Indexed OCR Text

Pages 161-180

- ١٦١ -
وفيه دليل على أن وليّ الدّم مخيّر بين القصاص ، وبين أن يعفو"
عن القصاص على الدية ، وبين أن يعفوَ مجاناً. واختلف قول الشافعي
فيما لو عفا مطلقاً هل تجب الدية أم لا ؟ أصح قوليه : أنه لا تجب الدية
إلا أن يعفوَ على الدية، وفيه دليل على أن دية العمد حالةٌ في مال الجاني،
وفيه دليل على أن للإمام أن يتشفعَ إلى ولي الدم في العفو ، وقد رُوي
عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس قال: ما رأيتُ رسولَ الله م لي
رُفِعَ إليه شيءٌ فيه قصاص إلا أمرَ فيه بالعفو (١).
وفيه إباحة الاستيثاق بالشد والرباط من يجب عليه القصاصُ إذا خيف
انفلاتُه .
وفيه دليل على أن القاتل إذا مُفي عنه ◌ُخْلِّ سبيلُه، ولا ◌ُعزّر،
مُحُكي عن مالك أنه قال : يُضربُ بعد العفو مئة، ويحبس سنة . وقوله :
((يبوء بائه وإثم صاحبه)) يقول: يبوء، أي: يتحمل إله فيما قارف
من الذنوب سوى القتل، ولو قُتْلَ ربما كان القتل كفارة له ، وإنم
صاحبه ، أي : يتحمل إليه في قتل صاحبه ، فأضاف الإثم إلى صاحبه ،
لكون قتله سبباً لإمه ، كما قال الله سبحانه وتعالى: ( إن رسولَكُم
الذي أُرسِلَ إليكُم لمجنونٌ) [الشعراء: ٢٧ ] أضاف الرسول إليهم،
صلى الله عليه وسلم: (( أما تريد أن يبوء باثمك وإثم صاحبك)) قال: يانبي الله
لعله قال : بلى ، قال : فإن ذاك كذاك ، قال : فرمى بنسعته ، وخلى
سبيله. وربواه بنحوه أبو داود ( ٤٥٠١) واسناده حسن . وانظر ما قال
الامام الطحاوي عن هذا الحديث في ((مشكل الآثار)) ٤٠٧/١، ٤١١.
(١) أخرجه أبو داود (٤٤٩٧) في الديات : باب الإمام يأمر بالعفو
في الدم، والنسائي ٣٧/٨، ٣٨، وابن ماجة (٢٦٩٢)، واسناده
شرح السنة ج ١٠ م-١١
صحيح .

- ١٦٢ -
وإنما هو رسول الله أرسله إليهم . ورُوي في هذا الحديث أن رسول الله
وَّ قال الرجل ((خذه)) فخرج به ليقتله، فقال رسول الله مواضع :
(( أما إنه إن قتله كان مثله (١)) قيل: معناه كان مثله في حكم البَواء،
أي: صارا متساويين، لا فضل للمقتص إذا استوفى حقه على المقتصِ منه،
وقيل : أراد به ردعه عن قتله ، لأن القاتل كان يدعي أنه لم يقصد
قتله ، فلو قتله الولي ، كان في وجوب القود عليه مثله لو ثبت منه القصدُ
في القتل ، بدل عليه ما رُوي عن أبي هريرة قال: قْل رجلٌ في عهد
رسول الله مؤلم ، فدُفع القاتل إلى وليه ، فقال القاتل: يا رسول الله
والله ما أردت قتله، فقال رسول الله عَ لَّم: ((أما إن كان صادقاً،
فقتلتَهُ، دخلت النار)) فخلاه الرجل (٢).
وفيه دليل على أن من جرى عليه قتلٌ، هو غير قاصد فيه ، لا قصاص
عليه، ولو قتله وليُّ الدَّم، كان آئماً وعليه القوّد .
والقتل على ثلاثة أنواع: عمدٌ محض، وهو أن يقصد قتل كُفْئِهِ بما
يُقصد به القتلُ غالباً، فيجب فيه القصاصُ، أو الدّيةُ مُغلظة" في مال
الجاني حالة .
والثاني: شبه العمد وهو أن يقصد ضربه بما لا يموت مثلُه من مثل
ذلك الضرب غالباً، بأن ضربه بعضاً خفيفٍ، أو حجر صغير ضربةٌ أو
(١) هي رواية مسلم وأبي داود وقد تقدمت
(٢) أخرجه أبو داود (٤٤٩٨) في الديات: باب الامام يأمر العفو في
الدم ، والترمذي (١٤٠٧) في الديات : باب ماجاء في حكم ولي القتيل
القصاص والعفو، وابن ماجة (٢٦٩١) في الديات : باب العفو عن القاتل،
ورجاله ثقات، وإسناده صحيح، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

- ١٦٣ -
ضربتين، فمات ، لا يجب القصاصُ، ونجب الدّية مغلظة على عاقلته (١)
مؤجلة إلى ثلاث سنين ، فإن كان المضروبُ صغيراً ، أو مريضاً يموت
منه غالباً، لو كان قوياً، ولكنّ الضارب والى عليه بالضرب حتى مات ،
يجب القودُ.
والنوع الثالث : الخطأ المحض وهو أن لا يقصد ضربه، إنما قصد
غيره، فأصابه، أو حفر بئر عدوانٍ، فتردّى فيها إنسانٌ، أو نصب
شبكة حيث لا يجوز، فتعلق بها رجلٌ ومات، فلا قودَ عليه ، وتجب
الدِّية مخففة على العاقلة في ثلاث سنين .
باب
وجوب القصاص على من قتل بالحجر
٢٥٢٨ - أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الشُّرائيّ المعروف بأبي
بكر بن أبي الهيثم، أنا أبو أحمد محمد بن أحمد بن يعقوب الزرقيء قراءة
عليه في المحرم سنة اثنتين وثمانين وثلاثة، نا أبو حامد أحمد بن علي
الكُشميهني ، أنا أبو الحسن علي بن حُجر السعدي ، نا يزيد بن هارون ،
أنا همام ، عن قتادة
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: خَرَجَتْ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا أَوْضَاحٌ،
فَأَخَذَهَا يَهُودِيُّ، فَرَضَخَ رَأْسَهَا، وَأَخذَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْمُلِيِّ
(١) قال في ((المغني)) ٥١٤/٩، ٥١٥: ولا خلاف بين أهل العلم
في أن العاقلة : العصبات ، وأن غيرهم من الاخوة من الام ، وسائر ذوي
الارحام، والزوج، وكل من عدا العصبات ليسواهم من العاقلة .

- ١٦٤ -
فَأُدْرِكَتْ وَيَهَا رَمَقٌ، فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللهِ عَلِ، فَقَالَ:
(( مَنْ قَتَلَكِ؟ فُلَانٌ؟)) قَالَتْ بِرَأْسِهَا: لَا، قَالَ: (( فُلَانٌ ؟
حَتَّى سَّى الْيَهُودِيَّ» ، فَقَالَتْ بِرَأْسِهَا: نَعَمْ، فَأُخِذَ فَاعْتَرَفَ،
فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ عَمِ، فَرُضِخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرِّيْنِ »
هذا حديث متفق على صحته (١؛ أخرجه محمد عن حجاج بن منمال ،
وأخرجه مسلم عن هدّاب بن خالدَ، كلاهما عن حمّام. قوله: ((عليها
أوضاح)) قال أبو عبيد: يعني: ◌ُحُليّ فضة، قال غيره : سميت أوضاحاً
البياض لونها ، والوَضَحُ : البياض .
وفيه دليل على أن الرجلَ يُقْتّلُ بالمرأة، كما تقتلُ المرأة به ، وهو
قول عامة أهل العلم إلا ما تُحكي عن الحسن البصري ، وعطاء ، أنهما قالا :
لا يُقتل الرجلُ بالمرأة .
وفيه دليل على أن القتل بالحجر المثقّل الذي يحصل به القتلُ غالباً
يوجب القصاص ، وهو قول أكثر أهل العلم ، وإليه ذهب مالك ،
والشافعي، ولم يوجب" بعضهم القصاص، إذا كان القتلُ بالمثقّل ، وهو
قول أصحاب الرأي .
(١) البخاري ١٧٤/١٢، ١٧٥ في الديات : باب سؤال القاتل حتى
يقر والإقرار في الحدود ، وباب اذا قتل بحجر أو عصا ، وباب من أقاد
بالحجر، وباب اذا أقر بالقتل مرة قتل به ، وباب قتل الرجل بالمرأة ، وفي
الخصومات : باب ما يذكر في الاشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي،
وفي الوصايا : باب اذا أومأ المريض برأسه إشارة بينة جازت ، ومسلم
(١٦٧٣) (١٧) في القساعة : باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره
من المحددات والمثقلات وقتل الرجل بالمرأة .

- ١٦٥ -
ولو أوجره مماً قائلًا يجب القودُ، وقال أبو حنيفة: لا يجب ،
بل تجب الدية ، ولو جعل السمّ في طعام ، فأطعمه الغير ، فأكله جاهلًا
بالحال ، فمات ، أوجب الشافعيّ القودَ في أحد قوليه ، وهو قول مالك،
أما إذا وضعَ الطعامَ المسموم بين يديه، ولم يقل : كُل ، فأكله ،
فمات ، فلا شيء عليه .
وفيه دليل على جواز اعتبار جهة القتل، فيقتصّ من القاتل بمثل
فعله ، فإن قتل بحجر، أو رُمي من شاهق جبلٍ، أو تحريق، أو تغريق
يُفُعل به مثلَ فعله، يُروى ذلك عن الشعبي ، وعمر بن عبد العزيز ،
وبه قال مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وذهب قوم إلى أنه
لا يُقتصُ إلا بالسيف، وهو قول عطاء، وإليه ذهب سفيان الثوري ،
وأصحاب الرأي، وهذا إذا قتله بطريق، أذِنَ الشرعُ في استعماله على وجه
من الوجوه ، كالرمي بالحجارة ، والتحريق ، أذن الشرع في فعله بالكفار
إذا احتاجوا إليه في الجهاد ، وكذلك إجراء الماء عليهم ، وهدم البناء ،
والرمي من الشواهق، ونحوها فأما إذا قتل رجلًا بإيجار الخمر ، أو
ارتكب منه فاحشة ، فكان فيه هلاكُه، أو بالسحر فلا يقتص منه
بمثل فعله ، بل يقتل بالسيف، لأن الشرع لم يَردِ بإباحتها بوجه من
الوجوه ، إنما هي من الكبائر ، وسائر الأفعال تحريمها من أجل الجناية
والتعدي على الغير ، فإذا فعل ، جوزي بمثله ، قال الله سبحانه وتعالى :
( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه يمثلٍ مَا اعتدَى عَليكُمْ)
[ البقرة : ١٩٤ ] .

باب
القصاص في الأطراف
قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (وَالعَيْنَ بِالْعَيْنِ ) إلى قَولِهِ:
( وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ) [المائدة: ٤٥].
٢٥٢٩ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله
النُّعيمي®، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، حدثني عبد الله
ابن منير ، سمع عبد الله بن بكر السهميّ ، ناحميد
عَنْ أَفَرٍ أَنَّ الرُّبِيِّعَ عَّتَهُ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ ، فَطَلَبُوا
إِلَيْهَا العَفْوَ، فَأَبَوْا، فَعَرَّضُوا الأَرْشَ، فَأَبَوْا، فَأَتَوْا رَسُولَ
اللّهِعَ ◌ٌّ، وَأَبَوْا إِلَّ القِصَاصَ، فَأَمَرَ رُسُولُ اللهِْطَهِ بِالْقِصَاصِ،
فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّصْرِ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتْكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ
لَا وَالَّذِي بَعَثَّكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ فَذِيَّتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
◌َ: يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ، فَرَضِيَ القَوْمُ، فَعَفَوْا،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((إِنَّ مْن ◌ِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلى اللهِ
لِأَبَرَّهُ )».

- ١٦٧ -
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي
شيبة ، عن عفان، عن حماد ، عن ثابت ، عن أنس أن أخت الربيع
أمّ حارثة جرحت إنساناً .
قوله: (( كتابُ الله القصاص)) قيل: أراد به قوله سبحانه
وتعالى : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعين ) إلى
قوله: (والسّنّ بالسَّنِ) [المائدة: ٤٥] وهذا على قول من يقول :
إن شرائع الأنبياء عليهم السلام لازمة لنا ما لم يَردِ النسخ في شرعنا،
وقيل: هذا إشارة إلى قوله عز وجل: ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثلٍ
ما عوقبتُم به ) إلى قوله: ( والجروح قصاصٌ )، على قراءة من
يقرؤه مرفوعاً على طريق الابتداء (٢). وقيل: كتاب الله معناه: فرض
الله الذي فرضه على لسان نبيّه ◌ِلتِ .
وجملته أن كل طرف له مفصلٌ معلومٌ، قَطَعَه من مفصله من إنسان
"يُقتصّ منه كالأصبع يقطعها ، أو اليد يقطعها من الكوع ، أو من
المِرَفق، أو الرّجل يقطعها من المفصِل، يُقتصُ منه، وكذلك لو
قلع سِنْهُ، أو قطع لسانه، أو قطع أنفه، أو أُذنه، أو فقأ عينه ، أو
جَبَّ ذَكَرَه، أو قطع أنشبيه يقتصُ منه، وكذلك لو شُجْه "موضحة"(٣)
(١) البخاري١٣٣/٨ في تفسير سورة البقرة: باب (يا أيها الذين آمنوا
كتب عليكم القصاص في القتلى ) وفي الصلح : باب الصلح في الدية ، وفي
تفسير سورة المائدة : باب قوله : (والجروح قصاص) ،وفي الديات : باب
السن بالسن ، مسلم (١٦٧٥) في القسامة: باب اثبات القصاص في الاسنان
وما في معناها .
(٢) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمراء، وابن عامر كما في ((زاد المسير))
٣٦٧/٢ ٠
(٣) الموضحة : هي التي تبدي وضح العظم ،أي : بياضه .

- ١٦٨ -
في رأسه أو وجهه، يقتصُّ منه، ولو جرح رأسه دون الموضحة ، أو
جرح موضعاً آخر من بدنه ، أو مَشَمَ العظمَ ، فلا قوَدَ عليه، لأنه
لا يمكن مراعاة الماثلة فيه .
وكذلك لو قطع يده من نصف الساعد ، فليس له أن يقطع بده
من ذلك الموضع ، وله أن يقتص من الكوع ، ويأخذ حكومة من
نصف (١) الساعد .
لا قود في اللطمة، والخمشة ، إنما فيها التعذير تأديباً ، والحكومة (٢)
إن بقي لها أثر ، وممن ذهب إلى هذا : الحسن ، وقتادة ، وبه قال
مالك ، والشافعي ، وأصحاب الرأي .
وذهب جماعة إلى أنه يُقاد من اللطمة، والضربة بالسوط ، رُوي
ذلك عن الخلفاء الراشدين، وإليه ذهب ◌ُريح، والشعبي ، وابن مُشْبرُمة .
رُوي عن أبي بكرة أنه أقاد من لطمة ، ومثله عن علي ، وابن الزبير ،
وسوبد بن مقرّن ، وأفاد عمر من ضربة بالدّرّة ، وأقاد علي من ثلاثة
أسواط (٣)، وحمل هذا من لم يُوجب به القودّ على وجه التعزير. واقتص
(١) في ( ج ) حكومة لنصف الساعد.
(٢) في ((اللسان)) ومعنى الحكومة في أرش الجراحات التي ليس
فيها دية معلومة : أن يجرح الانسان في موضع في بدنه مما يبقى شينه
ولا يبطل العضو ، فيقتاس الحاكم أرشه بأن يقول : هذا المجروح لو كان
عبداً غير مشين هذا الشين بهذه الجراحة كانت قيمته ألف درهم ، وهو
مع هذا الشين قيمته تسعمئة درهم ، فقد نقصه الشين عشر قيمته ،
فيجب على الجارح عشر ديته في الحر ، لأن المجروح حر .
(٣) ذكر هذه الآثار البخاري في ((صحيحه)) ٢٠١/١٢ تعليقاً، قال
الحافظ : أما أثر أبي بكر ، فوصله ابن أبي شيبة من طريق يحيى بن
الحصين سمعت طارق بن شهاب يقول : لطم أبو بكر يوماً رجلاً لطمة ،
فقيل : ما رأينا كاليوم قط هنعه ولطمه ، فقال أبو بكر : إن هذا أتاني
٣٠

- ١٦٩ -
شريح من سَوْظ، وُخموش(١)، وأقاد عبد الله بن الزبير من المُنْقِّلَة (٢)،
وأقاد أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم من كسر الفخذ، واحتج من
رأى فيه القود بما رُوي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أُّسيد بن
حُضَيْرِ ، بينما هو يحدث القوم يُضحِكُهُم وكان فيه ◌ُزاح ، فطعنه
النبي ◌َّ في خاصرتِه بعود ، فقال: أصبرني ، فقال : اصطبر ، فقال:
إن عليك قميصاً، وليس عليّ قميص، فرفع النبي ◌ِ ◌ّ عن قميصه ،
ليستحملني فحملته ، فإذا هو يتبعهم ، فحلفت ألا أحمله ثلاث مرات ،
ثم قال له : اقتص، فعفا الرجل ، وأما أثر ابن الزبير ، فوصله ابن أبي
شيبة ومسدد جميعاً ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار أن ابن
الزبير أقاد من لطمة ، وأما أثر علي الأول ، فأخرجه ابن أبي شيبة من
طريق ناجية أبي الحسن ، عن أبيه أن علياً اتي في رجل لطم رجلا ، فقال
للملطوم : اقتص ، وأما أثر سويد بن مقرن ، فوصله ابن أبي شيبة من طريق
الشعبي عنه، وأما أثر عمر فأخرجه في ((الموطأ)) عن عاصم بن عبيد الله
عن عمر منقطعاً ، ووصله عبدالرزاق عن مالك عن عاصم ، عن عبدالله
بن عامر بن ربيعة قال : كنت مع عمر بطريق مكة ، فبال تحت شجرة،
فناداه رجل ، فضربه بالدرة ، فقال : عجلت علي، فأعطاه المخفقة، وقال:
اقتص ، فأبى ، فقال : لتفعلن ، قال فإني أغفرها . وأما أثر علي الثاني ،
فأخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور من طريق فضيل بن عمرو عن
عبد الله بن معقل قال: كنت عند علي فجاءه رجل فساره، فقال: يا قنبر
أخرج فاجلد هذا ، فجاء المجلود فقال : إنه زاد على ثلاثة اسواط ، فقال:
صدق ، قال: خذ السوط ، فاجلده ثلاثة أسواط ، ثم قال: يا قنبر اذا جلدت
فلا تتعد الحدود .
(١) علقه البخاري ١٠٢/١٢، وقال الحافظ: وصله ابن سعد
وسعيد بن منصور من طريق إبراهيم النخعي قال : جاء رجل إلى شريح،
فقال : أقدني من جلوازك ( هو الشرطي ) فسأله ، فقال : ازدحموا عليك،
فضربته سوطاً ، فاقاده منه .
.(٢) المنقلة : هي التي تخرج منها صغار العظام ، وتنتقل عن أماكنها
،.وقيل : هي التي تنقل العظم ، أي : تكسره .

- ١٧٠ -
فاحتضنه، وجعل يُقبِّل كشحه، وقال: إنما أردت هذا يا رسول الله (١).
قوله: ((أمبرني))، أي : أقدني، واصطبر ، أي : استقد.
رُوي عن أبي سعيد الخدريِّ قال: بينما رسول الله ◌ِ له يُقِيم
قسماً أقبل رجل، فأكب عليه، فطعنهُ رسول الله بَ ◌ٍّ بعُرجون كان
معه، فجُرِحَ بوجهه، فقال له رسولُ الله ◌ِّ: تعال فاتقد»
فقال : بل عفوتُ يا رسول الله (٢)
وقال عمر رضي الله عنه: إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم ،
ولا ليأخذوا أموالكم، فمن فعل ، فليرفعه إليّ أُقِصْه منه، فقال عمرو
ابن العاص : لو أن رجلاً أدَّب بعض رعيته أنْقِصُّه منه؟ قال: إِي
والذي نفسي بيده ألا أُقِصُ منه وقد رأيت رسول الله مَمِ أقصْ
من نفسه (٣).
(١) أخرجه أبو داود (٥٢٢٤) في الأدب: باب قبلة الجسد، وسنده
حسن .
(٢) أخرجه النسائي ٣٢/٨ في القسامة: باب القود في الطعنة ،هو في
سنده عبيدة بن مسافع راويه عن أبي سعيد ، قال ابن المديني : مجهول
ولا أدري سمع من أبي سعيد أم لا .
(٢) أخرجه النسائي ٣٢/٨ في القسامة: باب القود في الطعنة، وفي
عمر بن الخطاب ، فقال : أيها الناس ألا إنما كنا نعرفكم إذ بين ظهرينا
النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذ ينزل الوحي ، وإذ ينبئنا الله من أخبار كم
ألا وإن النبي صلى الله عليه وسلم قد انطلق، وقد انقطع الوحي، وإنما
نعرفكم بما نقول لكم : من أظهر منكم خيراً ظننا به خيراً ، وأجبناه عليه ،
ومن أظهر منكم لنا شراً ، ظننا به شراً ، وأبغضناه عليه ، سرائركم بينكم
وبين ربكم ، ألا إنه قد أتى علي حين وأنا أحسب أن من قرأ القرآن يريد
الله وما عنده ، فقد خيل الي بآخرة ، الا إن رجالاً قد قرؤوه يريدون به
ما عند الناس ، فأريدوا الله بقراءتكم، وأريدوه بأعمالكم ألا إني والله
ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشار كم ولا ليأخذوا أموالكم ، ولكن أرسلهم

باب
لا يقتل مؤمن بكافر
٢٥٣٠ - أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي®، أنا عبد العزيز
ابن أحمد الخلال ، نا أبو العباس الأصم ( ح ) وأما أحمد بن عبد الله
الصالحية، ومحمد بن أحمد العارف ، قالا : أنا أبو بكر الجيري ، نا أبو
العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا سفيان بن عيينة ، عن
◌ُطرّف عن الشعبي
عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: سَأْلْتُ عَلِيّاً هَلْ عِنْدَكُمْ مِنَ النّبِيِّ
عَ ◌ُّ شيءُ سِوَى القُرْآنِ ؟ فَقَالَ: لَا وَالَّذِي فَلَقَ الْخَبَّةَ، وَبَرَأ
الَّسَمَةَ إِلَّ أَنْ يُؤْتِيَ اللهُ عَبْداً فَهْمَا فِي القُرْآنِ ، وَمَا فِي
الصَّحِيفَةِ، قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ ؟ قَالَ : العَقْلُ، وَفَكَاكُ
الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ (١))).
إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم ، فمن فعل به شيء سوى ذلك ، فليرفعه
إلي ، فوالذي نفسي بيده لأقصَّنَّه منه، فوثب عمرو بن العاص ، فقال :
يا أمير المؤمنين ، أو رأيت إن كان رجل من المسلمين على رعية ، فأدب
بعض رعيته النك لمقتصه منه ؟ قال : إي والذي نفس عمر بيده إذن
لأقصنه منه ، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه،
ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم ، ولا تجمروهم فتفتنوهم ، ولا تمنعوهم
حقوقهم فتكفروهم ، وتنزلوهم الغياض فتضيعوهم .
(١) البخاري ٢١٧/١٢ في الديات: باب العاقلة، وباب لا يقتل
المسلم بالكافر ، وفي العلم : باب كتابة العلم ، وفي الجهاد : باب فكاك
الأسير .

- ١٧٢ -
هذا حديث صحيح أخرجه محمد عن صدقة بن الفضل ، عن
ابن عيينة.
٢٥٣١ - أخبرنا محمد بن الحسن، أنا أبو العباس الطحان، أنا أبو
أحمد محمد بن قريش ، أنا علي بن عبد العزيز، أنا أبو عبيد ، أنا يحيى
ابن سعيد القطان ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة، عن الحسن ،
عن قيس بن عباد
عَنْ عِلِيٍّ عَنِ الَّيِّ ◌َِِّ: ((المُسْلمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى
بِذَِّّتِهِمْ أَذْنَاهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْضَاْ، وَهُمْ يَدُ عَلى مَنْ
سِوَاهْ، لَا يُقْتَلُ مُسْلِمُ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ (١))).
٢٥٣٢ - أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أنا أبو
محمد عبد الله بن يوسف بن محمد بن بأمويةَ الأصبهاني، أنا أبو محمد دخلج
ابن أحمد السّجزي، أنا أبو سليمان القزاز، نا هانىء بن يحيى ، ناقزّعة
ابن سويد ، عن المثنى بن الصباح ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه
عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رُسُولَ اللهِ عَّهِ رَقِيَ دَرَجَ الْبَيْتِ يَوْمَ
الفَتْحِ، فَقَالَ : الْحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ،
وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، هِيَ حَرَامٌ بِحَرَامِ اللهِ، لَا يُخْتَلَى
(١) . وأخرجه أبو داود (٤٥٣٠) في الديات : باب أيقاد المسلم بالكافر،
وأخرجه النسائي ٢٤/٨ في القسامة : باب سقوط القود من المسلم
للكافر من طريق قتادة ، عن أبي حسان الأعرج عن الأشتر عن علي قال
في ((التنقيح)): سنده صحيح، وحسنه الحافظ في ((الفتح)» ٢٣١/١٢

- ١٧٣ -
خَلَهَا ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّ لِكُنْشِدٍ،
فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّ الإذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِبُيُوتِنَا
وَمَوْتَآَنَا، فَقَالَ: ((إِلَّ الإذْخِرَ، المُسْلُونَ يَدْ عَلى مَنْ سِوَاْهمْ،
تَتْكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِّتِهِمْ أَذْنَاُهُمْ، وَيُحِيرُ عَلَيْهِمْ
أَقْصَاهُمْ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ ،
وَلَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنٍ (١).
قوله: ((المسلمون يد على من سواهم ، فمعنى اليد : النصرة،
والمعونة بالمحاربة مع جميع أهل الملل ، والمعاونة من بعضهم لبعض، فإذا
استنفروا، فعليهم النفير ، ولا يسعهم التخلف ، والتخاذل .
قوله: ((تتكافأ دماؤهم))، يريد أن دماء المسلمين متساوية في القصاص
يُقاد الشريفُ منهم بالوضيع، والكبيرُ بالصغير، والعالمُ بالجاهل، والرجلُ
بالمرأة . وإذا كان المقتول شريفاً، أو عالماً، والقائلُ وضيعٌ جاهل
لا يُقتل به غيرُ قاتله على خلاف ما كان يفعله أهل الجاهلية ، كلنوا
(١) سنده ضعيف لضعف قزعة بن سويد، والمثنى به الصباح،
وأخرجه من قوله ((المسلمون ... إلى قوله في عهده)) أبو داود (٤٥٣٠)
ومن طريقه البيهقي ٢٩/٨، وحسنه الحافظ في ((الفتح)) ٢٣١/١٢ وهو
في ((المسند)) بمعناه مطولاً ومختصراً (٦٦٩٠) و (٦٦٩٢) و (٦٧٩٦)
و (٦٧٩٧) و (٦٨٢٧) و (٦٩٧٠) و (٧٠١٢) والجملة الأخيرة وهي
قوله ((،ولا يتوارث أهل ملتين)) أخرجها بسند حسن أحمد (٦٦٦٤) و
(٦٨٤٤) وأبو داود (٢٩١١) والدار قطني ص ٤٥٥، ٤٥٦، والبيهقي
٢١٨/٦ ٠

- ١٧٤ -
لا يرضون في دم الشريف بالاستقادة من قاتله الوضيع حتى يقتلوا عدة من
قبيلة القاتل .
وقوله: ((ويسعى بذمتهم أدناهم)) معناه : أن واحداً من المسلمين
إذا آمنَ كافراً، حَرُمّ على عامة المسلمين دمُه، وإن كان هذا المجير أدناهم
مثل أن يكون عبداً ، أو امرأة ، أو عسيفاً تابعاً ، أونحو ذلك ،
ولا تُخْفَرُ ذمَّتُهُ .
وقوله: ((ويجير عليهم أقصاهم)) معناه : أن بعض المسلمين وإن
كان قاصي الدار عن بلاد الكفر إذا عقد للكافر عقد الأمان ، لم يكن
لأحد منهم نقضُهُ، وإن كان أقربَ داراً من المعقود له ، وفي بعض
الروايات: ((يرد ◌ُشِدهم على مُضْعِفِهم، ومُتسرِّيهم على قاعدهم (١)))
فالمشدء : القوي ، والمضعف : من كانت دوابه ضعافاً . وجاء في بعض
الحديث المضعف : أمير الرفقة يريد أن الناس يسيرون بسير الضعيف
لا يتقدمونه، فيتخلف عنهم، ويبقى بمضيعة. والمُتسرّي : الذي يخرج
في السرية، معناه : أن يخرج الجيش ، فينيخو بقرب دار العدو ، ثم
تنفصل منهم مبرية ، فيغنموا ، يردون ما غنموه على الجيش الذين هم ردهٌ
لهم، لا ينفردون به ، بل يكونون جميعاً شركاء فيه ، وهو معنى قوله :
((( ويرد عليهم أقصاهم)) فأما من أقام ببلدة ، ولم يخرج معهم ، فلا
شركة له فيه .
وفيه دليل على أنه لا يُقتل المسلم بالكافر ، سواء كان الكافر ذمياً
له عهد مؤبد، أو مُستأمناً وعهده إلى مدة، وإلى هذا ذهب جماعة من
١٠) هي رواية أبي داود.

- ١٧٥ -
الصحابة والتابعين ، فمن بعدهم ، وهو قول عمر ، وعثمان ، وعلي ،
وزيد بن ثابت ، وبه قال عطاء ، وعكرمة ، والحسن البصري ، ومعمو
ابن عبد العزيز ، وإليه ذهب مالك ، وسفيان الثوري ، وابن شبرُمة ،
والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وذهب جماعة إلى أن
المسلم يُقتل بالذمي ، وهو قول الشعبي ، والنخعي ، وإليه ذهب أصحاب
الرأي، وتأولوا قوله: ((لا يقتل مؤمن بكافر)) أي : بكافر حربي ،
بدليل أنه عطف عليه ، ولا ذو عهد في عهده ، وذو العهد يُقتل بذي
العهد ، إنما لا يقتل بالحربي، وقالوا: تقدير الكلام : لا يقتل مؤمن ،
ولا ذو عهد في عهده بكافر (١). واحتجوا بحديث منقطع، وهو ما روي
عن عبد الرحمن بن البيلماني أن رجلًا من المسلمين قتل رجلاً من أهل
الذمة، فرفع ذلك إلى رسول الله بر قم فقال: ((أنا أحق من أوفى
بذمته)) ثم أمر به فقتل (٢). فيقل لهم: قوله: ((لا يقتل مؤمن
(١) وجه الاستدلال موضحاً: أن تقديره: ولا يقتل ذو عهد في
عهده بكافر ، وهو من عطف الخاص على العام ، فيقتضي تخصيصه
لأن الكافر الذي يقتل به ذو العهد هو الحربي دون المساوي له والأعلى ،
فلا يبقى من يقتل بالمعاهد إلا الحربي ، فيجب أن يكون الكافر الذي لايقتل
به المسلم هو الحربي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه ، قال الطحاوي
: ولو كانت فيه دلالة على نفي قتل المسلم بالذمي ، لكان وجه الكلام أن
يقول: ((ولا ذي عهد في عهده)) وإلا لكان لحناً، والنبي صلى الله عليه
وسلم لا يلحن ، فلما لم يكن كذلك علمنا أن ذا العهد هو المعني بالقصاص ،
فصار التقدير : (( لا يقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر )) ومثله في
القرآن ( واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة
أشهر واللائي لم يحضن ) فإن التقدير : واللائي يئسن من المحيض واللائي
لم يحضن .
(٢) أخرجه الدار قطني ص ٣٤٥ من حديث إبراهيم بن محمد

- ١٧٦ -
بكافر )) كلام قام مستقل بنفسه، فلا وجه لضمه إلى ما بعده ، وإبطال
حكم ظاهره؛ وقد روينا عن صحيفة علي: ((لا يقتل مؤمن بكافر))
من غير ذكر ذي العهد ، فهو عام في حق جميع الكفار أن لا يقتل
به مؤمن، كما قال النبي موتز: «لا يرث المسلم الكافر ، ولا الكافر
المسلم (١))) فكان الذمي، والمستأمن، والحربي فيه -واء.
وقوله: ((ولا ذو عهد في عهده)) أراد به أن ذا العهد لا يجوز
قتله ابتداء ، ما دام في العهد ، وفي ذكر المعاهد أنه لا يقتل ابتداءً فائدة،
وهو أن النبي يَولت لمّا أسقط القود عن المسلم إذا قتل الكافر، أوجب ذلك
توهين حرمة دماء الكفار ، فلم يؤمن من وقوع شبهة لبعض السامعين في
حرمة دمائهم ، وإقدام المسرع من المسلمين إلى قتلهم ، فأعاد القول في
حظر دمائهم دفعاً للشبهة ، وقطعاً لتأويل المنأول ، والله أعلم .
وأما حديث ابن البيلماني، فمنقطعٌ، لا تقوم به الحجة ، وهو خطأ
من حيث إن القاتل كان عمرو بن أمية الضّمري ، وكان قد عاش بعد
النبي ◌َِّ، وإن ثبت ، فهو متروك ، لأنه روي أن المقتول الكافر
كان رسولاً ، فيكون مستأمناً ، ولا يقتل المسلم بالمستأمن بالاتفاق ، أو
هو منسوخ لأنه كان قبل الفتح، وقد قال النبي عد الفر عام الفتح:
((( لا يقتل مؤمن بكافر)) فصار الأول به منسوخاً .
الأسلمي ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن ابن البيلماني عن ابن عمر ، وقال:
لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك الحديث ، والصواب عن
ربيعة ، عن ابن البيلماني مرسل ، وابن البيلماني ضعيف لا تقوم به
الحجة إذا وصل الحديث فكيف بما يرسله ، وانظر تمام الكلام على هذا
الحديث في (( نصب الراية)) ٣٣٥/٤، ٠٣٣٧
(١) هو في الصحيح من حديث أسامة بن زيد .

- ١٧٧ -
باب
الحر يقتل بالعبد
٢٥٣٣ - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي'، أنا أبو بكر أحمد
ابن الحسن الحِيريُ، أنا حاجب بن أحمد الطومي ، نا عبد الرحيم بن
منعب ، نا سليمان بن داود ، نا هشام ، عن قتادة ، عن الحسن
عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَِّيَّ ◌َيْهِ قَالَ: ((مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ، قَتَلْنَاهُ ،
وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ، جَدَعْنَاهُ، وَمَنْ أُخْصَى عَبْدَهُ أَخْصَيْنَاهُ(١)).
هذا حديث حسن غريب .
واختلف أهل العلم في الحر إذا قتل عبداً ، أو قطع طرفاً منه ،
هل يجب عليه القصاص أم لا ؟ فذهب أكثرهم إلى أنه لا قِصاصَ فيه ،
رُوي ذلك عن أبي بكر ، وعمر ، وابن الزبير ، وهو قولُ الحسن ،
وعطاء ، وعكرمة ، وعمر بن عبد العزيز ، وإليه ذهب مالك ، والشافعي ،
وأحمد ، وإسحاق ، وذهب قوم إلى أن الحر يُقتل بالعبد سواء كان
(١) وأخرجه أبو داود (٤٥١٥) والترمذي (١٤١٤) في الديات
والنسائي ٢٠/٨، ٢١ في القسامة: باب القود من السيد للمولى، وابن ماجة
(٢٦٦٣) في الديات هل يقتل الحر بالعبد، والحسن البصري موصوف
بالتدليس وقد عنعن .
شرح السنة ج - ١٠م - ١٢

- ١٧٨ -
قتل عبد نفسه ، أو عبد غيره ، وهو قول إبراهيم النخعي ، وسفيان
الثوري .
وذهب جماعة إلى أنه إذا قتل عبد نفسه لا قصاصَ عليه، وإذا قتل
عبد الغير يُقتصُّ منه، وهو قول سعيد بن المسيِّب، والشعبي ، وقتادة،
وإليه ذهب أصحاب الرأي ، وحكي بمن سفيان مثل قولهم . وروي عن
قتادة أن الحسن نسي الحديث ، فكان يقول : لا يُقتلُ حرّ بعبد، ومن لم
يرّ فيه القصاصَ تأوَّل الحديث، وحمله على الردع والزجر دون الإيجاب ،
وتأوله بعضهم على من كان عبداً له ، وقد أعتقه . ولم يختلف أهل العلم
في المولى إذا قتل معتقه أنه يجب عليه القصاص .
وذهب عامة أهل العلم إلى أن طرف الحر لا يقطع بطرف العبد ،
فثبت بهذا الاتفاق أن الحديث محمولٌ على الزجر ، والردع ، أو هو
منسوخ . واختلف أهل العلم في القصاص في الأطراف ، فذهب قوم إلى
أن القصاص يجري في الأطراف على السلامة على حسب ما يجري في
النفوس ، فيقطع الرجل بالمرأة ، والمرأة بالرجل ، ولا يقطع المسلم بالذمي ،
ولا الحر بالعبد، كما لا يُقتل به، ويُقطع الذميُّ بالمسلم ، والعبدُ بالحر ،
والعبد بالعبد ، وإن اختلفت قيمتها كما يقتل به ، وهذا قول الشافعي .
ويُذكر عن عمر : تقاد المرأة من الرجل في كل عمد يبلغ نفسه فما
دونها من الجراح (١). وبه قال عمر بن عبد العزيز، وإبراهيم، وأبو
(١) ذكره البخاري في ((صحيحه)) ١٨٨/١١ تعليقا، قال الحافظ:ووصله
سعيد بن منصور من طريق النخعي قال : كان فيما جاء به عروةالبارقي
إلى شريح من عند عمر قال: (( جرح الرجال والنساء سواء)) وسنده
صحيح إن كان النخعي سمعه من شریح ، وقد أخرجه ابن أبي شيبة من
وجه آخر ، فقال : عن ابراهيم ، عن شريح قال : أتاني عروة فذكر ،

- ١٧٩ -
الزناد عن أصحابه. وجرحت أخت الرُّبيِّعِ إنساناً، فقال النبي ح لل :
(«القصاص)) (١).
وذهب قوم إلى أن القصاص لا يجري في الأطراف بين الذكر
والأنثى ، ولا بين العبيد، ولا بين الحر والعبد ، إنما يجري بين حرين
أو حرتين، وهو قول أصحاب الرأي . قال ابن شهاب : ليس بين الحر
والعبد قوَدٌ في شيء من الجراح إلا أن العبد إن قتل" الحرّ عمداً قتل
به ، وقال الحكم: لا يقاد العبد من العبد في جرح عمد ولا خطأ إلا
في قتل عمد ، وذكره عن إبراهيم ، عن الشعبي ، عن عبد الله
ابن مسعود .
أما إذا اختلفت الأطراف في السلامة ، فإن كانت بد المقطوع
مثلاء، ويد القاطع صحيحة ، فلا قصاص بالاتفاق ، وإن كانت يدُ
القاطع مثلاء، ويدُ المقطوع سليمة"، فالمقطوع يده له الخيار بالاتفاق،
إن شاء اقتص من بده الشلاء ، ولا شيء له ، وإن ماء ترك القصاص ،
وأخذ دية بده ، وإن كانت بد المقطوع ناقصة باصبع ، ويد القاطع
كاملة الأصابع، فلا يقتص من يده ، ولكن للمجنيّ عليه أن يلتقط
أربعة من أصابعه ، وإن كانت يدّ القاطع ناقصة باصبع ، ويد المقطوع
كاملة ، فله أن يقطعَ يد القاطع ، ويأخذ دية اصبع عند الشافعي ،
وقال أبو حنيفة : إذا قطع يده فلا شيء له من الدية كما لو كانت يد
القاطع مثلاء ، فرضي بقطعها، واحتج من لم يرّ القصاص" بين العبيد في
ومعنى قوله ((تقاد)): يقتص منها إذا قتلت الرجل ، ويقطع عضوها الذي
تقطعه منه وبالعكس .
(١) هو طرف من حديث أخرجه مسلم في (صحيحه)) (١٦٧٥)
في القسامة : باب إثبات القصاص في الأسنان وما في معناها .

- ١٨٠ -
الأطراف بحديث ، روي عن عمران بن حصين أن غلاماً لأناس فقراء ، قطع
أذنَ غلام لأناس أغنياءَ فأتى أهلُهُ النبيّ ◌ِّم، فقالوا: يا رسول الله
إنا أناسٌ فقراءُ فلم يجعلْ عليه شيئاً .
قال الإمام : وتأويل هذا أن الغلامين كانا حرين ، وكانت الجناية
خطأ ، أو كانا غير بالغين، ودية الخطأ تكون على العاقلة إن كان لهم
مال ، فإن كانوا فقراء ، فلا شيء عليهم . يدل عليه أن الجاني لو كان
عبداً، كان الأرش متعلقاً برقبته، ولا يبطل حقُّ المجنيء عليه بإعسار
أهله ، وإذا جنى عبدٌ على عبد، أو على حر خطأ ، أو عمداً على قول
من لا يوجب القصاص ، أو عنا على المال على قول من يوجبه، أو أتلف
مالاً يتعلق الأوش برقبة العبد الجاني، فسيِّدُه بالخيار إن شاء، سلمه للبيع ،
وإن شاء، فداه من عنده، فإن اختار الغداء، فعليه أقل الأمرين من قيمة
رقبة العبد الجاني، أو أرش جنايته وإن سلمه للبيع، فبيعَ، فإن وفى
ثمّهُ بأرش الجناية يُسلّم إلى ولي المجنيّ عليه، وإن فضلَ فضلٌ كان السيد
العبد الجاني ، وإن كان ثمنه أقلّ من أرش الجنابة ، فليس للمجني عليه
إلا ذلك ، وإذا أعتقه مولاه ، عتق، وعلى المولى أقل الأمرين من قيمته ،
أو ضمان جنايته. قال الشعبي في العبد يقتل خطأ ثم يعتقه سيده: قال:
الدّية على السيِّد ، ويُقتلُ المكاتب، وأمُّ الولد بالعبد القين، والعبدُ بها ،
لأنها رقيقان .
وروي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي عَغ
أنه قال: ((لا يُقاد الوالد بالولد (١))). ورواه بعضهم عن عمرو بن
(١) أخرجه الترمذي (١٤٠٠) في الديات: باب ما جاء في الرجل
يقتل ابنه يقاد منه أم لا؟ وأحمد (١٤٨)، وابن ماجة (٢٦٦٢) في
الديات : باب هل يقتل الحر بالعبد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه ،