Indexed OCR Text

Pages 121-140

- ١٢١ -
بصاحبه على أن يُكافئه صاحبُهُ بمثله إن هو باع ، فهذا الرَّجل عاصٍ بهذا
الفعل ، سواء كان عالماً بالنهي أو لم يكن ، لأنه خديعة، وليست الخديعة
من أخلاق أهل الشريعة، ورُوي عن النبي ◌ِ ◌ّم قال: ((الخديمة في
النّارِ)) (١) ((ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ)) (٢).
والنجش قيل: أصله المدح معناه : لا يمدح سلعة ، ويزيد في ثمنها ،
ولا يريد شراءها، وقيل: أصله التنفير عن الشيء من تنفير الوحش من
مكان إلى آخر ، ولم يختلفوا في أن رجلًا لو اعترف بفعله ، فاشتراه أن
الشراء صحيح ، ولا خيار له إذا كان الناجش فعله بغير أمر البائع ، فإن
فعله بأمره ، فذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ المشتري فيه بالخيار ، وقال
ابن أبي أوفى : النّاجِش آكِل ربا خائن (٣).
٢٠٩٧ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو
إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مُصعب ، عن مالك ، عن نافع
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِِّ نَهَى عَنِ النَّجْشِ
(١) علقه البخاري في ((صحيحه)) ٢٩٨/٤ قال الحافظ في ((الفتح)):
رويناه في ((الكامل)) لابن عدي من حديث قيس بن سعد بن عبادة قال :
لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( الخديعة والمكر
في النار ، لكنت من أمكر الناس)) وإسناده لابأس به ، وأخرجه الطبراني
في ((الصغير)) من حديث ابن مسعود والحاكم في ((المستدرك)) من حديث
أنس ، وإسحاق بن راهويه من حديث أبي هريرة ، وفي إسناد كل منهما
مقال ، لكن مجموعها يدل على أن للمتن أصلا .
(٢) أخرجه مسلم ( ١٧١٨) (١٨) بهذا اللفظ، وقد اتفقا على
إخراجه بلفظ: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)).
(٣) علقه البخاري ٢٩٧/٤ وقال الحافظ : هذا طرف من حديث

- ١٢٢ -
هذا حديثٌ متفقٌ على صحته (١) أخرجه محمد عن عبد الله بن مسلمة،
وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى ، كلاهما عن مالك .
٢٠٩٨ - أنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، وأحمد بن عبد الله
الصّالحي ، قالا: أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الخيري ، أنا محمد بن أحمد
ابن محمّد بن مَعقِل الميداني ، نا محمد بن يحيى ، نا عبد الرزاق ، أنا
معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيِّب
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّيِّ نِهِ: ((لاَ يَبِيْعُ حَاضِرْ
لِبَادٍ ، وَلاَ تَنَجُوا، وَلاَ يَزِيدُ الْرّجلُ عَلى بَيْعِ أَخِيهِ. وَلاَ
يَخْطُبُ عَلى خِطْبَتِهِ ، وَلاَ تَسْأَلُ الْرَأَةُ طَلَقَ أُخْتِهَا ◌ِتَكْفَأَ بِهِ
مَا فِي إِنَائِهَا ،
هذا حديثٌ متفقٌ على صحته (٢) أخرجه مُسلم عن محمد بن رافع، عن
بعبد الرزاق ، وأخرجه محمد عن علي بن عبد الله ، عن سفيان ، عن الزهري .
أورده المصنف ( يعني البخاري ) في الشهادات : في باب قول الله تعالى :
( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلا ) ، ثم ساق فيه من
طريق السكسكي عن عبد الله بن أبي أوفى قال : أقام رجل سلعته فحلف
بالله : لقد أعطى فيها ما لم يعط فنزلت . قال ابن أبي أوفى : الناجش
آكلل ربا خائن . أورده من طريق يزيد بن هارون ، عن السكسكي . وقد
أخرجه ابن أبي شيبة وسعيدبن منصور ، عن يزيد مقتصرين على الموقوف.
(١) ((الموطأ)) ٦٨٤/٢ في البيوع: باب ما ينهى عنه من المساومة
والمبايعة ، والبخاري ٢٩٨/٤ في البيوع: باب النجش، ومسلم (١٥١٦).
(٢) البخاري ٢٩٥/٤ في البيوع: باب لا يبيع على بيع أخيه ، وفي
الشروط: باب ما لا يجوز من الشروط في النكاح ومسلم ( ١٤١٣) (٥٣) في
النكاح : اب تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن أو يترك .

- ١٢٣ -
قوله: ((ولا يبيع حاضرٌ لبادٍ)) فذهب بعضهم إلى أن الحضري"
لا يجوز أن يبيع للبدوي شيئاً ، ولا يشتري له ، وهو قول ابن سیرین
وإبراهيم النخعي ، لأن اسم البيع يقع على البيع والابتياع ، يقال : بعت
الشيء وشريته بمعنى اشتريته ، والكلمتان من الأضداد .
وذهب جماعة إلى أنه لا يبيع للبدوي ، ويجوز أن يشتري له ، وهو
قولُ الحسن البصري ، وإليه ذهب الشافعي ، ومعنى النهي : هو التربص
له بسلعته ، وذلك أن أهل البادية كانوا يحملون إلى البلد أمتعتهم ، فيبيعونها
بسعر اليوم ، ويرجعون لكثرة المؤنة في البلد ، فيكون من بيعهم رفق
لأهل البلد وسعة ، فكان الرجل من أهل البلد يأتي البدوي ، ويقول له :
ضع متاعك عندي حتى أتربْص لك، وأبيعه على مر الأيّام بأغلى ،
وارجع أنت إلى باديتك ، فيفوت بفعله رِفِقُ أهل البلد ، فنهى الشرعُ
عن ذلك ، فمن فعله - وهو بالنهي عالم - يَعصي، وإن لم يعلم ، فلا يعصي
فإن كان لا يدخل به ضيقٌ على أهل البلد لرخص الأسعار ، أو قلة ذلك المتاع
وسعة البلد ، فهل يجرم أن يبيع له ؟ اختلفوا فيه ، منهُم من حرّم،
لظاهر الحديث، ومنهم مَنْ أباحه لعدم الضرر . وإذا التمس البدوي منه
أن يتربّص له ، فقد قيل: يجوز ذلك ، ولا يدخل تحت النهي .
٢٠٩٩ - أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن
أبي شريح، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، نا
علي بن الجعد ، أنا زهير بن معاوية ، عن أبي الزبير
عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((لاَ بَيِخْ حَاضِرْ
◌ِبَادٍ ، وَدَعُوا النّاسَ يَرْزُقِ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ»

- ١٢٤ -
هذا حديثٌ صحيحٌ أخرجه مُسلم(١) عن أحمد بن يونس ، عن زهير ،
ويُروى فيه عن أنس ، وابن عبّاس، فقيل لابن عبّاس: ما قوله ((لا يبع
حاضِيرٌ لِياد؟)) قال: لا يكون له سمساراً (٢)
وقال أنس: نُهينا أن يبيع حاضر لباد، وإن كان أخاه أو أباء(٣).
وفي هذا الحديث دليلٌ على أن الحضري إذا باع البدوي لا يكون
العقد فاسداً ، ولو كان فاسداً لم يكن فيه منعٌ من ارتفاق بعضهم من
بعض ، وذهب قومٌ إلى أن النهي عن بيع الحاضر للبدوي بمعنى الإرشاد
دون الإيجاب ، وكان مجاهدٌ يقول: لا بأس في هذا الزمان ، وإنما وقع
النهيُعنه في زمان رسول الله حوالي (٤).
(١) (١٥٢٢) في البيوع : باب تحريم بيع الحاضر للبادي.
(٢) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) ٣١١/٤ في البيوع: باب هل
يبيع حاضر لباد بغير أجر ، وفي الاجارة : باب أجر السمسرة ، ومسلم
(١٥٢١) وهو في ((المصنف)) (١٤٨٧٠) والسمسار في الأصل القيم
بالأمر والحافظ له ، ثم استعمل في متولي البيع والشراء لغيره .
(٣) أخرجه مسلم ( ١٥٢٣) وعبد الرزاق (١٤٨٧١) وهو في
البخاري ٤١٢/٤ دون قوله : وإن كان أخاه أو أباه .
(٤) قال الحافظ في ((الفتح)) ٣١١/٤: والجمهور على التحريم
بشرط العلم بالمنهي ، وأن يكون المتاع المجلوب مما يحتاج إليه ، وأن
يعرض الحضري ذلك على البدوي ، فلو عرضه على الحضري لم يمنع ،
وزاد بعض الشافعية عموم الحاجة ، وأن يظهر بيع ذلك المتاع السعة في
تلك البلد . قال ابن دقيق العيد : أكثر هذه الشروط تدور بين أتباع
المعنى أو اللفظ ، والذي ينبغي أن ينظر في المعنى الى الظهور والخفاء ،
فحيث يظهر يخصص النص أو يعمم ، وحيث يخفى، فاتباع اللفظ أولى،
فأما اشتراط أن يلتمس البلدي ذلك ، فلا يقوى لعدم دلالة اللفظ عليه
وعدم ظهور المعنى فيه ، فإن الضرر الذي علل به النهي لا يفترق الحال
فيه بين سؤال البلدي وعدمه ، وأما اشتراط أن يكون الطعام مما تدعو
الحاجة إليه ، فمتوسط بين الظهور وعدمه ، وأما اشتراط ظهور

- ١٢٥ -
وقولهُ: ((لا تُصروا الإبل والغنم)) التصرية فسْرها الشافعي بأن يربط
أخلاف الناقة أو الشاة ، ويترك حلبها اليومين والثلاثة حتى يجتمع اللبن
في ضرعها ، ثم تباع ، فيظنها المشتري كثيرة اللبن ، فيزيد في ثمنها ،
فإذا حلبها مرتين أو ثلاثاً ، وقف على التصرية والغرور .
وقال أبو عبيد : هي من صريتُ الماء وهو حَبسُ الماء وجمعه ، ولو
كان من الرَّبط، لكان مصرورَة" أو مُصرَّه. وما قال الشافعي صحيحٌ"
في المعنى ، وذلك أن العرب كانت تصرُّ ضروع الحلوبات إذا أرسلتها
تسرح ، ويسمُّون ذلك الرباط اصراراً ، فإذا أراحت ، حُلْت تلك الأصرة
وحلبت ، ويجوزُ أن يكون أصل المُصراة مُصررة أبدلت إحدى الرّائين
ياء، كما قال الله سبحانه وتعالى: (وَقَدْ "خاب منْ دَّساها) [الشمس: ١٠]
وأصله : دّسها ، أي أخملها بمنع الخير .
وتسمى المصراة ، محفّلة قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ((مَن
اْشترى مناة مُحفّلة" فردَّها فَلْيْرُدّ معها صاعاً)) (١) سميت محفّلة لحفول
اللبن واجتماعه في ضرعها، والحفل : الجمع الكثير .
ثم حكم المصراة اختلف أهلُ العلم فيه ، فذهب جماعة إلى أن المشتري
إذا علم بها بعد ما حلبها ، فلاُ أن يردّها بعيب التصرية، ويردَّ معها صاعاً
من تمر مكانَ ماحلب من اللبن ، كما هو ظاهر الحديث ، وهو قول مالك
والشافعي ، والليث بن سعد ، وأحمد وإسحاق وأبي عبيد ، وأبي ثور .
وقال أبو حنيفة: لا خيار لهُ بسبب التصرية، وليس له ردُّها بالعيب بعد
السعة ، فكذلك أيضاً لاحتمال أن يكون المقصود مجرد تفويت الربح
والرزق على أهل البلد ، وأما اشتراط العلم بالمنهي فلا إشكال فيه .
وقد جاء في كتب الحنفية تفسير ذلك بأن المراد نهي الحاضر أن يبيع
للبادي في زمن الغلاء شيئاً يحتاج إليه أهل البلد .
(١) أخرجه البخاري ٣٠٩/٤ في البيوع، وأحمد ٤٣٠/١

- ١٢٦ -
ما حلبها ، وقال ابن أبي ليلى ، وأبو يوسف: يَردُّها ويردُ معها قيمة اللبن
والحديث حجة عليهم .
والمعنى في إيجاب صاع من التمر بعد الحلب أنّ اللبنَ لا يمكن ردً.
لنقصانه بالحلب ، وقد حدث بعد البيع بعضُهُ على ملك المشتري ، فلا
يجب ردُّهُ ، فيتنازعان في القدر الموجود يوم العقد ، فالشرع قطع
الخصومة بينهما بايجاب بدل مُقدّر من غير أن ينظر إلى قلة اللبن أو كثرته
كما جعل ديّة النفس مائة من الإبل مع اختلاف أحوال النفوس في القوة
والضعف، والصَّغْر والكبر ، والجمال والقبح ، وسوِّى بين الأصابع في
الدية مع اختلافها ، وهذا كما لو جنى على امرأة حامل ، فألقت جنينها ميتاً
أوجب الشرع على الجاني غُرة": عبداً أو أمة، على خلاف القياس ،
لأنها يتنازعان في حياته ، فيدّعي الجاني أنه ميت لا شيء عليه فيه ، ويقول
الولي : كان حياً قتلته فعليك الدية ، فقطع الشرع مادة النزاع بينهما
بايجاب الغُرّة ، كذلك ما هُنا .
٢١٠٠ - أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي ، أخبرنا أبو طاهر
الزّبادي، أنا محمد بن الحسين القطان، نا أحمد بن يوسف السّلمي، نا
عبد الرّزاق، أنا معمر ، عن حمّام بن ◌ُمُنَّبة قال :
ثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رُسُولُ اللهِ عِيَ: « إِذَا
مَا أَحَدُ كُمْ أَشْتَرَى لِفْعَةً مُصرَّةَ، أَوْ شَاةَ مُصَرَّةَ، فَهُوَ بِغَيْرٍ
الْنَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَخْلِيَهَا إِمَّا مِيَ ، وَإلاَّ فَلْيَرُدَّهَا وَصَاعًاً مِنْ تَمْرٍ،

- ١٢٧ -
هذا حديثٌ صحيحٌ أخرجه مسلم (١) عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق .
وروى أُيُوب عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة أن النبي عَ لّهِ قال:
(((مَن اشترى مُصراة"، فهو بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء رَدَّها وصاعاً
مِنْ طعام لاسمراء)) (٢) أراد صاعاً من تمر لا حنطة، والتمر من طعام العرب.
قال الإمام : اختلف أهلُ العلم في تقدير خيار التصرية بالثلاث ، فمنهم
من قال : يتقدّر بالثلاث حتى لو علم قبل مُضي الثلاث ، فله الخيار إلى
تمام الثلاث ، لأن الوقوف عليها قلما يُمكن في أقل من ثلاثة ، فإن
النقصان الذي يجده المشتري في مدَّة الثلاث قد يحمله على اختلاف اليد وتبدّل
المكان ، فجعل الشرعُ الثلاث حداً لا يجاوز ، كما في خيار الشرط، ومنهم
من ذهب إلى أنه لا تأخير لهُ بعد العلم بالتصرية ، فإن أخر ، سقط حقه
من الرد وهو القياس ، لأنه خيار عيب ، والتقدير بالثلاث بناء للأمر
على الغالب ، لأن الغالب أنه لا يقف عليها قبل الثلاث ، لا أن زمان
الردّ يتقدَّر بها .
وقوله: ((لا سمراء)) فيه دليل على أنه لا يعطي غير التمر ، فذهب
بعضهم إلى أنه لا يجوزُ غير التمر ، وإن رضي به البائع ، كما لا يجوز بيع
المبيع قبل القبض ، وإن رضي به البائع، وذهب قومٌ إلى أن الواجب
هو التمر ولا يجوز إعطاء غيره إلا برضى البائع ، فإن رضي بجنس آخر
فكأنهُ استبدل عن حقّه فيجوز، وذهبَ قومٌ - وهو أصح أقوال الشافعي
(١) (١٥٢٤) (٢٨) في البيوع: باب حكم بيع المصراة.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٤٤٤) في البيوع : باب من اشترى مصرأة
فكرهها وإسناده صحيح، وأخرجه مسلم في ((صحيحه)) (١٥٢٤)
(٢٥) من حديث قرة بن خالد، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة.

- ١٢٨ -
- أن على كل انسان صاعاً ممّا يقتات ، حنطة كان أو سعيراً أو تموأ أو
زيبيباً كما في زكاة الفطر، وأوّل هذا القائل قوله ((لا سمراء)) أي: لاتجبُ
السّمواء وهي الخنطة . ولا فرق في ثبوت حق الرَّد بعيب التصرية بين
النعم وسائر الحيوانات التي يحلُّ شربُ لبنها حتى لو اشترى جارية ذات
لبن ، فوجدها مُصراة، فلاُ الردُّ، ولكن لا يجب ردُّ شيء في مقابلة
ما حلب من اللبن على أصح الوجهين، لأنّ لبن الآدميّة مما لا يُعتاض
عنه في العادة .
ولو اشترى أنانا لبوناً ، أو حيواناً لا يؤكل لحمه ، فوجدها مُصراة ،
فله الرد على الأصح ، لأن لبنها مقصود لتربية الولد ، ولكن لا يجب ردً
شيء في مقابلة ما حَلب من اللبن ، لأن لبنها نجس لا يُعتاض عنه .
وفي حديث المصراةِ دليلٌ على أنه لا يجوز بيع مشاة لبون بلبن ساة
ولا بشاة لبون في ضرعها لبن، لأن الشرع جعل للبن في الضرع قسطاً
من الثمن، فهو كبيع مال الرَّبا بجنسه ومعهما، أو مع أحدهما شيء
آخر بخلاف ما لو باع السّمسم بالسّمسم يجوز، وإن أمكن استخراج الدّهن
من كل واحد منهما ، لأن عين الدهن غير موجود فيها ، واللبن ها هنا
موجودٌ في الضرع حتى لو حلب اللّون، ثم في الحال قبل اجتماع اللبن
في ضرعها باعها باللبن، يجوز. والله أعلم.

باب
النهي عن الملامسة والمنابدة
٢١٠١ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو
إسحاق الهاشمي ، أنا أبو ◌ُصعب ، عن مالك ، عن محمد بن يحيى بن
حَبّان ، وعن أبي الزناد ، عن الأعرج
عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِّهِ نَى عَنِ الْلاَمَسَةِ
وَالْتَابَذَةٍ(١)
قال(٢): والملامةُ: أن يَلمَسَ الرّجلُ الثوب"، ولا يَنشرَهُ ولا
يَتبيَّنَ ما فيه، أو أن يَبتاعَهُ ليلًا، وهو لا يعلمُ ما فيه.
والمنابذةُ: أن ينبذَ الرّجلُ إلى الرجل ثوبَهُ، وينبِذَ إليه الآخرُ
ثوبَه على غير تأمُّل منهما يقولُ كلُّ واحدٍ منها لصاحبه : هذا بهذا ، فهذا
الذي نهي عنهُ من الملامة والمنابذة (٣).
(١) ((الموطأ)) ٦٦٦/٢ في البيوع: باب الملامسة والمنابذة، والبخاري
٣٠٠/٤ في البيوع: باب بيع المنابذة ، ومسلم (١٥١١ ) في أول كتاب
البيوع .
(٢) القائل هو مالك كما جاء مصرحاً به في ((الموطأ)).
(٣) ولمسلم عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة قال: نهي عن
بيعتين : الملامسة والمنابذة ، أما الملامسة فأن يلمس كل واحد منهما ثوب
صاحبه بغير تأمل ، والمنابذة : أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر ،
ولم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه، قال الحافظ في ((الفتح))
٣٠٠/٤: وهذا التفسير الذي في حديث أبي هريرة أقعد بلفظ الملامسة
والمنابذة ، لأنهما مفاعلة فيستدعي وجود الفعل من الجانبين ، وظاهره
أنه مرفوع ، لكن وقع للنسائي ٢٦١/٦، ٢٦٢ ما يشعر بأنه كلام من دونه
شرح السنة ج ٦ - م - ٩

- ١٣٠ -
هذا حديثٌ متفقٌ على صحته أخرجه محمد عن إسماعيل بن أبي أويس
وغيره ، واخزجهُ مسلم عن محيى، كلٌّ عن مالك .
قال الإمام : معنى الحديث أن يجعلا لمسّ الشيء، أو النبذ إليه بيعاً
بينها من غير رؤية وتأمُّل ، ثم لا يكونُ له فيه خيار، وكان ذلك من
بيوع أهل الجاهلية، فنهى عنه النبي عزل .
واختلف أهل العلم في المعاطاة ، فجعلها بعضُهم بيعاً إجراء للأمر على
ما يتعارفونه بينهم . واكترى الحسن من عبد الله بن مرداس حماراً، فقال :
بكم ؟ فقال: بدانِقين، فركبه ، ثم جاء مرة أخرى ، فقال : الحمار
فركبهُ ولم ◌ُشارطهُ ، فبعث إليه بنصف درم.
وفي النهي عن الملامسة دليلٌ على أن شراء الأعمى وبيعهُ باطل ، لأنه
لا طريق لهُ إلى رؤيته (١)، فأما البصيرُ إذا اسْترى عيناً غائبة لم يرها ،
فاختلف أهل العلم في جوازه .
صلى الله عليه وسلم ولفظه : وزعم أن الملامسة أن يقول الرجل للرجل :
أبيعك ثوبي بثوبك ، ولا ينظر واحد منهما إلى ثوب الآخر ، ولكن يلمسه
لمسأً . وأما المنابذة أن يقول: أنبذ مامعي وتنبذ مامعك ليشتري أحدهما
من الآخر ، ولا يدري كل واحد منهما كم مع الآخر ونحو من هذا الوصف
فالأقرب أن يكون ذلك من كلام الصحابي لبعد أن يعبر الصحابي عن
النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ ((زعم)).
(١) وهو قول معظم الشافعية، وأما قول غيرهم من الأئمة ، ففي
(«المغني)) ٢١٠/٤: وأما بيع الأعمى وشراؤه، فإن أمكنه معرفة المبيع
بالذوق إن كان مطعوماً أو بالشم إن كان مشموماً ، صح بيعه وشراؤه ،
وإن لم يمكن جاز بيعه كالبصير ، وله خيار الخلف في الصفة ، وبهذا
قال مالك وأبو حنيفة ، وأثبت أبو حنيفة له الخيار إلى معرفته بالمبيع
إما بحسه أو ذوقه أو وصفه . وقال عبيد الله بن الحسن : شراؤه جائز ،
وإذا أمر انساناً بالنظر إليه لزمه .

- ١٣١ -
٢١٠٢ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو
إسحاق الهاشميّ ، أنا أبو ◌ُصعب ، عن مالك ، عن أبي حازم بن دينار
عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْسَيْبِ أَنَّ رَسُولَ اللهِِّ نَّهَى عَنْ
بَيْحِ الغَرَرِ (١)
قال الإمام : هكذا رواهُ مالك ◌ُرسلاً وقد صحّ موصولاً .
٢١٠٣ - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنا عبد الغافر بن محمد ، أنا
محمد بن عيسى، نا إبراهيم بن محمد بن سفيان، نا مسلم بن الحجّاج ،
نا زهير بن حرب ، نايحيى بن سعيد ، عن عبيد اله ، حدثني أبو الزناد
عن الأعرج
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ. نَهَى رَسُولُ اللهِّهِ عَنْ بَيْعِ
الْحْصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ .
هذا حديثٌ صحيحٌ" (٢).
ومعنى بيع الحصاة : أن يقول البائع للمشتري: إذا نبذتُ إليك
الحصاة، فقد وجبَ البيعُ بيني وبينك فيما نبيعهُ وهو شبيهٌ بالمنابذة .
وقال أبو عبيد: المنابذةُ أن يقول: انبذِ الحجر، فإذا وقع الحجرُ،
فهذا لك بيعاً ، وكذلك بيع الحصاة ، وقيل : الحصاة أن يرمي بحصاة
(١) ((الموطأ)) ٦٦٤/٢ مرسلا وسيذكر المصنف عقبه الرواية الموصولة
التي أخرجها مسلم .
(٢) هو في صحيح مسلم ( ١٥١٣ ) في البيوع : باب بطلان بيع
الحصاة والبيع الذي فيه غرر .

- ١٣٢ -
في قطيع من الغنم ، ويقول": أي شاة أصابتها الحصاة كانت مبيعة" منك.
وأما الغرر ، فهو ما خفي عليك علمُه ، مأخوذ من قولهم : طويت الثوب
على غرّد، أي: على كسره الأول ، وقيل: سمّي غرراً من الغُرور ،
لأنْ ظاهره بيع يَسرُّ، وباطنهُ مجهول يَغُرُ، وسمّي الشيطان غروراً
لهذا، لأنه يحمل الإنسان على ما تحبُُّ نفسهُ، ووراءه ما يسوؤه، فكل
بيع كان المعقود عليه فيه مجهولاً ، أو معجوزاً عنه ، غير مقدور عليه ،
فهو غررٌ ، مثل أن يبيع الطير في الهواء ، والسّمك في الماء ، أو العبد
الآبق ، أو الجمل الشارد، أو الحمل في البطن ، أو نحو ذلك ، فهو
فاسد للجهل بالمبيع ، والعجز عن تسليمه .
ومن جملة الغرر بيع تراب المعدن ، وتراب الصاغة لا يجوزُ ، لأن
المقصود ما فيه من النقد ، وهو مجهول ، وممن ذهب إليه عطاء والشعبي
ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق ، وقد منع بعضُ أصحاب
الشافعي المعاملة بالدراهم المغشوشة على هذا القياس ، للجهل بما فيها من النقرة .
٢١٠٤ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أبو عبد الله محمد
بن الحسين الزغرتاني (١)، نا أبو محمد عبد الله بن عروة ، ثنا زياد بن أبوب
نا هشيم ، نا أبو عامر ، نا شيخ من بني تميم قال :
قَالَ قَالَ عَلِيٍّ: نَى رَسُولُ اللهِلَّهِ عَنْ بَيْعِ المُضْطَرِينَ
وَنْ بَيْعِ الغَرَرِ، وَيَبْعِ الْثْمَرَةِ قَبْلَ أَنْ تَبْغَ (٣)
(١) نسبة إلى زغرتان من قرى هراة .
(٢) أخرجه أحمد ( ٩٣٧ ) وأبو داود (٣٣٨٢ ) وفي سنده ضعف
كما قال المصنف رحمه الله .

- ١٣٣ -
قال الإمام : وإسنادُ هذا الحديث ضعيف، وأبو عامر هو صالح
ابن عامر (١).
وبيع المضطر على وجهين : أحدهما : أن يكره الرّجل بالباطل على
بيع ماله ففعل ، فلا يَصحُّ بيعُهُ، والثاني أن تركبهُ الدّيون، فيأمرهُ
الحاكمُ ببيع ماله، فإن لم يبع، يبيعُ الحاكم عليه بثمن المثل لحق الغرماء
فيكونُ جائزاً، وإذا اضطر الرجل إلى بيع ماله بالوكس لمؤنة رفقتْه
فسبيلُ هذا في حق الدّين والمروءة أن لا يُفتات عليه بماله، ولكن
يُعان بالاقتراض والإمهال إلى أن يُومر، أو يجد السبيل إلى بيع ماله
من غير بخس بلحقُهُ ، فإن لم يفعل ، باع مالهُ مع الضرورة ، فبيعه جائز .
واختلف أهلُ العلم في جواز شراء ما لم يرهُ ، فأجازه جماعة ، ثم إذا
رآه المشتري ، فله الخيارُ بين فسخ البيع ، وإجازته ، وهو قول أصحاب
الرأي ، وأصحُ قولي الشافعي ، وذهب بعضهم إلى أن البيع فاسد ، وبه
قال الحكم وحماد (٢) وقال مالك: الساج (٣) المدرج في جرابه، والثوب
(١) هو خطأ صوابه صالح بن رستم الخزاز أبو عامر، وقد أخطأ فيه
شيخ أبي داود محمد بن عيسى ، ونبه عليه أبو داود بقوله : كذا
قال محمد .
(٢) قال العيني في ((عمدة القاري)) ٥٠٦/٥ في بيع الشيء الغائب
على الصفة : إن وجد كما وصف لزم المشتري ولا خيار له إذا رآه ،
وإن كان على غير الصفة ، فله الخيار ، وهو قول أحمد وإسحاق وهو
مروي عن ابن سيرين وأيوب والحارث العكلي والحكم وحماد ، وقال
أبو حنيفة وأصحابه : يجوز بيع الغائب على الصفة وغير الصفة ،
وللمشتري خيار الرؤية ، وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس والنخعي
والشعبي والحسن البصري ومكحول والأوزاعي وسفيان .
(٣) هو الطيلسان الأخضر أو الأسود .

- ١٣٤ -
المدرج في طَيّه لا يجوز بيعهما حتى يُنشرا، وينظر إلى ما في أجوافهما .
وجوّز بيع الأعدال على البرنامج(١) من غير أن يُنشر، وإذا نشرهُ
لا خيار له، وقال: لأنهُ لا يراد به الغررُ، وأنه لم يزل من بيوع
الناس الجائزة بينهم التي لا يرون بها بأساً (٢).
وُوي عن سليمان بن يسار عن ابن عبّاس أنه كان يكرهُ بيع الصُّوف
على ظهر الغنم ، واللبن في ضروع الغنم إلا بكيل .
قال الإمام رحمه اله: بيع الصُّوف على ظهر الغنم لا يجوز، كبيع
◌ُجُزْءٍ مُعين منه، ولا بيعُ اللبن في الضرع، لأنه مجهول. وقوله: ((إلا
بكيل)) معناهُ - والله أعلم - أن يُسلم في لبن الغنم كيلاً، فجائز.
٢١٠٥ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله
النُّعيمي، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، حدثني يحيى بن
بُكير ، نا الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، أخبرني عامر بن سعد
أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخْدِيِّ قالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ عٍَّ عَنِ
لِبْسَتَيْنِ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ: نَهَى عَنِ الْلاَمَةِ وَالْنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ.
وَاْلاَمَسَةُ: لَمْسُ الْرّجُلِ ثَوْبَ الْآخَرِ بِيَدِهِ بِلّيْلِ أَوْ بِلّهَاِ
وَلاَ يَقْلِبُهُ إِلاَّ بِذَلِكَ ، وَاُلْنَا بَذَةُ: أَنْ يَفِْذَ الرّجلُ إلى الرّجلِ
بِشَوْبِهِ، وَيَنْبِذَ الآخَرُ ثَوْبَهُ، وَيَكونَ ذَلِكَ بَيْعَهمُاَ عَنْ غَيْرِ
(١) معناه : الورقة المكتوب فيها ما في العدل وهو فارسي معرب .
(٢) جاء في إحدى النسخ الخطية ما نصه: قوله: ((البرنامج)) أي:
بيع الأعدال معكومة قبل أن تفتح ، وتنشر الثياب ، وهو كلمة يستعملها
التجار ، كبيع الشيء برقمه وأشباه ذلك .

- ١٣٥ -
نَظَرٍ وَلاَ تَرَاضٍ. وَالْبْسَتَانِ: أَشْتَمَلُ الصَّمَاءِ، وَالصَّمَاءُ: أَنْ
يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلى أَحَدٍ عَاتِقَيْهِ، وَأَحَدُ شِقْيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ
توْبٌ، وَالْسَةُ الأُخرى: أَحْتَبَاؤُهُ بِشَوبِهِ وَهُوَ جَالِسْ لَيْسَ
على فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٍ » .
هذا حديثٌ متفقٌ على صحته (١) أخرجهُ مسلم عن حرملة بن يحيى،
عن ابن وهب ، عن يونس .
٢١٠٦ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو
إسحاق الهاشمي ، أنا أبو ◌ُصعب عن مالك ، عن الثقة عنده ، عن عمرو
ابن شعيب عن أبيه
عَنْ جَدِّهِ أَنْهُ قَالَ: نَهَى دَّسُولُ لَ ◌ّه عَنْ يَبْعِ
آلْعُرْبَانِ. (٢)
قال مالك: وذلك فيما نرى - واله أعلم - أن يشتريّ الرجل العبد أو
الوليدة ، أو يتكارى الدابة"، ثم يقول للذي اشترى منه أو تعكارى منه * :
أنا أعطيك ديناراً أو درهماً أو أكثر أو أقل على أني إن أخذتُ السلعة
(١) البخاري ٢٣٥/١٠ في اللباس : باب اشتمال الصماء ، وباب
الاحتباء في ثوب واحد ، وفي الصلاة في الثياب : باب ما يستر من العورة ،
وفي الصوم : باب صوم يوم الفطر ، وفي البيوع : باب بيع الملامسة ، وباب
بيع المنابذة ، ومسلم ( ١٥١٢) في البيوع : باب إبطال بيع الملامسة
والمنابذة .
(٢) أخرجه منالك في ((الموطأ)) ٦٠٩/٢، وأبو داود (٣٥٠٢)، وابن
ماجة (٢١٩٢) وفيه رأو لم يسمه وقد سمي في رواية لابن ماجة (٢١٩٣)
عبد الله بن عامر الأسلمي ، وقيل : هو ابن لهيعة ، وهما ضعيفان .

- ١٣٦ -
أو ركبت ما تكاريت منك ، فالذي أعطيتُك من ثمن السلعة ، أو كراه
الدابة ، وإن تركتُ ابتياع السّلعة أو الكراء ، فهو لك بغير شيء .
فهذا تفسير العُربان . وفيه لغتان مُربان وأربان ، ويقال: عرُبُون
وأربون ، وهو باطل عند أكثر أهل العلم ، وبه قال مالك والشافعي
وأصحاب الرأي ، ورُوي عن ابن عمر أنه أجاز هذا البيع ، ويُروى عن
عمر أيضاً ، ومال أحمد إلى القول بإجازته ، وضعف الحديث فيه ، لأنه
مُنقطع فقال : رواه مالك عن بلاغ .
باب
بيع حبل الحبدة ونمى حسب الفحل
٢١٠٧ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو
إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مُصعب ، عن مالك ، عن نافع
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنٍ مُمَرَ أَنَّ النِّيَّيِِّ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلٍ
الْخَلَةِ وَكَانَ بَيْعاً يَتَبَايِعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، كَانَ الرَّجُلُ يَنْتَاعُ
الجَزُورَ إِلى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمْ تُنْتَجَ الّتِي فِي بَطْنِها.
هذا حديثٌ متفقٌ على صحته (١) أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف
(١) ((الموطأ)) ٦٥٣/٢، ٦٥٤ في البيوع : باب ما لا يجوز من بيع
الحيوان ، والبخاري ٢٩٨/٤، ٢٩٩ في البيوع: باب بيع الغرر وحبل
الحبلة ، وفي السلم : باب السلم الى أن تنتج الناقة ، وفي فضائل أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم : باب أيام الجاهلية، ومسلم (١٥١٤) في البيوع:
باب تحريم بيع حبل الحبلة .

- ١٣٧ -
عن مالك ، وأخرجه مُسلم عن قتيبة بن سعيد ، عن اللَّيث ، كلاهما
عن نافع .
والعمل على هذا عند عامة أهل العلم أن بيعَ نتاج النتاج لا يجوز ،
لأنه معدومٌ مجهول، وكان من بيوع أهل الجاهلية . ولو باع شيئاً بثمن
معلوم إلى نتاج الدابة ، فباطل أيضاً للأجل المجهول.
وروى مالك عن ابن شهابٍ ، عن سعيد بن المسيِّب أنه قال :
لا ربا في الحيوان، وإنما نُهيَ من الحيوان عن ثلاثة : عن المضامين ،
والملاقيح، وعن حبلِ الخبلة والمضامين: بيع ما في بطون إناث الإبل
والملاقيح: بيع ما في ظهور الجمال (١).
وحَبل الحبلة : بيعٌ كان أهل الجاهلية يتبايعونه ، كان الرَّجل منهُم
يَبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تُنتج التي في بطنها.
قال أبو عبيد : الملاقيحُ: المحمولات في البطن وهي الأجنة، والواحدة
منها مَلقوحة ، والمضامين : ما في أصلاب الفحول .
٢١٠٨ - أخبرنا محمد بن الحسن المير بند كشائي، أنا أبو العباس
أحمد بن محمد بن سراج ، أنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سُليمان ، أنا علي
ابن عبد العزيز المكي ، أنا أبو عبيد القاسم بن سلام ، حدثني زيد بن
الحباب ، عن موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار
عَنِ أَبْنِ عُمَرَ، عَنِ النّبِيِّ ◌ِِّ أَنْهُ نَهَى عَنِ المَجْرِ (٣)
(١) ((الموطأ)) ٦٥٤/٢ وإسناده صحيح .
(٢) وأخرجه البيهقي في ((السنن)) ٣٤١/٥ من طريق أبي عبيد
وإسناده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة الربذي وقد تفرد به فيما قاله
البيهقي والبزار. قال الحافظ في ((التلخيص)) ١٦/٣: وهو معترض بما

- ١٣٨ -
قال أبو زيد: المجرُ: أن يُباع البعيرُ أو غيرُ بما في بطن الناقة.
٢١٠٩ - أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النُّعيمي
أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل، نا مدّد ، نا عبد الوارث
وإسماعيل بن إبراهيم ، عن علي بن الحكم ، عن نافع
عَنِ ابْنٍ مُمَرَ قَالَ: نَهَى النَّبِيِّ نَّهِ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ(١)
هذا حديثٌ صحيحٌ .
وأخرجه مسلم من رواية جابر قال: نهى رسول الله مَ لحمه عن بيع
ضراب الجمل .
قال الإمام رحمهُ الله : العسب : هو ضرابُ الفحل ، ويروى : هى
عن تشبر(٢) الجمل وهو الضّرابُ أيضاً. والمراد من النهي هو الكراء الذي
يُؤخذ على ضرابه، كما صرح في حديث جابر أنه نهى عن بيع ضراب
الجمل، فعبر بالعسب عن الكراء ، لأنه سببٌ فيه، إذ نفسُ الضّراب
والإنزاء غير حرام ، لأن بقاء النسل فيه ، وقيل: العسبُ هو الكراء
الذي يؤخذ على الضِّراب، يُقال: عسبتُ الرجل أعسيهُ عسباً: إذا أعطيته
الكراء على ذلك . وأراد به أنه لو استأجر فحلًا للإنزاء لا يجوز، لما
فيه من الغور ، لأن الفحل قد يضربُ وقد لا يضرب ، وقد تلقح الأنثى
وقد لا تلقح ، وقد ذهب إلى تحريمه أكثرُ الصّحابة والفقهاء ، ورخص فيه
أخرجه عبد الرزاق عن الأسلمي ، عن عبد الله بن دينار ، لكن الأسلمي
أضعف من موسى عند الجمهور ، وذكر البيهقي أن ابن إسحاق رواه عن
نافع عن ابن عمر أيضاً .
(١) البخاري ٣٧٩/٤ في الإجارة : باب عسب الفحل، ومسلم
(١٥٦٥) (٣٥) في المساقاة : باب تحريم فضل بيع الماء الذي يكون
بالفلاة .
.(٢) في ( ب ) شربر وهو خطأ.
٠٠

- ١٣٩ -
الحسن وابن سيرين وعطاء ، وهو قولُ مالك قال : لأنه من باب المصلحة
ولو مُنع منه، لا نقطع النسل ، وهو كالاستئجار للإرضاع ، وتأبير
النخل ، وما نهت السنة عنه ، فلا يجوز المصير إليه بطريق القياس .
أما إعارة الفحل للإنزاء وإطراقهُ، فلا بأس به ، ثم لو أكرمهُ المستعير بشيء
يجوز لهُ قبول كرامته، فقد رُوي أنّ النبي يَلتم مُسْل ما حق الإبل؟
قال: (( حلبُها على الماء، وإعارةُ دلوها، وإعارة فعلها)) (١).
وُرُوي عن أنس بن مالك أن رجلاً سأل النبي مَ لُ عن عسب الفحل
فنهاه، فقال: يا رسول الله إنا نُطرِقُ الفحل، فتكرمُ ، فرخص له
في الكرامة (٢) قال معمر عن قتادة: إنهُ كره عسبُ الفعل لمن أخذه
ولم ير به بأساً لمن أعطاهُ.
(١) أخرجه مسلم (٩٨٨) في الزكاة: باب إثم مانع الزكاة من
حديث جابر رضي الله عنه .
(٢) أخرجه الترمذي ( ١٢٧٤ ) وحسنه وهو كما قال .

باب
٠٠٠
النهي عن يع ما ليس عنده
٢١١٠ - أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي، أنا عبد العزيز
ابن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ( ح) وأخبرنا أحمد بن عبد الله
الصّالحي ومحمد بن أحمد العارف، قالا: أنا أبو بكر الجيري ، نا أبو
العبّاس الأصم، أنا الربيع ، أنا الشافعي، أنا الثقة ، عن أيوب ، عن
يوسُف بن ماَك
عَنْ حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: نَافِي رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَنْ
بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدِي (١)
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن ، ورواهُ عن قتيبة عن حماد بن
زيد ، عن أبوب . ورُوي عن أبي بشر ، عن يوسف بن ماهك ، عن حكيم
ابن حزام قال : يا رسول الله يأتيني الرجْلُ، فيريدُ مني البيعَ ، وليس
عندي فأبتاعهُ لهُ من السوق؟ قال: ((لا تبيع ما ليسَ عندك))(٢).
قال الإمام : هذا في بُيُوع الأعيان دونَ بيوع الصِّفات ، فلو قبل
(١) الشافعي ١٥٦/٢، وأخرجه الترمذي (١٢٣٣) من حديث
حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن يوسف بن ماهك به ، وهذا إسناد صحيح
وحسنه الترمذي .
(٢) أخرجه الترمذي (١٢٣٢)، وأخرجه أبو داود (٣٥٠٣)،
والنسائي ٩٢٨/٧ وإسناده صحيح . وفي الباب عن عبد الله بن عمر عند
أحمد (٦٦٢٨) و. (٦٦٧١)، وأبي داود (٣٥٠٤)، والنسائي ٢٨٨/٧،
: