Indexed OCR Text
Pages 41-60
- ٤١ - يحلُّ لهُ أن يُفارِقَ صاحبهُ خشية أن يستقيلهُ)) (١) ففيه دليل على أنّالمراد من التفرق تفرق الأبدان، وقوله: ((خشية أن يستقيله)) أراد: خشية أن يفسخ العقد ، فيكون بمنزلة الاستقالة، لأن الإقالة لا تعلق لها بمجلس العقد ، بل يجوز بعد التّفرق كما يجوز قبله، وقوله في الحديث: ((إلا بيع الخيار)) معناه أن يقولَ أحدُهما لصاحبه: اختر، فيقولَ: اخترتُ ، فيكون هذا إلزاماً للبيع منها، وإن كان المجلسُ قائماً، ويسقط خيارهما. وتأوَّلهُ بعضهم على خيار الشرط، وقال: هذا استثناءٌ يرجع إلى مفهوم مدة الخيار معناه: كلُّ واحدٍ منهما بالخيار ما لم يتفرَّقا، فإذا تفرقا ، لزم البيع إلا أن يتبايعا بشرط خيار ثلاثة أيام ، فيبقى خيار الشرط بعد التّفرق وهذا تأويل بَعِيدٌ، لأن الاستثناء يرجعُ إلى ما ظهر من الكلام ، وظاهر الكلام إثبات الخيار ، والاستثناء من الإثبات نفي ، ومن النفي إثبات ، والدليل على ذلك ما ٢٠٤٨ - أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوُسف، نا محمد بن إسماعيل ، نا أبو النعمان ، نا حماد بن زيد ، نا أيوب ، عن نافع عَنِ ابْنِ مُمَرَ قَالَ: قَالَ الْنِيُّ بِهِ: (( البَيْعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَ وَ يَقُولُ (٢) أَحْدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَخْتَرْ)) (٣). (١) أخرجه أحمد (٦٧٢١) وأبو داود (٣٤٦٥) والترمذي (١٢٤٧) والنسائي ٢٥١/٧، ٢٥٢ وإسناده حسن . (٢) قال الحافظ : كذا هو في جميع الطرق باثبات الواو في ((يقول)) وفي اثباتها نظر، لأنه مجزوم عطفاً على قوله ((ما لم يتفرقا)) فلعل الضمة أشبعت كما أشبعت اليّاء في قراءة من قرأ ( إنه من يتقي ويصبر ) ويحتمل أن تكون بمعنى : الا أن ، فيقرأ حينئذ بنصب اللام ، وبه جزم النووي . (٣) البخاري ٢٧٤/٤، ورواية موسى بن إسماعيل أخرجها أبو داود ( ٣٤٥٥)، ورواية ابن جريج أخرجها مسلم (١٥٣١) (٤٥). - ٤٢ - وقال موسى بن إسماعيل، عن حماد: ((أو يَقولُ أحدُهما لِصاحِيه: اختر")) وقال ابن جريج عن نافع: ((أو يكون بيعُها عن خيار ، فإذا كان بيعُهما عنْ خيارٍ ، فقد وجب البيعُ . فثبت بهذا الحديث أن المراد من الخيار اختيارُ لزوم البيع قبل التفرق . وتأولهُ بعضهُم على ما إذا باع ، وشرط فيه نفي خيار المكان يَصحُّ البيع، ولا يثبت خيار المكان . واختلف قول الشافعي في صحة هذا البيع ، فلا يصح في قول ، ويصح في الآخر ، ولاخيار . ٢٠٤٩ - أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النُّعيمي أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، ناقتيبة ، نا ليت ، عن نافع عَنِ أَبْنِ مُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللهِِّ قَالَ: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجِلاَنِ، فَكُلْ وَاحِدٍ مِنْهَا بِالْخِيَارِ مَاَلمْ يَتَفَرَّقَا، وَكَنَا تجميعاً أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتْبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهَا الْبَيْعَ ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ)) . هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجهُ مُسلم أيضاً عن قتيبة. (١) البخاري ٢٧٩/٤ في البيوع: باب اذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع فقد وجب البيع ، ومسلم ( ١٥٣١) (٤٤) في البيوع : باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين . - ٤٣ - ٢٠٥٠ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أنا أبو الحسن علي ين عبد الله الطّيسفوني ، أنا عبد الله بن عمر الجوهري ، نا أحمد ابن علي الكُشميهني ، نا علي بن مُجر، نا إسماعيل بن جعفر ، نا عبد اله بن دينار أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ مُمَرَ بَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِه ◌ِلِ: ( كُلُّ بَيْعَيْنِ لاَ بَيْعَ بَيْنَهَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا إِلاَّ بَيْعَ الْخَيَارِ ) . هذا حديثٌ متفقٌ على صحته (١) أخرجهُ محمد عن محمد بن يوسف عن سُفيان، عن عبد الله بن دينار، وأخرجه مُسلم عن علي بن ◌ُجر. قال الإمام : هذا الحديث يدلُ على أن الملك لا يحصُل للمشتري إذا كان في البيع خيارٌ، واختلف قول الشافعي فيه، فأصحُ أقاويل : أن الخيار" إذا كان لها مثل خيار المكان، أو خيار الشرط إذا شرط لهما، أن الملك موقوف، فإن تم البيعُ بينهما يحكم بأن الملك كان للمشتري وما حصل من الزوائد في زمان الخيار فله، وإن فسخ العقد 'ُحكم بأن الملك كان البائع، وله الزوائد، وتصرفُ المشتري فيه غير نافذ في مُدة الخيار، وَقصرفُّ البائع فلفذ، وهو فخٌ البيع من جهته، وإن كان الخيار" لأحدهم) فالملك لمن له الخيار، ولا ينفذ تصرُّفُ الآخر فيه قبل مُضي الخيار، أما منْ له الخيارُ إذا تصرَّف، فإن كان الخيارُ البائع، فتصرُّفهُ نافذ، وهو فسخ من جهته، وإن كان للمشتري ، فتصرفه نافذ ٠(١) البخاري ٢٨٠/٤ في البيوع: باب إذا كان البائع بالخيار هل يجوز البيع، ومسلم (١٥٣١) (٤٣). - ٤٤ - وهو إجازة، وإلزام" للبيع. قد اشترى النبي ◌ِ القَلِ بكراً من عمر ، فقال لعبد الله بن عمر: ((هُو لك يا عبد الله بن عمر تصنعُ به ما شئتَ))(١) فكان هذا هِيةٌ قبل التفرق . قال طاووس فيمن يشتري الساعة على الرضى ثم باعها : وجبت له ، والربح له . ٢٠٥١ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النُّعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، حدَّثني سُليمان ابن حربْ، نا شعبة ، عن قتادة ، عن صالح أبي الخليل عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ رَفَعَهُ إلَى حَكِيْمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: قَالَ رَّسُولُ اللهِّهِ: « الْبَيْعَانِ بِالْخِيَارِ مَالَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ: حَتَّ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيّا، بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَ، وَإِنْ كَمَّا وَكَذَبَا، ◌ُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِيماً)) . هذا حديثٌ متفقٌ على صحته (٢) أخرجه مسلم عن محمد بن مثنى عن يحيى بن سعيد ، عن شعبة . (١) أخرجه البخاري ٢٨٢/٤ و١٦٧/٥، وقول طاووس الذي بعده علقه البخاري ٢٨٢/٤ عنه بصيغة الجزم . (٢) البخاري ٢٦٣/٤ في البيوع : باب إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا ، وباب ما يمحق الكذب والكتمان في البيع ، وباب كم يجوز الخيار ، وباب البيعان بالخيار مالم يتفرقا ، وباب إذا كان البائع بالخيار هل يجوز البيع، ومسلم ( ١٥٣٢ ) في البيوع : باب الصدق في البيع والبيان. وقوله: ((صدقا)) أي من جانب البائع في السوم ، ومن جانب المشتري في الوفاء، وقوله ((بينا)) أي لما في الثمن والمثمن من عيب فهو من جانبيهما . - ٤٥ - قال الإمام : في الحديث بيانُ أنَّ على البائع إذا علم بما باع عيباً أن لا يكتمهُ، قال العدّاء بن خالد: كتب لي النبي ◌ُّم: ((هذا ما اشترى محمد رسول الله من العدّاء بن خالدٍ بيعَ المسلم المسلم لا داء ، ولا خِيئة، ولا غائلة)) (١). قال قتادة : الغائلة : الزنا والسّرقة والإباق (٢). وقيل : معنى الغائلة : الحيلة ، أي : لا حيلة عليك في هذا البيع ، يُغتالُ بها مالك ، يقال: اغتالني فلانٌ: إذا احتال بجيلة يُتلف بها مالك ، وأراد بالداء : الجنون والجذام والبرص ونحوها ممّا يُرِدُ به. والحِيثة: ما كان خبيث الأصل بأن يكون الرقيقُ من قوم لا يحل سبيُهم لعهد لهم، وكلّ حرامٍ خبيثٌ. وقال عقبة بن عامر: لا يحلُ لامرىءٍ يبيعُ سلعةٍ يَعلمُ أنّ بها داء إلا أخبر به (٣)، وقيل لإبراهيم: إنّ بعض النخاسين يقول: جاء أمسٍ من خراسان، جاءَ اليوم من سجستان ، فكرههُ كراهية شديدة . (١) علقه البخاري ٢٦٢/٤، ٢٦٣، ووصله الترمذي (١٢١٦) وحسنه وهو كما قال . ٠(٢) ذكره البخاري عقب الحديث، وقال الحافظ : وصله ابن مندة من طريق الأصمعي ، عن سعيد بن أبي عروبة عنه قال ابن قرقول الظاهر أن تفسير قتادة يرجع الى الخبثة والغائلة معاً . (٣) علقه البخاري ٢٦٣/٤، ووصله أحمد ١٥٨/٤، وابن ماجة (٢٢٤٦)، والحاكم ٨/٢ من طريق عبد الرحمن بن شماسة، عن عقبة ابن عامر مرفوعاً بلفظ ((المسلم أخو المسلم لايحل لمسلم باع من أخيه بيعاً فيه عيب إلا بينه له)) وإسناده قوي، وحسنه الحافظ في ((الفتح ) وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي . بإسب خبار الشرط ٢٠٥٢ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو ◌ُصعب ، عن مالك ، عن عبد الله بن دينار عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُمَرَ أَنَّ رجلاً ذَكَرَ لِر ◌َسُولِ اللهِعَلُ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِِّ: ((إِذَا بَيَعْتَ فَقْلْ: لا خِلاَ بَةَ، قَالَ فَكَانَ الْرَّجُلُ إِذا بَايَعَ يَقُولُ: لَآَخِلاَ بَةَ. هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف عن مالك ، وأخرجهُ مسلم عن علي بن ◌ُحُجر وغيره، عن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار . الخلابة: الخديعة، وهي مصدر خلبتُ الرَّجل: إذا خدعته أخلبُهُ "خلباً وَخِلابة"، وفي المثل: ((إذا لم تغليب" فالغلُب)) يقول: إذا أعياك الأمرُ مُغالبة، فاطلبُهُ مخادعة". قال الإمام رحمه اله: قد يحتج بهذا الحديث من لا يرى الحجر على (١) «الموطأ)) ٦٨٥/٢ في البيوع: باب جامع البيوع، والبخاري ٢٨٣/٤ في البيوع : باب مايكره من الخداع في البيع ، وفي الاستقراض: باب ما ينهى عن إضاعة المال، وفي الخصومات : باب من ود السفيه والضعيف العقل وان لم يكن حجر عليه الامام ، وفي الحيل : باب ما ينهى من الخداع في البيوع، ومسلم ( ١٥٣٣) في البيوع : باب من يخدع في البيع . - ٤٧ - الحرّ البالغِ، ولو جاز الحجرُ عليه، لمنعه النبي ◌َّ} من البيع حين علم ضعف عقله، وكثرة غبنه. وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الحر" البالغ إذا كان ◌ُغداً لماله تَسفيها يُحجرُ عليه، وهو قول عليّ وعُثمان والزبير، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق حتى قال الشّافعي: لو كان فاسقاً يُحجرُ عليه، وإن كان غيرَ مُفسد لماله . وقد رُوي في هذا الحديث عن قتادة عن أنس أنّ أهل هذا الرجُل أتوا النبيَّ مَثُ، فقالوا: يارسول الله أحجُرْ عليه، فنهاهُ النبي مَافَعُ، فقال: يارسول الله إني لا أصبر عن البيع قال: ((إذا بايَعتَ فقُل لا خلابة)) (١)، وقيل : كان اسم ذلك الرجل حَبَّانَ بن مُنقذ (٢). واختلف الناسُ في تأويل هذا الحديث، وفي جواز ردّ البيع بالغبن فذهب بعضُهم إلى أنه خاص في أمر حبّان جعل النبي ◌ِ ◌ِّ هذا القول" شرطة في بيُوعه، ليكون له الردّ إذا تبين الغبنُ في صفقته ، وقال بعضهم: الخبرُ عام في حق كافة النّاس إذا ذكر هذه الكلمة في البيع ، كان له الرَّدُّ إذا ظهر الغبنُ في بيعه، وهو قول أحمد، وكان سبيله سبيلّ من باع أو اشترى على شرط الخيار . وذهب أكثرُ الفقهاء إلى أن البيع إذا صدر عن غير محجور عليه ، فلا ردّ لهُ بالغبن، وقال مالك: إذا لم يكن المشتري ذا بصيرة، فله (١) أخرجه أبو داود (٣٥٠١) والنسائي ٢٥٢/٧، والترمذي (١٢٥٠) وقال: حديث حسن صحيح وهو كما قال . (٢) في رواية أحمد من طريق محمد بن إسحاق حدثني نافع عن ابن عمر: كان رجل من الأنصار، وزاد ابن الجارود في ((المنتقى)) ( ٥٦٧) من طريق سفيان عن نافع أنه حبان بن منقذ. وهو بفتح الحاء وتشديد الباء . - ٤٨ - الخيارُ إذا كان مغبوناً، وقال أبو ثور: إذا كان غبناً لا يتغابن النّاس بمثله ، فالبيع فاسد . قال الإمام : والحديث يدل على جواز شرط الخيار في البيع، وذهب أكثرُ أهل العلم إلى أنه لا يجوزُ أكثر من ثلاثة أيام ، فإن تشوط أكثر منها، فسد البيع، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة، لأن الخيار يمنع مقصود البيع ، فكان القياسُ أن لا يُجُوز غير أنّه جوز خيار الثلاث ، لما روي أن النبي ◌ِّ قال: ((مَن اسْتَرى مُصرَّة"، فَهُو بالخيار ثلاثة أيام))(١) فلا يجوز أن يُزادَ عليها إلا بخبر . وقال ابن أبي ليلى : يجوز زائداً بعد أن تكون المدّة معلومة كالأجل، وبه قال أبو يوسف ، وقال مالك : يجوز قدر" الحاجة إليه في معرفة المبيع، ففي الثوب يومان وثلاثة ، وفي الحيوان أسبوعٌ ونحوه ، وفي الدُّور شهر ونحوه، وفي الضيعة سنة ونحوها . ولا يجوز شرطُ الخيار في كل عقد يُشترط فيه قبض العوضين في المجلس مثل عقد الصّرف ، وبيع الطعام بالطعام ، ولا فيما يُشترط فيه قبض أحد العوضين، وهو عقد السَّم، لأن القبض شرطٌ فيها لكي يتفرقا عن عقد لازم لا علاقة بينهما ، وشرط الخيار ينفي هذا المعنى ، ولا يجوز خيارُ الشرط في عقد الإجارة على أُصحّ الوجوه . (١) أخرجه مسلم (١٥٢٤) (٢٤) في البيوع: باب حكم المصراة من حديث أبي هريرة ، وفي حديث حبان بن منقذ عند الحميدي في ((مسنده » (٦٦٢) والبخاري في تاريخه، والحاكم في ((مستدر كه)٢٢/٢ والدار قطني ص ٣١١ من حديث محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر ((إذا بعت فقل لا خلابة وأنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال)) هذا لفظ البخاري ، وقد صرح ابن اسحاق بالسماع عنده ، فالحديث قوي . باب وعبد آكل الربا قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى (الَّذِيْنَ يَأْكُلُونَ الْرَّبَا لاَ يَقُومُونَ إلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْسُ ذَلِكَ بِأَنْهُمْ قَالُوا إِنَّا الْبَيْعُ مِثْلُ آلْرَّبَا) [ البقرة: ٢٧٥] الآية . قَوْلُهُ ( يَتَخَبْطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ اَلَمْسِّ) الْسُّ: الْجُنُونُ، أَيْ: كَمَا يَقُومُ الْجْنُونُ في حَالِ جُنُورِهِ إذا ◌ُرِعَ، وَكُلُّ مَنْ ضَرَّبَهُ الْبَعِيرُ بِيَدِهِ، فَقَدْ خَبَطَهُ وَتَخَبَّطَهُ، وَالْخَبْطُ بِالْيَدَيْنِ، وَالرَّمْحُ بِالرَّجْلَيْنِ، وَالْأَّبْنُ بِالْرُ كَبْتَيْنِ. وَقَالَ عَطَاءُ فِي قَولِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (وَشَارِكْهُمْ في الأمْوَالِ وَالأَوْلَادِ) [الإسراء: ٦٤] قَالَ: الْشِّرْكُ في الأوْلادِ: الْرِّنَا، وَفِي الأَمْوَالِ: الْرِّبَا، وَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ( يَا أَيُّا الَّذِيْنَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الْرِّبَا) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَلا تُظْلَمُونَ) [البقرة: ٢٧٨، ٣٧٩] قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: هَذِهِ آخِرُ آيَة نَوَلَتْ عَلى النَّبِيِ عَ﴾ (١). (١) أخرجه البخاري في (( صحيحه') ١٥٣/٨ شرح السنة : ج ٨ - ٣ ٤ - ٥٠ - وَقَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ) أَيْ: فَاعْلَمُوا، يُقَالُ: أَذِنَ يَأْذَنُ أَذْنَاَ: أَيْ عَلِمَ . وَقَوْلُهُ: ( وَمَا هُمْ بِضَارْيْنَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللهِ). [ البقرة: ١٠٢] أَيْ: بِعِلْمِهِ وَيُقْرَأ ( فَآَذِنُوا)(١)، أَيْ: أَعْلِمُوا مَنْ وَرَاءَكُمْ بِالْحَرْبِ، وَقُولُهُ تَعَالَى: ( يَمْحَقُ اللهُ الْرِّبَا) [ البقرة: ٢٧٥] أَيْ: مُهْلِكُهُ وَيَذْهَبُ بِّرَكَتِهِ». ٢٠٥٣ - أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا القاضي أبو منصور محمد بن عبد الله، أنا أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن إبراهيم القرشي (٢)، نا عثمان بن سعيد الدراميُّ، نا موسى بن إسماعيل ، نا جرير بن حازم ، نا أبو رجاء . عَنْ سَمْرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: كَانَ رَّسُولُ اللهِ عَِّ إِذَا صَلَى الْغَدَاةَ، أَقْبِلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِةٍ، فَقَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ (١) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر (فأذنوا ) مقصورة. مفتوحة الذال، وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم (فآذنوا ) بمد الألف وكسر الذال ، قال الزجاج: من قرأ: ( فأذنوا) بقصر الألف وفتح الذال، فالمعنى أيقنوا ، ومن قرأ بمد الألف وكسر الذال ، فمعناه : أعلموا كل من لم يترك الربا انه حرب . (٢) في ( ب ) القرني وهو خطأ وأبو عبد الله هذا هو راوي كتاب الرد على الجهمية لعثمان بن سعيد . الَّْلَةَ رُوْيَا؟ فَإِنْ كَانَ أَحَدْ رَأَى فِيهَا رُؤْيَا، قَصَّا عَلَيْهِ فَيَقُولُ فِيهَا مَاشَاءَ اللهُ، فَسَأَنَا يَوْماً: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ فَقُلْنَا: لاَ، قَالَ: لَكِنِّي وَأَيْتُ اللّيْلَةَ رُجَلَيْنِ أَتَيَانِي ، فَأَخِذَا بِيَدِي، فَأَخْرَجَاني إلى أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ أَوْ فَضَاءِ. قَوَرْنَا بِرَجُلٍ جَالِسٍ، وَرَّجُلْ قَائِمُ عَلَى رَأْسِهِ، وَبِيَدِهِ كُوبٌ مِنْ حَدِيدٍ يُدْخِلُهُ في شِدْقِهِ، فَيَشْفُهُ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، مُمْ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَتِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فِيْهِ ، فَيَصْنَعُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، قَال: قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالاَ: أَنْطَلِقْ، فَانْطَلْنَا حَتَى أَتَبْنَا عَلى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلى قَفَاهُ وَرَجُلْ قَائِمْ عَلَى رَأيِهِ بِغِهْرٍ أَوْ صَخْرَةٍ يَشْدَحُ رَأُسَهُ فَإِذا ضَرَّبَهُ، تَدَهَدَه الْحَجْرُ فَانْطَلْقَ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَلاَ يَرْجِعُ إلى هَذَا حَتَّى يَلْتَتِمَ رَأْسُهُ، وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، فَعَادَ إلَيْهِ فَضَرَبَهُ، فَهُوَ يَفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالاً : انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنا حَتَّى أَتَيْنا إلى بَيْتٍ قَدْ بَنِيَ بِنَاءِ آَتْنُورِ، أَعْلَهُ ◌َيْقٌ، وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ، تُوقَدُ تَتَهُ نَارٌ، فإذا أُوقِدَتْ، أَرْ تَفَعُوا حتى كادوا يخرجون منها ، فإذا نحَدَت ، وجعُوا فِيها ، وفِيهَا وِجَالٌ وَفَِّاءُ عُرَاءٌ، فَقُلْتُ: مَا هَذا؟ قَالاَ: انْطَلِقْ، - ٥٢ - فَأَنْطَلَقْنَا حَتّى نَأْتِيَ عَلى نَرٍ مِنْ دَمِ، فِيهِ رَجُلْ قَائِمٌ، وَعَلى شَطُ النَّهْرِ رُجُلٌ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقَبَلَ ذلكَ الرّجلُ الَّذِي فِي النَّهرِ ، فإذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ، وَمَى الرّجلُ بِحِجَرٍ في فِيهِ ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءٌ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَقُلْتُ لَّمَ: مَا هَذَا؟ قَالاَ: أَنْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَنْتَهَيْنَا إِلَى رَوضَةٍ خَضْراءَ ، فِيَهْا شَجَرَةٌ عَظِيْمَةٌ في أَصْلِها شَيْخٌ وَصِبْيانٌ ، وَإذا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَّهِ ثَارٌ يَحْثُّها ويُوقِدُهَا، فَصَعِدَا بِي فِي الشَّجَرَةِ، فَأَذْخَلانِي دَاراً وَسْطَ الشَّجَرَةِ، فَلَمْ أَرَ دَاراً قَطُ أَحْسَنَ مِنْهَا ، فِيَهَا رِجَالْ شُيُوخْ وُثْبَّانٌ، وَفِيهَا نِسَاءُ وَصِبْيانٌ، ثُمْ أَخْرَجَانِي مِنْها، فَصَعِدا بِي الشَّجَرَةَ ، فَأَدْخَلاَنِي دَاراً أُخرى هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَى وَأَفْضَلُ، فِيهَا شُيُوخْ وَشَبَابٌ، فَقُلْتُ لَهُمَ: إِنْكُمَا قَدْ طَوْفْتُمَنِي مُنْذُ الَّيْلَةِ ، فَأَخْبِرِانِي عَمَّا رَأَيْتُ ؟ قَالا: نَعَمْ . أَمَا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيتَ يُشَقُّ شِدُهُ، فَإِنَّهُ رُجُلٌ كَذَابٌ يَتَحَدَّثُ بِالكَذْبَةِ فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ، فَهُوَ يُصْنَعُ بِهِ مَا تَرَى إِلى يَوْمِ القِيامَةِ. وَأَمَا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ، فَإِنْ ذَلِكَ رَّجُلٌ عَلَمَهُ اللهُ الْقُرْآنَ، فَتَامَ عَنْهُ بِاللّيْلِ، وَلَمْ يَعْمَلْ بِا فِيهِ - ٥٣ - بِالنّهارِ، فَهُوَ يُعْمَلُ بِهِ مَارَأَيْت إلى ◌َوْمِ الْقِيامَةِ. وَأَمَّا الّذِي وَأَيْتَ فِي الْبَيْتِ وَالْنُورِ، فَهُمُ الْزُّنَةُ، وَأَمَا الَّذِي رَأَيْتَ في نَهْرِ الْدَّمِ، فَذَاكَ آكِلُ آلْرَبَا، وَأَمَا الشَّيْخُ الْذِي رَأَيْتَ في أَصْلِ الشَّجَرَةِ ، فَذَاكَ إِيْرَاهِيمُ . وَأَمَّا الْصّبْيَانُ الَّذِي رَأَيْتَ حَوْلَهُ، فَأَوْلاَدُ النَّاسِ، وَأَمَّا النَّارُ الَّي رَأَيْتَ، وَالرّجلُ يُوقِدُهَا فَتِلْكَ النَّارُ، وَذَلكَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، وَأَمَّا الْدَّارُ الأُولَى الَّي دَخَلْتَ ، فَدَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنْنَ، وَأَمَا هَذِهِ الدَّارُ، فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وأُنا جِبْرِيلُ وَهَذَا مِيكَائِيلُ، ثُمَّ قَالاَ: إِرْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ، قَالاَ: ذَاكَ مَنْزِلُكَ، فَقُلْتُ دَعَانِي فَلْآَتِي مَنْزِي، فَقَالاَ: إِنَّهُ قَدْ بَقِيَ لَكَ عَلْ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ بَعْدُ ، فَلَوْ قَدٍ أَسْتَكْمَلْتَهُ أَيْتَ مَتْزِلَكَ ، . هذا حديثٌ صحيحٌ أخرجهُ محمد(١) عن موسى بن إسماعيل والكلُوب: هو الكُلاب، والجمع كلاليب، ويروى ((فيُشرشر شدقهُ) .(١) هو في ((صحيحه)) ٢٠٠/٣ في الجنائز: باب ماقيل في أولاد المشركين وفي صفة الصلاة : باب يستقبل الإِمام الناس إذا سلم ، وفي التهجد . باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصل الليل ، وفي البيوع : باب آكل الربا وشاهده وكاتبه ، وفي الجهاد : باب درجات المجاهدين في سبيل الله ، وفي بدء الخلق : باب ذكر الملائكة ، وفي الأنبياء: - ٥٤ - ومعناه : تَشقهُ وبقطعُه . تدهّدة ويروى يتدهدى، أي: يتدحرج ودهده ودهدى ، أي: دحرجّ. وقوله : نار يُحُشها ، أيْ: يوقدها . ٢٠٥٤ - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أنا عبد الغافر بن محمد ، أنا محمد ابن عيسى الجلودي، نا إبراهيم بن محمد بن سفيان، نا مسلم بن الحجّاج، نا عثمان بن أبي شيبة ، نا هشيم ، نا أبو الزبير عَنْ جَابِرٍ لَعَنَ دَّسُولُ اللهِعَلَِّ آ كِلَ الرَّا وُوكَلَهُ، وَكَاِبَهُ وَشَاعِدَيْهِ وَقَالَ « هُمْ سَوَاءِ، هذا حديث صحيح(١) وَرواهُ عبد الله بن مسعود، عن النبي عَ لَّهِ، ورُوي ذلك عن عمر ، وعلي . وقال عبد الله بن سلام: الرَّبا اثنان وسبعون "حُوباً أصغرها حُوباً كمنْ أتى أمْه في الإسلام، وَدِرْثَمّ من الرِّبَا أشده من بضعٍ وثلاثين زنيْةٍ، قال: ويأذنُ الله بالقيام للبر" والفاجر يوم" باب قول الله تعالى: (واتخذ الله ابراهيم خليلا ) وفي تفسير سورة براءة ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم ) وفي الأدب : باب قول الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) وفي التعبير : باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح . (١) هو في صحيح مسلم ( ١٥٩٨) في المساقاة: باب لعن آكل الربا وموكله ، وحديث عبد الله بن مسعود أخرجه مسلم ( ١٥٩٧ ) من حديث مغيرة قال : سأل شباك ابراهيم ، فحدّثنا عن علقمة ، عن عبد الله قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله . قال : قلت : وكاتبه وشاهديه ؟ قال : إنما نحدث بما سمعنا . ورواه أبو داود والترمذي وصححه وابن ماجة، وابن حبان في ((صحيحه )) بزيادة ((وشاهديه وكاتبه)) من رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه ولم يسمع منه . القيامة إلا آكِلَ الرِّبًا، فإنه لا يقومُ إلا كما يقومُ الذي يتخبطُّهُ الشيطانُ من المس"(١). ٢٠٥٥ - أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد الحنيفي ، أنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عبدوس إملاءً ، أنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن الشرقي ، نا محمد بن يحيى ، نا موسى بن داوود ، نا عبد الله ابن زياد الثقفي ، عن داوود بن أبي هند ، عن سعيد بن أبي خيرة ، عن الحسن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ " يَأْتِي عَلىَ النّاسِ زَمَانٌ لاَ يَبْقَى أَحدُ إِلاَّ أَكَلَ آلْرِّبَا، فَنْ لَمْ يَأْكُلّهُ أصَابَهُ مِنْ عُبَارِهِ، (٣). (١) ذكره المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ٥٠/٣ ونسبه الى ابن أبي الدنيا والبغوي وغيرهما من قول عبد الله بن سلام وأخرجه ابن ماجة ( ٢٢٧٥ ) من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعاً بلفظ ((الربا ثلاثة وسبعون باباً)) وإسناده صحيح وأخرج أحمد ٢٢٥/٥ من حديث عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية)). وإسناده صحيح، وروى الحاكم في ((المستدرك)) ٣٧/٢ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه ، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم)) وصححه على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي ، وصححه الحافظ العراقي . (٢) وأخرجه أبو داود ( ٣٣٣١ ) في البيوع: باب في اجتناب الشبهات ، وابن ماجة ( ٢٢٧٨)، والنسائي ٢٤٣/٧ وفيه انقطاع ، لأن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ، وأخرج البخاري في «صحيحه)) ٢٥٣/٤ من حديث أبي هريرة مرفوعاً (( يأتي على الناس زمان لايبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام). ـاب بيان مال الرباوحكم ٢٠٥٦ - أخبرنا أبو الحسن عبد الوهّاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز ابن أحمد الخلال ، نا أبو العباس الأصم ( ح) وأنا أحمد بن عبد الله الصَّالحي ، ومحمد بن أحمد العارف ، قالا : أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الجيري ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشّافعي، أنا عبد الوهّاب ، عن أيوب بن أبي تميمة ، عن محمد بن سيرين ، عن مُسلم بن يَسارٍ ورجُلٍ آخر عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّمِتِ أنَّ رَسُولَ اللهِّمُ قَالَ: ((لاَ تَبِيعُوا الْذَّهَبَ بِالْذَّهَبِ ، وَلاَ الْوَرِقَ بِالوَرِقِ، وَلَ البِرَّ بِالْبُرْ، وَلاَ الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ، وَلاَ الثَّمْرَ بِالْمْرِ، وَلاَ المِلْحَ بِالْلَحِ، إلاَ سَوَاءَ بِسَوَاءِ، عَيْناً بِعَيْنِ يَدَاً بِيَدٍ ، وَلكِنْ بِيعُوا الْذَّهَبَ بِالوَرِقِ ، وَالوَرِقَ بِالذَّهَبِ، وَالِبْرَّ بِالشَّعِيرِ، وَالشَّعِيرَ بِالْبُرْ ، وَالَّمْرَ بِالِلْحِ، وَالِمِلْحَ بِالثَّمْرِ يَدأَ بِيَدِ كَيْفَ شِئْتُمْ، وَنَقْصَ أَحَدُهُما الِلْحَ وَالثَّمْرَ، وَزَادَ أَحَدُهُما ((مَنْ زَادَ أَوْ أَزْدَادَ فَقَدْ أَرْبى)»(١). (١) الشافعي ١٧٧/٢، ١٧٨، ومسلم (١٥٨٧) في المساقاة : باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً ، وأخرجه أبو داود ( ٣٣٤٩ ) في البيوع : باب في الصرف ، والترمذي ( ١٢٤٠) في البيوع : باب ما جاء - ٥٧ - ورُوي هذا الحديثُ من طرق عن محمد بن سيرين ، عن مُسلم بن يَسار ، وعبد الله بن ◌َتيك ، عن جابر . قال الإمام : هذا الحديث صحيح أخرجه مسلم من طريق أبي قلابة ، عن أبي الأشعث ، عن عبادة بن الصامت . والرَّبا في اللغة: الزيادة، قال الله سبحانه وتعالى: (وما آتيْتُمْ مِنْ رِباً لِيربوّ في أموال النّاس ) أي: ليكثر ( فلا يَرِبُوا عِندَ اللهِ ) [ الرُّوم: ٣٩] أي: لا يَنميي، وقوله عز وجلَّ (أخذة" رابية") أيْ : زائدة على الأخذات ، والمحرمُ في الشّريعة زيادة على صفة مخصوصة . واتفق العلماءُ على أنَّ الرَّبا يجري في هذه الأشياء الستة التي نصّ الحديثُ عليها ، وذهب عامةُ أهل العلم إلى أن حكم الرِّبا غيرُ مقصور عليها بأعيانها ، إنما ثبت الأوصاف فيها، ويتعدى إلى كُلِّ مال تُوجدُ فيه تلك الأوصافُ، ثم اختلفوا في تلك الأوصاف، فذهبَ قومٌ إلى أنْ المعنى في جميعها واحدٌ ، وهو النفع، وذهبَ أكثر أهل العلم إلى أنّ الرّبا ثبت في الدراهم والدنانير بوصف، وفي الأشياء المطعومة بوصف آخر . واختلفوا في ذلك الوصف ، فقال قومٌ : ثبت في الدّراهم والدَّنانير يوصف النقديّة، وبه قال مالك والشافعي، وقال قومٌ : ثبت بعلة الوزن، وهو قول أصحاب الرّأي حتى قالوا: يثبت الرّبا في جميع ما يُباع وزناً في العادة مثل الحديد والنحاس والقطن ونحوها . والدليلُ على أنّ الوزن لا يجوز أن يكون علةً إتفاقُ أهل العلم على أنه يجوز إسلام الدراهم والدَّنانير في غيرهما من الموزونات ، ولو كان الوزن علة، لكان لا يجوز ، لأن كل مالينٍ اجتمعا في علة الرّا لا يجوز إسلام أن الحنطة بالحنطة مثلا بمثل، والنسائي ٢٧٤/٧، ٢٧٥، وابن ماجة (٢٢٥٤) في التجارات : باب الصرف ومالا يجوز متفاضلا يدا بيد . - ٥٨ - أحدهما في الآخر، كما لا يجوز إسلامُ الدَّراهم في الدَّنانير، وإسلامُ الحنطة في الشعير، لاتفاقها في عدة الرّبا يخرج منه أنه لو باع وطل حديد بر طلين . أو رطل نحاس أو صُفُر بأرطال من جنه يجوزُ عند الشافعي نقداً ونسيئة، ويجوز عند مالك بداً بيد ، ولا يجوز نسيئة ، ولا يجوز عند أصحاب الرأي لا نقداً ولا نسيئة. قال شعبة: سألت الحكم عن الصُّفر بالحديد نسيئة ، فقال: لا بأسَ به، وسألت عنه حماداً فكرههُ . وأمَّا الأسْياءُ الأربعة المطعومة، فذهب قومٌ إلى أنَّ الربا ثبت فيها بوصف الكيل ، وهو قول أصحاب الرأي حتى قالوا : يثبت الرِّبا في جميع مايُباع كيلاً في العادة ، مثل الجصٍ والنورة ونحوهما . وذهب جماعة إلى أن العلةَ فيها الطُّمْ مع الكيل أو الوزن ، فكل مطعوم هو مكيل أو موزون يثبت فيه الرّبا، ولا يثبت فيا ليس بمكيل ولا موزون، وهو قولُ سعيد بن المسيِّب قال: لا ربا إلا في ذهب أو ورق أو ما يُكال أو يوزن مما يؤكل أو جُشرب (١)، وقاله الشافعي قديماً ، وقولٌ مالك قريب منه . وقال في الجديد : يثبت فيها الربا بوصف الطعم ، وأثبت في جميع الأشياء المطعومة ، مثل الثمار والفواكه والبقول والأدوية ونحوها ، سواء كانت مكيلة أو موزونة ، أو لم تكن لما روي عن معمر بن عبد الله قال: كنت أسمعُ رسولَ الله ◌ِ الحمل يقول: ((الطَّعَامُ بالطّعَامِ مثلاً بمثل)) (٢) فالنبيُ عَ الم علق الحكم باسم الطعام، (١) أخرجه عنه مالك في ((الموطأ)) ٦٣٥/٢ وأسناده صحيح، وأخرجه الدار قطني في « سننه» ٢٩٤/٢ مرفوعا، وهو على أرساله فيه المباركين مجاهد وهو ضعيف ، ومع ضعفه ، فقد أنفرد عن مالك برفعه ، والناس رووه عنه موقوفا . (٢) أخرجه مسلم في («صحيحه» (١٥٩٢) في المساقاة : باب بيع الطعام مثلا بمثل . - ٥٩ - والطَّعامُ اسمٌ مشتقٌ من الطُعم، وكل حكم عُلق باسمٍ مشتق من معنى" يكونُ ذلك المعنى علةً فيه، كما قال الله مُسبحانه وتعالى: (الزَّانِيةُ والزّانِي فاجْلِدوا كلّ واحدٍ مِنهما مائة جلدةٍ ) [ النور: ٢] وقال ( والسّرقُ والسَّارِقِةُ فاقطُعُوا أَيْدِ يَهُمَا) [المائدة: ٣٨] والزاني والسارق اسمانٍ مُشْتقان من الزِّفى، والسرقة، فلما علق وجوب الجلد والقطع باسم الزاني والسارق ، كان الزّنى والسرقة علة" في وجوبها، ولأن الشرع لما ضمّ الملح الذي هو أدنى ما يُطعم إلى البُرّ الذي هو أعلا المطعومات دلّ ذلك على أنّ ما بين النوعين من المطعومات لاحقٌ بها. أمّا حكم الرّبًا: هو أنه إذا باع مال الرِّبا بجنسه، فلا يجوز إلا متساويين في معيار الشرع ، فإن كان موزوناً مثل الدراهم والدنانير ◌ُشترط المساواة في الوزن، والتفاوت في الكيل لا يمنع العقد، وإن كان مكيلاً مثل الحنطة والشعير ونحوهما، فتشترطُ المساواة في الكيل حتى لو باع أحد النقدين بجنسه كيلاً أو شيئاً من الموزونات المطعومة بجنسه كيلاً ، أو باع الحنطة بالحنطة ، أو شيئاً من المكيلات المطعومة بجنه وزناً ، لا يصح العقدُ كما لو باع مجازفة". وكما تُشترط فيه المساواة في معيار الشرع بشترط فائض في مجلس البيع ، حتى لو تفرقا قبل التقابُضِ يفسُد العقد . وإذا باع مال الربا بغير جنسه ، نظر إن باع بما لا يوافقه في وصف الربا مثل أن باع حنطة أو شعيراً بأحد النقدين ، فلا تشترط فيه المساواة ، ولا التقابضُ في المجلس، كما لو باع بغير مال الربا ، وإن باعه بما يوافقه في الوصف مثل أن باع الدراهم بالدنانير ، أو باع الحنطة بالشعير ، أو مطعوماً مطعوم آخر من غير جنسه ، فيجوز متفاضلا وجزافا ، ولكن يشترط التقابضُ في المجلس. قوله في الحديث ((إلا سواء بسواء)) فيه إيجابُ المائلة، وتحريمُ الفضل. - ٦٠ - وقوله: ((عيناً بعين)) فيه تحريم النّساء، وقوله: ((يَدأَ بيد)) فيه إيجاب التقابض في المجلس. وقوله في آخر الحديث (( يداً بيد كيف سُئتم)) فيه إطلاق التفاضل عند اختلاف الجنس مع إيجاب التقابض . وقوله: ((من زاد أو ازداد، فقد أربى)) يعني من أعطى الزيادة أو أخذها، كما روي أنه لعنَ آكل الرِّبا وموكله. وذهب عامة أهل العلم إلى أن بيع الحنطة بالشعير يجوز مُتفاضلًا إلا ما ◌ُحكي عن مالك أنه قال : لا يجوز إلا مُتساويين في الكيل كبيع الحنطة بالخنطة، ويُروى مثلهُ عن سليمان بن يسار أن سعد بن أبي وقاص فنيَ علفُ حماره ، فقال لغلامه : خذ من حنطة أهلك طعاماً ، فابتع به سعيراً ولا تأخذ إلا مثله، والحديث حجة عليه حيث قال: ((ولكن بيعوا الذهب بالورقٍ، والبُر بالشعير يداً بيد كيف ستم)) . وذهب أصحاب الرأي إلى أنّ التقابضَ في المجلس في بيع مال الربا بجنسه ليس بشرط إلا في الصرف، وهو بيعُ أحد النقدين بالآخر أو بجنسه، والحديثُ حجة عليهم حيث قال ◌َ اللَّه: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا البُرَّ بالبُرّ)» إلى أن قال: ((إلا يداً بيد)) وقال في اختلاف الجنس : ((ولكين بيعوا الذّهب بالورق، والبُر" بالشعير يداً بيد)) ثم قوله: ((يدأ بيد)) محمولٌ على ايجاب التقابض في المجلس في الصرف من هذه العقود ، فكذلك في غير الصّرف منها . ويقال: كان في الابتداء حين قدم النبي عَو ◌ّ المدينة بيع الدّام بالدّراهم ، وبيع الدّانير بالدّنانير متفاضلًا جائزاً بداً بيد ، ثم صار منسوخاً إلى ايجاب الماثلة ، وقد بقي على المذهب الأوّل بعض الصحابة ممن لم يبلغهمُ النسخ، كان منهم عبد الله بن عباس ، وكان يقول: أخبرني