Indexed OCR Text

Pages 61-80

- ٦١ -
قال الإمام : اتفقت الأمةُ على أن الحرّ يجوز له أن ينكحَ أربع
حرائر ، ثم إن كان مسلماً ، فإن شاء نكحهنَّ مسلماتٍ أو كتابيات ،
ولا يجوز له أكثرُ من أربع، أما العبد، فلا ينكح أكثر من امرأتين .
وقال ربيعةُ بن أبي عبد الرحمن: ينكح العبد أربعَ نسوة ، قال مالك :
وذلك أحسنُ ما سمعت . واتفقوا على أن العبد إذا كان في نكاحه أمة ،
فطلقها طلقتين لا تحِلُّ له إلا بعد زوج ، كالحر يُطلّق الحرةَ ثلاث تطليقات ،
واختلف أهل العلم فيما لو كان أحد الزوجين حراً والآخرُ رقيقاً، فذهب
أكثرُهم إلى أن عدد الطلقات معتبر بالرجال، كما في عدد المنكوحات ،
فيملك الحرّ على زوجته الأمة ثلاث طلقات ، ولا يملك العبدُ على زوجته
الحرة إلا طلقتين ، وهو قولُ عثمان، وابن مسعود ، وابن عمر ، وزيد
ابن ثابت ، وابن عباس ، وإليه ذهب عطاء بن أبي رباح ، وابن المسيِّب ،
وبه قال مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق .
٢٢٧٦ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا عبد الرحمن بن أبي
شريح ، أنا أبو القاسم البغوي ، نا علي بن الجعد ، أنا شعبة، عن
أسْعث بن سوّارِ ، عن الشعبي
عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: اٌلْطَّلَاقُ بالرِّجالِ، والعِدَّةُ بالنّساءِ(١).
معناه : يعتبر الطلاق بالرجال ، وتعتبر العدة بالنساء .
وذهب قوم الى أن الاعتبار بالمرأة في عدد الطلاق ، فيملك العبد على
زوجته الحرة ثلاث طلقات ، ولا يملك الحر على زوجته الأمة إلا
طلقتين، وهو قول تعبيدة ، وبه قال سفيان الثوري ، وأصحاب الرأي.
واتفقوا على أن الاعتبارَ في العدة بالمرأة ، فإن كانت عدتُها بوضع الحمل ،
(١) أشعث بن سوار ضعيف .

- ٦٢ -
فالحرة والأمة فيها سواءٌ ، وإن كانت بالأقراء ، فالحرة تعتد بثلاثة
أقراء ، والأمة بقُرمين، وإن كانت بالأشهر ، فإن كانت عدة وفاة ،
فالأمة تعتد بشهرين ، وخمسٍ ليال على نصف عِدّة الحرة، وإن كانت
عدةَ طلاق ، ففيها قولان، أقيسُهما على الأمة شهرٌ ونصف، لأن الأيام
تقبلُ التنصيف ، بخلاف الأقراء . والثاني : شهران كالقرعين ، واختلفوا
في حديث عمر: ((فإن لم تكن تحيض ، فشهرين أو شهراً ونصفا)).
منهم من قال : هذا تعليقُ القول من عمر، ومنهم من قال: هو سْكٌ
من الراوي . والحر والعبد في مدة العُنة سواء ، وهي سنة كاملة .
واختلفوا في مدة الإيلاء، فذهب الشافعيّ إلى أن الحر والعبد فيه
سواء ، لأنها لمعنى يرجع الى الطبع ، وهو قلة الصبر عن الزوج، وما
يرجع إلى الطبع يستوي فيه الحر والعبد كما في مدة العُنة والحيض
والرضاع .
وذهب مالك ، وأبو حنيفة إلى أن مدة الإيلاء، تتنصّف بالرق،
ثم عند مالك تتنصف برق الرجل ، وعند أبي حنيفة برق المرأة ، وظهار
العبد كظهار الحر ، وصيام الكفارة في حقه شهران ، كالحر بالاتفاق .
ولو نكح العبد بغير إذن المولى، فالنكاح باطل وهو قول أكثر أهل
العلم، لما روي عن جابر قال: قال رسول الله ◌ِوَى ((أيُّما عبد تزوّج
بغير إذن سيده، فهو عاهر)) (١) وذهب مالك وأصحاب الرأي الى أن النكاح
(١) أخرجه الترمذي (١١١١) و (١١١٢) في النكاح: الباب (٢١)
وأبو داود (٢٠٧٨) في النكاح : باب في نكاح العبد بغير إذن سيد. ، وقال

- ٦٣ -
موقوف ، فإن أجازه المولى ، جاز . وإذا نكح العبد بغير إذن المولى ،
فوطىء ، فلا حدَّ، ويجب المهرُ متعلقاً بذمته إلى أن يُعتق على أصح
القولين ، والثاني : تُباع رقبته فيه ، كدين الجناية.
ولا يجوز للحر نكاحُ الأمة إلا بشرطين: أن يخاف على نفسه العنت"
ولا يجد مهرَ حرة، لقوله سبحانه وتعالى (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكم
طَوْلاً) إلى قوله ( ذلكَ لِنْ خَشِيَ العَنتَ مِنْكُمْ) [النساء: ٢٥]
وهو قول جابر ، وبه قال طاوس، وعمرو بن دينار، وإليه ذهب مالك
والشافعي ، وجوز أصحاب الرأي للحر نكاح الأمة إلاّ أن يكون في
نكاحه حرة .
وقال سعيد بن المسيِّب : لا تنكح الأمة على الحرة إلا أن تشاء الحرة ،
فإن أطاعت ، فلها الثلثان . ويجوز للعبد أن يجمع بين أمتين ، أو بين
أمة وحرة ، أو ينكيح أمة على حرة عند الشافعي، ولم يجوزه أصحاب
الرأي كالحر . ولا يجوز للمسلم نكاحُ الأمة الكتابية حراً كان أو عبداً ،
لقوله سبحانه وتعالى ( مِنْ قَتياتِكُمُ المُؤْمِنَاتِ) [ النساء: ٢٥] وهو قول
مالك والشافعي ، وجوزه أصحاب الرأي . ويجوز وطء الكتابية بملك
اليمين، ولا يجوز وطء المجوسية والوثنية، والشافعيُ لا يجوِّز للرجل أن
يتكيح جارية الابن ، لأن على الابن إعفاقه ، فهو موسر مال الابن ،
الترمذي: حسن صحيح ، وصححه الحاكم ١٩٤/٢، وأخرج عبد
الرزاق في («مصنفه)) (١٢٩٨١) عن معمر ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن
عمر أنه أخذ عبداً له تزوج بغير إذنه ففرق بينهما ، وأبطل صداقه ، وضربه
حداً . وإسناده صحيح .

- ٦٤ -
وله أن ينكح جارية الأب. قال رجل لابن عمر : إن أمي أحلّت بي
جاريتها ، قال: إنها لا تحل لك إلا بإحدى ثلاث: هبةٍ، أو نكاح ، أو شراء.
بابـ
ما يحل ويحرم من النساء والجمع ينهى
(قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أَمَّهَاتُكُمْ
وَبَنَاتُكُمْ وَأَخْوَاتُكْ وَعَّاتُكْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ
الأُختِ وَأَمّها تُكُ اللَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ
وَأَمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّتِي فِي ◌ُحُجُورِ كُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ
اللَّتِي دَخَلْتُمْ ◌ِيهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِيِنَّ فَلَا ◌ُجُنَاحَ
عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاِبِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا
بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً)
[ النساء: ٢٣ ].
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَرُمَ مِنَ النَّسَبِ سَبْعٌ، ومِنَ الصِّهْرِيَّةِ
سَبْعٌ، ثُمَّ قَرَأَ (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أَمَّهَاْتَكُمْ) الآيةُ (١). قَال أَنَسْ
في المُحْصَنَاتِ مِنَ النِّساءِ ذَوَاتِ الأَزْوَاجِ الْحَرَائِرِ حَرَامٌ إلَّا
مَا مَلَكَتْ أْأُنْكُمْ لا يَرَى بَأُسَاً أَنْ يَنْزَعَ الرَّجُلُ جَارِيَتَهُ مِنْ
(١) أخرجه البخاري ١٣٢/٩ وهو في ((جامع البيان)) (٨٩٤٥)
و (٨٩٤٦) و (٨٩٤٨)، والحاكم ٣٠٤/٢.

- ٦٥ -
عبْدِهِ (١) وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا زَادَ عَلى الأَرْبَعِ حَرَامٌ
كالْأُمِّ وَالبِنْتِ وَالْأُخْتِ (٢) .
قَالَ الإِمَامُ: إِلَّ فِي مِلْكِ اليَمِينِ، فَإِنَّهُ لَاَعَدَدَ فِيه ،
وَقَالَ سَعِيدٌ بِنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:
( وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّمَا مَلَكَتْ أَيْاْنَكُمْ ) [النساء: ٢٤]
هُنَّ السَّبايا اللَّائِي لَهُنَّ أَزوَاجٌ هُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ (٣).
(١) علقه البخاري في (صحيحه)) ١٣٢/٩ قال الحافظ: وصله
إسماعيل القاضي في كتاب ((أحكام القرآن)) بإسناد صحيح من طريق
سليمان التيمي ، عن أبي مجلز ، عن أنس بن مالك أنه قال في قوله تعالى :
(والمحصنات) ذوات الأزواج الحرائر ( إلا ما ملكت أيمانكم ) فإذا هو لا يرى
بما ملك اليمين بأساً أن ينزع الرجل الجارية من عبده فيطاها ، وأخرجه
ابن أبي شيبة من طريق أخرى عن التيمي بلفظ : ذوات البعول ، وكان
يقول : بيعها طلاقها . والأكثر على أن المراد بالمحصنات ذوات الأزواج
يعني : أنهن حرام ، وأن المراد بالاستثناء في قوله : ( إلا ما ملكت أيمانكم )
المسبيات إذا كن متزوجات ، فإنهن حلال لمن سباهن .
(٢) علقه البخاري ١٣٢/٩ قال الحافظ : وصله الفريابي وعبد بن
حميد باسناد صحيح عنه، ولفظه في قوله تعالى: ( والمحصنات من
النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) لا يحل أن يتزوج فوق أربع نسوة مما زاد
منهن فهن عليه حرام . والباقي مثله .
(٣) أخرجه البيهقي ١٦٧/٧ بلفظ : هن السبايا اللائي لهن أزواج
لا بأس بمجامعتهن إذا استبرئن وفي سنده شريك ، لكن أخرجه
الطبري (٨٩٦١) و (٨٩٦٢) من طريق آخر بلفظ ((كل ذات زوج إتيانها
زنى إلا ما سبَيْتَ)) وإسناده صحيح، وصححه الحاكم ٣٠/٢، ووافقه
الذهبي وهو في ((سنن البيهقي)) ١٦٧/٧ من طريق الحاكم، وأخرج
الإمام أحمد ٧٢/٣ من حديث عبد الرزاق ، عن سفيان الثوري. عن
عثمان البتي ، عن أبي الخليل ، عن أبي سعيد الخدري قال : أصبنا سبياً
من سبي أوطاس ولهن أزواج ، فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج .
شرح السنة ج ٩ - ٣ - ٥

- ٦٦ -
٢٢٧٧ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو
إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مُصعب ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن
الأعرج
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رُسُولَ اللهِ عَلِ قَالَ: ((لايُجْمَعُ بَينَ
المَرْأَةِ وَعَّتِهَا، وِ لا بَيْنَ المرْأَةِ وَخَالَتِهَا ».
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف ،
وأخرجه مسلم عن عبد الله بن مسلمة القعنبي ، كلاهما عن مالك .
فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية ( والمحصنات من
النسا إلا ما ملكت أيمانكم ) فاستحللنا فروجهن . وهكذا رواه الترمذي
(١١٣٢) عن أحمد بن منيع ، عن هشيم ، عن عثمان البتي ، ورواه مسلم
في ((صحيحه)) (١٤٥٦) (٣٥) من حديث شعبة، عن قتادة، عن أبي
الخليل صالح بن أبي مريم ، عن أبي سعيد الخدري قال : أصابوا سبياً
يوم أوطاس لهن أزواج فتخوفوا فأنزلت هذه الآية ( والمحصنات من
النسا إلا ما ملكت أيمانكم ) وأخرجه مسلم أيضاً من طريق سعيد بن أبي
عروبة ، عن قتادة ، عن صالح أبي الخليل ، عن أبي علقمة الهاشمي ، عن
أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعث
جيشاً إلى أوطاس ، فلقوا عدواً فقاتلوهم ، فظهروا عليهم ، وأصابوا لهم
سبايا فكأن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرجوا من
غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين ، فأنزل الله عز وجل في ذلك
( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) أي : فهن لكم حلال إذا
انقضت عدتهن ، وهكذا أخرجه النسائي ١١٠/٦.
(١) ((الموطأ)) ٥٣٢/٢ في النكاح: باب ما لا يجمع بينه من النساء،
والبخاري ١٣٨/٩ و١٣٩ في النكاح: باب لا تنكح المرأة على عمتها،
ومسلم (١٤٠٨) في النكاح : باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها
في النكاح .

- ٦٧ -
قال الإمام: المُحرّماتُ في كتاب الله عزّ وجلّ أربعَ عشرةَ سوى
من يجرم الجمعُ بينهن: سبعٌ بالنسب، وسبع بالسبب ، منها اثنان
بالرضاع ، وأربع بالصهرية ، والسابعة : المحصنات وهن ذوات الأزواج ،
فالنسب قوله سبحانه وتعالى: (ُحُرّمتْ عَلِيكُمْ أَمْهَاتُكُمْ ) إلى
قوله: (وبناتُ الأُختِ ) [النساء: ٢٣]
وجملته أنه يَحرْمُ على الرجلِ أُصولُهُ وفصولهُ، وفصولُ أولٍ
أصوله، وأولُ فصل من كلِّ أصل بعده ، فالأصول : هي الأمهات
والجدات ، وإن عملوْنَ ، والفصول : هي البنات وبنات الأولاد وإن
سَفلنَ، وفصول أول الأصول هي الأخوات وبنات الإخوة والأخوات
وإن سفلنَ، وأول فصل من كل أصل بعده هي: العمات والحالات
وإن "عَلتْ درجتهن.
والرضاع قوله عز وجل: ( وأمهاتكمْ اللاتي أرضعنكم وأخواتكم
من الرضاعةِ ) [ النساء: ٢٣]، وجملته أنه يجرم من الرضاع ما يحرم
من النسب .
والصهوية قوله تبارك وتعالى: (ولا تنكحوا ما نكحَ آباؤكم )
[ النساء: ٢٢]. وقوله تعالى: (وأمَّهَاتُ نِسائِكُمْ) إلى قوله :
( من أصلابِكُمْ)، وجملته: أن كل من عقد النكاح على امرأة تحرمُ
المنكوحةُ على آباء الناكح وإن عملوا، وعلى أبنائه وأبناء أولاده من
النسب والرضاع جميعاً وإن سفلو بمجرد العقد تحريماً مؤبداً ، وجرم على
الناكح أمهات المنكوحة ، وجداتها من النسب والرضاع جميعاً بمجرد العقد
فإن دخل بالمنكوحة حرمت عليه بناتها ، وبنات أولادها من النسب
والرضاع جميعاً ، وإن فارقها قبل أن دخل بها، جاز له نكاحُ بناتها .

- ٦٨ -
هذه جملة اتفقت الأمةُ عليها إلا ما ◌ُحكي عن عَلي أن أمّ المرأة لا تحرم
على الرجل ما لم يدخل بالبنت كالربيبة .
والوطء بملك اليمين يُثبت حرمة المصاهرة كما بملكِ النكاح .
ورُوي أن عمر وهب لابنه جارية، فقال: لا تَمَسْها فإني قد كشفتُها (١).
ووهب سالم بن عبد الله لابنه جارية ، فقال: لا تقربها ، فإني قد أردتها ،
ولم أنبسط إليها .
وعن القاسم بن محمد أيضاً : التحريم بالكثف ، وقال مسروق عند
الموت لجاريَةٍ: بيعوها فإني لم أُصبْ منها إلا ما يجرمها على ولدي من
لمس أو نظر (٢).
ولو جَامَعَ امرأة بشبهةٍ ، أو نكاح فاسد ، يجرم على الواطىء أمها
وابنتُها وهي على أبيه وابنه محرمة ، ولكن لا تثبت المحرمية ومن زنى
بامرأة ، فذهب جماعة إلى أنه لا يحرم على الزاني أمُّ المزني بها وابنتها
ولا الزانية على أبي الزاني وابنه ، يُروى ذلك عن علي وابن عباس ، وبه
قال سعيد بن المسيِّب، وعروة، والزهري ، وإليه ذهب مالك
والشافعي ، وذهب جماعة الى التحريم ، يُروى ذلك عن عمران بن حصين ،
وأبي هريرة ، وبه قال جابربن زيد، والحسن ، وهو قول أصحاب الرأي .
ويُروى ذلك عن يحيى الكندي ، عن الشعبي فيمن يلعب بالصبي إن
أُدَخْلهُ فيه، فلا يتزوجن أمّهُ. ويحيى هذا غير معروف لم يتابع عليه (٣).
(١) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٠٨٣٩) وابن حزم في
((المحلى)) ٢٢٥/١٠.
(٢) هو في ((المصنف)) (١٠٨٤٤).
(٣) ذكره البخاري في ((صحيحه)) في النكاح: باب ما يحل من
النساء وما يحرم .

- ٦٩ -
ولا يجوز للرجل أن يجمع بين الأختين في النكاح ، سواء كانت
الأخوة بينهما بالنسب، أو بالرضاع ، لقوله سبحانه وتعالى: ( وأنْ
تُجمعوا بينَ الأُختينِ) [ النساء: ٢٣] فإن نكحها معاً، فنكاحهما
باطل .
وإن نكحَ واحدة، ثم نكحَ الأُخرى، فنكاحُ الأخرى باطل ،
فإن فارق الأولى قبل الدخول بها ، أو بعد ما دخل بها ، أو انقضت
عدتُها، خَلَّ له نكاحُ الأخرى ، فأما قبل انقضاء عدتها لا تحل إِن
كانت رجعية، وإن كانت باتنة ، فاختلفوا فيه ، فذهب جماعة إلى أنه
يجوزُ له نكاحُ الأخرى وأربع سواءا ، وهو قول القاسم ، وعروة ،
وبه قال ربيعة، ومالك ، والشافعي وذهب قوم إلى أنه لا يجوز ما لم
تنقضِ عدتها ، وهو قول أصحاب الرأي .
وكذا لا يجوزُ الجمعُ في النكاح بين المرأة وعمتها أو خالتها، وإن
غَلت في الدرجة من الرضاع والنسب جميعاً .
وجملته أن كل امرأتين من أهل النسب لو قدَّرْت إحداهما ذكراً
خَرُّمت الأخرى عليه، فالجمعُ بينها حرامٌ، ولا بأس بالجمع بين المرأة
وزوجة أبيها ، أو زوجة ابنها وإن كنا لو قدرنا إحداهما ذكراً ،
حَرْمت الأخرى عليه ، لأنه لا نسب بينهما . جمع عبد الله بن جعفر
بين زينب بنت علي، وأمرأة علي ليلى بنت مسعود التميمي (١).
(١) علقه وما بعده من الآثار البخاري في ((صحيحه)) ١٣٤،١٣٣/٩.
وقد وصله البغوي في الجعديات فيما قاله الحافظ من طريق عبد الرحمن
ابن مهران أنه قال ...

- ٧٠ -
قال ابن سيرين والحسن : لا بأس به (١) .
وجمع الحسن بن الحسن (٣) بن علي بين بنتي عم في ليلة (٣).
وكرمه جابر بن زيد القطيعة (٤)، وليس فيه تحريم، لقوله سبحانه
وتعالى: (وَأُحِلْ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذلِكُمْ) [ النساء: ٢٤].
وكلّ امرأتين لا يجوز الجمعُ بينهما في النكاح، فإذا اجتمعنا عنده بملك
اليمين لا يجوز أن يجمع بينهما في الوطء حتى لو اشترى أُمَاً وابنتها ،
فوطئء إحداهما، حَرُمت الأخرى على التأبيد. وإذا ملكَ أختين أو
جارية وعمتها ، أو خالتها ، فإذا وطىء إحداهما لا يجوز له أن يطأ
(١) أثر ابن سيرين وصله عنه سعيد بن منصور بسند صحيح،
وأثر الحسن أخرجه أبو عبيد في كتاب النكاح من طريق سلمة بن علقمة
قال : إني لجالس عند الحسن إذ سأله رجل عن الجمع بين البنت وامرأة
زوجها فكرهه ، فقال له بعضهم : يا أبا سعيد هل ترى به بأساً ؟ فنظر
ساعة ، ثم قال : ما أرى به بأساً .
(٢) كذا في البخاري والاصول ، وفي المصنف : الحسين .
(٣) قال الحافظ: وصله عبد الرزاق (١٠٧٧٠ ) وأبو عبيد
من طريق عمرو بن دينار بهذا ، وزاد في ليلة واحدة بنت محمد
ابن علي وبنت عمر بن علي ، فقال محمد بن علي : هو أحب إلينا منهما ،
وأخرج عبد الرزاق أيضاً والشافعي من وجه آخر ، عن عمرو بن دينار ،
عن الحسن بن محمد بن علي فلم ينسب المرأتين ، ولم يذكر قول محمد
ابن علي ، وزاد : فأصبح النساء لا يدرين أين يذهبن .
(٤) وصله أبو عبيدة من طريقه، وأخرج عبد الرزاق ( ١٠٧٦٥)
نحوه عن قتادة وزادا : وليس بحرام .

- ٧١ -
الأخرى حتى يُحرم الأولى على نفسه، نهى عمر بن الخطاب وعلي عن
ذلك . وقال نافع : كان لابن عمر أختان مملو كتان ، فوطىء إحداهما ، ثم
أراد أن يَطأ الأخرى، فأخرج التي وطِئِها عن ملكه ، وسئل عثمان
عن الأختين من ملك اليمين هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان : أحلتهما آية ،
وحرمتهما آية، فأما أنا ، فلا أحب أن أصنع ذلك ، فقال رجل من
أصحاب النبي مَّةٍ: لو كان إليّ من الأمر شيءٌ ، ثم وجدتُ أحداً
فعل ذلك ، جعلتُه نكالاً قال ابن شهاب : أراهُ علي بن أبي طالب .
قال الإمام : قوله: أحلتها آية،أراد قوله سبحانه وتعالى :
( أو ما ملكتْ أيمانُكُمْ) [النساء: ٣]، وقوله: حومتهما آية
قوله عز وجل: ( وأن تجمعُوا بَينَ الأختينِ ) [النساء: ٢٣]،
وعامة الفقهاء على التحريم، لأن قوله سبحانه وتعالى: (وأنْ تجمعُوا
بين الأختينِ ) أخص في هذا الحكم من قوله جل ذكره: ( أو ما ملكت
أيمانكم ) في الأمر بحسن الائتمار ، ومثل ذلك لا يعم .
قال الإمام : فإذا ملك أختين ، فوطىء إحداهما، فإذا حَوْم الموطوءة
بعتق أو بيع أو تزويج أو كتابة ، حل له وطء الأخرى ، وهو قول
مالك والشافعي ، وقال أبو حنيفة : لا تحلّله بالتزويج والكتابة ، ومن
اسْترى أمة ونكح أختها لا يَحِلُّ له الوطء بملك اليمين.

- ٧٢ -
بابـ
المحرمات بالرضاع
قَالَ اللهُ سُبحَانَهُ وتَعالى: (وأمَّهَاتُكُ اللَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ
وأَخواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ) [النساء: ٢٣]، والرَّضاعَةُ
والرِّضَاعَةُ: الأسْمُ مِنَ الإِرْضاعِ، ( الرَّضَاعَةُ: اللُّؤْم بالفَتْحِ
لاَغَيْرِ، وقَدْ رَضْعَ يَرْضُعُ، وأَمَّا الصَِّيُّ يُقالُ لهُ: رَضَعَ أَمَّهُ
يَرْضِعُ، وَرَضَعَها .
٢٢٧٨ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو
إسحاق الهاشمي، أنا أبو ◌ُصعب، عن مالك ، عن عبد الله بن أبي
بكر ، عن عمرة بنت عبد الرحمن
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّيِّ عَ﴾ِ أَنْهَا أَخْبَرَتْها أَنَّ رَسُولَ اللهِ
﴿ِ كانَ عِنْدَهَا وَأَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتٍ
حَفْصَةَ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ : يا رسولَ اللهِ هَذْا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ
في بَيْتِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَيِّ ((أَرَاهُ فُلَاناً لِعَمِّ حَقْصَةَ (١)
مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ كَانَ فُلانٌ حَيّاً لِعَمِّها
(١) في (هـ): لعم لحفصة، وكذلك هي في ((الموطأ)) برواية الليثي.

- ٧٣ -
مِنَ الرَّضَاعَةِ أَدَخَلَ عَلَيَّ ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ عَلِ: (( نَعَمْ إِنَّ
الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلَادَةِ)).
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن إسماعيل ، وأخرجه
مسلم عن يحيى بن يحيى ، كلاهما عن مالك .
٢٢٧٩ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق
الهاشميء، أنا أبو مُصعب ، عن مالك، عن عبد الله بن دينار ، عن سلمان
بن يسار ، عن 'ُروة بن الزبير
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ عَيْهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّ قَالَ:
((يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلَادَةِ)).
هذا حديث صحيح(٢).
٢٢٨٠- أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو
إسحاق الهاشمي، أنا أبو مُصعب، عن مالك ، عن هشام بن مُروة
عن أبيه
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤمِنينَ أنَّهَا قَانَتْ: جَاءَ عَمِي مِنَ الرَّضَاعَةِ،
فَاسْتَأْذَنَ عَلَيَّ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ عَه
(١) ((الموطأ)) ٦٠١/٢ في الرضاع : باب رضاعة الصغير ، والبخاري
١١٩/٩ في النكاح : باب ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنکم ) وفي الشهادات : باب
الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض ، وفي الجهاد : باب ما جاء
في بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وما نسب من البيوت إليهن ،
ومسلم (١٤٤٤ ) في الرضاع : باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة.
(٢) ((الموطأ)) ٦٠٧/٢ في الرضاع : باب جامع ماجاء في الرضاع .

- ٧٤ -
قَالَتْ: فَجَاءَ رَّسُولُ اللهِ عَِّ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: « إِنَّهُ عَمُكِ،
فَأُذَنِي لَهُ ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّا أَرْضَعَتْنِي المَرْأَةُ
وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَِّ: (( إِنَّهُ عَمّكِ
فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ)) وَذَلِكَ بَعْدَ مَا ◌ُضْرِبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ.
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه ◌ُسلم عن أبي كريب ،
عن ابن نُمير ، عن هشام .
٢٢٨١ - أخبرنا عبد الوهّاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز بن أحمد
الخلال، نا أبو العباس الأصم ( ح ) وأخبرنا أحمد بن عبد الله الصَّالحي ،
ومحمد بن أحمد العارف قالا : أنا أبو بكر الخيري ، نا أبو العباس
الأصم ، أنا الرّبيع ، أنا الشافعي ، أنا ابن ◌ُيينة ، قال : سمعت ابن
جُدعان قال : سمعت سعيد بن المسيِّب يحدث
عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: يا رَسُولَ اللهِ هَلْ لَكَ
فِي بِنْتِ عَمِّكَ بِنْتِ خَمْزَةَ، فَإِنّهَا أجَلُ فَتَاةٍ فِي قُرَ يْشٍ؟ فَقالَ:
((أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ خَمْزَةَ أَخِي مِنَ الرَّضاعَةِ، وَإِنَّ اللّهَ حَرَّمَ منَ
الرَّضَاعَةِ مَا حَرَّمَ مِنَ النَّسَبِ)).
(١) ((الموطأ)) ٦٠١/٢، ٦٠٢ في الرضاع: باب رضاعة الصغير،
والبخاري ٢٩٥/٩ في النكاح : باب ما يحل من الدخول ، والنظر إلى النساء
في الرضاع، ومسلم ١٠٧٠/٢ (٧) في الرضاعة : باب تحريم الرضاعة من
ماء الفحل .

- ٧٥ -
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم من طريق أبي عبد الرحمن
عن علي ، وأخرجاه من رواية ابن عباس . وابن جدعان : هو علي بن زيد
بن ◌ُجدعان .
٢٢٨٢ - أخبرنا أحمد بن عبد الصّالحي، ومحمد بن أحمد العارف،قلا: أنا
أبو بكر أحمد بن الحسن الحِيري ، نا أبو العباس الأصم ( ح) وأخبرنا
عبد الوهّاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، نا
أبو العباس الأصم ، أنا الرّبيع، أنا الشافعي ، أنا أنس بن عياض،
عن هشام بن مُروة ، عن أبيه ، عن زينب بنت أمّ سلمة
عَنْ أُمِّ حَبِيْبَةَ بِنْتِ أَبِ سُفيانَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ
لَكَ فِي أُخْتِي بِنْتِ أَبِي سُفيانَ؟ فَقَالَ رَّسُولُ اللهِ عَلَّه :
((فَاعِلٌ مَاذَا)» ؟ قَالَتْ: تَنْكِحُهَا، قَالَ ((أُخْتُكِ ؟!)) قالتْ:
نَعَمْ قالَ: ((أَوَ تُحِبِينَ ذَلِكِ؟)) قَالَتْ: نَعَمْ لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ(٢)
وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَتِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي، قَالَ: (( فَإِنَّا لاَتَحِلُّ ◌ِ))
قَالَتْ: فَقْلتُ: فَوَاللهِ لَقَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّكَ تَخْطُبُ بِنْتَ أَبِي
سَلَمَةَ قالَ: ((بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ))، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: (( فَوَ اللهِ
(١) الشافعي ٣٣٢/٢ في النكاح: باب تحريم الرضاع كتحريم
النسب، ومسلم (١٤٤٦) في الرضاع : باب تحريم ابنة الأخ من الرضاع.
ورواية ابن عباس في البخاري ١٢١/٩ في النكاح: باب وأمهاتكم اللاتي
أرضعنكم ، ومسلم (١٤٤٧).
(٢) اسم فاعل من ((الإخلاء)) أي: لست بمنفردة بك ولا خالية
من ضرة .

- ٧٦ -
لَوْ لَمْ تَكِنْ رَبِيْبَتِي فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي أَنَّهَا لَأبْنَةُ أَخِي (١)
مِنَ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا تُوَيَبَةُ، فَلاَ تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ
وَلا أَخوَاتِكُنَّ» .
هذا حديث متفق على صحته (٣) أخرجه محمد عن الحُميدي، عن سفيان،
وأخرجه مسلم عن أبي كريب، عن أبي أسامة ، كلاهما عن هشام ، وأخرجاه
من طرق عن الزهري ، عن عروة .
قال عُروة (٣): وَثُوَيَبَةُ مَولاة لأبي لهب كان أبو لهب أعتقها ،
فأرضعتِ النبي ◌َِّ، فلما مات أبو لهب أُرِيَّهُ بعضُ أهله بشرْحيبةٍ.
قال له: ماذا لقيتَ ؟ قال أبو لهب: لم ألوَ بعدكم غير أني [مُقيتُ]
في هذه بعتاقتي نويبة .
قيل في قوله: ((ُسقيت في هذه)) أراد، الوقبة"(٤) التي بين الإبهام
والسّبابة . وابنة أبي سلمة اسمها دُرة
قوله: بشرِّ حيبة بالحاء، أي: بشر حال، يقال: فلان
(١) معناه : أنها لو كان بها مانع واحد لكفى في التحريم ، فكيف وبها
مانعان : كونها ربيبة وهي بنت الزوجة ، وكونها بنت أخ من الرضاعة .
(٢) الشافعي ٣٢٨/٢ في النكاح، والبخاري ١٣٧/٩ في النكاح : باب
( وربائبكم اللاتي في حجور كم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ) وباب : (وأن
تجمعوا بين الأختين إلا ما قد ما سلف ) وباب عرض الانسان ابنته وأخته
على أهل الخير ، وفي النفقات : باب المراضع من المواليات وغيرهن ،
ومسلم (١٤٤٩) في الرضاع : باب تحريم الربيبة وأخت المرأة ، وأبو
داود ( ٢٠٥٦) .
(٣) هو موصول بالإسناد المذكور ، لكنه مرسل ، فإن عروة أرسله،
فلم يذكر من حدثه به. انظر ((الفتح)) ١٢٤/٩، ١٢٥.
(٤) الوقبة : النقرة .

- ٧٧ -
بشر حيبة، أي: مجال سوء بفتح الحاء(١) والحبيبة بكسر
الحاء : الهمُّ والحاجة.
قال الإمام : الحديثُ يدل على أن ◌ُحرمة الرضاع كحرمة النسب
في المناكح ، فإذا أرضعتِ المرأة رضيعاً يجرمُ على الرضيع وعلى أولاده
من أقارب المرضِعة كلُّ من يجرمُ على ولدها من النسب ، ولا تحرم
المرضعةُ على أب الرّضيع، ولا على أخيه، ولا تحرم عليك أمُّ أُختك
من الرّضاع إذا لم تكن أمناً لك، ولا زوجة أبيك، ويُتصور هذا
فِي الرَّضاع، ولا ◌ُتصور في النسب لك أمّ أخت إلا وهي أمّ لك أو
زوجةٌ لأبيك، وكذلك لا يحرم عليك أمُّ نافلتك (٣) من الرضاع إذ لم
تكن ابنتك أو زوجة ابنك ، ولا جدةُ ولدك من الرضاع إذ لم تكن
أمك أو أمّ زوجتك، ولا أختُ ولدك من الرضاع إذا لم تكن ابنتك ،
أو ربيتك .
وفي الحديث دليل على أن الزانية إذا أرضعت بلبن الزّنى ولداً لاتثبت
الحرمة" بين الرضيع وبين الزاني وأهل نسبه، كما لا يثبت به النسب ، فإن
كان لبنها من وطءٍ شبهة، أو نكاح فاسد ، أو ملك يمين تثبت به
الحرمة"، كما يثبت النسبُ، ولبن الضّرار محرم عند العامة إلا ما ◌ُحُكي
عن ابن أبي ذئب أنه قال : لا يجرم .
(١) وضبطه ابن حجر والعيني بكسر الحاء، وقال القرطبي: وجدته
في نسخة معتمدة بكسر المهملة وهو المعروف ، وفي اللسان : والحِيبة
والحوبة : الهم والحزن ، والحِيبة أيضاً : الحاجة والمسكنة .
٠
(٢) النافلة : ولد الوالد .
١

- ٧٨ -
وفيه دليل على أن لبن الفحل يحرّم حتى تثبتُ الحرمة من جهة
صاحب اللبن، كما تثبُتُ من جانب المرضعة، فإن النبي ◌َّ أثبت
عمومة الرَّضاع، وألحقها بالنسب ، وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب
النبي ◌َِّ، وَمن بعدهم . ◌ُمثل ابن عباس عن رجل له امر أتان أرضعت
إحداهما غلاماً ، والأخرى جارية ، فهل يتزوج الغلامُ الجارية؟ قال : لا ،
اللّقاح واحد ، قيل : اللقاح امم ماء الفحل أراد أن ماء الفحل الذي
حملت منه واحد ، واللبن الذي أُرْضِعَتا به كان أصله ماء الفحل ،
وقيل : ويحتمل أن يكون اللقاح بمعنى الإلقاح، يقال: ألقح الفحلُ
بالناقة إلقاحاً ولقاحاً، كما يقال : أعطاه إعطاء وعطاء، والأصل فيه
للإبل ، ثم يُستعار في النساء.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن لبن الفحل لا يحرّم ، وهو قول عروة
ابن الزبير، وعبد الله بن الزبير، وبعض أزواج النبي مَ تى يُروى أن
عائشة كانت تأذَن لمنْ أرضعتهُ أخواتُها وبناتُ أخها ، ولا تأذن لمن
أرضعته نساءُ إخوتها وبني أختها(١)، وإليه ذهب إسماعيل بنُ مُلية،
وداود الأصبهاني ، ويُروى أيضاً عن سعيد بن المسيِّب ، وأبي سلمة بن
عبد الرحمن ، وسلمان بن يسار ، وإبراهيم: أن لبن الفحل لا يُحرّم (٢).
ولو نكح رجل أمرأة رضيعة، فأرضعتها أمّ الزوج ، أو جدَّتُه ،
أو أبنته، أو أخته ، أو امرأة أخيه بلبن أخيه ينفسخ النكاحُ بينهما ،
فعلى الزوج للرضيعة نصفُ المهر المسمى في النكاح ، وتغرَم المرضعة
للزوج نصف مهر مثلها .
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٦٠٤/٢ في الرضاع وإسناده صحيح.
(٢) انظر بسط ذلك في ((الفتح)) ١٣٠/٩، ١٣١.

- ٧٩ -
ولو تزوج صغيرة وكبيرة ، فأرضعت الكبيرةُ الصغيرةَ ، انفسخ
نكاحهما، لأنها صارتا أمّاً وبنتاً معاً ، ثم إن كان الرَّضاع بلبن الزوج ،
فها محرمتان عليه على التأبيد ، لأن الصغيرة ابنتُه ، والكبيرة أم من
كانت زوجة له ، وإن كان بلبن غيره ، فإن كان بعد الدخول بالكبيرة ،
فكذلك ، لأن الكبيرة أمُ زوجته، والصغيرة بنتُ زوجته التي دخل
بها، وإن كان قبل الدخول بالكبيرة ، فالكبيرة محرمة عليه على التأبيد.
ويجوز له أن يبتدىء نكاحَ الصغيرة ولو تزوج رضيعتين ، فأرضعتها
أجنبية معاً، انفسخ نكاحها ، لأنها صارتا أختين ، وللزوج أن يبتدىء
نكاحَ واحدة منها ، ولا يجوز الجمعُ بينهما ، لأنها أختان ولو أرضعتها على
الترتيب ، فبإرضاع الأولى لا ينفسخ نكاحها ، فإذا أرضعت الثانية ،
انفسخ نكاحُ الثانية، وفي انفساخ نكاح الأولى قولان، أصحها وبه قال
أبو حنيفة : ينفخ ، لأن انعقاد الأخوة بينهما بوضاع الثانية معاً كما لو
أرضعتها معاً، وإذا نزل البكر لبن ، فأرضعت به صبياً ، تثبت
الحرمة إذا كانت في سن يحتمل فيها البلوغ ، وهي تسع سنين ، ولو
نزل للرجل لبن فأرضع به صبياً لا تثبت به الحرمة .
قال الإمام : والرَّضاع كالنسب في تحريم المناكحة ، وإثبات المحرمية
حتى تجوز الخلوة والمسافرة بمحاوم الرضاع ، ويستحب له برّ المرضعة،
فقد روي عن أبي الطفيل قال: كنتُ جالساً مع النبي ◌َم إذ أقبلت
امرأة"، فبسطَ النبي مَلُ وداءهُ حتى قعدت ، قيل : هذه كانت أرضعتِ
النبي {رقم (١).
(١) أخرجه أبو داود (٥١٤٤) في الأدب : باب في بر الوالدين ، وفي
سنده جعفر بن يحيى وهو مجهول ، وكذا الراوي عنه وهو عمارة بن
ثوبان .

- ٨٠ -
ويُروى عن حجاج بن حجاج الأسلمي عن أبيه قال : قلت يا رسول
الله ما يُذهبُ عني مدمّةَ الرَّضاع؟ فقال: ((غرَّةٌ: عبدٌ أو أمة)) (١)
وأراد به ذِمامَ الرضاع وحقّه، فقال: إنها حضتكَ وأنتَ صَغيرٌ
فكافئها، واقضٍ ذمامها بخادمٍ يخدِ مُها ، ويكفها المهنة .
والمذِمَّةَ بكسر الذال من الذّمام، والمذَمْة بالفتح من الذمّ .
ولا يثبت بسبب الرضاع ميراث ولا عتق ، ولا تجبُ به نفقة ،
ولا يسقُط به قِصاصٌ ولا شهادة ، إنماحكمه تحريم النكاح وثبوت المحرمية .
ـاب
ما ثبت : الحرقة من عدد الرضعات
٢٢٨٣ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق
الهاشمي ، أنا أبو ◌ُصعب ، عن مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد
بن عمرو بن حزم ، عن عمرة بنت عبد الرحمن
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المؤمِنِينَ أَّهَا قَالتْ: كَانَ فِيَا أُنْزِلَ فِي
الْقُرْآنِ (عَشْرُ رَضعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ) ثمّ نُسِخَتْ بِخَمْسٍ
مَعْلُومَاتٍ، فَتُوفّيَّ رَسُولُ اللهِ عَهِ وَهِيَ فِيمَا يُقْرَأُ
فِي الْقُرْآنِ(٢).
(١) أخرجه أبو داود (٢٠٦٤) والنسائي ١٠٨/٦ في النكاح : باب
حق الرضاع وحرمته والترمذي ( ١١٥٣ ) وقال : هذا حديث حسن
صحيح ، وصححه ابن حبان ( ١٢٥٣).
(٢) ((الموطأ)) ٦٠٨/٢ في الرضاع: باب جامع ما جاء في الرضاع
، ومسلم (١٤٥٢) في الرضاع : باب التحريم بخمس رضعات .