Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ الجُزُءُ الأُولُ - خاتمة ٢٧٢ - شَرُّالضَّعِيفِ الْوَضْعُ (فَالْمَتْرُوكُ ثُمّ ذُو النُّكْرِ فَالْمُعَلُّ فَالْمُدْرَجُ ضُمّ عباس، قال الحافظ: وهو المتروك في التحقيق. اهـ، قلت: قد تقدم البحث عنه في بابه. الثاني: قال النسائي: الكذابون المعروفون بوضع الحديث أربعة: ابن أبي يحيى(١) بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بخراسان، ومحمد بن سعيد المصلوب بالشام. نقله في التدريب (٢) . وقد نظمت ذلك حيث قلت: (من الرجز): ابْنُ أَبِي يَحْيَى حَوَتّهُ طَيْبَةُ مَنْ عُرِفُوا بِالْوَضْعِ قُلْ أَرْبَعَةٌ وَخَرَاسَانَ مُقَاتِلُ اقْتَرَى والَواقِدِيُّ قُلْ بِيَغْدَادَ فَرَى (٣) لِذَا النَّسَائِيُّ الْبَصِيُرِ أَرْ شَدَا مُحَمَّدُّ المصْلُوبُ بِالشَّامِ أعْتَدَى (تتمة): الزيادات في هذا الباب قوله: وبدليلَ فيه إلى آخر البيت العاشر، وقوله: بعضهم ليفسدا إلى ما يوافق الهوى . وقوله: مخالف الإجماع، إلى أن يقصد، وقوله: من الصحيح، وقوله: والحسن إلى آخر الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ثم لما أنهى الكلام على الصحيح، وما يتعلق به، والحسن وما يتعلق به، والضعيف وما يتعلق به، وذكر أنواعًا من الضعيف له ألقاب خاصة كالشاذ، والمنكر، ونحوهما بأبواب متتالية أتبعها بخاتمة تتعلق بها جميعها تتميمًا لمسائلها، فقال: خاتمة أي هذا مبحث خاتمة يختم بها ما بقي مما يتعلق بالأبواب السابقة، من بيان ترتيب أقسام الضعيف التي لها ألقاب خاصة وبيان كيفية رواية الصحيح، والضعيف، وكيف یحکم من رأى ضعفًا في سند حدیث. قال رحمه الله : شَرُّالضَّعِيفِ الْوَضْعُ (فَالْمَتْرُوكُ ثُمّ ذُو النُّكْرِ فَالْمُعَلُّ فَالْمُدْرَجُ ضُمّ (١) هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى المدني متروك، مات سنة (١٨٤) وقيل (١٩١) قاله في التقريب ٢٣. (٢) ج ١ ص ٢٥٧ . (٣) يقال: فرى عليه من باب رمى: كذب، كافترى عليه . أفاده في المصباح . ٣٢٢ شَرَجُ الْفَيُ السَّيُوطِى . ٢٧٣ - وَبَعْدَهُ الْمَقْلُوبُ قَالْمُضْطَرِبُ وَآخَرُونَ غَيْرَ هَذَا رَتَّبُوا ) وَآخَرُونَ غَيْرَ هَذَا رَّبُوا) وَبَعْدَهُ الْمَقْلُوبُ فَالْمُضْطَرَبُ (شر الضعيف الوضع) مبتدأ وخبر على حذف مضاف من الثاني، أو على تأويله بالمشتق: أي ذو الوضع، أو الموضوع شر أنواع الضعيف من الأخبار، وهذا لا خلاف فيه، بل هو في الحقيقة غير حديث، وإنما ذكروه لزعم واضعه ذلك. والأحسن كما قال السخاوي رحمه الله: أنه إنما ذكروه لأجل معرفة الطرق التي يتوصل بها لمعرفته، لینفی عنه القبول. وقد سبق هذا في أوائل بحث الموضوع (فـ) يليه (المتروك) من الأخبار، وهو كما تقدم: ما انفرد بروايته متهم بالكذب إلخ (ثم) يليه (ذو النكر) بضم فسكون، اسم من الإنكار، يقال: نكر(١) الأمر، نكيراً، وأنكره إنكارًا، ونكرًا، بضم فسكون: جهله، والصحيح أن الإنكار المصدر، والنكر الاسم، قاله في اللسان. يعني أن المنكر يلي المتروك في الرتبة (فـ) يليه (المعل) وهو: ما ظاهره السلامة، ثم اطلع فيه بعد التفتيش على قادح (ف) يليه (المدرج) وقد تقدم تعريفه بنوعيه، وقوله (ضم) يحتمل أن یکون بالبناء للمفعول، والجملة حال من المدرج أي حال کونه مضمومًا إلى ما قبله، أو خبر له، ويحتمل أن يكون فعل أمر، والمدرج مفعول مقدم، أو مبتدأ خبره جملة الأمر أي ضم أيها المحدث المدرج إلى ما قبله (وبعده) أي المدرج في الرتبة (المقلوب) وهو الذي أبدل فيه شيء بآخر على الوجه المتقدم (فـ) يليه (المضطرب) وهو الذي اختلفت وجوهه من غير مرجح لأحدها، ولا قابل للجمع بينها، هكذا قال الحافظ كما أفاده في التدريب (وآخرون) من المحدثين مبتدأ وخبره قوله: ((رتبوا))، ( غير هذا) الترتيب، نصب على أنه مفعول مطلق لقوله (رتبوا) أنواع الضعيف يعني أن بعض المحدثين سلكوا في ترتيب أنواع الضعيف مسلكًا آخر. فقال الخطابي: شرها الموضوع، ثم المقلوب، ثم المجهول، وقال الزركشي: ما ضعفه لا لعدم اتصاله سبعة أصناف: شرها: الموضوع، ثم المدرج، ثم المقلوب، ثم المنكر، ثم الشاذ، ثم المعل، ثم المضطرب، قال الناظم: هذا ترتيب حسن، وينبغي جعل المتروك قبل المدرج، وأن يقال فيما ضعفه لعدم اتصاله: شره المعضل، ثم المنقطع، ثم المدلس، ثم المرسل، وهذا واضح. (١) كفرح . ٦ ٣٢٣ - الجُزْءُ الأولُ ٢٧٤- وَمَنْ رَوَى مَنْنَا صَحِيحًا يَجْزِمُ أَوْ وَهَبًا أَوْ حَالُهُ لا يُعْلَمُ ٢٧٥ - بغَيْرِ مَا إِسْنَاده يُمَرِّضُ وَتَرْكَهُ بَيَانَ ضَعْفٍ قَدْ رَضُوا ٢٧٦ - فِي الْوَعْظِ أَوْ فَضَائِلِ الأَعْمَال لا الْعَقْدِ(*) وَالْحَرَامِ وَالْحَلال ٢٧٧ - (وَلَا إِذَا يَشْتَدُّ ضَعْفٌ ( ** )) ثُمَّ مَنْ ضَعْفًا رَأَى فِي سَنَدٍ وَرَامَ أَنْ ثم ذكر كيفية رواية الحديث الصحيح وغيره، فقال: أَوْ وَاَهيًا أَوْ حَالُهُ لا يُعْلُمُ وَمَنْ رَوَى مَتْنَا صَحِيحًا يَجْزِمُ وَتَرْكَهُ بَيَانَ ضَعْفُ قَدْ رَضُوا بِغَيْرِ مَا إِسْنَادِهِ يُمَرِّضُ فِي الْوَعْظِ أَوْ فَضَائِلِ الأَعْمَال لا الْعَقْدِ وَالْحَرَامِ وَالْحَلالِ ہے (وَلَا إِذَا يَشَتَدُّ ضَعَفٌَ) ٠٠ (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أي: الاعتقاديات. ( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: من نقل حديثًا بغير إسناده وجب أن يذكره بصيغة الجزم، فيقول مثلاً: ((قال رسول الله ◌ِ الله)). ويقبح جدًا أن يذكره بصيغة التمريض التي تشعر بضعف الحديث، لئلا يقع في نفس القارئ والسامع أنه حديث غير صحيح. وأما إذا نقل حديثًا ضعيفًا أو حديثًا لا يعلم حاله إن كان صحيحًا أو ضعيفًا: فإنه يجب أن يذكره بصيغة التمريض، كأن يقول: ((روى عنه كذا)) أو ((بلغنا كذا)) وإذا تيقن ضعفه وجب عليه أن يبين أن الحديث ضعيف، لئلا يغتر به القارئ أو السامع، ولا يجوز للناقل أن يذكره بصيغة الجزم، لأنه يوهم غيره أن الحديث صحيح، خصوصًا إذا كان الناقل من علماء الحديث الذين يثق الناس بنقلهم، ويظنون أنهم لا ينسبون إلى رسول الله ◌ِّ شيئًا لم يجزموا بصحة نسبته إليه. وقد وقع في هذا الخطإ كثير من المؤلفين رحمهم الله وتجاوز عنهم. وقد أجاز بعضهم رواية الضعيف من غير بيان ضعفه بشروط : أولاً: أن يكون الحديث في القصص أو المواعظ أو فضائل الأعمال أو نحو ذلك، مما لا يتعلق بصفات الله تعالى وما يجوز له ويستحيل عليه سبحانه، ولا بتفسير القرآن، ولا بالأحكام كالحلال والحرام وغيرهما. ثانيًا: أن يكون الضعف فيه غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب والذين فحش غلطهم في الرواية . ثالثًا: أن يندرج تحت أصل معمول به. رابعًا: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط. = ٣٢٤ شَرِجُ الْفِيَّةُ السَّيُوخِيّ (ومن) مبتدأ خبره ((يجزم)) أي الذي (روى) أي أراد الرواية كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]، يعني أن الذي أراد أن يروي (متنًا صحيحًا) بغير إسناده، وكذا كتابته (يجزم) عند روايته، أي يذكره بصيغة الجزم، كأن يقول: قال رسول الله مَله: كذا، ويقبح فيه التمريض كما يقبح في الضعيف الجزم. والحاصل: أن من روی حديثا صحيحاً بغير إسناده أو كتبه فعليه أن يؤديه، أو يكتبه بصيغة الجزم، ولا يورده بصيغة التمريض التي تشعر بضعفه؛ لأنه يوقع السامع أو القارئ إن كتبه في أن الحديث ضعيف (١). (أو واهيًا) عطف على صحيحًا أي أو أراد رواية حديث ضعيف (أو) رواية حديث (حاله) بالرفع مبتدأ، أي حال ذلك الحديث وقوله (لا يعلم) بالبناء للمفعول خبر المبتدأ، أي غير معلوم للراوي، ويحتمل كون حاله مفعولاً مقدمًا، والفعل مبني للفاعل، والفاعل ضمير عائد على من: أي أو أراد رواية حديث لا يعلم الراوي حاله هل صحيح أم لا؟ (بغير ما) ما زائدة بين المتضايفين (إسناده) أي بلا ذكر سنده، والجار والمجرور متعلق باروى))، وهذا القيد لابد منه في الأولى أيضًا. كما قدرناه قبل (يمرض) عطف على يجزم وفيه العطف على معمولي عاملين مختلفين، وفيه الخلاف المقرر في محله، يعني يذكره بصيغة التمريض. وحاصل المعنى: أن من أراد رواية، أو كتابه حديث ضعيف، أو مشكوك في صحته بغير سنده فعليه أن يرويه، أو يكتبه بصيغة التمريض، كأن يقول: روي عن = والذي أراه أن بيان الضعف في الحديث الضعيف واجب في كل حال، لأن ترك البيان يؤهم المطلع عليه أنه حديث صحيح، خصوصًا إذا كان الناقل له من علماء الحديث الذين يرجع إلى قولهم في ذلك، وأنه لا فرق بين الأحكام وبين فضائل الأعمال ونحوها في عدم الأخذ بالرواية الضعيفة، بل لا حجة لأحد إلا بما صح عن رسول الله عليهم من حديث صحيح أو حسن. وأما ما قاله أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك: ((إذا روينا في الحلال والحرام شددنا، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا- فإنما يريدون به - فيما أرجح والله أعلم - أن التساهل إنما هو في الأخذ بالحديث الحسن الذي لم يصل إلى درجة الصحة، فإن الاصطلاح في التفرقة بين الصحيح والحسن لم يكن في عصرهم مستقرًّا واضحًا، بل كان أكثر المتقدمين لا يصف الحديث إلا بالصحة أو بالضعف فقط. (١) قلت: هذا عند المتأخرين، وأما المتقدمون فيستعملون صيغة التمريض في الصحيح، ولا سيما الترمذي، فقد جرى في جامعه على خلاف هذه القاعدة، فإنه يذكر الحديث الصحيح المتفق عليه بصيغة التمريض، فيقول مثلاً: ويروى عن النبي عَّم كذا . فليتنبه. - الجُزُءُ الأولُ ٣٢٥ رسول الله مَله، أو بلغنا عنه، وما أشبه ذلك، لئلا يغتر به من لا يعرفه لو ذكره بصيغة الجزم، وقيد بقوله بغير ما إسناده إشارة على إنه إذا ذكره مع الإسناد لا يلزمه ذلك للاكتفاء بالإسناد . لكن قدمنا أن مجرد ذكر الإسناد لا يكفي في البراءة عن العهدة في هذه الأزمان المتأخرة لقلة من یعرف حال السند، فذكره وعدمه لا يجدي شيئًا، فلا بد من بیان حال الحديث (وتركه) أي الراوي، مفعول مقدم لـ(( رضوا)) (بيان ضعف) بفتح الضاد وضمها، كما قرئ بهما في السبعة مفعول ترك، (قد رضوا) أي أهل الحديث وغيرهم، والمعنى: أن العلماء جوزوا التساهل في الأسانيد الضعيفة، ورواية ما سوى الموضوع من الضعيف، وكذا العمل به من غير بيان ضعفه (في الوعظ) أي النصح والتذكير بالعواقب (أو) في (فضائل الأعمال) وكذا القصص، وسائر فنون الترغيب والترهيب، مما لا تعلق له بالعقائد، والأحكام، كما قال (لا) في (العقد) بفتح فسکون مصدر عقدت على كذا بمعنى اعتقدته، فهو بمعنى اسم المفعول، أي الشيء المعتقد، يعني أنهم لا يرضون ذلك في العقائد، کصفات الله تعالى، وما يجوز له، وما يستحيل عليه، وكذا تفسیر كلامه فلا يجوز ذكر الضعيف دليلاً عليها (و) لا في (الحرام والحلال) فلا يجوز التساهل فيهما أيضاً، وكذا الوجوب والندب والكراهة. والحاصل: أنه لا يجوز الاستدلال بالضعيف في الأحكام الشرعية (ولا) يرضون أيضًا ذلك (إذا یشتد ضعف) أي ضعف ذلك الحدیث بأن کان راویه متهمًا بالكذب، أو بالوضع، أو فاحش الغلط، قال الناظم: نقل العلائي الاتفاق عليه. والحاصل: أن بعض العلماء جوزوا التساهل في الأسانيد ورواية غير الموضوع من أنواع الحديث الضعيف من غير بيان ضعفها فيما سوى العقائد والأحكام الشرعية، كالمواعظ، والقصص، وفضائل الأعمال، وسائر فنون الترغيب والترهيب. قال ابن الصلاح: وممن روينا عنه التنصيص على التساهل في نحو ذلك عبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما، وزاد السخاوي: ابن معين، وابن المبارك، والسفيانين، ومنع ابن العربي المالكي العمل بالضعيف مطلقًا، وجوزه بعضهم مطلقًا والحاصل: أن في الاحتجاج بالضعيف ثلاثة مذاهب : (الأول): المنع مطلقًا وهو لابن العربي وهو مذهب مسلم، وابن حزم، وهو الراجح. ٣٢٦ شِعُ الْفِيَّةُ السَّيُوظِىّ - ٢٧٨ - يَقُولَ فِي الْمَتْنِ: ضَعِيفٌ: قَيَّدَاً بِسَنَدٍ ، خَوْفَ مَجِيءٍ أَجْوَدَاً (الثاني): الجواز مطلقًا، قال الناظم: وعزي(١) إلى أبي داود، وأحمد، لأنهما يريانه أقوى من رأي الرجال. (الثالث): التفصيل المذكور في النظم وهو المعتمد عند كثير من المتأخرين. (تنبيهان): الأول: ذكر في النظم من شروط قبول الضعيف شرطين فقط، كونه في الفضائل ونحوها، وأن لا يشتد ضعفه، وبقي علیه شرطان: أن يندرج تحت أصل معمول به، وأن لا يعتقد عند العمل به ثبوته بل يعتقد الاحتياط، ذكرهما العز بن عبد السلام، وابن دقيق العيد. الثاني: قال بعضهم: المراد بالضعيف هنا الضعيف في اصطلاح المتقدمين، وهو الحسن في اصطلاح المتأخرين وإليه مال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة كما نقله عنه القاسمي. قلت: في هذا القول نظر، فإن الحسن يحتج به مطلقًا في الأحكام، والعقائد، والفضائل، وغيرها، وهنا خصوا الفضائل، ونحوها، وأيضًا فإنهم اشترطوا هنا الشروط المتقدمة، وليس في الحسن شيء منها، فحمل كلامهم على الضعيف واضح، لكن للضعيف مراتب كما تقدم، فليس كل ضعيف يصلح للاحتجاج به، ولذا اشترط أن لا يكون شديد الضعيف، فتأمل(٢) . ثم ذکر کیفیة بیان المحدث إذا رأی حدیثًا بإسناد ضعيف، فقال: ضَعْفًا رَأَى فِي سَنَدٍ وَرَامَ أَنْ ........... ثُمَّ مَنْ بِسَنَدٍ ، خَوْفَ مَجِيءٍ أَجْوَدَاً يَقُولَ فِي الْمَتْنِ: ضَعِيفٌ: قَيَّدَاَ (١) قلت: في عزوه مطلقًا إلى أحمد نظر، لما يأتي في كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله. (٢) وقد حقق المسألة الحافظ ابن رجب رحمه الله في شرح العلل، فقال ما حاصلة قد رخص كثير من الأئمة في رواية أحاديث الرقاق ونحوها عن الضعفاء: منهم ابن مهدي، وأحمد بن حنبل، وقال الثوري: لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا من الرؤساء المشهورين بالعلم الذي يعرفون الزيادة والنقصان، ولا بأس بما سوى ذلك من المشايخ . وروى ابن المبارك عن رجل فقيل له: إنه ضعيف، فقال: يحتمل أن يروي عنه هذا القدر - يعني الأدب والمواعظ والرقائق - وقال ابن معين في موسى بن عبيدة، وكان ضعيفًا: يكتب من حديثه الرقاق. قال ابن رجب رحمه الله: وإنما يروي في الترغيب والترهيب، والزهد، والآداب، أحاديث أهل الغفلة الذين لا يتهمون بالكذب، فأما أهل التهمة فيطرح حديثهم . كذا ذكره ابن أبي حاتم وغيره . اهـ. شرح علل الترمذي باختصار ص ٧٦ ، ٧٧ . ٣٢٧ - الجُزْءُ الأولُ ٢٧٩ - وَلَا تُضَعَّفْ مُطْلَقًا مَا لَمْ تَجِدْ تَضْعِيفَهُ مُصَرَّحًا عَنْ مُجْتَهِدْ (*) ٠ (ثم) بعد أن بينا ما تقدم نقول (من) شرطية، أو موصولة مبتدأ (ضعفًا) بالفتح والضم مفعول مقدم لـ (رأى في سند) لحديث بأن كان مرويًّا بسند ضعيف (ورام) عطف على رأى أي قصد (أن يقول في المتن) أي متن ذلك السند الضعيف، وقوله (ضعيف) أي هو حديث ضعيف مقول قال، وقوله (قيدا) بألف الإطلاق جواب ((من))، أو الجملة خبره، أي قید ذلك القول (بسند) له بأن يقول: هو ضعيف بهذا السند. وحاصل المعنى: أنه إذا رأى المحدث حديثًا روي بإسناد ضعيف، وأراد أن يبين ضعفه فعليه أن يقيده بذلك الإِسناد، لجواز أنه قد رواه إمام بإسناد صحيح يثبت بمثله الحديث، كما أشار إليه بقوله (خوف مجيء أجودا) أي مخافة أن يوجد له سند أجود من هذا يثبت بمثله الحديث، أو بمجموعهما، لكن قال الحافظ: إذا بلغ الحافظ المتأهل الجهد، وبذل الوسع في التفتيش عنه من مظانه، فلم يجده إلا من ذلك الطريق الضعيف، فلا مانع من الحكم بالضعف بناء على غلبة الظن. فقوله: ((خوف مجيء أجودا)) منصوب على أنه مفعول لأجله، وألف أجودا للإطلاق. ثم إن ابن الصلاح رحمه الله منع استقلال المتأخرين بالحكم على الحديث بما يليق به كما تقدم ذلك عند قول الناظم: فحسن إلا لضعف فارددا وابن الصلاح قال ما تفردا في عصرنا كما إليه جنحا جريا على امتناع أن يصححا وخالفه الناظم هناك، حیث قال : وغيره جوزه وهو الأبر فاحكم هنا بما له أدى النظر لكنه وافقه هنا من غیر تعقب، حیث قال: تَضْعِيفَهُ مُصَرَّحًا عَنْ مُجْتَهِدْ وَلَا تُضَعِّفْ مُطْلَقًا مَا لَمْ تَجِدْ (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: من وجد حديثًا بإسناد ضعيف فالأحوط أن يقول: ((إنه ضعيف بهذا الإسناد)» ولا يحكم بضعف المتن - مطلقًا من غير تقييد - بمجرد ضعف ذلك الإسناد، فقد يكون الحديث واردًا بإسناد آخر صحيح، إلا أن يجد الحكم بضعف المتن منقولاً عن إمام من الحفاظ المطلعين على الطرق. وإن نشط الباحث للبحث عن طرق الحديث وترجح عنده أن هذا المتن لم يرد من طريق أخرى صحيحة، وغلب على ظنه ذلك -: فإني لا أرى بأسًا بأن يحكم بضعف الحديث مطلقًا. وإنما ذهب المصنف هنا إلى المنع تقليدًا لهم في منع الاجتهاد، كما قلنا نحو هذا في الكلام على الصحيح فيما مضى في (ص ٦٢) من هذا الشرح. ٣٢٨ شَرْجُ الفِيدُ الشَّيُوخِي (ولا) ناهية (تضعف) أيها المحدث، يعني لا تجزم بضعف الحديث الذي رأيته بسند ضعيف، وقوله (مطلقًا) نعت لمصدر محذوف، أي تضعيفًا مطلقًا عن التقييد بذلك السند، أو حال من التضعيف المفهوم من تضعف، ويجوز كونه بصيغة اسم الفاعل حالا من الفاعل، أي حال كونك مطلقًا الحكم عن التقييد بما ذكر (ما) مصدرية ظرفية (لم تجد) أيها المحدث (تضعيفه) أي الحديث (مصرحًا) بصيغة اسم المفعول مفعول ثان لـ ((تجد))، أو حال من مفعوله، أي موضحًا (عن مجتهد) أي عن إمام مطلع على علل الحديث حتى رسخ قدمه في ذلك، فحكم على الأحاديث ما تستحقه. ومعنى البيت: أنه لا ينبغي أن تحكم بالجزم على المتن المذكور على سبيل الإطلاق، بل قيده بالسند المذكور مدة عدم وجدانك ذلك التضعيف عن إمام من أئمة الحديث المطلعين القادرين على الحكم على أي حديث بما يستحقه، فيقول: هذا الحديث ليس له إسناد يثبت بمثله الحدیث، أو إنه ضعيف بشذوذ أو نكارة ونحوهما مفسراً ذلك الوجه. هذا: وقد عرفت أن الحق على خلاف ما ذهب إليه ابن الصلاح، فيجوز لمن تأهل بعد التفتيش على الحديث في مظانه، فلم يجده إلا من الطريق الضعيف الحكم عليه بالضعف، بناء على غلبة الظن، وإن لم يجد نصًّا من المتقدمين، كما جنح إليه الناظم مخالفًا لابن الصلاح في الكلام على مستدرك الحاكم وقد مر البحث هناك، وكذا إذا وجد جزم إمام من أئمة الحديث بأن راويه الفلاني تفرد به، وعرف المتأخر أن ذلك المتفرد قد ضعف بقادح جاز له الحكم عليه بالضعف. (تتمة): الزيادات في هذا الباب قوله: فالمتروك إلى قوله: رتبوا في البيت التالي، وقوله: ولا إذا يشتد ضعف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ولما أنهى الكلام على المقبول، والمردود من الحديث، وما يتعلق بذلك، أتبعه بذکر الشخص الذي تقبل روايته، والذي لا تقبل، فقال : - الجُزُءُ الأولُ ٣٢٩ من تقبل روايته ومن ترد ٢٨٠- لنَاقل الأَخْبَارِ شَرْطَانِ هُمَّا: عَدْلٌ، وَضَبْطٌ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمَا ےے ٢٨١ - مُكَلَّفًا لَمْ يَرْتَكِبْ فِسْقًا ولا خَرْمَ مُرُوءَةٍ وَلَا مُغَفَّسلا ٢٨٢- يَحْفَظُ إِنْ يُمْلِ، كِتَابًا يَضْبِطُ إِنْ يَرْو مِنْهُ، عَالمًا مَا يُسْقطُ ٢٨٣ - إِنْ يَرْوِ بَالْمَعْنَى، وَضَبْطُهُ عُرفَ إِنْ غَالِبًا وَفَقَ مَنْ به وُصِفْ (*) من تقبل روايته، ومن ترد أي وما يتعلق به من الجرح والتعديل، أي هذا مبحث معرفة صفة الشخص الذي تقبل روايته، لاستكماله شروط القبول، والذي لا تقبل، لعدم استكماله لها، وهو النوع السابع والثلاثون من أنواع علوم الحديث. - عَدْلٌ، وَضَبْطٌ: أَنْ يَكُونَ مُسْلَمَا لِنَاقِلِ الأَخْبَارِ شَرْطَانِ هُمَا: خَرْمَ مُرُوءَةً وَلا مُغَفَّلا مُكَلَّفَا لَمْ يَرْتَكِبْ فِسْقًا ولا إِنْ يَرْوِ مِنْهُ، عَالَمَا مَا يُسْقطُ يَحْفَظُ إِنْ يُمْلِ، كِتَابًا يَضْبُطُ إِنْ غَالِبًا وَافَقَ مَنْ بِهِ وُصِفْ إِنْ يَرْوِ بَالَمَعْنَى، وَضَبْطُهُ عُرفْ ( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أساس قبول خبر الراوي أن يوثق به في روايته - ذكراً كان أو أنثى، حرًّا أو عبدًا - فيكون موضعًا للثقة به في دينه، بأن يكون عدلاً، وفي روايته بأن يكون ضابطًا . والعدل: هو المسلم البالغ العاقل الذي سلم من أسباب الفسق وخوارم المروءة، على ما حقق في باب الشهادات من كتب الفقه، إلا أن الرواية تخالف الشهادة في شرط الحرية والذكورة وتعدد الراوي. وقد كتب العلامة القرافي في (الفروق) فصلاً بديعًا للفرق بين الشهادة والرواية (ج ١ ص ٥ - ٢٢) طبعة تونس. وأما الضبط: فهو إتقان ما يرويه الراوي، بأن يكون متيقظًا لما يروي - غير مغفل - حافظًا لروايته إن روى من حفظه، ضابطًا لكتابه إن روى من الكتاب، عالمًا بمعنى ما يرويه وبما يحيل المعنى عن المراد إن روى بالمعنى، حتى يثق المطلع على روايته والمتتبع لأحواله بأنه أدى الأمانة كما تحملها لم يغير منها شيئًا. وهنا مناط التفاضل بين الرواة والثقات. فإذا كان الراوي عدلاً ضابطًا - بالمعنى الذي شرحنا - سمي ((ثقة)) ويعرف ضبطه بموافقة الثقات المتقنين الضابطين إذا اعتبر حديثه بحديثهم، ولا تضر مخالفته النادرة لهم، فإن كثرت مخالفته لهم وندرت الموافقة اختل ضبطه ولم يحتج بحديثه . ٣٣٠ - شرح ألفية السيوطي (لناقل الأخبار) أي راوي الأحاديث غير المتواترة، وهو خبر مقدم لقوله (شرطان) يعني أن الشخص الذي يروي الأحاديث يشترط لقبول روايته أمران. وقيدنا بغير المتواتر لأنه لا يشترط فيه هذان الشرطان، بل له شروط غيرهما تقدمت في مبحثه . ثم بين الشرطين بقوله: (هما) أي الشرطان مبتدأ خبره قوله: (عدل وضبط) فالعدل بالفتح مصدر عدل من باب ضرب، والعدل القصد في الأمور، وهو خلاف الجور واصطلاحاً أن يكون ناقل الأخبار مُسْلِمًا فـ((أن)) مصدرية وهي وصلتها خبر لمحذوف، أي هو كونه مسلمًا .... إلخ. فلا يقبل كافر إذ لا وثوق به مع شرف منصب الرواية عن الكافر، لنفوذها على كل مسلم، وهذا بالإِجماع (مكلفًا) أي بالغًا عاقلا، فلا يقبل صبي في الأصح، لأنه لعلمه أنه غير مكلف قد لا يحترز عن الكذب، فلا يوثق به، وقيل: يقبل إن عُلِمَ منه التحرزُ عن الكذب، ولا مجنونٌ إذ لا يمكنه التحرز عن الخلل، إلا إذا انقطع، ولم يؤثر في حال الإفاقة (لم يرتكب فسقًا) أي لم يزاول مفسقًا، والفسق ارتكاب كبيرة، أو إصرار على صغيرة (ولا خرم) أي خارم (مروءة) أي قاطعها، ومزيلها، وهي بالضم والهمز بوزن سهولة، وقد تبدل الهمزة واوًا فتدغم فيما قبلها: آداب نفسانية، تحمل مراعاتها على الوقوف عند محاسن الأخلاق، وجميل العادات . ونقل الحافظ السخاوي عن الزنجاني رحمهما الله: أن المروءة يرجع في معرفتها إلى العرف، فلا تتعلق بمجرد الشرع. وأنت تعلم أن الأمور العرفية، قلما تنضبط بل هي تختلف لاختلاف الأشخاص، والبلدان، فكم من بلد جرت عادة أهله بمباشرة أمور لو باشرها غيرهم لعد خرمًا للمروءة. وبالجملة فرعاية مناهج الشرع وآدابه، والاهتداء بالسلف، والاقتداء بهم أمر واجب . قال الزركشي: وكأنه يشير بذلك إلى أنه ليس المراد سيرة مطلق الناس، بل الذين يقتدى بهم وهو كما قال . اهـ(١). (١) فتح ج ٢ ص ٥ . ٣٣١ الجُزْءُ الأولُ قلت: فالمعتبر هو عادة السلف، فما كان عندهم خارمًا للمروءة يلزم تجنبه وما لا فلا. والله أعلم. والحاصل: أن شروط العدالة على ما ذكره خمسة: الإِسلام، والبلوغ، والعقل، والسلامة من الفسق، والسلامة مما يخرم المروءة، فجملة ((لم يرتكب)) خبر بعد خبرين، أو حال من اسم يكون. (و) أما الضبط فهو لغة: مصدر ضبط الشيء، من باب ضرب: حفظه حفظًا بليغًا، ومنه قيل: ضبطت البلاد وغيرها: إذا قمت بأمرها قيامًا ليس فيه نقص. اهـ المصباح. واصطلاحًا: ما أشار إليه بقوله (لا) أن يكون (مغفلا) بصيغة اسم المفعول، أي منسوبًا إلى الغفلة . والمعنى: أن الضبط أن لا يكون الراوي مغفلاً، بأن لا يميز الصواب من الخطأ، كالنائم والساهي، إذ المتصف بالغفلة لا يحصل الركون إليه، ولا تميل النفس إلى الاعتماد عليه، وقوله: (يحفظ) جملة حالية، أي حال كونه حافظًا، أي مثبتًا ما سمعه في حافظته بحيث يبعد زواله عنها، متمكنًا من استحضاره متى شاء. وقوله: (إن يمل) قيد في الحفظ، أي إن رواه من حفظه، وهذا هو المسمى عندهم بضبط الصدر، و((إن)) في المواضع الثلاثة شرطية . (كتابًا) مفعول لقوله: (يضبط) بكسر الباء، أي يحفظه، ويصونه عن تطرق التزوير، والتغيير إليه من حين سمع فيه إلى أن يؤدي منه (إن يرو منه) أي الكتاب، كما هو الغالب في الأزمان المتأخرة، وهذا هو المسمى عندهم بضبط الكتاب، قال بعضهم: ومن شرطه أن لا يعيره لأحد، فإن أعاره فلا يجوز له أن یرویه بعده، لاحتمال أن يغيره المستعیر ویبدل، ما لم يعره لأمي، وما لم تكثر النسخ، وهذا الزمان لا يقال فيه ذلك؛ لأن الكتب قد ضبطت. انتهى. حال كونه (عالمًا ما) أي اللفظ الذي (يسقط) بضم الياء من الإسقاط، أي يحذفه من الحديث، ويحتمل أن يكون بفتح الياء ثلاثيًّا من السقوط، (إن يرو) الحديث (بالمعنى) بناء على جوازه وهو الصحيح، كما سيأتي. وحاصل المعنى: أنه يشترط كون الراوي عالمًا بما يحيل المعنى إن رواه بالمعنى بحيث ٣٣٢ 133 ٢٨٤- وَثْنَان إِنْ زَكَّاهُ عَدْلٌ وَالأَصَحّ إِنْ عَدَّلَ الْوَاحِدُ يَكْفِي أَوْ جَرَحْ ٢٨٥ - أَوْ كَانَ مَشْهُورًا، وزَادَ يُوسَّفُ (*) بِأَنَّ كُلَّ مِنْ بِعِلْمٍ يُعْرَفُ یأمن من تغییر ما يرويه، وسيأتي تمامه في بابه إن شاء الله تعالى. ثم ذكر ما يعرف به كون الراوي ضابطًا بقوله (وضبطه) أي الراوي مبتدأ، خبره قوله (عرف) بالبناء للمفعول، أي علم (إن) شرطية (غالبًا) أي في كثير من الأحوال (وافق) الراوي (من) موصولة مفعول وافق به أي الضبط (وصف) بالبناء للمفعول، أي من اتصف بالضبط، وإن خالفه نادراً. وحاصل المعنى: أن ضبط الراوي يعرف باعتبار ما يرويه بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان، فإن وجد موافقًا لهم غالبًا، ولو من حيث المعنى فضابط، وإلا فلا، ولا تضر مخالفته النادرة. ثم ذكر الخلاف فيما يثبت به الجرح والتعديل، فقال: إِنْ عَدَّلَ الْوَاحِدُ يَكْفِي أَوْ جَرَحْ وَثْنَانِ إِنْ زَكَّاهُ عَدْلٌ وَالأَصَحّ أَوْ كَانَ مَشْهُورًاً (واثنان) من المزكين (إن زكاه) أي حكما بعدالته في الرواية، يقال زكيته بالتثقيل: نسبته إلى الزكاء، وهو الصلاح، والرجل زكي، والجمع أذكياء. اهـ المصباح، يعني إنه إن زكى شخصان راويًا فهو (عدل) أي محكوم له بعدالة الرواية، فقوله اثنان مبتدأ سوغه الوصف المذكور، ((وإن)) شرطية وفي نسخة ((من)) وزكاه فعل الشرط، وأفرد الضمير نظرًا للفظ اثنان، فإنه مفرد اللفظ، مثنى المعنى، وقوله ((عدل)) خبر لمحذوف من الرابط، أي فهو عدل، والجملة جواب ((إن))، والجملة خبر المبتدأ . وحاصل المعنى: أن من عدله عدلان فهو عدل، وأما من عدله عدل واحد ففيه خلاف والأصح أنه عدل، وكذا الجرح، وإليه أشار بقوله: (والأصح) من أقوال العلماء مبتدأ خبره جملة الشرط (إن) شرطية (عدل الواحد) أي أخبر المزكي الواحد بعدالة الراوي، (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: هو الإمام الجليل أبو عمر بن عبد البر القرطبي. ٣٣٣ - الجُزْءُ الأولْ والمراد بالواحد الشخص فيشمل العبد والأنثى كما سيأتي، وقوله (يكفي) جواب ((إن)) ولم يجزم لكون الشرط ماضيًا، كما قال ابن مالك : وَبَعْدَ مَاض رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَنْ وَرَفْعُهُ بَعْدَ مُضَارعٍ وهَنْ يعني أن تعديل الواحد يكفي في عدالة الراوي، وقوله: (أو جرح) عطف على عدل أي إن جرح الواحد يكفي في الجرح أيضًا وجملة ((إن)) خبر المبتدأ . وحاصل المعنى: أن الأصح هو قول المحققين ونقله ابن الحاجب عن الأكثرين. قال ابن الصلاح: هو الذي اختاره أبو بكر الخطيب، وغيره أن تعديل الواحد، أو جرحه کاف . والحاصل: أن في المسألة ثلاثة أقوال: الأول: أنه لا يقبل في التزكية إلا رجلان كالشهادة، حكاه القاضي أبو بكر الباقلاني عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة، وغيرهم. الثاني: أنه يكفي الواحد فيهما، وهو الذي اختاره في النظم. قلت: وهو الراجح عندي والله تعالى أعلم. الثالث التفصيل: فيكفي في الرواية تعديل الواحد بخلاف الشهادة. ثم ذكر مما تثبت به العدالة الاستفاضة والشهرة فقال: (أو كان) الرَّاوي (مشهورًا) بالعدالة، ونباهة الذكر بالاستقامة والصدق مع البصيرة والفهم، فإنه يكفي ذلك في قبوله، فقوله: ((كان)) معطوف على ((عدل)) أي الأصح أنه إن كان الراوي مشهورًا بذلك یکفي في قبول روايته. وحاصل المعنى: أن من اشتهر من الرواة بالعدالة بين أهل العلم، وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانة والصدق استغنى فيه بذلك عن طلب بينة شاهدة بذلك تنصيصًا . قال ابن الصلاح: وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعي، وعليه الاعتماد في فن أصول الفقه، وذلك كشهرة مالك، وشعبة، ووکیع، وأحمد، وابن معين، ومن جرى مجراهم. ويثبت الجرح أيضًا بالاستفاضة كما قال السخاوي رحمه الله، وتوسع الحافظ ابن عبد البر رحمه الله حيث قال: كل حامل علم، معروف بالعناية به، فهو محمول أمره على العدالة حتى يتبين جرحه، وإليه أشار بقوله : ٣٣٤ شَرْج ◌ِنَُّ السّيُوطِيّ _ ٢٨٦ - عَدْلٌ إِلَى ظُهُورِ جَرْحٍ ، وَأَبَوْا (*) وَالْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ مُطْلَقًا ( ** ) رَأَوْا و و بِأَنَّ كُلَّ مِنْ بِعِلْمٍ يُعْرَفُ وزَادَ يُوسُفُ عَدْلٌ إلَى ظُهُورِ جَرْحٍ ، وَأَبَوْا (وزاد) توسعًا في باب العدالة الحافظ أبو عمر (يوسف) بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النَّمَري القرطبي ولد سنة ٣٦٨ هـ في ربيع الآخر، قال أبو الوليد الباجي: لم يكن بالأندلس مثله في الحديث له التمهيد، والاستذكار، في شرح الموطإ، والاستيعاب في الصحابة، وغير ذلك. توفي ليلة الجمعة سلخ ربيع الآخر سنة ٤٦٣ هـ عن ٩٥ سنة (بأن) الباء زائدة، أو على تضمين ((زاد)) معنى تفرد (كل من) أي شخص بعلم أي بالعناية به، متعلق بـ (يعرف) بالبناء للمفعول (عدل) خبر أن، أي محمول أمره على العدالة (إلى ظهور جرح) متعلق بـ((عدل))، أى إلى تبين أمر جارح له. وحاصل المعنى: أن ابن عبد البر يقول: كل حامل علم معروف بالعناية به، فهو محمول في أمره أبدًا على العدالة حتى يتبين جرحه، ووافقه على ذلك ابن المَوَّاق من المتأخرين، لقوله مَّر: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)) لكن الجمهور قالوا: إن هذا توسع غير مرضي، وإليه (#) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: تثبت عدالة الراوي بأن ينص عليها واحد من العلماء المعروفين بالبحث في أحوال الرواة. هذا هو الراجح، وذهب ابن الصلاح إلى اشتراط تزكية اثنين من العلماء . وهذا في غير من استفاضت عدالتهم، واشتهروا بالتوثيق والاحتجاج بهم بين أهل العلم، وشاع الثناء عليهم، مثل: مالك، والشافعي، وشعبة، والثوري، وابن عيينة، وابن المبارك، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وابن المديني، ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر، فلا يسأل عن عدالة هؤلاء، إنما يسأل عن عدالة من خفي أمره. وقد سئل أحمد بن حنبل عن إسحاق بن راهويه؟ فقال: ((مثل إسحاق يسأل عنه؟!)) وسئل ابن معين عن أبي عبيدة؟ فقال: ((مثلي يسأل عن أبي عبيد؟! أبو عبيد يسأل عن الناس)). وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: («الشاهد والمخبر إنما يحتاجان إلى التزكية إذا لم يكونا مشهورين بالعدالة والرضاء وكان أمرهما مشكلاً ملتبسًا ومجوزًا فيهما العدالة وغيرها. والدليل على ذلك أن العلم بظهور سرهما واشتهار عدالتهما أقوى في النفوس من تعديل واحد واثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة -. وتوسع الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري القرطبي في هذا فقال: ((كل حامل علم معروف بالعناية به فهو عدل محمول أبدًا على العدالة حتى يتبين جرحه)) قال ابن الصلاح: ((وفيما قاله اتساع غير مرضي)). ( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: خ: مبهمًا. ٣٣٥ الجُزُءُ الأُولْ ٢٨٧ - قَبُولَهُ مِنْ عَالِمٍ عَلَى الأَصَحّ مَا لَمْ يُؤَثَّقْ مَنْ بِإِجْمَالِ جُرِحْ ( أشار بقوله (وأبوا) أي امتنع العلماء من قبول كلام ابن عبد البر المذكور، وقالوا: إنه توسع غير مرضيٍّ. والحديث المذكور حديث مختلف فيه، فقيل: إنه مرسل أرسله إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، روى عنه معان بضم أوله وتخفيف المهملة ابن رفاعة السلامي، ورواه عن معان غير واحد . ذكره الذهبي في الميزان، وقد توبع معان، فذكر الخلال في علله أن أحمد بن حنبل سئل عنه، وقيل: كأنه كلام موضوع؟ قال: لا، هو صحيح، فقيل: ممن سمعته؟ قال: من غير واحد، فقيل: من هم؟ فقال: حدثني به مسكين إلا أنه يقول عن معان، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: يعني فغلط في اسم إبراهيم بن عبد الرحمن، قال أحمد : ومعان لا بأس به، ووثقه ابن المديني. وقد أطال الكلام في هذا الحديث في التنقيح وشرحه التوضيح، فارجع إليه(١). وقد أيد ابن الجزري ما ذهب إليه ابن عبد البر، وقال: هو الصواب وإن رده بعضهم، وسبقه المزي، فقال: هو في زماننا مرضي، بل ربما يتعين، ونحوه قول ابن سيد الناس : لست أراه إلا مرضيًّا، وقد قال الذهبي: إنه حق، قال: ولا يدخل في ذلك المستور، فإنه غير مشهور بالعناية بالعلم، فكل من اشتهر بين الحفاظ بأنه من أصحاب الحديث، وأنه معروف بالعناية بهذا الشأن، ثم كشفوا عن أخباره، فما وجدوا فيه تليينا، ولا اتفق لهم علم بأن أحدًا وثقه فهذا الذي عناه الحافظ ابن عبد البر، وأنه يكون مقبول الحديث إلى أن يَلُوح فيه الجرح، قال: ومن ذلك إخراج البخاري، ومسلم لجماعة ما اطلعنا فيهم على جرح ولا توثيق (٢). ثم ذكر مسألة الجرح والتعديل على الإبهام، فقال: وَالْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ مُطْلَقًّا رَأَوْا مَا لَمْ يُوثَّقْ مَنْ بِإِجْمَالِ جُرِحْ قَبُولَهُ مِنْ عَالِمٍ عَلَى الأَصَحّ (١) ج ٢ ص ١٢٧ - ١٢٩ . (٢) انظر فتح المغيث ج ٢ ص ١٨ . (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: اختلفوا في الجرح والتعديل: هل يقبلان مبهمين من غير ذكر أسبابهما؟: فشرط بعضهم لقبولهما ذكر السبب في كل منهما، وشرط بعضهم ذكر السبب في التعديل دون الجرح، = ٣٣٦ شِخ الفِيُ السَّيُوطِىّ (والجرح والتعديل) بالنصب على الاشتغال، أو بالرفع على الابتداء خبره جملة ((رأوا)) أي جرح الراوي وتعديله حال كون كل منهما (مطلقًا) أي غير مفسر بذكر سببه، وفي نسخة «مبهما)) (رأوا) أي المحققون (قبوله) أي كل واحد منهما (من عالم) أي من شخص عالم بأسباب الجرح والتعديل والخلاف في ذلك، بصير، مَرْضِيّ في اعتقاده وأفعاله (على الأصح) خبر لمحذوف، أي هذا على القول الأصح، أو متعلق بـ(( رأوا)) وهذا القول هو الذي اختاره الحافظ (ما) مصدرية ظرفية (لم يوثق) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله (من) أي الشخص الذي (بإجمال) أي من غير تفصيل، متعلق بقوله (جرح) بالبناء للمفعول، يعني: من جرحه جارح بأمر مجمل. وحاصل المعنى: أن الأصح قبول الجرح والتعديل المبهمين إذا صدرا من عالم بالأسباب، بصير، مرضي، اعتقادًا وأفعالاً، ما لم يوجد توثيق إمام من الأئمة لمن جرح مجملاً، فإن هذا الجرح لا يقبل إلا مفسراً، لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة، فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي، فإنه أئمة هذا الشأن لا يوثقون إلا من اعتبروا حاله في دينه، ثم في حديثه، = وقبل بعضهم التعديل من غير ذكر أسبابه. وشرط في الجرح بيان السبب مفصلاً، وهو الذي اختاره ابن الصلاح والنووي وغيرهما، وهو المشتهر عند كثير من أهل العلم. واعترض ابن الصلاح على هذا بكتب الجرح والتعديل، فإنها - في الأغلب - لا يذكر فيها سبب الجرح، فالأخذ بهذا الشرط يسد باب الجرح، وأجاب عن ذلك بأن فائدتها التوقف فيمن جرحوه، فإن بحثنا عن حاله وانزاحت عنه الريبة وحصلت الثقة به قبلنا حديثه. وذهب بعضهم إلى أنه لا يجب ذكر السبب في الجرح أو التعديل، إذا كان الجارح أو المعدل عالمًا بأسباب الجرح والتعديل والخلاف في ذلك، بصيرًا مرضيًّا في اعتقاده وأفعاله .. قال المؤلف في ((التدريب)) (ص ١١٢): ((وهو اختيار القاضي أبي بكر ونقله عن الجمهور، واختاره إمام الحرمين والغزالي والرازي والخطيب، وصححه الحافظ أبو الفضل العراقي والبلقيني في ((محاسن الاصطلاح)) واختار شيخ الإسلام - يعني: ابن حجر - تفصيلاً حسنًا: فإن كان من جرح مجملاً قد وثقه أحد من أئمة هذا الشأن لم يقبل الجرح فيه من أحد، كائنًا من كان، إلا مفسراً، لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة، فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي، فإن أئمة هذا الشأن لا يوثقون إلا من اعتبروا حاله في دينه ثم في حديثه، ونقدوه كما ينبغي، وهم أيقظ الناس، فلا ينقض حكم أحدهم إلا بأمر صريح، وإن خلا عن التعديل قبل الجرح فيه غير مفسر، إذ صدر من عارف، لأنه إذا لم يعدل فهو في حيز المجهول، وإعمال قول المجرح فيه أولى من إهماله. وقال الذهبي، وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال: لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة. انتهى. ولهذا كان مذهب النسائي أن لا يترك حديث الرجل حتی یجمعوا على تركه)). والتفصيل الذي اختاره ابن حجر هو الذي يطمئن إليه الباحث في التعليل والجرح والتعديل بعد استقرار علوم الحديث وتدوينها. وقد اختاره المؤلف هنا. ٣٣٧ الجُزُءُ الأُولُ ٢٨٨ - وَيَقْبَلُ التَّعْدِيلُ مِنْ عَبْد وَمِنْ أُثْنَى وَفِي الأُنْثَى خِلافٌ قَدْ زُكُنْ(*)) ونقدوه كما ينبغي، وهم أيقظ الناس، فلا ينقض حكم أحدهم إلا بأمر صريح، وإن خلا عن التعديل قبل الجرح فيه غير مفسر، إذا صدر من عارف، لأنه إذا لم يعدل فهو في حيز المجهول، وإعمال قول الجارح فیه أولى من إهماله. والحاصل أن في الجرح والتعديل المبهمين اختلافًا بين العلماء: الأول: يقبل التعديل من غير ذكر السبب، ولا يقبل الجرح إلا مبينًا، لأن أسباب التعديل كثيرة، فيشق ذكرها بخلاف أسباب الجرح، لأنه يحصل بأمر واحد، وهذا قول الجمهور، من الفقهاء، والأصوليين، وحفاظ الحديث كالشیخین. والثاني: عكسه، وهو قبول الجرح مطلقًا، ولا يقبل التعديل إلا مفسراً، لأن أسباب العدالة يكثر فيها التصنع، فيتسارع الناس إلى الثناء على الظاهر. والثالث: لا يقبلان إلا مفسرين، لأنه كما يجرح الجارح بما لا يقدح، كذلك يوثق المعدل بما لا يقتضي العدالة . والرابع عكسه: وهو لا يجب ذكر السبب في واحد منهما، إذا كان الجارح والمعدل عالمين بأسباب الجرح والتعديل، والخلاف في ذلك، بصيرين مرضيين في اعتقادهما وأفعالهما، وهو اختيار القاضي أبي بكر، ونقله عن الجمهور، واختاره إمام الحرمين، والغزالي، والرازي، والخطيب، وصححه أبو الفضل العراقي، والبلقيني. وفصل الحافظ تفصيلاً حسنًا فإن كان من جرح مجملاً قد وثقه أحد من أئمة هذا الشأن لم يقبل الجرح فيه من أحد كائناً من كان إلا مفسراً، لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي، إلى آخر ما تقدم. وهذا هو الذي رجحه الناظم في هذا النظم. قلت: هو في الحقيقة تفصيل للقول الرابع، وليس قولاً مستقلاً، وهو عندي تفصيل حسن. والله أعلم. ثم ذكر مسألة تعديل العبد والأنثى فقال: وَيَقْبَلُ التَّعْدِيلُ مِنْ عَبْدِ وَمِنْ أُنْثَى وَفِي الأُنْثَى خِلافٌ قَدْ زُكِنْ (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: يقبل التعديل من العبد والمرأة العارفين بهذه الصناعة، لأن هذا إخبار ورواية، وروايتهما مقبولة، وبعضهم خالف في قبوله من النساء، واحتج الخطيب للقبول بسؤال النبي عليه بريرة عن عائشة في قصة الإفك. وأما الصبي المراهق فقد نقل الخطيب أنه لا يقبل تعديله إجماعًا. ٣٣٨ شَرْجُ الْفِيَةُ السَّيُوطِيّ - ٢٨٩ - وَقَدِِّ الْجَرْحَ وَلَوْ عَدَّلَهُ أَكْثَرِ فِي الأَقْوَى، (فَإِنْ فَصَّلَهُ ٢٩٠ - فَقَالَ: مِنْهُ تَابَ، أَوْ نَفَاهُ بوَجْهِهِ قُدِّعَ مَنْ زَكَّاهُ (*)) (ويقبل التعديل) فعل مغير الصيغة ونائب فاعله، أي يقبل تعديل الراوي، وكذا جرحه حال كونه صادرًا (من عبد ومن أنثى) يعني أن العبد والأنثى إذا زَكَيَا شخصًا يقبلان إذا كانا عارفين بهذه الصنعة؛ لأنه إخبار ورواية، وروايتهما مقبولة، وهذا هو الصحيح، وخالف بعضهم في المرأة وإليه أشار بقوله (وفي) قبوله من (الأنثى خلاف) بين العلماء (قد زكن) بالبناء للمفعول، أي علم. فقد نقل القاضي أبو بكر عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة، وغيرهم، عدم القبول كما في الشهادة، لكن الصحيح هو الأول، وقد استدل الخطيب للقول الصحيح بسؤال النبي وَلا بريرة عن عائشة في قصة الإفك. ثم ذكر الخلاف في تقديم الجرح على التعديل، فقال: أَكْثَرِ فِي الأَقْوَى ، فَإِنْ فَصَّلَهُ وَقَدِّمِ الْجَرْحَ وَلَوْ عَدَّلَهُ بوَجْهِهِ قُدِّمَ مَنْ زَكَّاهُ فَقَالَ: مِنْهُ تَابَ، أَوْ نَفَاهُ (وقدم) أيها الطالب للرأي الأرجح (الجرح) (١) للراوي على التعديل له فيما إذا اجتمعا من الأئمة النقاد (ولو عدله) أي حكم له بالعدالة (أكثر) عددًا ممن جرحه، وقوله (في الأقوى) أي القول الأرجح لقوة دلیله، متعلق بـ ((قدم)). والمعنى: أنه إذا اجتمع في الراوي جرح وتعديل فالجرح مقدم، ولو زاد عدد المعدلين، هذا هو الصحيح عند الفقهاء والأصوليين، ونقله الخطيب عن جمهور (١) قال الحافظ السخاوي رحمه الله: ينبغي تقييد الحكم بتقديم الجرح بما إذا كان مفسرًا، أما إذا تعارضا من غير تفسير فالتعديل مقدم كما قاله المزي وغيره. اهـ. فتح المغيث ج ٢ ص ٣٢ . (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إذا اجتمع في الراوي جرح مبين السبب وتعديل: فالجرح مقدم وإن كثر عدد المعدلين، لأن مع الجارح زيادة علم لم يطلع عليها المعدل، ولأنه مصدق للمعدل فيما أخبر به عن ظاهر حاله إلا أنه يخبر عن أمر باطن خفي عنه. وقيد الفقهاء ذلك بما إذا لم يقل المعدل عرفت السبب الذي ذكره الجارح، ولكنه تاب وحسنت حاله، أو إذا ذكر الجارح سببًا معينًا للجرح، فنفاه المعدل بما يدل يقينًا على بطلان السبب. قاله في التدريب. ٣٣٩ - الجُزْءُ الأولُ العلماء، لأن مع الجارح زيادة علم لم يطلع عليها المعدل، ولأنه مصدق للمعدل فيما أخبر به عن ظاهر حاله إلا أنه يخبر عن أمر باطن خفي عليه، وقيد الفقهاء بما إذا لم يقل المعدل: عرفت السبب الذي ذكره الجارح ولکنه تاب منه، وحسنت حاله، فإنه حينئذ يقدم المعدل، وإلى هذا القيد أشار بقوله (فإن فصَّله) من الفصل، أو التفصيل، أي بين المعدل وجه تعديله بذكر ما يرجحه من نقض كلام الجارح، كأن يقول الجارح: إن هذا الراوي زنئ (فقال) المعدل: عرفت ذلك، ولكنه (منه) أي مما جرح به (تاب) إلى الله بشرطه، وحسن حاله، واستقام (أو) عين الجارح سببًا فـ(نفاه) عطف على فصله، أي نفى المعدل ما عينه الجارح سببًا للجرح (بوجهه) أي بطريق من طرق النفي المعتبرة، فالضمير عائد على النفي المفهوم من ((نفى)). يعني أنه إذا نفى ذلك السبب بطريق معتبر مجزوم به، كأن يقول الجارح: قتل غلامًا ظلمًا يوم كذا، فقال المعدل: رأيته حيًّا بعد ذلك. أو قال: كان القاتل في ذلك الوقت عندي، وقوله (قدم من زكاه) جواب إن ، وهو فعل ونائب فاعله، أي قدم قول المعدل على الجارح في هاتين الصورتين، لأن معه زيادة علم . وحاصل هذه المسألة: أنه إذا اجتمع في الراوي جرح وتعديل يقدم الجرح(١)، ولو زاد عدد المعدلين على الأصح، لكن يستثنى من هذه القاعدة مسألتان: إحداهما: ما إذا نقض المعدل قول الجارح بأن قال: عرفت السبب، ولكنه تاب منه، وحسنت حاله، فإنه يقدم المعدل، وقيده البلقيني بغير الكذب على النبي ◌َّ، فإنه لا يقدم فيه قول المعدل كما سيأتي تحقيقه. الثانية: ما إذا عين الجارح سببًا فنفاه المعدل بطريق معتبر، فإنه يقدم فيه قول المعدل أيضًا . ومقابل الأصح: قول من قال: إن كان المعدلون أكثر يقدم على الجرح، وقول من قال: یرجح الأحفظ، ومن قال : يتعارضان. هذا كله فيما إذا صدرا من قائلین، وأما إذا كانا من قائل واحد كما يتفق لابن معین، وغيره من أئمة النقد، فهذا قد لا يكون تناقضًا، بل نسيانا في أحدهما، أو نشأ عن تغير (١) قد تقدم أنه ينبغي أن يقيد هذا بما إذا كان الجرح مفسراً، وإلا فيقدم التعديل، كما قاله الحافظ المزي وغيره. فتنبه . ٣٤٠ شَرِج الفِيَّة السُبَيْوِيّ ٢٩١- وَلَيْسَ فِي الأَظْهَرِ تَعْديلاً إذَا عَنْهُ رَوَى الْعَدْلُ (وَلَوْ خُصَّ بِذَا (٦) ) اجتهاد، وحينئذ فلا ينضبط بأمر كلي . وإن قال بعض المتأخرين: إن الظاهر أن المعمول به المتأخر منهما إن علم وإلا وجب التوقف أفاده السخاوي(١) . ثم ذكر رواية العدل عمن سماه هل تكون تعديلاً له أو لا؟ فقال: وَلَيْسَ فِي الأَظْهَرِ تَعْدِيلاً إِذَا عَنْهُ رَوَى الْعَدْلُ وَلَوْ خُصَّ بِذَا (وليس في) القول (الأظهر) الذي قاله أكثر العلماء من المحدثين وغيرهم (تعديلاً) خبر ليس واسمها ضمير يعود إلى رواية العدل المفهوم مما بعده، أي ليس رواية العدل عن شخص تعديلاً له (إذا عنه روى) أي عن الشخص (العدل) الحافظ الضابط فضلاً عن غيره (ولو خص) بالبناء للفاعل، أي ولو خص ذلك العدل روايته (بذا) أي العدل، أو بالبناء للمفعول، أي ولو خص ذلك العدل بالرواية عن العدل. وحاصل معنى البيت: أنه إذا روى العدل عمن سماه لم يكن تعديلاً لذلك الشخص عند الأكثرين، وهو الصحيح، لجواز رواية العدل عن غير العدل، فلم تتضمن روايته عنه تعدیله. ولو صرح بذلك بأن صرح أنه لا يروي إلا عن العدل، أو عرف من حاله بالاستقراء، كشعبة، ومالك، ويحيى القطان، لجواز أن يترك عادته. وسيأتي ذكر من لا يروي إلا عن ثقة غالبًا . ومقابل الأظهر: قول من قال: إنه تعديل مطلقًا، إذا الظاهر أنه لايروي إلا عن عدل، إذ لو علم جرحًا لذكره ، لئلا يكون غاشًا. و قول من قال بالتفصيل: فإن کان لا يروي إلا عن عدل، فهو تعدیل وإلا فلا، وهو الصحيح عند الأصوليين، وإليه ميل الشيخين، وابن خزيمة في صحاحهم. وقيد بالعدل لأنه إذا كان غير عدل، فإنه لا يكون تعديلاً بالاتفاق، قاله السخاوي (٢). (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: وجد بهامش الأصل هنا بخط المصنف ما نصه: الحمد لله. ثم بلغ سماعًا عليَّ. وکتبه مؤلفه ختم الله له بخير آمين. (١) فتح ج٢ ص ٣٣ . (٢) فتح ج ٢ ص ٤١، ٤٢ .