة
المذكورة خبر مقدم لقوله (من) زائدة (امتياز) أي تميز، وفضل (على الذي عين) بالبناء
للمفعول(من مجاز) بضم الميم بيان للموصول، أي من كتاب معین مجاز به.
وحاصل معنى البيت: أن جماعة من العلماء قالوا: لا مزية لهذه المناولة على الكتاب
الذي عُين في الإِجازة مجردًا عنها، فلا تأثير لها، ولا فائدة غير أن شيوخ أهل الحديث في
القديم والحديث، أو من حكى ذلك عنه منهم يرون لذلك مزية معتبرة. أفاده ابن
(١)
الصلاح(١) .
ثم أشار إلى الصورة الثانية، وهي إحضار الطالب الكتاب للشيخ، واستجازته من غير
تصفحه بقوله :
وَإِنْ يَكُنْ أَحْضَرَهُ مَنْ يُعْتَمَدْ وَمَا رَأَى: صَحَّ، وَإِلَّ فَلْيُرَدّ
(وإن يكن أحضره) أي الكتاب إلى الشيخ، والجملة خبر مقدم لـ ((يكن)) على اسمها،
واسمها قوله (من يعتمد) بالبناء للمفعول، أي الطالب الذي يعتمد عليه لإتقانه وثقته (و)
الحال أنه(ما) نافية (رأى) الشيخ في ذلك الكتاب(صح) جواب ((إن)) أي صح صنيعه هذا.
وحاصل المعنى: أنه إذا أحضر الطالب الكتاب إلى الشيخ، وقال له: هذا روايتك
فناولنيه، وأجز لي روايته، فأجابه إليه معتمدًا عليه لإتقانه وثقته من غير نظر فيه، ولا تحقق
لروايته له صحت المناولة والإجازة، كما يصح الاعتماد على الطالب في القراءة على
الشیخ إذا كان موثوقا به معرفة ودینًا .
(١) علوم الحديث ص ١٤٨ - ١٤٩ .
٠

٤٣٩
- الجُزْءُ الأولْ
٤٠٨- فَإنْ يَقُلْ: «أَجَزْتُهُ إِنْ كَانَا)»
٠٬٠٠٠
صَحَّ وَيُرْوَى عَنْهُ حَيْثُ بَانَا
وأما إذا لم يكن الطالب ممن يعتمد عليه فلا تصح الإِجازة فضلاً عن المناولة، كما أشار
إليه بقوله (وإلا) يكن الطالب الذي أحضر الكتاب معتمداً على خبره ولا يوثق بخبرته
(فليرد) بالبناء للمفعول أي هذا الصنيع إذ لا يصح الاعتماد على غير موثوق به .
لكن إن تبين بعد ذلك بخبر من يعتمد عليه أن ذلك من مروياته، فهل يحكم بصحة
الإِجازة. والمناولة السابقتين؟ قال العراقي: لم أر من تعرض لذلك، والظاهر نعم، لزوال
ما كنا نخشاه من عدم ثقة المخبر (١). اهـ.
فلو قال: حدث عني بما فيه إن كان من حديثي صح، بل كان حسنًا كما أشار إليه
بقوله :
فَإنْ يَقُلْ: ((أَجَزْتُهُ إِنْ كَانَا)) .
صَحَّ وَيُرْوَى عَنْهُ حَيْثُ بَانًا
(فإن يقل) الشيخ في الصورة المذكورة، سواء كان الطالب معتمدًا عليه، أم لا (أجزته)
لك (إن كانا) بألف الإطلاق أي الكتاب من حديثي (صح) جواب (إن) أي صح هذا
القول، وكان حسنًا فتصح الرواية به، يعني أنه إذا قال: حدث بما في هذا الكتاب الذي
أحضرته عني إن کان من حديثي صح التحمل فیروي به.
لكن زاد الخطيب كما نقله ابن الصلاح عنه قوله: مع براءتي من الغلط والوهم.
قال العراقي: ويدخل فيه الصورتان، ما إذا كان من أحضر الكتاب ثقة معتمدًا، وما إذا
كان غير موثوق به، فإن كان ثقة جازت الرواية بهذه المناولة والإِجازة وإن كان غير ثقة لكن
تبین بخبر من یوثق به أن ذلك الذي ناوله الشیخ کان من مروياته جازت روايته كذلك وإلیه
أشار بقوله (ويروى) بالبناء للمفعول أي يُروى ذلك الحديث، وفي نسخة الشارح ويروي
بالبناء للفاعل، أي يروي ذلك الطالب ما في الكتاب (عنه) أي عن ذلك الشيخ (حيث بانا)
أي ظهر واتضح كونه من مروياته، وذلك بكون المحضر ثقة، أو بإخبار ثقة بكونه من
مروياته. وممن فعله مالك.
ولما أنهى الكلام على الضرب الأول من ضربي المناولة، وهي المقرونة بالإجازة شرع
يبين الضرب الثاني، وهي المجردة عنها، وهي قسمان: باطلة بالاتفاق، ومختلف فيها،
وإلى الأول أشار بقوله:
(١) شرح الألفية ج ٢ ص ٩٥ .

٤٤٠
شَرْجُ الفِّيَّةُ الشَّيُوطِيّ _
٤٠٩ - (وَإِنْ يُنَاوِلْ لا مَعَ الإِذْنِ وَ لا
((هَذَا سَمَاعِي)): فَوِفَاقًا بَطَلا)
٤١٠- وَإِنْ يَقُلْ: ((هَذَا سَمَاعِي)) ثُمَّ لَمْ
يَأَذَنْ: فَفِي صِحَّتِهَا خُلْفٌ يُضَمّ
((هَذَا سَمَاعِي)): فَوِفَاقًا بَطَلَا
وَإِنْ يُنَاوِلْ لا مَِعَ الإِذْنِ وَ لا
(وإن يناول) الشيخ الطالب شيئًا من مروياته، ملكًا، أو عارية، ليستنسخ منه، أو
أحضر الطالب إليه شيئًا منه فتصفحه وعرف ما فيه، ثم دفعه إليه (لا مع الإذن) في الرواية
(ولا) قال له (هذا) الكتاب أو الحديث (سماعي) على الشيخ الفلاني، ولا مما أجيز لي في
روايته (فوفاقًا) بين العلماء (بطلا) هذا التحمل فلا تجوز الرواية به .
وحاصل معنى البيت: أنه إن ناول الشيخ الطالب الكتاب، أو أحضره هو ولم يأذن له
في الرواية، ولا قال له: إنه سماعي، أو مجازي، لم تجز المناولة بالاتفاق، كما قال
الزركشي .
والقسم الثاني: وهو المختلف فيه أشار إليه بقوله :
يَأَذَنْ: فَفِي صِحَتِهَا خُلْفٌ يُضَمّ
وَإِنْ يَقُلْ : ((هَذَا سَمَاعِي)) ثُمَّلَمْ
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: المناولة: أن يعطي الشيخ للطالب أصل سماعه أو فرعًا مقابلاً به وبقول له :
((هذا سماعي عن فلان فاروه عني)) أو ((أجزت لك روايته عني)) ثم يبقيه معه ملكًا له، أو يعيره إياه لينسخه
ويقابل به ثم يعيده للشيخ، أو يعطي الطالب للشيخ الكتاب فينظره الشيخ ويتأمله - وهو عارف متيقظ-
ويوقن أنه أصل صحيح وأنه من روايته ثم يعيده الشيخ للطالب ويخبره بأنه من روايته ويأذن له بأن يرويه
عنه: فهذه الصور كلها مناولة مقرونة بالإجازة، وهي أعلى أنواع الإجازة.
قال النووي: ((وهذه المناولة كالسماع في القوة عند الزهري وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري ومجاهد والشعبي
وعلقمة وإبراهيم وأبي العالية وأبي الزبير وأبي المتوكل ومالك وابن وهب وابن القاسم وجماعات آخرين)).
قال الناظم في التدريب (ص ١٤٣): ((والأصل فيها ما علقه البخاري في العلم: (أن رسول الله عزَّهلم كتب
لأمير السرية كتابًا وقال: ((لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا)، فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس وأخبرهم
بأمر النبي ،ِنَّم) وصله البيهقي والطبراني بسند حسن.
قال السهيلي: احتج به البخاري على صحة المناولة، فكذلك العالم إذا ناول تلميذه كتابًا جاز له أن يروي عنه
ما فيه. قال: وهو فقه صحيح. قال البلقيني: وأحسن ما يستدل به عليها ما استدل به الحاكم من حديث ابن
عباس: (أن رسول الله عزَّل بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة، وأمره أن يدفعه إلى عظيم
البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى).
وقد نقل ابن الأثير في جامع الأصول: ((أن بعض أصحاب الحديث جعلها - أي: هذه المناولة - أرفع من =