Indexed OCR Text

Pages 161-180

- ١٦١ -
قال الإمام: قد شرط النبي مطلع عام الحديبية شروطاً لضعف حال
المسلمين، وعجزهم في الظاهر عن مقاومة الكفار، وخوفهم الغلبة" منهم
لا يجوز اليوم شيء من ذلك لقوة أهل الإسلام، وغلبة أمره، وظهور
حكمهٍ، والحمد لله إلا في موضع قريب من دار الكفر يخاف أملُ
الإسلام منهم على أنفسهم .
منها أنه هادنهم عشر سنين، واختلف أهلُ العلم في مقدار المدة التي
يجوز أن يُهادَنَ الكفارُ إليها عند ضعف أهل الإسلام، فذهب الشافعي
إلى أن أقصاها عشرُ سنين لا يجوز أن يجاوزها، لأن الله سبحانه وتعالى
أمر بقتال الكفار في عموم الأوقات ، فلا يُخرج منها إلا القَدْرُ الذي
استثناه الرسول بولفى عام الحديبية، وقال قوم: لا يجوز أكثرَ من
أربع سنين ، وقال قوم: ثلاث سنين، لأن الصلح لم يَبقَ بينهم أكثر
من ثلاث سنين، ثم إن المشركين نقضوا العهد، فخرج النبي معروف إليهم
وكان الفتح .
وقال بعضهم : ليس لذلك حدٌّ معلوم، وهو إلى الإمام يفعل على
حسب ما يرى من المصلحة ، أما في حال قوة أهل الإسلام لا يجوز أن
يهاد نهم سنة بلا جزية، ويجوز أربعة أشهر ، لقوله سبحانه وتعالى :
( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) [التوبة: ٣]. وجعل النبي عَل لصفوان
بعد فتح مكة تسييرَ أربعة أشهر، وفي أكثر من أربعة أشهر إلى سنة
قولان ، الأصح : أن لا يجوز، ولو هادئهم إلى غير مدة على أنه متى
بدا له نقضُ العهد ، فجائز .
ومنها أنه عليه السلام شرط : من أتانا منهم نردُّه عليهم ، ومن أتاهم
منا لا يردونه ، ثم ردّ أبا جندل بن سهيل إلى أبيه، وردًّ أبا بصير
شرح السنة ج ١١ - م ١١

- ١٦٢ -
إلى قومه ، ولم يردّ النساء .
واختلف أهل العلم في أن الصلح : هل كان وقع على رد النساء أم لا ؟
على قولين ، أحدهما : أنه وقع على رد الرجال والنساء جميعاً، لما روينا أنه :
(((لا يأتيك منا أحدٌ إلا رددته)) ثم صار الحكم في رد النساء منسوخاً
بقوله سبحانه وتعالى: (فلا تَرجِعوُهُنَّ إلى الكفار) [الممتحنة: ١٠]
ومن ذهب إلى هذا ، أجاز نسخ السنة بالكتاب (١) .
(١) قال ابن كثير في تفسير الآية ٣٥٠/٤: تقدم في سورة الفتح ذكر
صلح الحديبية الذي وقع بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبين كفار
قريش ، فكان فيه : على ألا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته
إلينا ، وفي رواية : على أنه لا يأتيك مننا أحد وإن كان على دينك إلا رددته
إلينا، وهذا قول عروة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد ، والزهري، ومقاتل
ابن حيان والسدي، فعلى هذه الرواية تكون هذه الآية مخصصة للسنة ،
وهذا من أحسن أمثلة ذلك ، وعلى طريقة بعض السلف ناسخة ، فإن الله
عز وجل أمر عباده المؤمنين إذا جاءهم النساء مهاجرات أن يمتحنوهن، فإن
علموهن مؤمنات ، فلا يرجعوهن إلى الكفار ( لاهن حل لهم ولا هم يحلون
لهن)) وهذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزاً
في ابتداء الاسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة ، ولهذا كان أبو العاص بن الربيع
زوج ابنة النبي صلى الله عليه وسلم زينب رضي الله عنها، وقد كانت
مسلمة وهو على دين قومه ، فلما وقع في الأسارى يوم بدر ، بعثت امرأته
زينب في فدائه بقلادة لها كانت لأمها خديجة ، فلما رآها رسول الله صلى
الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، وقال للمسلمين: ((إن رأيتم أن تطلقوا
لها أسيرها فافعلوا)) ففعلوا، فأطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم على
أن يبعث ابنته إليه ، فوفى له بذلك، وصدقه فيما وعده، وبعثها إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زيد بن حارثة رضي الله عنه، فأقامت

- ١٦٣ -
والقول الآخر: أن الصلح لم يقع على رد النساء ، لأنه يُروى: على
أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته ، وذلك لأن الرجل
لا يخشى عليه من الفتنة ما يخشى على المرأة من إصابة المشرك إياها،
وأنه لا يؤمن عليها الرَّدة إذا ◌ُخوَّفت، وأُكرِهَـ عليها لضعف قلبها،
وقلة هدايتها إلى المخرج منه بإظهار كلمة الكفر مع التورية، وإضمار
الإيمان ، ولا يخشى على الرجل ذلك، لقوته وهدايته إلى التقية، فلم يكن
في ردّه إليهم إسلاماً له للهلاك، لتيسّر سبيل الخلاص عليه . وإذا
احتاج الإمام إلى مثل هذا الشرط عند ضعف أهل الإسلام ، فلا يجوز
أن يُصالحهم على ردِّ النساء، وإذا صالحهم على رد الرجال ، ثم جاء في
طلبه غيرُ عشيرته لا يجوز ردُه، وإن جاء في طلبه بعضُ عشيرته ،
ردّه، لأنه لا يخشى عليه ممن هو من عشيرته أن يقتله، أو يقصده بسوء،
بل يَذبُ عنه من يقصده لشفقته. وقرابته، وعلى هذا الوجه كان رده
أبي جَندلٍ، وأبي بصيرٍ، فإنه ردّ أبا جندل إلى أبيه، وأبا بصير
إلى عشيرته الذين يقومون بالذب" عنه ، ورعاية جانبه.
وروي عن أبي رافع قال: بعثتني قريش إلى رسول الله عَ لٍَّ ، فلما
رأيتُه، ألقي في قلبي الإسلام، فقلت: والله لا أرجِعُ إليهم ، فقال
عَ افّ: ((إني لا أخيسُ بالعهد، ولا أحبسُ البُرُء، ولكن ارجع
فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن، فارجع(١))).
بالمدينة من بعد وقعة بدر ، وكانت سنة اثنتين إلى أن أسلم زوجها أبو
العاص بن الربيع سنة ثمان، فردها عليه بالنكاح الأول، ولم يحدث صداقاً.
( ١) أخرجه أبو داود (٢٧٥٨) في الجهاد : باب في الإمام یستجن به في
العهود ، وإسناده صحيح .

- ١٦٤ -
قوله: ((لا أخيس بالعهد)) يقال: خاس فلان وعده، أي :
أخلفَهُ، وخاص بالعهد : إذا نقضه .
ثم إن اله سبحانه وتعالى كما منع ود النساء إليهم، أمر بردً ما أنفق
الأزواج عليهن إليهم، فقال جلّ ذكره: ( واسألوا ما أنفقتم وليسألوا
ما أنفقوا ) [ الممتحنة: ١٠] والمراد من النفقة: الصّداق.
واختلف أهل العلم في أنه هل يجب العمل به اليوم إذا شرطه في
معاقدة المشركين ؟ فقال قوم : لا يجب ذلك ، وزعموا أن الآية
منسوخة ، وهو قول عطاء ، ومجاهد ، وقتادة ، والزهري ، وبه قال
الثوري ، وهو أحد قولي الشافعي ، وذهب قوم إلى أنها غير منسوخة ،
ويُرَدُ إليهم ما أنفقوا، يُروى ذلك أيضاً عن مجاهد، وهو القول الآخر
للشافعي ، قال: إذا جاءت امرأة ◌ُحوة من أهل الهدنة مسلمة ، فإن جاء
في طلبها غير زوجها ، فلا يعطى إليه شيء، وإن جاء زوجها في طلبها،
فإن لم يكن دفع صداقها ، فلا يعطى شيئاً ، وإن كان دفع صداقها
إليها، رُدّ إليه من بيت المال، ولو جاء عبد منهم مسلماً ، فقد عتق ،
ولا يُردّ إليهم، فإن جاء سيده في طلبه، دفع إليه قيمته . وقوله سبحانه
وتعالى: ( واسألوا ما أنفقتم ) أي: فاسألوا أيها المؤمنون الذين ذهبت
أزواجهم إلى المشركين ما أنفقتم عليهن من الصداق من تزوجمن منهم ،
وليسألوا يعني المشركين الذين لحقت أزواجهم بكم مؤمنات ما أنفقوا من
المهر ، فلما نزلت الآية، أقرّ المؤمنون بحكم الله، وأدوا ما أُمِروا به
من نفقات المشركين على نسائهم ، وأبى المشركون ذلك فأنزل الله
عز وجل: ( وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقيتم ) معناه :.
إن مضت امرأة منكم إليهم مرتدة ، فعاقبتم ، أي : أصبتموهم في القتال
بعقوبة حتى غنمتم ، وقيل: أصبتم منهم عقبى ، وهي الغنيمة ، وظفوتم

- ١٦٥ -
وقرىء ( فعقّتم (١) ) والتعقيبُ: غزوة بعد غزوة ( فآنوا الذين
ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ) من مهورهن من الغنائم التي صارت في
أيديكم .
وروي عن ربعي بن حِراشٍ ، عن علي بن أبي طالب كرّ الله
وجهه قال: خرج عبدانٌ إلى رسول الله عَ ل يعني يوم الحديبية قبل
الصلح، فكتب إليه مواليهم، فقال: هم ((عتقاءالله)) وأبى أن يردهم(٢).
قال الإمام : فيه بيان أن عبيد أهل الحرب إذا خرجوا إلى دار
الإسلام مسلمين ، فهم أحرار ، ولا يجب رد قيمهم ، فأما إذا خرج
إلينا كافرٌ وفي يده عبدٌ له، فأسلما قبل أن يُقدَرَ عليها، فملكْ السّيد
مستقِرٌ على عبده كما كان، ولو أن العبد غلب سيده في دار الحرب
وقهره ، ثم خرجا إلينا مسلمين ، وبد العبد ثابتة على سيده ، كان السيد
مملوكاً ، والمملوك مالكاً، ومن هاجر إلينا مسلماً من أهل الحرب ، فقد
أحرز جميع أمواله وأولاده الصغار ، سواء كانوا في دار الإسلام ، أو في
دار الحرب، عقاراً كان ماله، أو منقولاً. حاصر النبي يحو ◌ّل بني قريظة ،
فأسلم أبنا سعية: نعلبة، وأسيد، فأحرز إسلامها أموالها وأولادهما
(١) هي قراءة ابن عباس وعائشة وحميد والأعمش كما في ((زاد
المسير ٧ ٢٤٣/٨.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٧٠٠) في الجهاد : باب في عبيد المشركين
يلحقون بالمسلمين فيسلمون من طريق محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح.
من منصور بن المعتمر ، عن ربعي بن حراش، وأسناده حسن. وأخرجه
الترمذي (٣٧١٦)) بنحوه في المناقب من طريق أخرى عن منصور ، وقال :
هذا حديث حسن صحيح غريب لانعرفه إلا من هذا الوجه من
حديث ربعني عن علي .

- ١٦٦ -
الصغار (١). وكذلك لو دخل مسلم دار الحرب، فاشترى منهم فيها
عقاراً، ثم ظهر عليها المسلمون ، كان ذلك للمشتري . وذهب أصحاب
الرأي إلى أنه غنيمة ، واتفقوا على أنه لو اشترى منقولاً لا يُغنم .
وإذا هادن الإمام قوماً، فليس له أن يسير إليهم قبل انقضاء المدة ، فيحلّ
بساحتهم ، حتى إذا انقضت المدة، أغار عليهم ، 'ُوي عن سليم بن عامر
قال : كان بين معاوية، وبين الروم عهدٌ ، وكان يسير نحو بلادهم حتى
إذا انقضى العهد غزاهم ، فإذا رجل على دابة ، أو فرسٍ ، وهو يقول :
الله أكبر وفاء لا غدرٌ ، فنظروا فإذا عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية
فسأله، فقال سمعت رسول الله بَ لَم يقول: ((من كان بينه وبين
قوم عهد ، فلا يشدُ عقدة، ولا يحلها حتى ينقضيَ أمدُها، أو ينيِذَ
إليهم على سواء (٢) )، فرجع معاوية .
ومعنى قوله: ((أو ينبذ إليهم على سواء)) أي : يُعلمهم أنه يريد
أن يغزوهم ، وأن الصلح الذي كان قد ارتفع ، فيكون الفريقان في علم
ذلك على السواء، ويُشبه أن يكون إنما كره عمرو بن عبة ذلك من
أجل أنه إذا هادنهم إلى مدة وهو مقيم في وطنه ، فقد صارت مدة مسيره
(١) أخرجه البيهقي ١١٤/٩ من حديث ابن إسحاق حدثني عاصم بن،
عمر بن قتادة ، عن شيخ من قريظة أنه قال : هل تدري عم كان إسلام ثعلبة
واسيد ابني سعية وأسد بن عبيد وذكر الحديث بطوله.
(٢) أخرجه أحمد ١١٣/٤، والترمذي (١٥٨٠)) في السير: باب
ماجاء في الغدر ، وأبو داود ( ٢٧٥٩ ) في الجهاد : باب في الإمام يكون بينه
وبين العدو عهد فيسير، إليه، وإسناده صحيح ، وصححه ابر حبان
: ١٦٨١)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح .

- ١٦٧ -
بعد انقضاء المدة كالمشروط مع المدة المضروبة في أن لا يغزوهم فيها ،
فإذا صار إليهم في أيام الهدنة ، كان إيقاعه قبل الوقت الذي يتوقعونه ،
فعد" ذلك عمرو غدراً والله أعلم .
وإِن نقض أهل الهدنة عهدهم ، له أن يسير إليهم على غفلة منهم ، كما
فعل النبي يؤلفّ بأهل مكة، وإن ظهرت منهم خيانة بأهل الإسلام ،
نبذ إليهم العهد، قال الله سبحانه وتعالى: ( وإمّا تخافنَّ من قوم خيانة
فانيِذ إليهم على سواء ) [الأنفال: ٥٨].
ومن دخل إلينا رسولاً ، فله الأمان حتى يؤدي الرسالة ، ويرجع
إلى مأمنه، قال النبي يُعلّم لابن النواحة: ((لولا أنك رسول، لضربتُ
عنقك (١) ).
باب
أخذ الجزية من المجوس
قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى: (قَاتِلُوا الَّذِيْنَ لا يُؤْمِنُونَ
بِاللهِ وَلَاِ بِاليَوْمِ الآخرِ وَلَا يُحَرِّ مُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ
وَلَا يَدِيْنُونَ دِيْنَ الحَقِّ مِنَ الَّذِيْنَ أُوْتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا
الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: ٢٩] قَوْلُهُ
(١) أخرجه أحمد (٣٦٤٢) و (٣٧٠٨) وأبو داود (٢٧٦٢) في
الجهاد : باب في الرسل من حديث ابن مسعود ، وإسناده حسن .

- ١٦٨ -
تَعَالَى عَنْ يَدٍ، قِيْلَ: عَنْ ذُلِّ وَاعْتِرَافٍ بِأَنَّ دِيْنَ الإِسْلَامِ
عَالٍ على دِينِهِمْ، وَقِيلَ: عَنْ إِنْعَامِ عَلَيْهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ بِقَبُولِ
الجِزْيَةِ، وَقِيْلَ: عَنْ يَدٍ ، أَيْ: تَقْدٍ لَا نَسِيئَةٍ .
وَ قَوْلُهُ ( وَهُمْ صَاغِرُونَ) وَالصَّغَارُ : الذلُ، يَعْنِي :
بالصَّاغِرِيْنَ أَذِلَّاءِ يُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَنْ قِيَامٍ، وَالقَايضُ
جَالِسٌ ، وَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَعْنَى الصَّغَارِ: جَرَيَانُ ◌ُحُكْمٍ
الإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ، فَيَعْلُو حُكْمُ الإِسْلَامِ حُكْمَ الشِّرْكِ،
وَ قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وُضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالمَسْكَنَةُ)
[البقرة: ٦١] قِيْلَ: الذِّلَّةُ: الجِزْيَةُ، وَالمَسْكَنَةُ: فَقْرُ
النَّفْسِ وَإِنْ كَانَ مُوسِراً .
٢٧٥٠ - أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز
ابن أحمد الخلال ، نا أبو العباس الأصم ( ح ) وأخبرنا أحمد بن عبد الله
الصالحي، ومحمد بن أحمد العارف ، قالا : أخبرنا أبو بكر الحِيري ،
نا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا سفيان
◌َنْ عَمْرِو بْنِ دِيْنَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ يَجَالَةَ (١) يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ
مُعَمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَخذَ الجِزْيَةَ مِنَ المُجُوسِ
(١) بفتح الباء والجيم تابعي شهير كبير تميمي بصري وهو ابن عبده
ويقال فيه : عبد، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع .

- ١٦٩ -
حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ النَِّيَّ عَّ أَخْذَهَا مِنْ
١١١٠٠
مُجُوسِ هَجَرَ (١).
هذا حديث صحيح أخرجه محمد عن علي بن عبدالله ، عن سفيان .
٢٧٥١ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو
إسحاق الهاشميّ، أنا أبو ◌ُصعب ، عن مالك، عن جعفر بن محمد
عَنْ أَبِيْهِ أَنَّ ◌ُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ المَجُوسَ، فَقَالَ :
مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ في أَمْرِهِمْ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ
عَوْفٍ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عَلِ يَقُولُ: ((ُسنِوارِيهِمْ
◌ُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ (٢) )).
(١) الشافعي ١٢٦/٢، والبخاري ١٨٤/٦، ١٨٥ في الجهاد: باب
الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب، وأخرجه أبو عبيد في((الاموال))
٣٢، ٠٣٣
,٠
(٢) ((الموطأ)) ٢٧٨/١ في الزكاة : باب جزية أهل الكتاب والمجوس،
وسنده منقطع مع ثقة رجاله، قال صاحب ((التنقيح)): وقدروي معنى
هذا من وجه متصل إلا أن في إسناده من يجهل حاله قال ابن أبي عاصم :
حدثنا إبراهيم بن الحجاج السامي . ثنا أبو رجاء - وكان جارا لحماد بن
سلمة - ثنا الأعمش، عن زيد بن وهب قال: كنت عند عمر بن الخطاب،.
فقال : من عنده علم من المجوس ؟ فوثب عبد الرحمن بن عوف ، فقال :
أشهد بالله على رسول الله لسمعته يقول: ((إنما المجوس طائفة من أهل
الكتاب، فاحملوهم على ما تحملون عليه أهل الكتاب)) والطبراني من
حديث مسلم بن العلاء الحضرمي ((سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب في أخذ
الجزية فقط)) قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٣/٦: وفيه من لم أعرفهم، وروى
أبو عبيد في ((الأموال)) ص ٣٦ بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري قال:
لولا أني رأيت أصحابي يأخذون منهم الجزية ما أخذتها - يعني المجوس - .

- ١٧٠ -
قال رحمه الله : اتفقت الأمة على أخذ الجزية من أهل الكتابين وهم
اليهود والنصارى إذا لم يكونوا عرباً، لقوله سبحانه وتعالى: (قاقلوا
الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرِّمون ما حرم الله ورسولُهُ
ولا يُدينونَ دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يُعطُوا الجزية عن
يَدِ وهم صاغرون) [ التوبة: ٢٩].
واختلفوا في الكتابي العربي ، وفي غير أهل الكتاب من كفار
العجم ، فذهب الشافعي إلى أن الجزية على الأديان لا على الأنساب ،
فتؤحذ من أهل الكتاب عرباً كانوا أو عجماً ، ولا تؤخذ من أهل
الأوثان بحال، واحتج بأن النبي مؤلفل أخذها من أكيدر دومة ، وهو
رجل من العرب يقال : من غسان ، وأخذ من أهل ذمة اليمن وعامتهم
عرب ، ومن أهل نجران وفيهم عربٌ .
وذهب مالك والأوزاعي إلى أنها تؤخذ من جميع الكفار ، إلا
الموقد ، وفي امتناع عمر رضي الله عنه من أخذ الجزية من المجوس حتى
مشهد عبد الرحمن بن عوف أن النبي صَ لتم أخذها دليل على أن رأي
الصحابة كان على أنها لا تؤخذ من كل مشرك، إنما تؤخذ من أهل
الكتاب منهم .
واتفقوا على أخذ الجزية من المجوس ، وذهب أكثر أهل العلم إلى
أنهم ليسوا من أهل الكتاب، وإنما أخذت الجزية منهم بالسُّنّة، كما
أُخذت من اليهود والنصارى بالكتاب ، وقيل : هم من أهل الكتاب
روي ذلك عن علي رضي الله عنه قال : كان لهم كتاب يدرسونه،
فأصبحوا وقد أسري على كتبهم ، فرفع من بين أظهرهم ، واتفقوا
على تحريم مناكحة المجوس ، وتحريم ذبائحهم إلا شيء يحكى عن أبي
ثور أنه أباحه. فأما اليهود والنصاري، فمن كان منهم من نسل بني

- ١٧١ -
إسرائيل، فأجمعوا على حلّ ◌ُناكحتهم وذبائحهم، لقول الله سبحانهٌ
وتعالى : ( وطعامُ الذين أوتوا الكتاب حيلّ لكُم وطعامُكم حِل
لهم والمحصناتُ من المؤمناتِ والمحصناتُ من الذين أُتوا الكتاب من
قبلِكُم ) [ المائدة: ٥] فأما من دخل في دينهم من غيرهم من
المشركين نُظر إن دخلوا فيه قبل النّخ ، وقبل التبديل يقرُّون بالجزية،
وفي حِلّ مناكحتهم وذبائحهم اختلاف، فأصحُّ الأقوال حِلُّها ، وإن
دخلوا فيه بعد النسخ ، أو بعد التبديل ، فلا يُقرُّون بالجزية، ولا
تحلُّ مناكحتهم وذبائحهم ، ومن شككنا في أمرهم أنهم دخلوا فيه بعد
النّخ، أو التبديل، أو قبله ، تؤخذ منهم الجزية ، ولا تحلّ مناكحتهم
وذبائحهم ، لأن أخذ الجزية لحقن الدم ، وأمر الدم إذا دار بين
الحقن والإراقة يُغلّب جانبُ الحقن، وأمر البُضع والذبيحة إذا تردّدّ
بين الحِلّ والتحريم، تغلْبُ جهة التحريم، فمن هذه الجملة نصارى العرب
من تنوخ ، وبهرا ، وبني تغليب ، أقرهم عمر رضي الله عنه بالجزية ،
وقال : ما يحلُّ لنا ذبائحهم ، وقال علي رضي الله عنه : لا تأكلوا ذبائح
نصارى بني تغليب، فإنهم لم يتمسكوا من دينهم إلا بشرب الخمر (١).
وسئل ابن عباس عن ذبيحة نصارى العرب، فقال : لا بأس بها . .
وقال الزهري : لا بأس بذبيحة نصارى العرب، فإن سمعته بسمي لغير
الله، فلا تأكل، فإن لم تسمعه، فقد أحلهُ الله، وعلم كفرهم (٢).
(١) أخرجه الشافعي ٤٤٢/٢، وعبد الرزاق (٨٥٧٠) و (١٠٠٣٤)
والطبري ٥٧٥/٩، والبيهقي ٢٨٤/٩ من حديث محمد بن سيرين عن عبيدة
السلماني، عن علي، وإسناده صحيح .
(٢) علقه البخاري ٥٤٩/٩، قال الحافظ: وصله عبد الرزاق
(٨٥٧١) و (١٠٠٤٠) و (١٠١٩٠) عن معمر عنه .

- ١٧٢ -
ولو انتقل يهودي أو نصراني في زماننا إلى دين أهل الأوثان لا يقرء
بالجزية كما لو دخل وننيٌ في دينها، ولو انتقل يهودي إلى نصرانية،
أو نصراني إلى يهودية، فهل يقرءُ بالجزية، وهل تحلّ مُناكحته
وذبيحته ؟ فعلى قولين أحدهما - وبه قال أصحاب الرأي - : يقرُّ عليه ،
ويجلُ نكاحه وذبيحته ، لأن حكم الدينين واحد ، والثاني : لا يُقر
عليه، لأنه استحدث ديناً باطلاً بعد ما كان معترفاً ببطلانه، فأشبه المسلم
يرتد والعياذ بالله عز وجل ، ولو تموّدّ مجوسي ، أو تمجس يهودي ،
لا تحل ذبيحته ولا مناكحته ، وفي التقرير بالجزية هذا الاختلاف .
باب
قدر الجزية
٢٧٥٢ - أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أنا أبو محمد
عبد الجبار بن محمد الجراحي ، نا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، نا
أبو عيسى الترمذي ، نا محمود بن غيلان ، نا عبد الرزاق ، أنا سفيان
عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن مسروق
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ عَظَه إلى الْيَمَنِ
فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِيْنَارَا، أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ (١).
(١) الترمذي (٦٢٣)) في الزكاة: باب ماجاء في زكاة البقر، وأخرجه
أبو داود (٣٠٣٩) في الإمارة: باب في أخذ الجزية، وأحمد ٢٣٠/٥ و ٢٣٣
و ٢٤٧ والنسائي ٢٥/٥، ٢٦ في الزكاة: باب زكاة البقر ، وصححه ابن
حبان (٧٩٤) ، والحاكم ٣٩٨/١، وأقره الذهبي، وقال الحافظ في ((التلخيصٍ))

١٧٣
هذا حديث حسن .
قال الإمام أراد بالحالم: البالغ احتلم أو لم يحتليم ، والمعافر : نوع
من الثياب يكون باليمن .
وفيه دليل على أن الجزية إنما تكون على البالغين من الرجال دون
النساء والصبيان، وكذلك لا تجبُ على المجانين ولا العبيد، وأقلُ الجزية
دينارٌ على كل بالغ في كل سنة ، ولا يجوز أن ينقص عنه .
وفيه بيان أن الدينار مقبول من الغني والوسط والفقير ، لأن النبي
عربت أمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً ، ولم يُفصّل بين الغني والفقير
مع تفاوت الناس في الغنى والفقر، وإلى هذا ذهب الشافعي ، وله قول
آخر أنه لا جزية على الفقير .
وذهب أصحاب الرأي إلى أن على كل موسر أربعة دنانير ، وعلى
كل متوسط دينارين ، وعلى كل فقير ديناراً ، وقال ابن أبي نجيج : قلت
المجاهد : ما شأن أهل الشام عليهم أربعةُ دنانير ، وأهل اليمن عليهم دينار ،
قال : جعل ذلك من قبل اليسار.
ويجوز أن يُصالحهم على أكثر من دينار ، وأن يشترط عليهم ضيافة
من يمر بهم من المسلمين زيادة على أهل الجزية ، ويبينَ عدد الضيفان من
١٥٢/٢ : يقال: إن مسروقاً لم يسمع من معاذ، وقد بالغ ابن حزم في
تقرير ذلك ، وقال ابن القطان : هو على الاحتمال ، وينبغي أن يحكم
الحديثه بالاتصال على رأي الجمهور، وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)):
إسناده متصل صحيح ثابت ، وفي الباب عن عروة بن الزبير عند أبي عبيد في
(الأموال)) ص ٢٧، وانظر «نصب الراية ٤٤٧/٣.

- ١٧٤ -
الرجالة والفرسان ، وعدد أيام الضيافة، ويبين جنس أطعمتهم ، وعلف
دوابهم ، ويُفاوت بين الغني والوسط في القدر دون جنس الأطعمة ،
روي عن ابن عباس قال: صالح رسول الله مؤلف أهل نجران على ألفي
حلة، النصفُ في صفر، والنصفُ في رجب يؤدونها إلى المسلمين، وعارية
ثلاثین درعاً، وثلاثين قوساً ، وثلاثين فرساً ، وثلاثين بعيراً ، وثلاثين من كل
صنف من أصناف السلاح يغزون فيها، والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها
عليهم إن كانت باليمن كيدٌ ذاتُ غدر على أن لا يُهدم لهم بيعة ، ولا
يخرج لهم قسّ، ولا يُفتنون عن دينهم ما لم يُحدّثُوا حدثاً، أو يأكلوا
الرَّبًا (١)، والمراد بالكيد : الحرب، وفيه بيان أن العارية مضمونة .
وروي أن النبي مَ الم ضرب على نصارى أيدة ثلاثمائة دينار كل سنة ،
وأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثاً، ولا يغشوا مسلماً (٢)
ودوي أنهم كانوا يومئذ ثلاثمائة . وروي أن عمر ضرب الجزية على
أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهماً، مع ذلك
أرزاقُ المسلمين، وضيافةُ ثلاثة أيام (٣).
ولو صالحهم على خراج ضربه على أراضيهم يجوز إذا لم يَنقُص في
حق كل حالم عن دينار ، ولا يجوز أن يُصالحهم على عشور زروعهم
وثمارهم، لأنها مجهولة، وقد تصيها الآفة، فلا يحصل منها ما يبلغ أقلّ
(١) أخرجه أبو داود (٣٠٤١) وإسناده ضعيف .
(٢) أخرجه البيهقي ١٩٥/٩ من طريق الشافعي عن إبراهيم بن محمد
ابن أبي يحيى ، عن أبي الحويرث به مرسلا، وإبراهيم بن محمد متروك .
(٣) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٣٧٩/١، وأخرجه أبو عبيد في ((الأموال))
ص ٣٩ من حديث أبي مسهر ويحيى بن بكير عن مالك، وإسناده صحيح .

٠ ١٧٥ .
الجزية إلا أن بشرط أنها إن لم تبلغ أقل الجزية أكملوها ، وإذا استنكفوا
عن اسم الجزية ، فضعْف الإمام عليهم الصدقة ، فجائز ، وهو أن كل
صنف من المال يجب على المسلم فيه حق الله ، فيأخذ منهم من ذلك المال
ضعفَ ما يأخذ من المسلم ، فيأخذ من أربعين ساة ساتين، ومن خمسٍ
من الإبل مشاتين ، ومن ثلاثين من البقر تبيعين ، ومن زروعهم وثمارهم
الخمس، ومن الدراهم والدنانير وال التجارة نصف العشر، ومن الركاز
خمسين ، ومن لم يكن له منهم شيء من جنس مال الزكاة ، أخذ منه أقل
الجزية ، روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رام نصارى العرب على
الجزية ، فقالوا : نحن عرب لا نؤدي ما يؤدي العجم ، ولكن خذ منا
كما يأخذ بعضكم من بعض يعنون الصدقة ، فقال عمر : هذا فرض الله
على المسلمين ، قالوا : فزد ما شئت بهذا الاسم، لا باسم الجزية ،
فراضاهم على أن ضعّف عليهم الصدقة (١).
باب
سقوط الجزية عن الذمي إذا أسلم
٢٧٥٣ - أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي ، أنا أبو محمد
عبد الجبار بن محمد الجراحي ، نا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، نا
أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي ، نا يحيى بن أكثم ، نا جرير ، عن
قابوس بن أبي ظيان ، عن أبيه
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَ سُولُ اللهِ عَ لَّهِ: (( لَا يَصْلْحُ
(١) انظر ((الأموال)) ص ٢٨، ٢٩، و((الخراج)) ص ٦٦ ليحبى بن
آدم، و((الخراج)) ص ١٣٤ لأبي يوسف.

- ١٧٦ -
قِبْلَتَانِ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ على المُسْلِمِ جِزْيَةٌ (١) )).
قال أبو عيسى : حدثنا أبو كريب، نا جرير ، عن قابوس بهذا
الإسناد نحوه .
قوله: ((ليس على المسلم جزية)) يتأول على وجهين، أحدهما: معنى
الجزية هو الخراج، وذلك أن الإمام إذا فتح بلداً صلحاً على أن تكون
الأراضي لأهلها ، وضرب عليها خراجاً معلوماً ، فهو جزية، فإذا أسلم
أهلها، سقط عنهم ذلك، كما تسقط جزية رؤوسهم، ويجوز لهم بيعُ تلك
الأراضي ، أما إذا صالحهم على أن تكون الأراضي لأهل الإسلام وهم
يسكنونها بخراج معلوم ، وضع عليهم، فذلك أجرة الأرض لا تسقط
بالإسلام ، ولا يجوز لهم بيعُ شيء من تلك الأراضي، لأنها ملك
للمسلمين ، وكذلك إذا فتحوها عنوة، وصارت أراضيها للمسلمين ،
فأسكنها المسلمون جماعة من أهل الذمة بخراج معلوم يؤدونه ، فذلك
لا يسقط بالإسلام .
والتأويل الثاني: وهو أن الذمي إذا تم عليه الحولُ، فأسلم قبل
أداء جزية ذلك الحول، سقط عنه تلك الجزية ، واختلف أهل العلم
فيه ، فذهب أكثرهم إلى سقوطها، روي ذلك عن عمر ، وإليه ذهب أبو
(١) الترمذي (٦٣٣) في الزكاة: باب ماجاء ليس على المسلم جزية ،
وأخرجه أحمد (١٩٤٩) و (٢٥٧٦) وأبو داود (٣٠٥٣), في الخراج: باب
في الذمي يسلم في بعض السنة هل عليه جزية، والدار قطني ص ٤٩٠ كلهم
من حديث قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، وقابوس هذا
ضعيف ، قال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال
ابن القطان: ربما ترك بعضهم حديثه، وفي الباب عن ابن عمر عند الطبراني في
((الأوسط)) بلفظ ((من أسلم فلا جزية عليه)) وفي سنده عمرو بن يزيد
التميمي ، وهو ضعيف :

- ١٧٧ -
حنيفة ، وأبو عبيد حتى قال أبو حنيفة: لو مات الذمي بعد الحول
لا تؤخذ من تركته ، وعند الشافعي : لا تسقط بالإسلام ولا بالموت ،
لأنه دَين " حلّ عليه أجلهُ كسائر الديون، أما إذا أسلم في خلال الحول،
أو مات ، فاختلف قوله في أنه هل يطالب بحصة ما مضى من الحول ؟
أصح قوليه أنه لا يُطالب، والثاني: يطالب كأجرة الدار ، وروي عن
الزبير بن عدي قال : أسلم دهقان على عهد علي رضي الله عنه ، فقال
له : إن أقمتَ في أرضك ، رفعنا الجزية عن رأسك، وأخذناها من
أرضك ، وإن تحولتَ عنها ، فنحن أحق بها .
قال الإمام: ووجهه عندي - والله أعلم - أن تكون الأرض فيئاً
للمسلمين يسكنها الذمي بالخراج والجزية، فتسقط عنه بالإسلام جزية
رأسه دون خراج أرضه ، لأنه بمنزلة الأجرة تلزمه ما دام يسكنها ،
لأن ملكها لغيره .
٢٧٥٤ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أبو محمد عبد
الرحمن بن أبي شريح ، أنا أبو القاسم البغوي ، نا علي بن الجعد ، أنا
زهير بن معاوية ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَهُ: (( مَنَعْتٍ.
العِرَاقُ دِرْهَهَا وَقَفِيْزَهَا، وَمَنَعَتِ الشَّامُ مُدْيَهَا وَدِيْنَارَهَا ،
وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ)) قَالَهَا ثَلاثَاً، شَهِدَ على ذَلِكَ لْمُ
أَبِي هُرَيْرَةَ وَدَمْهُ .
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (١) عن عبيد بن يعيش ، عن يحيى
(١) رقم (٢٨٩٦) في الفتن: باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات.
شرح السنة ج ١١ م - ١٢

- ١٧٨ =
ابن آدم، عن زهير، وزاد: ((ومنعت مصر إردبها ودينارها)).
والتفيز لأهل العراق: ثمانية مكاكيك، والمكوك صاحٌ ونصف،
والمدي : مكيال لأهل الشام يسع خمسة وأربعين رطلا ، والإردّب؛
لأهل مصر : أربعة وستون مناً، والقنقل : اثنان وثلاثون مناً .
وللحديث تأويلان : أحدهما : سقوط ما وظّف عليهم باسم الجزية
بإسلامهم ، فصاروا بالإسلام مانعين لتلك الوظيفة ، وذلك معنى قوله الله:
(( وعدتم من حيث بدأتم)) أي: كان في سابق علم الله سبحانه وتعالى،
وتقديره : أنهم سيُسلمون ، فعادوا من حيث بدؤوا .
والتأويل الثاني: هو أنهم يرجعون عن الطاعة، فيمنعون ما وُظّف
عليهم، وكان هذا القول من النبي موضع دليلًا على نبوته حيث أخبر عن
أمر أنه واقع قبل وقوعه ، فخرج الأمر في ذلك على ما قاله .
وفيه بيانٌ على أن ما فعل عمر رضي الله عنه بأهل الأمصار فيما
وظّف عليهم كان حقاً ، وقد روي عنه اختلاف في مقدار ما وضعه على
أرض السواد .
'۴
وفيه مُستدَلٌ لمن ذهب إلى أن وجوب الخراج لا ينفي وجوب
العُشر ، لأنه جمع بين القفزان والنقد ، والعشر يؤخذ بالقفزان ، والخراج
من النقد ، وروي عن حرب بن عبيد الله عن جده أبي أمه ، عن أبيه
قال: قال رسول الله مؤلم: ((إنما العشور على اليهود والنصارى، وليس
عن جبل من ذهب، وأخرجه أحمد ٢٦٢/٢، وأبو داود (٣٠٣٥) في
«الخراج)): باب في إيقاف أرض السواد وأرض العنوة .

- ١٧٩ -
على المسلمين عشور (١))).
وقوله: ((ليس على المسلمين عشور)) أراد به عشور التجارات دون
عشور الصدقات ، والذي يلزم اليهود والنصارى من العشور هو ما صولحوا
عليه وقت عقد الذمة ، فإن لم يصالحوا عليه، فلا يلزمهم أكثرُ من
الجزية المضروبة عليهم .
وإذا دخل أهل الحرب بلاد الإسلام تجاراً ، فإن دخلوا بغير أمان
ولا رسالة غنيموا ، فإن دخلوا بأمان، وشرط أن يؤخذ منهم عشر ،
أو أقل، أو أكثر ، أخذ المشروط، وإذا طافوا في بلاد الإسلام
فلا يؤخذ منهم في السنة إلا مرة واحدة، وكُتْب لهم براءة إلى مثله
من الحول، وإن لم يكن مُشُرطَ عليهم، لم يؤخذ منهم شيء، سواء كانوا
يَعْشُرون المسلمين إذا دخلوا بلادهم، أو لا يتعرضون لهم، وقال مالك:
إذا دخلوا دارنا تجاراً ، أو أهل الذمة إذا طافوا في بلاد الإسلام تاجرين
يؤخذ منهم العشر، وإن اختلفوا في العام الواحد مراراً إلى بلاد الإسلام ،
فعليهم فيما اختلفوا العشر ، هذا الذي أدركتُ عليه أهل الرضى من أهل العلم.
بلدنا ، وقال أصحاب الرأي : إن أخذوا منا العشور في بلادهم إذا
اختلفنا اليهم في التجارات ، أخذنا منهم ، وإلا ، فلا .
ويستحب إذا شرط أن يأخذ ما أخذ عمر - رضي اله عنه - من المسلمين
ربع العشر ، ومن أهل الذمة نصف العشر، ومن أهل الحرب العشر،
وروي عن زياد بن ◌ُحُديرٍ أن عمر بعثه مصدّفاً، فأمره أن يأخذ من
(١) أخرجه أبو داود (٣٠٤٦) في الخراج والإمارة: باب في تعشير
أهل الذمة إذا اختلفوا في التجارات ، وإسناده ضعيف .

- ١٨٠ -
نصارى بني تغلب العشر"، ومن نصارى أهل الكتاب نصف العشر،
وروي عن صفوان بن سليم عن عدةٍ من أبناء أصحاب رسول الله زلت
عن آبائهم، عن رسول الله مؤلثم قال: ((ألا من ظلم معاهداً، أو
انتقصه، أو كلّفه فوق طاقته ، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسٍ.
فأنا حجيجه يوم القيامة (١))).
باب
إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب
٢٧٥٥ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله
النُّعيميُّ، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل، نا قبيصة ، نا ان
معينة ، عن سليمان الأحول ، عن سعيد بن جبير
عَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: يَوْمُ الْخَمِيْسِ وَمَا يَوْمُ الخَمْسِ ؟!
ثُمْ بَكِى حَتَّى خَضَبَ دَمْعُهُ الْحَصْبَاءَ، فَقَالَ: أَشْتَدَّ بِرَسُولٍ
اللهِ عَّهِ وَجَعُهُ يَوْمَ الْخَمِيْسِ، فَقَالَ: ((أنْتُونِي بِكِتَابٍ
أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًاً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً ، فَتَنَازَعُوا وَلَا يَنْبَغِي
◌ِنْدَ نَبِيِّ تَنَازُعُ، فَقَالُوا: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ عَلِ، قَالَ:
((دَعُونِي فَالَّذِيْ أَنَا فِيْهِ خَيْرٌ مِمَا تَدْ بُونَنِي إِلَيْهِ))، وَأَوْصَى
يِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلاثٍ: ((أُخْرِجُوا الْرِ كَيْنَ مِنْ جَزِيْرَةِ العَرَب،
(١) أخرجه أبو داود (٣٠٥٢) في الخراج والإمارة، وسنده قوي .
فان العدة من أبناء أصحاب رسول الله وإن كانوا مجهولين يقبل حديثهم
و يحتج به ، لأنهم أكثر من واحد .