Indexed OCR Text

Pages 281-300

- ٢٨١ -
قال الإمام : وفي الحديث دليل على أن أحد الزانيين إذا كان محصناً
دون الآخر أنه يُرجم المحصنُ، ويُجلد غيرُ المحصن، وكذلك إذا كان
أحدمما حراً، والآخر عبداً، فيُحد الحرَ حدَّ الأحرار ، ويُحد الرقيق
حدّ العبيد، وعلى هذا القياس لو زنى عاقل بمجنونة، أو بالغّ بمراهقةٍ ،
يجب الحد على العاقل البالغ ، وإن لم يجب على المجنونة ، والمراهقة
بالاتفاق ، وكذلك لو مَكْنت عاقلة من مجنون ، أو بالغة من مراهِقٍ ،
يجب الحدّعليها، وإن لم يجب عليه عند الشافعي ، وذهب أصحابُ الرأي
إلى أنه لا حدّ على العاقلة البالغة إذا تمكنت من مجنون، أو مراهق .
وفيه دليل على أن الحاكم أن يبدأ باستماع كلام أي الخصمين شاء .
وفيه دليل على جواز الإجارة، لأن النبي مؤلف لم يُنكِرِ قوله: إنْ
ابني كان عسيفاً على هذا، وقد أبطلها قومٌ ، والأكثرون على جوازها .
وفي قوله: ((أما غنمك وجاريتك، فرد إليك)) دليل على أن
المأخوذ بحكم البيع الفاسد، والصاح الفاسد مستحقُ الرد غيرُ مملوك
للآخر .
وفي قوله: ((فإن اعترفت فارجمها)) دليل على أن من أقر" بالزنى
على نفسه مرة واحدة "يُقام الحد عليه، ولا يُشترط فيه التكرار ، كمالو
أقرّ بالسرقة مرة واحدة يُقطع، ولو أقرّ بالقتل مرة واحدة يُقتص منه،
وهو قول الحسن ، وحماد بن أبي سليمان ، وإليه ذهب مالك، والشافعي ،
وأبو ثور، وذهب قوم إلى أنه لا يُحد ما لم يقرّ أربع مرات ، وإليه
ذهب الحكم بن عتبية ، وابن أبي ليلى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأصحاب
الرأي ، غير أن أصحاب الرأي قالوا : ينبغي أن يقر أربع مراتٍ في
أربع مجالس ، فإذا أقرأ أربع مراتٍ في مجلس واحد، فهو كإقرار واحدٍ ،

- ٢٨٢ -
وأوجب ابن أبي ليلى، وأحمد به الحدّ، واحتج من شرط التكرار في
الإقرار بالزنى بقصة ماعز بن مالك ، وإقراره بالزنى ، وسنذكره من
بعد إن شاء الله عز وجل .
وفيه دليل على أن المحصّن إذا زنى، لا يُجمع عليه بين الجلد ،
والرجم .
قال الإمام: وفي قوله: ((فإن اعترفت فارجمها)) بيان أنها لو لم
تعترف لا حدَّ عليها ، وإن وجب على المقرّ ، وقد روي عن ابن
المسيْب، عن ابن عباس أن رجلً أتى النبي ◌ِللم ، فأقر أنه زنى
بامرأة أربع مرات ، فجلده مائة ، وكان بكراً ثم سأله البعنة على
المرأة، فقالت : كذبَ والله يا رسول الله، فجلده حدّ العربة
ثمانين (١).
قال الإمام : وفي الحديث دليلٌ على أن حضور الإمام ليس بشرط
لإقامة الرجم ، وذهب قوم إلى أن حضور الإمام شرط ، وإن ثبت
بالبيئة ، كحضور الشهود ، وهو قول أصحاب الرأي ، يُروى ذلك عن
علي ، قال : الرجم رجمان : فإن كان بالحبَل والاعتراف، يبدأ
الإمامُ، ثم الناس، وإن ثبتَ بالشهود، فيبدأ الشهود ، ثم الإمام،
ثم الناس.
وفيه دليل على جواز الوكالة في إقامة الحدود .
(١) أخرجه أبو داود (٤٤٦٧) في الحدود: باب إذا أقر الرجل بالزنى
ولم تقر المرأة ، وفي سنده القاسم بن فياض الأبناوي وهو مجهول ،
وأخرجه النسائي في ((الكبرى)) فيما نقله الحافظ المنذري في ((مختصر
سنن أبي داود)) ٢٧٧/٦ وقال : هذا حديث منكر ، وقال ابن حبان: بطل
الاحتجاج به .

- ٢٨٣ -
قال الإمام : وفي الحديث دليل على أن من قذف رجلاً بين يدي
الحاكم ، فللحاكم أن يبعث إلى المقذوف ، فيخبره به ، لا لطلب إقرار المقذوف
بالزنى ، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: (ولا تجسسوا) [الحجرات: ١٢]
ولأن الأولى بمن تناول شيئاً مما يوجب حدّ الله - سبحانه وتعالى - أن يستر
على نفسه ، ولكن ليطلعه على أن فلاناً قد قذفه ، ووجب له عليه حد*
القذف ، فإن لم يكن مُعترفاً بالزنى ، طلب حقه من الحد ، وعلى هذا
تأول الشافعي رحمه الله، بعث النبي مؤ تم أنيساً إلى امرأة الرجل ، حتى
لو لم يكن القاذف معيّناً ، مثل أن يقول رجل بين يدي الحاكم : إن
الناس يقولون: إن فلاناً زنى، فلا يبعث الإمامُ إليه ، ولا يبحث عن
حاله اختياراً للستر، واحترازاً عن تتبع العورات ، وفي حفظ الستر
على من لزمه حدٌ من حدود الله عز وجل ، روي عن سعيد بن المسيّب
أن رسول الله وَ لثم قال لرجلٍ من أسلم يقال له هؤال: ((يا هزّال لو
سترته بردائك لكان خيراً لك (١))). قال الإمام : وفي الحديث دليل
على أن من قذف ولده لا حد عليه ، كما لو قتله لا قصاص عليه ، لأن
النبي ◌َِّفَعِ لم يحدّه بقوله: إنّ ابني زنى بامرأته .
(١) أخرجه أبو داود (٤٣٧٧) في الحدود : باب في الستر على أهل
الحدود ، وأحمد ٢١٧/٥، والحاكم ٣٦٣/٤ عن يزيد بن نعيم ، عن أبيه
أن ماعزا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأقر عنده أربع مرات، فأمر
برجمه ، وقال لهزال: « لو سترته بشوبك كان خيرا لك» وصححه الحاكم
ووافقه الذهبي، وتقل الزيلعي في ((نصب الراية)) ٣٠٧/٣ قوله: ويزيد
ابن نعيم، روى له مسلم وذكره في الثقات ، وأبو نعيم ذكره في الثقات ايضا
وهو مختلف في صحبته ، فان لم تثبت صحبته، فالحديث مرسل .

- ٢٨٤ -
باب
رجم الزمي اذا زنى واحصانه
٢٥٨٣ - أخبرنا أبو الحسن الشيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا
أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مُصعب ، عن مالك ، عن نافع
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ اليَهُودَ جَاؤُوا إِلَى
رَسُولِ اللهِ عَلَّهِ، فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلاً مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنْيَا،
فَقَالَ لُهُمْ رَسُولُ اللهِ عَهِ: ((مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي
شَأْنِ الرَّجمِ؟ قَالُوا: نَفْضَحُهُمْ، وَيُحْلَدُونَ. قَالَ عَبْدُ اللهِ
ابْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ، إنَّ فِيهَا لَآيَةَ الرَّجْمِ، فَأَتَوْا بالتَّوْرَاةِ،
فَتَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهْ يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقْرَأَ
مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ،
فَرَفَعَ يَدَهُ ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجمِ، فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ
فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ ◌ُّ فَرْجَمَا.
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُمَرَ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يُجْنِىءٍ (١) عَلى المَرْأَةِ
يَقِيَهَا الْحِجَارَةَ)).
(١) في ((الموطأ)) برواية يحيى بن يحيى ((يحني)) وكذا عند البخاري في
رواية أبي ذر عن السرخسي، وثمت روايات أخرى،انظرها في ((الفتح))
٠١٥٠/١٢

- ٢٨٥ -
هذا حديث متفق على صحته (١) ، أخرجه محمد عن إسماعيل بن عبد
الله، وأخرجه مسلم عن أبي الطاهر ، عن عبد الله بن وهب ، كلاهما
عن مالك .
قوله : يجنِىء عليها ، أي : يُكبُ عليها ، يُقال: أجنا عليه،
"يجنىءُ: إِذا أكبَّ عليه بقيه شيئاً، ويقال: جَنّاً يجناُ جنوءاً إذا
أكبّ عليه . قال الإمام : هذا الأصح .
قال الإمام : في هذا الحديث دليل على أن الذمي إذا أصاب بالنكاح
الذي عقده على اعتقاده يصير محصناً، وأن أنكحة الشرك يُعطى لها
حكم الصحة، ولولا ذلك لم يُقرّوا عليه بعد الإسلام ، ولم يجب الرجم
عليهم بالزنى، وإذا كان لها حكم الصحة يحصل بها التحليل حتى لو طلق
المسلم امرأته الكتابية ثلاثاً، ونكحت ذمياً وأصابها، حَلْت لزوجها
المسلم بهذه الإصابة، وكذلك المسلم إذا أصاب زوجته الكتابية يصير
محصناً حتى لو زنى بعده يجب عليه الرجمُ ، وهو قول الزهري ، وإليه
ذهب الشافعي ، وكذلك إذا كان أحد الزوجين حراً ، والآخر رقيقاً،
فأصابها، يصير الحرّ محصناً بهذه الإصابة. قال ابن عمر : الأمة تحصّن
الحر"، وكذلك لو كان أحدهما عاقلاً بالغاً، والآخر مجنوناً أو مراهقاً
يصير البالغ العاقل محصناً بالإصابة في هذه الحالة ، وهل يُكتفى بهذه
الإصابة في حق الرقيق، والمراهق ، والمجنون حتى لو عتق ، أو أفاق ،
أو بلغ يكون مُحصناً بتلك الإصابة ؟ اختلف أصحاب الشافعي فيه ، منهم
(١) ((الموطأ)) ٨١٩/٢ في الحدود: باب ما جاء في الرجم، والبخاري
١٤٨/١٢، ١٥١ في المحاربين: باب أحكام أهل الذمة، ومسلم (١٦٩٩)
(٢٧) في الحدود : باب من اعترف على نفسه بالزنى .

- ٢٨٦ -
من جعله محصناً ، ومنهم من لم يجعله محصناً ، وهو الأصح ما لم توجد
الإصابة في حالة الكمال لأنه لما شرط أكمل الإصابات ، وهو أن يكون
بالنكاح الصحيح حتى إن الإصابة بملك اليمين ، أو بالنكاح الفاسد
لا تحصنه . فكذلك يشترط أن تكون تلك الإصابة في حال كمال المصيب ،
وإليه ذهب مالك ، قال: الأمّة إذا كانت تحت الحر فمسها فقد أحصته ،
وهو لا يحصنها حتى يصيبها بعد عتقها ، وكذلك الحرة تكون تحت عبدٍ
فأصابها فقد أحصنها ، وهي لا تحصنه حتى توجد الإصابة بعد عتقه. قال
مالك : وكل من أدركت ، كان يقول ذلك ، وذهب أصحاب الرأي
إلى أنه إذا كان أحد الزوجين في حال الإصابة رقيقاً، أو مجنوناً ، أو
مراهقاً لا يصير الآخر به محصناً ، وكذلك قالوا: الكتابية لا تحصن زوجها
المسلم .
والحديث حجة لمن ذهب إلى إيجاب الرجم على المشرك إذا زنى ، وهو
قول أكثر أهل العلم، وإليه ذهب الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق .
وذهب قوم إلى أن الكافر لا يُرجم ، وهو قول أصحاب الرأي ،
وتأولوا الحديث على أن النبي توزيع رجمها بحكم التوراة ، وهذا تأويل غير
صحيح، لأن الله سبحانه وتعالى قال: ( وأن احكم بينهم بما أنزل
الله) [المائدة: ٤٩] ولا يجوز أن يظن به على أنه يترك حكم
كتابه، وأمره الله أن يحكم به، ويحكم بالمنسوخ، وإنما احتج عليهم
بالتوراة استظهاراً .
وفي الحديث دليل على أن الذميين إذا توافعوا إلينا فيما شجرَ بينهم
يجب على حاكمنا أن يحكم بينهم جبراً، وهو أصح قولي (١) الشافعي
(١) في (١) الأصح عند، وهو خطأ .

- ٢٨٧ -
وأظهرهما ، واختاره المزني ، وإذا جاء أحدهما ، واستعدى على خصمه
يجب أن يعديه ، وتأوّل قوله عز وجل: ( حتى يُعطوا الجزية عن يدٍ
وهم صاغرون) [ التوبة: ٢٩] أن الصغار هو جريان حكم الإسلام
عليهم على قهر منهم ، وفيه قول آخر : أنه بالخيار إن شاء حكم بينهم ،
وإن شاء ردهم إلى حاكمهم ، لقوله سبحانه وتعالى: ( فإن جاؤوك فاحكم
بينهم أو أعرض عنهم) [ المائدة: ٤٢] وإذا جاء مستعديا لا يجب
على هذا القول أن يُعديه إلا أن يتراضيا بحكمه ، والأول أصح ، لأن
الذميين الذين رجمها رسول الله مؤلف لو قدرا على إسقاط الحدّ عن
أنفسهما بترك الرضى لبادرا إليه، وإذا اختار الحكم يجب أن يحكم بحكم
الإسلام ، فأما إذا كانت الخصومة بين المسلم والذمي ، فلم يختلفوا في
أن على حاكم المسلمين أن يحكم بيتها، ويجب الإعداء إذا استعدى كما
إذا كانت الخصومة بين المسلمين .
وفي الحديث دليل على أن الموجوم لا يُشْدُ ولا يُربط، ولا يُجعل
في الحفرة، لأنه لو كان شيء من ذلك لم يمكنه أن يُجنىء عليها، ويقها
الحجارة . وروي في رجم ماعز أنه هرب (١)، ولو كان مشدوداً، أو
في حفرة لم يمكنه الغرب ، وروي عن بريدة في رجم ماعز أنه حفر
له حفرة (٢)، وفي الغامدية فحفر لها إلى صدرها (٣)، وأكثر الروايات
ليس فيها ذكر الحفر، وعن أبي سعيد الخدري قال: فوالله ما أو ثقناه
ولا حفرنا له (٤)، واختلف أهل العلم فيه، فقال فوم: لا يحفر له،
(١) هو في الصحيحين .
(٣) هو قطعة من الحديث السابق.
(٣) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (١٦٩٥) (٢٣) في الحدود : باب
من اعتر ف على نفسه بالزنى :
(٤) أخرجه مسلم ( ١٦٩٤).

- ٢٨٨ -
وإليه مالَ احمد ، وقال قتادة : يحفر للرجل والمرأة جميعاً ، وقال
بعضهم : لا يُحفر للرجل، ويحفر للمرأة، وهو قول أبي يوسف ،
وأبي ثور .
باب
الاقرار بالزنى
٢٥٨٤ - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحية، أنا أبو بكر أحمد بن
الحسن الحيري ، أنا حاجب بن أحمد الطوسي ، نا محمد بن يحيى ،
نا يزيد بن هارون ، نا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ مَاءِزُ بْنُ مَالِكِ الْأَسْلَمِيُّ إِلَى
رَسُولِ اللهِ عَهِ، فَقَالَ: يَا رَ سُولَ اللهِ إِنِّي قَدْزَ نَيْتُ،
فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ شِقِّهِ الْأَيْمِنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللّهِ إِنّي قَدْ زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنْ شِقِّهِ
الْأَيْسَرِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنّي قَدْ زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ
عَنْهُ، ثُمَّ جَاءُهُ ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ، قَالَ ذَلِكَ أَرْبَعَ
مَرَّاتٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَاءِ: ((انْطَلِقُوا بِهِ
فَارُوهُ))، فَانْطَلَقُوا بِهِ، فَلَمَّا مَسْتْهُ الحِجَارَةُ، أَدْبَرّ
يَشْتَدُّ ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فِي يَدِهِ لَخْيُ جَل ، فَضَرَ بَهُ بِهِ
فَصَرَعَهُ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَ سُولِ اللهِ صَغِ، قَالَ:
((فَلَا تَرْكْتُمُوهُ)).

- ٢٨٩ -
هذا حديث متفق على صحته .
٢٥٨٥ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد
الله النُّعيميُ، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، نا سعيد بن
عُفير ، حدثني الليث ، حدثني عبد الرحمن بن خالد ، عن ابن شهاب ،
عن ابن المسيّب ، وأبي سامة
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللهِ عَ طَّ رَجُلٌ مِنَ
النَّاسِ، وَهُوَ فِي الْمسْجِدِ، فَنَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنّي زَنَيْتُ،
فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَِّيُّ عَجِ، فَتَنَخَّى لِشْقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ
قِبَلَّهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِني زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَجَاءَ
◌ِشِقِّ وَجْهِ النَّيِّ عَ ◌ّهِ الَّذِي أَعْرَضَ عَنْهُ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلى
نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، دَعَاهُ النَِّيُّ ◌َِلْ، فَقَالَ: «أَيِكَ
◌ُجُنُونٌ؟))، قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: ((أَحْصِنْتَ؟»
قَالَ: نَعَمْ يَا رَّسُولَ اللهِ، قَالَ: ((اذْهُبُوا فَارْجُوهُ)).
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم عن عبد الملك بن شعيب
ابن الليث ، عن أبيه ، عن جده ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، وأخرجه
محمد عن محمود بن غيلان ، حدثنا عبد الرزاق ، أنا معمر، عن الزهري ،
(١) البخاري ١٢٠/١٢ في المحاربين: باب سؤال الامام المقرهر
أحصنت، ومسلم ١٣١٨/٣ رقم الحديث الخاص (١٦) في الحدود: باب
من اعترف على نفسه بالزنى .
شرح السنة = ٠٠ ٠-١٩
٠

- ٢٩٠ -
عن أبي سلمة ، عن جابر بهذا، وقال : فأمر به ، فرُجيم بالمصلى ،
فلما أذلقته الحجارة، فرّ، فأدرك، فَرُجِمَ حتى مات، فقال له النبيُ
◌َ الخُ : خيراً، وصلى عليه (١).
قوله: ((فتنحى لشقّ وجهه)) أي: قصد الجهة التي إليها وجهه ،
ونحا نحوها ، من قولك : نحوتُ الشيء أنحوه .
قوله: ((أذلقتهُ الحجارة)) أي: بلغت منه الجهد حتى قلقٍ ،
وقيل : مسته الحجارة بذلقها ، وذلق كلِّ شيء: حده .
قال الإمام : يحتج بهذا الحديث من يشترط التكرار في الإقرار
بالزنى حتى يُقام عليه الحدّ ، ويحتج أبو حنيفة بمجيئه من الجوانب الأربع
على أنه يشترط أن يقر أربع مرات في أربعة مجالس ، ومن لم يشترط
التكرار ، قال: إنما رده مرة بعد أخرى لشبهة داخلته في أمره ، ولذلك
سأل ، فقال: أبِهِ جنون ؟ فأُخبيرَ أن ليس به جنون، فقال :
((أشربَ خمراً؟ فقام رجل، فاستنكهه فلم يجد منه ريحَ خمرٍ ، فقال :
(( أزنيت؟)) قال: نعم ، فأمر به فرجيم . فرده مرة بعد أخرى
للكشف عن حاله، لا أن التكرار فيه شرط، يدل عليه ما رُوي أنّ
النبي ◌ِّمُ ردّ المرأة الغامدية التي جاءت بعده وأقرت بالزنى، فقالت:
لعلك تريد أن تردني كما رددت ماعزاً (٢)، فثبت أن الترديد لم يكن
شرطاً في الحكم، وإنما كان لزوال الشبهة، ولم يَزُلْ ذلك في حق ماعز
إلا في المرة الرابعة .
(١) البخاري ١٢٥/١٢ في المحاربين: باب الرجم بالمصلى.
(٢) أخرجه مسلم (١٦٩٥) (٢٣) في الحدود: باب من اعترف على
نفسه بالزنى .

٠
- ٢٩١ -
وفي قوله عليه السلام بعد ما هرب: ((هلاًّ تركتموه)» دليل على
أن من أقر على نفسه بالزنى، ثم رجع ، فقال : ١٠ زنيتُ ، أو
كذبتُ، أو رجعتُ، سقط الحدث عنه، وإذا رجع في خلال إقامة
الحد عليه ، سقط عنه ما بقي، وهو قول عطاء بن أبي رباح ، والزهري ،
وحماد بن أبي سليمان ، وإليه ذهب مالك ، وسفيان الثوري ، وأصحاب
الرأي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وكذلك السارق ، وشارب
الخمر إذا رجع عن إقراره ، تسقط عنه العقوبة .
وذهب جماعة إلى أن الحد لا يسقط عنه بالرجوع عن الإقرار ،
رُوي ذلك عن جابر ، وهو قول الحسن البصري ، وسعيد بن جبير ،
وإليه ذهب ابن أبي ليلى ، وأبو ثور ، قالوا : ولو سقط عنه القتل
لصار مقتولاً خطأ"، ولوجبت الدية على عواقل القاتلين .
قال الإمام : إنما لم تجب الدية ، لأن ماعزاً لم يكن رجع صريحاً ،
لكنه هرب، وبالحرب لا يسقط الحد، وتأويل قولهمؤلم: مهلا
تركتموه )) أي: لنظر في أمره، ونستثبت المعنى الذي هرب من أجله
أنه هرب ، راجعاً عما أقرّ على نفسه، أم فراراً من ألم الحجارة؟ يدل
عليه أنه روي في بعض الروايات: ((هلا تركتموه لعله يتوب ، فيتوب
اله عليه (١)).
٢٥٨٦ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد
الله النعيمي'، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، نا عبد الله بن
(١) أخرجه أحمد ٢١٧/٥ وأبو داود (٤٤١٩) في الحدود ؛ باب
رجم ماعز بن مالك من حديث هشام بن سعد ، عن يزيد بن نعيم بن هزال،
عن أبيه قال صاحب ((التنقيح)) فيما نقله عنه الزيلعي: إسناده صالح،
وقال الحافظ في ((التلخيص)) ٥٨/٤: وإسناده حسن .

- ٢٩٢ -
محمد الجعفي ، حدثنا وهب بن جرير ، نا أبي ، قال : سمعت يعلى بن
حكيم ، عن عكرمة
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَتَّى مَاعِزُ بْنُ مَالِكِ النَّيِّ ◌َِيه،
فَقَالَ لَهُ: ((لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ؟ »
قَالَ: لَا يَارَ سُولَ اللهِ، قَالَ: ((أَنِكْتُهَا)) لَا يَكْنِي، قَالَ :
فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجِهِ .
هذا حديث صحيح (١).
قال الإمام : هذا دليل على أن من أقرّ على نفسه بما يوجب عقوبة
الله سبحانه وتعالى، فيجوز للإمام أن يُلقّنه ما يَسقط به عنه الحدث،
فيقول للزاني: لعلك لمستّ، أو فاخذتَ، والسارق : لعلك أخذت
عن غير حرز، أو اختلته، أو خُنتَ، ونحو ذلك، كما روي أنّ
النبي ◌ِّ أُتي بسارقٍ فقال: ((لا إخالك سرقت (٢)))، وأتي عمر
(١) البخاري ١١٩/١٢، ١٢١ في المحاربين: باب هل يقول الامام
للمقر لعلك لمست أو غمزت .
(٢) أخرجه أبو داود ( ٤٣٨٠) في الحدود : باب في التلقين في الحد
من حديث أبي المنذر مولى أبي ذر عن أبي أمية المخزومي أن النبي صلى الله
عليه وسلم أتي بلص قد أعترف اعترافاً، ولم يوجد معه متاع، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم ((ما إخالك سرقت)) قال: بلى فأعاد عليه
مرتين أو ثلاثاً ، فأمر به فقطع، وجيء به ، فقال : استغفر الله وتب إليه
فقال: استغفر الله وأتوب إليه، فقال: ((اللهم تب عليه، ثلاثا)). وأبو
المنذر مولى أبي ذر مجهول، وأخرج الحاكم ٣٨١/٤ والبيهقي ٢٧٥/٨،
٢٧٦ من حديث عبدالعزيز بن محمد الدراوردي عن يزيد بن خصيفة .عن
محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه
وسلم أتي بسارق قد سرق شملة ، فقالوا : يارسول إن هذا سرق ، فقال

- ٢٩٣ -
رضي الله عنه بسارق، فقال له : أسرقت ؟ قل : لا ، فقال : لا ،
فتركه ولم يقطعه (١) وروي مثل ذلك عن أبي الدرداء ، وأبي هريرة ،
وبه قال الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، . أما ما كان من
حقوق العباد ، مالاً ، أو عقوبة ، فلا يجوز فيه التلقين .
٢٥٨٧ - أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد اله الصالحيء، أنا الحسين
ابن شجاع بن الحسين بن موسى الصوفي المعروف بابن الموصلي ، أنا أبو
بكر محمد بن جعفر بن الهيثم الأنباري ، نا جعفر بن محمد الصائغ ، نا
يحيى بن يعلى بن الحارث المحاربي ، نا أبي ، عن غيلان بن جامع ،
عن علقمة بن مرئد ، عن سليمان بن بريدة
عَنْ أَبِيْهِ قَالَ: جَاءَ مَاِزُ بْنُ مَالِكٍ إلى النّبِيِّ
صلى الله
1 ،
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ طَهِّرْنِي، قَالَ: ((وَيَحَكَ ارْجِعْ
وَاسْتَغْفِرِ اللهَ، وَتُبْ إِلَيْهِ)) قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ ، ثُمَّ
عليه السلام: (( ما إخاله سرق)) فقال السارق: بلى يا رسول الله ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم ((اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه ، ثم
ائتوني به ، فقطع ثم أتي به ، فقال : تب إلى الله، فقال: تبت إلى الله،
فقال: ((تاب الله عليك)) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط
مسلم . ولم يخرجاه ، ورواه الدار قطني في سننه ص ٣٣١، وقال: وقد
رواه الثوري عن يزيد بن خصيفة ، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ،
عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ، قال الزيلعي : قلت : كذلك رواه
أبو داود في ((المراسيل)) عن الثوري به مرسلا، ورواه عبد الرزاق في
((مصنفه)) (١٨٩٢٣) و (١٨٩٢٤) أخبرنا ابن جريج والثوري بهمرسلا
ورواه أبو عبيد القاسم بن سلام في ((غريب الحديث)) حدثنا إسماعيل بن
جعفر عن يزيد بن خصيفة به أيضا مرسلا .
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٨٩٢٠) وأثر أبي الدرداء عنده أيضا
برقم (١٨٩٢٢).

- ٢٩٤ -
جَاءَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ طَهِّرْنِ، فَقَالَ لَهُ الشَّيُّ
(( وَيُحَكَ ارْجِعْ وَاسْتَغْفِرِ اللهَ، وَتُبْ إِلَيْهِ)) قَالَ: فَرَجَعَ
غَيْرَ بَعِيْدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ طَهِّرْنِي، فَقَالَ
النَِّيُّ عَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ، خَتَّى كَانَتِ الرَّبِعَةُ، فَقَالَ النَِّيُّ
عَُّ: ((مِمَّ أَطَهِّرُكَ؟ » قَالَ: مِنَ الزِّنَى، قَالَ النَّيِّ ◌َِيْهِ:
((أَبِهِ جُنُونُ؟) فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ جُنُونٌ، فَقَالَ :
(( أَشْرِبَ خَمْراً؟)) فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ
رَيْحَ ◌َخْرٍ، فَقَالَ لَه النَِّيُّ ◌َخِ: (( أَثَيِّبُ أَنْتَ؟)) قَالَ: نَعَمْ،
فَأُمَرَ بِهِ ، فَرُجمَ، فَكَانَ النَّاسُ فِيهِ فَرِيْقَيْنِ، تَقُولُ فِيْهِ
فِرْقَةُ: لَقَدْ هَلَكَ مَاعِزٌ عَلى أَسْوَإِ عَمِلِهِ، لَقَدْ أَحَاَطَتْ
بِهِ خَطِيْنَتُهُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: مَا تَوْبَةٌ أَفْضَلَ مِنْ تَوْبَةٍ مَاعِزٍ ،
جَاءَ إِلَى رَّسُولِ اللهِعَهِ، فَوَضْعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، فَقَالَ :
اقْتُلْنِي بِالْحِجَارَةِ. قَالَ: فَلَبِثُوا بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً،
◌َُّ جَاءَ النَّبِيُّ عَّهِ، وَهُمْ جُلُوسٌ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلسَ، ثُمْ قَالَ:
اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللهُ لِعِزِ
ابْنِ مَالِكٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَِّ: ((لَقَدْ تَابَ
تَوْبَةٌ لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أَمَّةٍ لَوَ سِعَتْهَا، قَالَ: ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ

- ٢٩٥ -
مِنْ غَامِدٍ مِنَ الْأَزْدِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ طَهِّرْنِي، فَقَالَ :
((وَيُحَكِ ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ))، فَقَالَتْ:
لَعَلَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَرُدَّفِي كَا رَدَدْتَ مَاعِزّ بْنَ مَالِكٍ قَالَ :
(( وَمَا ذَاكٍ ؟)) قَالَتْ: إنّهَا حُبْلَى مِنَ الزِّنَى، قَالَ: ((أَثَّيِّبُ
أَنْتٍ ؟)) قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: (( إِذَنْ لَا نَرْجَكِ حَتَّى تَضَعي
مَا فِي بَطْنِكِ )). قَالَ: وَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنصَارِ حَتَّى
وَضَعَتْ، فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َِّ فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتِ الغَامِدِيَّةُ؟
قَالَ: ((إذاً لم (١) نَرْجُهَا وَنَدَعْ وَلَدَهَا صَغِيْراً لَيْسَ لَهُ مَنْ
يُرْضِعُهُ ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنصَارِ، فَقَالَ: إِنِّي أَرْضِعُهُ
يَا نَِيَّ اللهِ فَرَجَهَا .
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (٢) عن محمد بن العلاء، عن يحيى
ابن يعلى بن الحارث المحاربي ، عن غيلان بن جامع المحاربي ، ولم يقل
حدثنا أبي عن غيلان، ورواه مسلم (٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة ، ومحمد
(١) رواية مسلم : لا نرجمها.
(٢) (١٦٩٥) في الحدود: باب من اعترف على نفسه بالزنى.
(٣) (١٦٩٥) (٢٣) وأخرجه أبو داود (٤٤٤٢) قال المنذري: وفي
إسناده بشير بن المهاجر الغنوي الكوفي ، وليس له في صحيح مسلم سوى
هذا الحديث ، وقد وثقه يحيى بن معين ، وقال الامام أحمد : منكر الحديث
يجيء بالعجائب مرجىء متهم ، وقال أبو حاتم الرازي : يكتب حديثه
ولا يحتج به ، وغمزه غيرهما ، ولا عيب على مسلم في إخراج هذا الحديث،
فانه أتى به في الطبقة الثانية بعدما ساق طرق حديث ماعز ، وأتى به آخرا
ليبين اطلاعه على طرق الحديث .

- . -
- ٢٩٦ -
أبن عبد الله بن غير ، عن عبد الله بن غير ، عن بشير بن المهاجر ، عن
عبد اله بن بريدة، عن أبيه، وقال في رجم ماعزٍ: (( حُفِر له
حفرة ثم أمر به فرجم)) وقال في الغامدية: قال: ((فاذهبي حتى تلدي ))
فلما ولدت، أنتهُ بالصبي في خرقة، قال: ((اذهبي فأرضعيه حتى تقطميه))
فلما فطمته ، أنته بالصبي في يده كسرة خبزٍ ، هذا يا نبي الله قد فطمته ،
فدفع الصبيّ إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها ،
وأمر الناس ، فرجموها فيُقبل خالد بن الوليد بحجر، فرمى رأسها ،
فتنضّح الدمُ على وجه خالدٍ، فسبها، فسمع النبي ◌َّه، فقال: «مهلًا
يا خالد فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو قابها صاحب مكسٍ
لغْفِرِ له )) ثم أمر بها فصْلِيَّ عليها ودفنت (١).
المكس: ما يأخذه الماكِس، والماكِس: العشّار ، وأصل
المكسِ : الخيانة.
قال الإمام : في الحديث دليل على أنه إذا وجبت على الحامل عقوبة
لا تقام عليها ما لم تضع الحمل، لأن في معاقبتها قبل الوضع إهلاك البريء
بسبب المجرم ، سواء كانت العقوبة الله سبحانه وتعالى ، أو العباد ، فإذا
وضعت الحمل ، فإن لم يكن "ثمّ من ترضع الولد فتؤخر حتى تنطيم
الولد ، وإن كان هناك من ترضعه ، فاختلفت الرواية عن بريدة في أمر
الغامدية أنها هل رجمت بعد ما وضعت، أو وجمت بعد الفطام ، فروى
بشير بن المهاجر أنها : رجمت بعد الفطام ، وإليه ذهب أحمد؟ وإسحاق ،
وروى سليمان بن بريدة أنها رجمت بعد ما وضعت ، وهو الأصح ، وكذلك
روى عمران بن الحصين: أن امرأة من جهينة اعترفت عند النبي ◌َ }
بالزنى، وقالت: أنا حبلى، فدعا النبي ◌ِّمُ وليْها ، فقال :
(١) أخرجه مسلم (١٦٩٥) ( ٢٣).

- ٢٩٧ -
(( أحسن إليها، فإذا وضعت حملها فأخبرني)) ففعل، فأمر بها ، فشدَّت
عليها ثيابها ، ثم أمر برجمها فرجمت (١). وكذلك روي عن علي بن أبي
طالب كرَّم الله وجهه أنه فعل بشُرّاحة، رجمها لما وضعت حملها (٢).
وإلى هذا ذهب مالك ، والشافعي، وأصحاب الرأي رضي اله عنهم .
باب
المولى يقيم الحد على مملوكه
٢٥٨٨ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحيّ، أنا أحمد بن عبد
الله النُّعيميّ، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، نا عبد العزيز
ابن عبد الله ، حدثني الليث ، عن سعيد ، عن أبيه
عَنْ أَبِي هُرِّيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَِّيَّ عَّهِ يَقُولُ: ((إِذَا
زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الْخَدَّ ، وَلَا
يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ، فَلْيَجْلِدْهَا الْخَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ،
ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ يَحَبْلٍ
مِنْ شَعْرٍ».
هذا حديث متفق على صحته (٣) أخرجه مسلم عن عيسى بن حماد
(١) أخرجه مسلم (١٦٩٦)، وتمامه: ثم صلى عليها، فقال له عمر:
تصلي عليها يانبي الله، وقد زنت؟ فقال: ((لقد تابت توبة لو قسمت بين
سبعين من أهل المدينة لوسعتهم ، وهل وجدت توبة افضل من ان جادت
بنفسها لله تعالى)).
(٢) أخرجه أحمد (١١٩٠) و(١٣١٦) (وسنده قوي.
(٣) البخاري ٣٥٠/٤ في البيوع: باب بيع المدبر، وباب بيع العبد
الزاني ، وفي المحاربين : باب لا يشرب على الأمة إذا زنت ولا تنفى، ومسلم

- ٢٩٨ -
المصري ، عن الليث، ورواه ابن عيينة ، عن سعيد المقبري ، عن أبي
هريرة عن النبي مَّة، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من
الصحابة، فمَنْ بعدهم، قالوا: يجوز للمسيِّد إقامة الحد على مملوكه دون
السلطان ، ◌ُرُوي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر ، وروي أن فاطمة
بنت رسول الله مؤلم، حدّت جارية لها زنت (١)، وهو قول الحمن
البصري ، والزهري ، وإليه ذهب سفيان الثوري ، ومالك، والأوزاعي ،
والشافعي ، وأحمد ، وإسحلق . قال ابن أبي ليلى : لقد أدركت بقايا
الأنصار يضربون ولائدهم إذا زنينَ . قال إبراهيم : وكان علقمة،
والأسود يضربان ولائدهما إذا زنين ، وقال قوم : يرفعه إلى السلطان ،
ولا يقيمه المولى بنفسه ، وهو قول أصحاب الرأي ، وقال أبو ثور : في
الحديث إيجاب الحد ، وإيجاب البيع ، لا يجوز أن يُمكها إذا زنت
أربعاً .
وقوله : ((ولا يثرِّب)) يعني: لا يعيِّر، والتغريب: التعبير؛
قال الله سبحانه وتعالى: ( لا تثريب عليكم اليوم يَغْفِرُ الله لكم).
[ يوسف: ٩٢] معناه: أنه لا يُقتصر على تعبيرها وتبكيتها ، ويُعطل
الحد الواجب عليها، وقيل: لا يثرّبُها بعد الضرب، وفي قوله :
((فليسعها ولو بجبل من شعر)» دليل على أن الزنى عيب في الرقيق
يُردُ به البيع، ولذلك حط" من قيمته. وفيه أن بيع غير المهجور
ا لا يتغابن به الناس جائز .
(١٧٠٣) في الحدود: باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى.
(١) أخرجه الشافعي ٢٩٣/٢ من حديث سفيان، عن عمرو بن
دينار ، عن الحسن بن محمد بن علي أن فاطمة ..

- ٢٩٩ -
وفي الحديث بيان أن حد الماليك الجلد ، ولا رجم عليهم ، وحدودهم
بالجلد ◌ِعلى نصف حد الأحرار ، قال الله سبحانه وتعالى: ( فإن أتّينّ
بفاحشة فعلينّ نصفُ ما على المحصنات من العذاب ) [ النساء: ٢٥]،
فحد المملوك في الزنى خمسون جلدة ، وفي القذف أربعون، وفي الشرب
عشرون .
◌ُوي عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال: أمرني
عمر بن الخطاب رضي الله عنه في فتيةٍ من قريش ، فجلدنا ولائد من ولائد
الإمارة خمسين خمسين في الزنى (١) .
وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال : أدركت عمر بن الخطاب
وعثمان بن عفان، والخلفاء هلمّ جراً ما رأيت أحداً جلد عبداً في فرية
أكثر من أربعين (٢). وسئل ابن شهاب عن حد العبد في الخمر، فقال:
بلغنا أن عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعبد الله بن عمر جلدوا
عبيدهم نصف حدّ الحر في الخمر (٣). واختلفوا في تغريب المملوك إذا
زنى ، فظاهر الحديث يدل على أنه لا يُغرّب ، وهو أحد قولي الشافعي .
والثاني: أنه يُغرّب نصف سنة، واختاره المزني ، وقيل : سنة كالحر،
كما أن مدة العُنّة يستوي فيها الحر والعبد . وروي عن صفية بنت أبي
عبيد أن عبداً من رقيق الإمارة ، وقع على وليدة من الخُمس ، فاستكرمها
(١) هو في ((الموطأ)) ٨٢٧/٢ وإسناده صحيح.
(٢) هو في ((،الموطأ)) ٨٢٨/٢ وإسناده صحيح.
(٣) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٠٨٤٣،٨٤٢/٢

- ٣٠٠ -
حتى اقتضَّها ، فجلده عمر الحد ، ونفاه ، ولم يجلد الوليدة من أجل أنه
استكرهها (١)
٢٥٨٩ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي'، انا عبد الرحمن بن
أبي شريح ، أنا أبو القاسم البغوي ، نا علي بن الجعد ، أنا شريك ، عن
عبد الأعلى ، وعبد الله بن أبي جميلة ، عن أبي جميلة
عَنْ عَلِيِّ قَالَ: وَلَدَتْ أَمَّةٌ لِبَعْضِ نِسَاءِ النَِّيِّ ◌َِ﴾ِ،
فَقَالَ النَّبِيُّ عَهْلِ: ((أَقِمْ عَلَيْهَا الْخَدَّ)) قَالَ: فَوَجَدْتُهَا لَمْ
تَجِفَّ مِنْ دَمِهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «إِذَا جَفَّتْ مِنْ
دَمِهَا، فَأَقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ»، ثُمَّ قَالَ: (( أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلى
مَا مَلَكَتْ أَيْاُنْكُمْ (٢))).
(١) في ((الموطأ)) ٨٢٧/٢ عن نافع أن عبداً كان يقوم على رقيق الخمس
وانه استكره جارية من ذلك الر قيق ، فوقع بها ، فجلده عمر بن الخطاب
ونفاه ، ولم يجلد الوليدة ، لأنه استكرهها .
(٢) وأخرجه أحمد رقم(٧٣٦) و(١٢٣٠) وابنه عبد الله (١١٣٧)و (١١٣٨)
و(١١٤٢) من حديث عبد الاعلى، عن أبي جميلة، عن علي، وأبو جميلة
واسمه ميسرة بن يعقوب الطهوي لم يوثقه غير ابن حبان، وأخرجه بمعناه
مسلم في ((صحيحه)) (١٧٠٥) في الحدود : باب تأخير الحد عن النفساء
من طريق سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : خطب علي
فقال: باأيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن،
فان أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت ، فأمرني أن أجلدها، فاذا هي
حديث عهد بنفاس ، فخشيت إن أنا جلدتها أن اقتلها ، فذكرت ذلك للنبي
صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أحسنت)).