Indexed OCR Text

Pages 221-240

- ٢٢١ -
مِّ: (( رُفِعَ القلمُ عن ثلاثٍ)).
واختلف أهل العلم فيمن علق طلاق امرأته 4 أبو عشق عبده على فعل
من أفعاله ، ففعله ناسياً ، أو حلف بالله أن لا يفعل كذا ، ففعله ناسياً ،
وذهب جماعة إلى أنه لا يحنّتُ ، وهو قول عطاء، و عمرو بن دينار ،
والشعبي ، وأحد قولي الشافعي ، وتلا الشعبي ( لا تؤاخدنا إن نسينا
أو أخطأنا )(١) ، وذهب قوم إلى أنه يحنّثُ، وهو قول مكحول،
وقتادة ، والزهري ، وإليه ذهب الأوزاعي ، ومالك ، وابن أبي ليلى ،
والثوري ، وأصحاب الرأي ، والشافعي في أحد قوليه ، وكان أحمد بن
حنبل يجنث في الطلاق، ويقف عن إيجاب الحنث في سائر الأيمان ،
وقال شعبة: سألت الحكم وحماداً عن الرجل يمر" بالعشار ومعه رقيق،
فيقول : هم أحرار، قال الحكم : ليس بشيء ، وقال حماد : أخشى
أن يعتقوا .
قال الإمام : وهذا قياس قول أهل العلم .
واختلف أهل العلم في طلاق المكرَهِ : فذهب جماعة إلى أنه لا يقع ،
وكذلك لا يصبح إعتاقُهُ، ولا شيء من تصرفاته بالإكراه ، لما رُوي عن
صفية بنت شية عن عائشة قالت: سمعتُ رسول الله عَ لَّم يقول:
ابن أبي صالح ، عن أبيه، عن أبي هريرة، وعن ثويان وشداد رواه الطبراني
في كتاب مسند الشاميين من حديث عبد الرحمن بن مسلم الرازي ، عن
عبد المؤمن بن علي الزعفراني ، عن عبد السلام بن حرب ، عن برد بن
سنان ، عن مكحول ، عن أبي ادريس الخولاني قال : أخبرني غير واحد
من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ثوبان وشداد بن أوس.
(١) علقه البخاري في صحيحه في الطلاق: باب. الطلاق في الإغلاق
والكره .

- ٢٢٢ -
(« لا طلاق ولا عتاق في إغلاق)) (١). ومعنى الإغلاق: قيل: هو
الإكراه، كأنه يغلق عليه الباب، ويجبس حتى يُطلق (٢). وهو قول
عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله
بن عباس ، وعبد الله بن الزبير ، وبه قال شريح ، وعطاء ، وطاووس ،
وجابر بن زيد ، والحسن ، والشعبي ، وعمر بن عبد العزيز ، والقاسم ،
وسالم ، وإليه ذهب مالك ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق .
وذهب قوم إلى أنّ طلاق المكره واقع ، وهو قول النّخعي ،
وقتادة والزهري، وإليه ذهب أصحاب الرأي . وقال شريح : القيد
كُرهٌ، والوعيد كرهٌ . وقال أحمد: الكرهُ: القتلُ، أو الضرب
الشديد ، والتخويف بقتل الأب ، أو الابن ، أو الأخ ليس بإكراه ،
وقال بعضهم : هو إكراه في جميع الأمور .
واتفقوا على من أُكرة على الرَّدة، فتلفظ بها، لا يُكفّر، لقوله
سبحانه وتعالى: (إلا من أُكرهَ وقلبُه مُطمئِنٌ بالإيمان)
[النحل: ١٠٦ ] .
واختلفوا في طلاق السكران ، فذهب بعضُ أهل العلم إلى أن طلاقه
لايقعُ ، لأنه لا يعقِل ، كالمجنون ، وهو قول عثمان ، وابن عباس ،
وبه قال القاسم بن محمد ، وطاووس ، وعمر بن عبد العزيز ، ويحيى بن
(١) أخرجه أحمد ٢٧٦/٦، وأبو داود (٢١٩٣) في الطلاق : باب في
الطلاق على غلط، وابن ماجة (٢٠٤٦) في الطلاق: باب طلاق المكره والناسي،
والحاكم ١٩٨/٢ وفي سنده محمد بن عبيد بن أبي صالح وهو ضعيف .
(٢) وقد فسره أحمد وأبو داودبالغضب،وقال صاحب ((التنقيح):
قال : شيخنا : والصواب أنه يعم الإكراه والغضب والجنون ، وكل أمر
: انغلق على صاحبه علمه وقصده مأخوذ من غلق الباب .

- ٢٢٣ -
سعيد ، والليث بن سعد ، وإليه ذهب ربيعة، وأبو يوسف ، وإسحاق ،
وأبو ثور، والمزني . وذهب آخرون إلى أن طلاقه واقع، لأنه عاصٍ لم
يزُلْ عنه به الخطابُ، ولا الإثم بدليل أنه يُؤْمرُ بقضاء الصلوات، ويأثمُ
بإخراجها عن وقتها ، وبه قال عليّ ، وروي ذلك عن سعيد بن المسيِّب ،
وسلمان بن يسار ، وعطاء ، والحسن ، والشعبي ، والنخعي ، وابن
سيرين ، ومجاهد ، وهو قول مالك ، والثوري ، والأوزاعي ، وظاهر
. ذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وقالوا: لو قَتّلَ قَتِلَ. واحتجوا
بأن الصحابة بلغوا حدّ السكران حدّ المفتري، لأنه إذا سكر أفترى ،
فلولا أنه مؤاخذ بافترائه ، لم يحدوه حد" المفترين، وقال هؤلاء : أقواله
لازمة، إلا أنهم توقفوا في قتله إذا ارتد في حال السكر استيناء به
ليتوبَ في صحوه، وهو لو ارتد صاحياً ،، لاستتيب، ولم يقتل في فوره ،
فكذلك إذا ارتد وهو سكران يُستتاب في حال ما يَعقِلُ .
إبـ
لفظ التخديم
قَالَ اللهُ تَعَالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ
تُبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللهُ
لَكُمْ تَجِلَّةَ أَنْمَانِكُمْ وَاللهُ مَوْلَامْ وَهُوَ العَلِيْمُ الْحَكِيمُ )
[ التحريم: ١ - ٢] .
٢٣٥٧ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله

- ٢٢٤ -
النُّعيمي، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، نا معاذ بن فضالة ،
نا هشام ، عن يحيى ، عن ابن حكيم ، عن سعيد بن جبير
أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ فِي الْحَرَامِ: يُكَفِّرُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ :
(لَقَدْ كَانَ لَكْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم عن زهير بن حرب ،
عن إسماعيل بن إبراهيم ، عن هشام الدَّستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ،
وقال في الحرام : يمينٌ يُكفّرُها. وابن حكيم : هو يعلى بن حكيم.
قال الإمام : إذا قال لامرأته : أنتِ عليَّ حرام ، أو حرمتْك ،
فإن نوى ربه طلاقاً، فهو طلاق، وإن نوى ظهاراً، فهو ظهارٌ ، وإن
أطلق ، فليس بطلاق ، ولا ظهار ، وعليه كفارة اليمين بهذه اللفظة،
وكذلك لو نوى تحريم ذاتها ، فلا تحرم، وعليه كفارة اليمين ، وإذا
قال ذلك لأمته ، فإن نوى به عتقاً، عَتَّقَتْ، وإلا فعليه كفارة اليمين،
وليس بيمين ، وإن حرم طعاماً على نفسه ، فلا يجرم ، ولا شيء عليه إذا
أكله، ولو قال : كل ما أملكه عليَّ حرام ، فإن لم يكن له زوجة ،
ولا جارية ، فلا شيء عليه ، وإن كانت له زوجة أو جارية ، فعليه
كفارة اليمين، وإن كنَّ عدداً، فلا يجب إلا كفارة واحدة على أصح
القولين ، وهذا الذي ذكرنا من أن لفظ التحريم في المرأة والجارية تجب
(١) البخاري ٥٠٣/٨ في تفسير سورة التحريم ، وفي الطلاق : باب
لم تحرم ما أحلّ الله لك ، وفي الأيمان والنذور : باب إذا حرم طعامه ،
ومسلم (١٤٧٣) في الطلاق: باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ، ولم
ينو الطلاق .

- ٢٢٥ -
به كفارة اليمين ، وليس بيمين ، ولا يجب في الطعام به شيء ، وهو
قول ابن مسعود، وإحدى الروايتين عن ابن عباس (١)، وإليه ذهب
الشافعي .
وذهب جماعة إلى أن لفظ" التحريم بمين ، فإذا حرَّم زوجته، أو
جاريته على نفسه ، ◌ُجُعِلَ كأنه حلف أن لا يطأها ، فإذا وطئها ،
يجب عليه كفارة اليمين، وإذا حرْمُ طعاماً، فأكله ، يجب عليه كفارةُ
اليمين ، يُروى ذلك عن أبي بكر وعائشة (٢)، وهو إحدى الروايتين
عن ابن عباس، ورُوي عن سعيد بن المسيِّب قال: الحرام يمينٌ (٣).
وهو قول سعيد بن المسيِّب ، وبه قال الأوزاعي ، وأصحاب الرأي ،
وُوي عن عمر أنه قال : يقع به طلقة رجعية ، وهو قول الزهري .
(١) أخرج البخاري في ((صحيحه)) ٥٠٣/٨ عن سعيد بن جبير أن ابن
عباس رضي الله عنهما قال في الحرام: يكفر، وقال ابن عباس: ( لقد كان
لكم في رسول الله أسوة حسنة ) وقال الحافظ : ووقع في رواية ابن السكن
وحده: (( يمين تكفر))، وأخرج الإسماعيلي فيما نقله الحافظ ٣٢٨/٩
من طريق محمد بن المبارك الصوري عن معاوية بن سلام ، عن يحيى بن
أبي كثير، عن يعلى بن حكيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ((إذا
حرم الرجل امرأته ، فإنما هي يمين يكفرها)) قال الحافظ : ويحمل قول
ابن عباس فيما رواه البخاري ٣٢٨/٩ في الرجل يحرم امرأته: ليس بشيء
على أنه ليس بطلاق،، لاعلى أنه لاكفارةٍ عليه جمعاً بين الروايتين .
(٢) أخرجه عنها البيهقي في ((السنن)) ٣٥١/٧
(٣) أخرجه البيهقي في السنن ٣٥١/٧ .
شرح السنة - ج ٩ - م - ١٥

- ٢٢٦ -
وعن عثمان أنه یکون ظهاراً ، وبه قال أحمد ، وُوي عن علي ، وزید ،
وأبي هريرة أنه يقع به ثلاث طلقات ، واختاره مالك (١).
واحتج من جعل لفظ التحريم يميناً بما
٢٣٥٨ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد
الله النُّعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، نا الحسن بن
محمد بن الصباح ، نا حجاج، عن ابن جريج ، قال: زعم عطاء أنه سمع
عبيد بن مُمير يقول :
سَمِعْتُ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ عَيْ كَانَ يَكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ
جَحْشٍ، فَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلَاَ، فَتَوَاَصِيْتُ أَنا وَحَفْصَةٌ
[أَنَّ] أَيْتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبيُّ ◌َهِ، فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ
مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أكَلْتَ مَغَافِيرَ . فَدَخَلَ على إِحْدَاهُمَا ،
فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ: ((لا بَأْسَ شَرِ بْتُ عَسَلاَ عِنْدَ زَيْنَبَ،
وَأَنْ أُعُودَ لَهُ، فَقَزَلَتْ: (لِمَ مُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي
مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) ( ... إِنْ تَتُوبَا إِلى اللهِ) لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةً
(وَإِذْ أَسَرِّ النَّيُّ إِلى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً) [التحريم ١ -٤]
لِقَوْلِهِ : بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاَ .
(١) انظر تفصيل القول في هذا الموضوع وتحقيقه في ((إعلام الموقعين))
٧٧/٣، ٨٤ العلامة ابن القيم .

- ٢٢٧ -
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم عن محمد بن حاتم ، عن
حجاج بن محمد .
ففيه دليل على أن التحريم" وقع على العسل، لا على أمّ ولده مارية
القبطية (٢) .
المغافير: واحدها مُغفور (٣)، وهو شيء بشبه الصَّمغ يكون في
(١) البخاري ٣٢٨/٩، ٣٣١ في الطلاق: باب (لم تحرم ما أحل
الله لك ) ومسلم ( ١٤٧٤ ) في الطلاق : باب وجوب الكفارة على من حرم
امرأته ولم ينو الطلاق .
(٢) قال الحافظ في ((الفتح)) ٣٢٨/٩ و٥٠٣/٨: وقد أخرج
النسائي بسند صحيح عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له
أمة يطؤها ، فلم تزل به حفصة وعائشة حتى حرمها ، فأنزل الله هذه
الآية (( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) ووقع عند سعيد بن منصور
باسناد صحيح الى مسروق قال : حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم
لحفصة لايقرب أمته ، وقال : هي علي حرام ، فنزلت الكفارة ليمينه ،
وأمر أن لايحرم ما أحل الله. وأخرج الضياء في ((المختارة)) من مسند
الهيثم بن كليب ثم من طريق جرير بن حازم ، عن أيوب ، عن نافع ، عن
ابن عمر ، عن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحفصة :
(( لا تخبري أحداً إن أم إبراهيم علي حرام)) قال: فلم يقربها حتى أخبرت
عائشة، فأنزل الله ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) وأخرج الطبراني في
عشرة النساء ، وابن مردويه من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي
سلمة ، عن أبي هريرة قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمارية
بيت حفصة ، فجاءت ، فوجدتها معه ، فقالت : يارسول الله في بيتي
تفعل هذا معي دون نسائك ؟! فذكر نحوه ، وللطبراني من طريق الضحاك
عن ابن عباس قال : دخلت حفصة بيتها ، فوجدته يطأ مارية ، فعاتبته ،
فذكر نحوه . وهذه طرق يقوي بعضها بعضها، فيحتمل أن تكون الآية
نزلت في السببين معاً .
(٣) بضم الميم : صمغ حلو له رائحة كريهة قال ابن قتيبة: ليس
في الكلام مفعول بضم أوله إلا مغفور ومغرود من أسماء الكمأة ، ومنخور
من أسماء الأنف ، ومعلوق واحد المعاليق وهو ما يعلق عليه الشيء وزاد
في (( اللسان)» مزمور لواحد مزامير داود عليه السلام.

- ٢٢٨ -
الرّمث (١)، وفيه حلاوة، وله رائحة منكرة، قال الكسائي: يُقال:
خرج القوم يتمغفرون: إذا خرجوا يمتنونه من شجره ؛ قال الفراء :
وفيه لغة أخرى: المغاثير بالثاء ، وهذا كقولهم : ثوم وفوم ، وجدت
وجدف للقبر .
باب
فيمن طلق البكر ثلاثاً
٢٣٥٩ - أخبرنا عبد الوهّاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز
ابن أحمد الخلال ، نا أبو العباس الأصم ( ح ) وأنا أحمد بن عبد الله
الصَّالحي ، ومحمد بن أحمد العارف ، قالا : أنا أبو بكر الخيري ، نا
أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا مسلم وعبد المجيد ،
عن ابن جريج ، عن ابن طاووس
عَنْ أَبِيهِ أنَّ أبا الصَّهْبَاءِ قَالَ لابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّا كَانَتِ
الثَّلاثُ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ عَّهِ تُجْعَلُ وَاحِدَةً وَأَبِي بَكْرٍ
وَثَلَاثٍ مِنْ إِمَارَةٍ ثُمَرَ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : نَعَمْ .
(١) هو شجر من الحمض، وقالِ الجوهري : هو مرعى من مراعي
الإبل وهو من الحمض ، وقال أبو حنيفة الدينوري: ولههد(وطوالدقاق،
وهو مع ذلك كله كلا تعيش به الإبل والغنم وإن لم يكن معها خيره وزبما
خرج فيه عسل أبيض كأنه الجمان ، وهو شديد الحلاوة .

- ٢٢٩ -
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (١) عن محمد بن رافع ، عن عبد
الرزاق ، عن معمر ، عن ابن طاووس عن أبيه ، عن ابن عباس قال :
كان على عهد رسول اله ملل وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاقُ
الثلاث واحدة"، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ
كانت لهم فيه أناة" ، فلو أمضيناه عليهم ، فأمضاه عليهم .
قال الإمام: اختلف النّاس في تأويل هذا الحديث ، لأن نسخ الحكم
لا يُتصور بعد وفاة رسول الهم الحل وانقطاع الوحي. قال أبو العباس
ابن ◌ُريج (٢) : يمكن أن يكون ذلك في نوع خاص من الثلاث، وهو
أن يقول لها : أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق ، فإن كان قصدُ.
الإيقاعَ بكل لفظة، تقع الثلاث، وإن كان قصدُه التوكيد ،
والتكرار، فلا يقع إلا واحدة، فكان في عهد رسول الله مؤلفهِ ،
وعهد أبي بكر، والناسُ على صدقهم، وسلامتهم، لم يظهرْ فيهم الحِيبُ
(١) رقم (١٤٧٢) في الطلاق: باب طلاق الثلاث ، وهو عند الشافعي
٣٧٢/٢، وللحافظ ابن رجب الحنبلي كلام جيد على هذا الحديث ،
نقله عنه يوسف بن عبد الهادي في كتابه (« السير الحاث إلى علم الطلاق
الثلاث)) وهو من مخطوطات المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم ٩٩ من
قسم المجاميع الرسالة ١٣ ونقله عنه العلامة الكوثري في «الاشفاق في
- أحكام الطلاق)) وهو في الرد على من يقول: إن الطلاق الثلاث بلفظ واحد
تقع واحدة ، كشيخ الإسلام ابن تيمية ، وتلميذه العلامة ابن القيم ،
والمحدث الفاضل الشيخ أحمد شاكر .
(٢) هو الإمام العلامة شيخ الإسلام القاضي أبو العباس أحمد بن
عمر بن سريج البغدادي إمام الشافعية ، وقدرتهم في عصره ، ولي القضاء
بشيراز، وتوفي ببغداد سنة (٣٦٠) هـ، وتصانيفه كثيرة يقال : إنها
بلغت ٤٠٠ مصنف، ذكره الذهبي في ((تذكرة الحفاظ )) ص ٨١١.
٠

- ٢٣٠ -
والخداعُ ، كانوا يصدُقون أنهم أرادوا بها التوكيد ، فلما رأى عمر في
زمانه أموراً ظهرت ، وأحوالاً تغيرت ، ألزمهم الثلاث
قال الإمام: وهذا بيِّن في قوله: إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ
كانت لهم فيه أناة .
ومنهم من تأوله على غير المدخول بها ، فقد روى أبوب عن غير
واحد ، عن طاووس أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أما علمتَ أن
الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على
عهد رسول الله بحر لل وأبي بكر، وصدراً من إمارة عمر ؟ فأقر به ابن
عباس (١) ، وذهب إلى هذا جماعة من أصحاب عبد الله بن عباس ، منهم
سعيد بن جبير، وطاووس، وأبو الشعثاء، وعمرو بن دينار ، وقالوا :
من طلق البكر ثلاثاً ، فهي واحدة .
وعامةُ أهل العلم على خلاف قولهم (٢)
(١) أخرجه أبو داود (٢١٩٩) في الطلاق : باب نسخ المراجعة بعد
التطليقات الثلاث . وإسناده قوي .
(٢) ذكر شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في فتاويه أن للعلماء
فیمن طلق زوجته ثلاثاً في طهر واحد بكلمة واحدة ، أو كلمات ثلاثة أقوال
الأول : أنه طلاق مباح لازم ، وهو قول الشافعي وأحمد في الرواية القديمة
عنه اختارها الخرقي ، وهو منقول عن بعض السلف .
الثاني : أنه طلاقٍ بدعة محرم لازم ، وهو قول مالك وأبي حنيفة
وأحمد في رواية ، وهذا القول منقول عن كثير من السلف من الصحابة
والتابعين .
الثالث : أنه محرم ، ولا يلزم إلا طلقة واحدة ، ونسبه إلى طائفة
من السلف والخلف ، واختاره ، وقواه بأدلة كثيرة وفيرة، وأفتى به .

- ٢٣١ -
وإنما اختلفوا فيما إذا قال لغير المدخول بها : أنت طالق ، أنت
طالق ، أنت طالق ، قاله ثلاثاً، فذهب جماعة إلى أنه لايقع إلا واحدة ،
لأنها تبين باللفظة الأولى ، فلا حكم لما بعدها، وهو قول سفيان الثوري،
والشافعي، وأصحاب الرأي، وأحمد ، وإسحاق ، وذهب جماعة إلى
وقوع الثلاث كما في المدخول بها ، وهو قول ربيعة ، ومالك ، وابن
أبي ليلى، والأوزاعي، والليث بن سعد .
وتأوَّل بعضهم حديث ابن عباس على طلاق البتة ، كان عمر يراها
واحدة ، فلما تتابع الناس فيه ألزمهم الثلاث .
٢٣٦٠ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو
إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مُصعب ، عن مالك، عن ابن شهاب، عن محمد
ابن عبد الرحمن بن ثوبان
عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ إِيَاسِ بنِ بُكَيْرٍ، أَنَّهُ قَالَ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ
ثَلاثَا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِهَا، ثُمَّ بَدَا لَهُ أنْ يَنْكِحَهَا، فَجَاءَ
يَسْتَفِْي، فَذَهَبْتُ مَعَهُ أَسْأَلُ لَهُ، فَسَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَعَبْدَ اللهِ
ابنَ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالا: لَا نَرى أنْ تَنْكِحَهَا حَتى تَتَزَوْجٌ
زَوْجَا غَيْرَكَ (١).
وسئل عبدُ الله بن عمرو بن العاص عن رجل طلق امرأته ثلاثاً قبل
(١) هو في ((الموطأ)) ٥٧٠/٢ في الطلاق: باب طلاق البكر، وإسناده
صحيح ، وتمامه : قال : فإنما طلاقي إياها واحدة ؟ قال ابن عباس: إنك
أرسلت من يدك ما كان لك من فضل ، وهو في سنن أبي داود (١٢٩٨)
بنحوه ، وإسناده صحيح .

- ٢٣٢ -
أن يمسها، فقال: الواحدة تبينها، والثلاثُ تحرَّمُها حتى تنكح زوجاً
غيره (١) .
ـاب
المطلقة ثلاثاً لا حل الا بعد احباب زوج غيره
قَالَ اللهُ تَعَالى: ( فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى
تَنْكِحَ زَوْجَاً غَيْرَهُ) [ البقرة: ٢٣٠].
٢٣٦١ - أخبرنا عبد الوهّاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز
ابن أحمد الخلال ، ذا أبو العباس الأصم ( ح ) وأخبرنا أحمد بن عبد
الله الصالحيّ، ومحمد بن أحمد العارف ، قالا : أنا أبو بكر الخيري ،
نا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا سفيان ، عن
الزهري ، عن عروة
عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهُ سَمِعَهَا تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةً
القُرَظِيِّ إِلَى رَسُولِ اللهَِّهِ فَقَالَتْ: إِنّي كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ
فَطَأَقَنِي، فَبَتَّ طَلَاقٍ، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمنِ بنَ
الزَّبَيْرِ بِنِ باطَا ، وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتَبَسَّمَ
رَسُولُ اللهِ عَّهِ وَقَالَ: ((أَتُرِ يْدِيْنَ أَنْ تَرْجِعِي إِلى رِفَاعَةً ؟
(١) هو في ((الموطأ)) ٥٧٠/٢ وإسناده صحيح.

- ٢٣٣ -
لا ، حَتَّى يَذُوقَ مُسَيْلَتَكِ، وَتَذوِقِي عُسَيْلَتَهُ ، وَأَبُو بَكْرِ
عِنْدَ النَّبِّ ◌َِّ، وَخَالِدُ بنُ سَعِيدٍ بِنِ العَاصِ بالبَابِ يَنْتَظِرُ
أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَتَادَى: يا أبا بَكْرٍ ألَا تَسْمَعُ مَا تَجْهَرُ بِهِ
هَذِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ عَيْه؟.
هذا حديث متفق على صحته (١)، أخرجه محمد، عن أبي البان ،
عن شعيب ، عن الزهري ، وأخرجه مسلم عن عمرو الناقد ، عن سفيان ،
عن الزهري .
والعُسيلة : تصغير العسل، شبه لذة الجماع بالعسل ، وإنما أدخل الهاء
في التصغير على نية اللذة ، وقيل : على معنى النطفة، وقيل : على معنى
القطعة ، يريد قطعة من العسل ، كما قالوا : ذو الشُّدَيَّةِ على معنى قطعة
من الندي ، وقيل : على معنى الوقعة الواحدة التي تحل الزوج الأول .
وقيل : العسل يُذكْر ويؤنّث، فإذا أُنّت، قيل في تصغيرها: ◌ُسيلة.
والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم من أصحاب النبي عد ◌ّة
وغيرهم . قالوا : إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً، فلا تحل له بعد ذلك،
حتى تنكح زوجاً آخر ، ويصيها الزوج الثاني ، فإن فارقها ، أو مات
(١) الشافعي ٣٧٦/٢، والبخاري ٢٢٦/١٠ في اللباس : بابالإِزار
المهدب ، وفي الشهادات : باب شهادة المختبىء ، وفي الطلاق : باب من
أجاز طلاق الثلاث ، وباب من قال لامرأته : أنت علي حرام ، وباب إذا
طلقها ثلاثاً ثم تزوجت بعد العدة زوجاً غيره فلم يمسها ، وفي الأدب :
باب التبسم والضحك ، ومسلم ( ١٤٣٣) في النكاح : باب لاتحل المطلقة
ثلاثاً لمطلقها حتى تنكح زوجاً غيره .

- ٢٣٤ -
عنها قبل أن أصابها فلا تحل ، ولا تحل بإصابة شبهة ، ولا زنى ، ولا
ملك يمين .
ولو طلق امرأته الأمة ثلاثاً، ثم اشتراها، لا يحل له وطؤها يملك
اليمين حتى يُصيبها زوجٌ آخر ، رُوي ذلك عن زيد بن ثابت، وقاله
أهل العلم عامة ، وكان ابن المنذر يقول: في الحديث دلالةٌ على أن
الزوج الثاني إن واقعها وهي نائمة، أو مغمى عليها لا تمسُ بالذه أنها
لا تَحِلّ للزوج الأول، لأن الذواق أن تمسّ باللذة، قال الإمام:
وعامة أهل العلم على أنها تحل .
ولو طلق امرأته طلقة أو طلقتين، فنكحت زوجاً آخر، وأصابها، ثم
فارقها، وعادت إلى الزوج الأول ، فإنها تعود إليهبما بقي من الطلاق عند أكثر
أهل العلم، وهو قول عمر، قال: أيُّما امرأة طلقها زوجها تطليقة أو تطليقتين،
ثم تركها حتى تحيل ، وتزَّوجَ زوجاً غيره ، فيموت عنها أو يُطلقها، ثم
ينكحها زوجُها الأول، تكونُ عنده على ما بقي من طلاقها (١). قال
مالك : وتلك السنة عندنا التي لا اختلاف فيها ، وبه قال الشافعي ،
وإليه رجع محمد بن الحسن
وقال أبو حنيفة: تعود إليه بثلاث طلقات، والزوج الثاني بهدم
ما دون الثلاث كما يدمُ الثلاث ، وهو قول علي .
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٥٨٦/٢، وإسناده صحيح.

باب
الا بهاء
قَالَ اللهُ تَعَالى: (لِلَّذِيْنَ يُؤِلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُصُ
أرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) [البقرة: ٢٢٦]، وَالإِيلَاءِ: اليمينُ، وَهُو الأليَّةُ،
يُقالُ: آلى فُلَانٌ مِنِ امْرَأَتِهِ، أَيْ: حَلَفَ أَنْ لا يَقْرَبَهَا ، يُقالُ:
آلَى: وَتَأَلَّى وَانْتَلَى، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا
الفَضْلِ مِنْكُمْ) [النور: ٢٢]. وَيُقْرَأُ: (وَلَا يَتَأَلّ) (١).
٢٣٦٢ - أخبرنا أبو الحسن الشَّيْرَزي، نازاهر بن أحمد ، أنا أبو
إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن نافع
أنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ مُمَرَ كَانَ يَقُولُ: أيما رُجُلٍ آلى مِنِ
أمْرَأْتِهِ، فَإِنّهُ إِذَا مَضَتِ الأَرْبَعَةُ الأَشْهُرُ، وُقِفَ حَتَّى يُطَلِّقَ
أوْ يَفِيَءَ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقٍ إِذَا مَضَتِ الأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرُ
حَتَّى يُوقَفَ (٢).
(١) بهمزة مفتوحة بين التاء واللام، وتشديد اللام، وهي قراءة
الحسن البصري ، وأبي العالية، وأبي جعفر، وابن أبي عبلة انظر ((زاد
المسير)) ٢٤/٦ طبع المكتب الإسلامي.
(٢) ((الموطأ)) ٥٥٦/٢ في الطلاق: باب الإيلاء، وأخرجه البخاري
٣٧٧/٩ في الطلاق : باب قول الله تعالى ( للذين يؤلون من نسائهم تربص

- ٢٣٦ -
قال محمد بن إسماعيل: ويُذكر ذلك عن عثمان، وعلي، وأبي الدرداء،
وعائشة، واثني عشر رجلاً من أصحاب النبي محمد له (١).
أربعة أشهر ) قال الحافظ : وأخرجه الإسماعيلي من طريق معن بن عيسى
عن مالك بلفظ أنه كان يقول : أيما رجل آلى من امرأته ، فإذا مضت أربعة
اشهر يوقف حتى يطلق أو يفيء، ولا يقع عليه طلاق إذامضت حتى يوقف،
وكذا أخرجه الشافعي ٣٨٥/٢ عن مالك وزاد: فإما أن يطلق، وإما أن
يفيء، وهذا تفسير الآية من ابن عمر ، وتفسير الصحابة في مثل هذا
له حكم الرفع عند الشيخين البخاري ومسلم كما نقله الحاكم ، فيكون
فيه ترجيح لمن قال : يوقف .
(١) قال الحافظ في ((الفتح)» ٣٧٨/٩: أما قول عثمان، فوصله
الشافعي ٣٨٦/٢، وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق ( ١١٦٦٤) من
طريق طاووس أن عثمان كأن يوقف المؤلي ، فإما أن يفيء، وإما أن يطلق،
وفي سماع طاووس من عثمان نظر ، لكن أخرجه إسماعيل القاضي في
((الأحكام)) من وجه آخر منقطع عن عثمان أنه كان لايرى الإيلاء شيئاً
وإن مضت أربعة أشهر حتى يوقف ، ومن طريق سعيد بن جبير عن عمر
نحوه وهذا منقطع أيضاً ، والطريقان عن عثمان يعضد أحدهما الآخر ،
وجاء عن عثمان خلافه ، فأخرج عبد الرزاق (١١٦٣٨) والدار قطني
ص ٤٥٢ من طريق عطاء الخراساني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن
عثمان وزيد بن ثابت : إذا مضت أربعة أشهر ، فهي تطليقة بائنة ، وقد
سئل أحمد عن ذلك ، فرجح رواية طاووس وأما قول علي فوصله الشافعي
٣٨٦/٢ وأبو بكر بن أبي شيبة من طريق عمرو بن سلمة أن علياً وقف
المؤلي، وسنده صحيح ، وأخرج مالك ٥٥٦/٢ عن جعفر بن محمد عن
أبيه ، عن علي نحو قول ابن عمر ، وهو منقطع ، لكنه يعتضد بالذي قبله
وأخرج سعيد بن منصور من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى : شهدت
علياً أوقف رجلا عند الاربعة بالرحبة : إما أن يفيء ، وإما أن يطلق ،
وسنده صحيح أيضاً ، وأخرج إسماعيل القاضي من وجه آخر عن علي
نحوه ، وزاد في آخره: ويجبر على ذلك. قلت وقد: جاء عن عليخلافه،
فقد أخرج ابن أبي شيبة ، ثنا حفص ويزيد بن هارون ، عن سعيد عن
قتادة ، عن الحسن عن علي قال : إذا مضت الأربعة الأشهر ، فهي تطليقة
٠

- ٢٣٧ -
٢٣٦٣ - أخبرنا عبد الوهّاب بن محمد الكسائي، أنا عبد العزيز بن أحمد
الخلال ، نا أبو العبّاس الأصم ، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا سفيان
ابن عيينة ، عن يحيى بن سعيد
وقال ابن حزم في ((المحلى)) ٤٥/١٠: روينا من طريق حماد بن سلمة،
عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، أن علياً قال: إذا مضت الأربعة الأشهر ،
فقد بانت منه، ولا يخطبها غيره، وقال الطحاوي في ((أحكام القرآن)»:
حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، ثنا وهب بن جرير ، ثنا شعبة ، عن سماك
ابن حرب ، عن عطية بن جبير ، عن أبيه ، عن علي أنها تطلق بمضي المدة .
قال الحافظ : وأما قول أبي الدرداء ، فوصله ابن أبي شيبة ،
وإسماعيل القاضي من طريق سعيد بن المسيب أن أبا الدرداء قال : يوقف
في الإيلاء عند انقضاء الأربعة ، فإما أن يطلق ، وإما أن يفيء، وسنده
صحيح إن ثبت سماع سعيد بن المسيب من أبي الدرداء ، وأماقول عائشة
فأخرج عبد الرزاق ( ١١٦٥٨) عن معمر ، عن قتادة أن أبا الدرداء
وعائشة قالا فذكر مثله ، وهذا منقطع ، وأخرجه سعيد بن منصور
بسندصحيح عن عائشة بلفظ : انها كانت لاترى الإيلاء شيئاً حتى يوقف ..
وللشافعي٣٨٦/٢ عنها نحوه وسنده صحيح أيضاً ، وأما الرواية بذلك
عن أثني عشر رجلا من الصحابة، فأخرجها البخاري في («التاريخ» رقم
(٢٠٧٧) من طريق عبد ربه بن سعيد، عن ثابت بن عبيد مولى زيد بن ثابت
عن أثني عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: الإيلاء
لا يكون طلاقاً حتى يوقف ، وأخرجه الشافعي ٣٨٦/٢ من هذا الوجه ،
فقال : بضعة عشر ، وأخرج إسماعيل القاضي من طريق يحيى بن سعيد
الانصاري عن سليمان بن يسار قال : أدركت بضعة عشر رجلا من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : الإيلاء لا يكون طلاقاً حتى يوقف
وأخرج الدار قطني ص ٤٥١ من طريق سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه
أنه قال : سألت اثني عشر رجلا من الصحابة عن الرجل يؤلي ، فقالوا :
ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر ، فيوقف ، فإن فاء وإلا طلق .

- ٢٣٨ -
عَنْ سُلَيْانَ بنِ يَسَارٍ ، قَالَ: أَدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ
أصْحَابِ النَّبِيِّ مَيْهِ كُلَّهُمْ يَقُولُ: يُوقَفُ المُؤْلِي (١).
قال الإمام : الإيلاء : أن يحلف الرجلُ أن لا يقرب امرأته أكثر
من أربعة أشهر ، فلا ◌ُتعرض له قبل ◌ُضي أربعة أشهر ، فإذا مضت
أربعةُ أشهر، فاختلف أهلُ العلم فيه، فنعي - أكثر أهل العلم من أصحاب
النبي ◌َّ إلى أنه لا يقع الطلاقُ بمضيَّها، بل يُوقف، فإمّا أن يفيءّ،
ويُكفّر عن يمينه ، أو يُطلق، وهو قول مالك ، والشافعي، وأحمد ،
وإسحاق . قال الشافعي : فإن طلق، وإلا طلق عليه السلطان واحدة .
وقال بعض أهل العلم: إذا مضت أربعة أشهر يقع عليها الطلاق (٢).
قال ابن عباس: عزمُ الطلاق انقضاءُ الأشهر الأربعة (٣)، ثم اختلفوا
(١) الشافعي ٣٨٦/٢ وإسناده صحيح، وقد تقدم تخريجه في
التعليق السابق
(٢) نقل صاحب ((الجوهر النقي)) ٣٨٠/٧ عن صاحب ((الاستذكار))
أنه قول ابن عباس ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت ، ورواية عن عثمان ،
وابن عمر ، وهو قول أبي بكر بن عبد الرحمن ، وهو الصحيح عن ابن
المسيب ، ولم يختلف فيه عن ابن مسعود ، وقاله الأوزاعي ، ومكحول
والكوفيون وأبو حنيفة وأصحابه ، والثوري، والحسن بن صالح ، وبه
قال عطاء وجابر بن زيد ، ومحمد بن الحنيفة وابن سيرين وابن عكرمة
ومسروق وقبيصة بن ذؤيب والحسن والنخعي ، وذكره مالك عن مروان
ابن الحكم ، وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سلمة وسالم إذا مضت المدة
فهي تطليقة .
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة قال: حدثناوكيع ، عن شعبة ، عن الحكم،
عن مقسم ، عن ابن عباس قال : عزيمة الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر ،
والفيء الجماع ، وقال ابن أبي شيبة أيضاً : ثنا وكيع، عن الأعمش ، عن

- ٢٣٩ -
فقال بعضهم : يقع عليها طلقة واحدة رجعية ، وهو قول سعيد بن
المسبّب ، وأبي بكر بن عبد الرحمن ، وقضى به مروان بن الحكم ،
وهو رأي ابن شهاب .
وقال بعضهم: إذا مضت أربعة أشهر، وقعت عليها طلقةٌ بائنة ،
وهو قول الثوري وأصحاب الرأي ، وقال الأسود بن يزيد : إذا مضت
أربعة أشهر، فنُفست، وأشهدَ، فهي امرأته ، وكذلك قال إبراهيم :
إن كان له عذر ، فأسْهد ، فهي امرأته .
ومن قال بوقوع الطلاق بعد مُضي المدة ، قال : إذا حلف على أربعة
أشهر يكون مؤلياً وبعضها يقع الطلاق ، وأما على قول من قال بالوقف :
لا يكون مؤليا ، لأن الوقف يكون في حال بقاء اليمين ، وقد ارتفعت
هاهنا بمضي أربعة أشهر ، أما إذا حلف على أقل من أربعة أشهر فلا
حبيب هو ابن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر وابن عباس
قالا إذا آلى فلم يفىء حتى إذا مضت أربعة أشهر ، فهي تطليقة بائنة ،
وقال أيضاً : ثنا ابن فضيل عن الأعمش فذكره بسنده بمعنی ماتقدم، قال
ابن التر كماني في ((الجوهر النقي)) ٣٧٩/٧: وهذه الأسانيد الثلاثة صحيحة
وفي الباب عن ابن مسعود أخرجه البيهقي ٣٧٩/٧ وغيره من حديث علي
ابن بذيمة ، عن أبي عبيدة ، عن مسروق ، عن عبد الله بن مسعود قال :
إذا آلى الرجل من امرأته ، فمضت أربعة أشهر ، فهي تطليقة ، ويخطبها
في عدتها ، ولا يخطبها أحد غيره ، وأخرج ابن أبي شيبة عن سفيان بن
عيينة ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة قال : آلى ابن أنس من امرأته
فلبثت ستة أشهر، فبينماهو جالس في المجلس إذ ذكر ، فأتى ابن مسعود،
فقال : أعلمها أنها قد ملكت أمرها ... وقال أيضاً : ثنا ابن علية ، عن
أيوب ، عن أبي قلابة أن النعمان بن بشير آلى من امرأته، فقال ابن مسعود:
إذا مضت أربعةأشهر فاعترف بتطليقة، وقد روي عنه من وجهینمرسلین،
ولذا قال صاحب ((الاستذكار)) : هو مذهبه المحفوظ عنه .

- ٢٤٠ -
يثبت حكمُ الإيلاء ، بل هو حالف ، فإن جامعها قبل ◌ُضي المدة المحلوف
عليها ، فعليه كفارة اليمين .
ولو حلف أن لا يطأها حتى تفطيم ولدها ، فإن أراد وقت الفطام ،
وهو مُضيّ الحولين ، فإن بقي من الحولين أكثر من أربعة أشهر ، فهو
مؤل ، فإن بقي أقل ، فليس بمول ، وإن أراد فعل الفطام ، والصبيُ في
سن لا يحتمل الفطام في أربعة أشهر ، فهو مؤل ، وإن كان يحتمل الفطام
في أربعة أشهر، فليس بمؤل . قال مالك : بلغني أن علياً مُئل عن
ذلك ، فلم يَرهُ إِيلاء ، وهو قول مالك .
باب
الظهار
قَالَ اللهُ تَعَالى: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ)
[ المجادلة: ٢] إلى قَوْلِهِ (وَزُوراً)، أي: كَذِبَاً، سُمّيَ
زُورَاً ، لأَنَّهُ مَيْلُ عَنِ الْحَقِّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :
(تَزَاوَرُ عَنْ كَرْفِمْ) [الكهف: ١٧] ، أَيْ: تَيلُ .
وَقَلَ اللهُ تَعَالى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَ
يَعُودُونَ لِما قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَّا)
[ المجادلة : ٣ ] .