Indexed OCR Text
Pages 281-300
: باب الحرم يأتي امرأته ١٩٩٦ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي ، أنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطَّيفوني ، أنا عبد الله بن عمر الجوهري، نا أحمد بن علي الكُشمِيهني ، نا علي بن مُجر ، نا إسماعيل بن جعفر، نا حميد عَنْ أَبِي الْطُغَيْلِ عَامِرِ بْنِ واِلَةَ أَنَهُ كَانَ فِي خَلَقَةٍ مَعَ أَبْنِ عَبَّاسٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ ، فَذَكَرَ أَنَّه وَقَعَ عَلى أَمْرَأَتِهِ وَهُوَ مُخْرِمٌ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ أَتَيْتَ عَظِيْماً قَالَ : وَالْرَّجلُ يَبْكِي، فَقَالَ: إِنْ كَانَتْ تَوْبِي أَنْ آمُرَ بِنَارٍ ، فَأُوْجِجَها ، ثُمّ أُلْقِيَ نَفْسِي فِيها فَعَلْتُ، فَقَالَ : ((إنَّ تَوْبَتَكَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ إِقْضِيَا ◌ُسُكَكُما ثُمَّ ارْجِعَا إلى بَدِكُنا، فَإذا كانَ عَامُ قَابِلٍ ، فَاخْرُجَا حَاجَيْنِ فَإِذا أَحْرَمْتُمَا فَتَفَرَّفَا، فَلَا تَلْتَقِيَا حَتَّى تَقْضِيَا نُسُكُكُمْا وَأَهْدِيا هَذياً ، (١). (١) وأخرجه البيهقي في ((سننه)) ١٦٧/٥ من طريق محمد بن إسحاق بن خزيمة ، عن علي بن حجر ، عن إسماعيل بن جعفر ، عن حميد، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ، عن ابن عباس رضي الله عنه في رجل وقع على امراته وهو محرم ، قال : أقضيا نسككما ، وارجعا إلى بلديكما ، فإذا كان عام قابل ، فاخرجا حاجين ، فإذا أحرمتما ، فتفرقا ولا تلتقيا حتى تقضيا نسككما ، واهديا هدياً. ورجاله ثقات وإسناده صحيح ، ورواه - ٢٨٢ - ويُروى عن ◌ُعمر وعلي وأبي هريرة مثله أنَّهُما يمضيان في حجبها ، ثم عليها حجُّ قابل والهديُ(١). قال الإمام : إذا جامع المحرمُ امرأته قبل التحدُّل، فد حجُّه سواء أ كان قبل الوقوف بعرفة، أو بعده، وعليه بدنة" ، فيجب عليه المضيّ في الفاسد ، ثم عليه القضاء من قابل، وإن كانت المرأة محرمة"، وطلوعت فعليها القضاءُ أيضاً ، وعليها الهديُ عند أكثر أهل العلم ، كما على الرجل والمشهورُ من قولي الشَّافعي أنه لا يجب إلا هديّ واحدٌ، وهو على الرّجل كما قال في كفّارة الجماع في نهار رمضان . وإذا خرجا في القضاء يفترقانٍ حذراً عن مثل ماوقع في الأداء . ولو جامع بين التحلمُّين لا يفسد حجُّه، وعليه الفديةُ، ولا قضاء عليه عند أكثر أهل العلم ، ثم تلك الفدية بدنة أم مشاة ؟ اختلفوا فيه، رُوي عن ابن عبّاسٍ أنه أمر بنحر بدنة (٢) وهو قول عكرمة وعطاء، وذهب ابن أبي شيبة فيما نقله الزيلعي في ((نصب الراية)) ١٢٧/٣ بنحوه من حديث أبي بكر بن عياش ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن عبد الله بن وهبان ، عن ابن عباس . (١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٣٨١/١، ٣٨٢ في الحج: باب هدي المحرم إذا أصاب أهله بلاغاً ، وأسنده البيهقي ١٦٧/٥ من حديث عطاء عن عمر وهو مرسل ، ورواه سعيد بن منصور ، عن مجاهد ، عن عمر وهو منقطع ، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة عنه وعن علي وهو منقطع أيضاً. انظر ((نصب الراية)) ١٢٦/٣. (٢) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٣٨٤/١ في الحج : باب من أصاب أهله قبل أن يفيض ، عن أبي الزبير المكي ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس أنه سئل عن رجل وقع بأهله وهو بمنى قبل أن يفيض ، فأمره أن ينحر بدنة . وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق أبي بكر بن عياش ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن عطاء ، عن ابن عباس . - ٢٨٣ - أصحابُ الرأي إلى أنه إن جامع قبل الوقوف ، فد حجُّه وعليه شاةٌ ، وإن جامع بعد الوقوف لا يقد حجُهُ ، وعليه بدنة، وذهب بعضُ أهل العلم إلى أنه إن جامع بعد رمي جمرة العقبة والحلق قبل طواف الزيارة عليه القضاء ، رُوي ذلك عن ابن عمر ، وهو قول الحسن وإبراهيم . ولو قبّل المحرم امرأته أو باشر فيها دونَ الفرج لم يفسد حجه، وعليه دمْ مشاةٍ ، سواءٌ أنزل أو لم يُنزل، وقال مالك: إن أنزل فد حجمُّهُ، وعليه القضاء والهديُ ، ولو أنزل بفكره أو نظرٍ، أو احتلام فلا شيءَ عليه ، وإذا أفسد القارنُ نسكه بالجماع ، فعليه المُضي في الفاسد حتى يُتمّهُ ، وعليه بدنة لإفساده، وهَديّ لِقِرانه ، وعليه القضاء من. قابل قارناً . باب الاحصار 1 قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (فَإنْ أُخْصِرُهُمْ فَمَا أَسْتَيْسَرْ مِنَ الْهَذِي) [البقرة: ١٩٦]. الإحصَارُ: الْنْعُ عَنِ الوَجْهِ الَّذِي يَقْصِدُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعالَى: (لِلْمُقْرَاءِ الْذِيْنَ أُخْصِرُوا فِي سَبَيْلِ اللهِ ) [البقرة: ٢٧٣]، أَيْ: أَخْصَرَ هُ اِهَادُ، فَعَهُمُ الْتَّصَرُّفَ، وَحَصَرْتُهُ أَيْ: حَبَسْتُهُ، وَقَوْلُهُ عَزْ وَجَلَّ: (وَأَحْصُرُوُمْ) أَيْ أحْبِسُوُمْ، يُقَالُ لَنْ مُحُبِسَ في السُّجْنِ: خُصِرَ، والحَصِيرُ: السَّجْنُ، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ( وَجَعَلْنَا جَهَّمَ لِلْكَافِرِيْنَ حَصِيْراً) [الإسراء: ٨]. أَيْ : سِجْناً . ١٩٩٧ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النُّعيمي، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، نا محمد هو ابن يحيى ، نا يحيى بن صالح ، نا معاوية بن سلام، نا يحيى بن أبي كثير عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ أُخْصِرَ رَسُولُ اللّهِ بِّهِ، فَحَلَقَ وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَتحرَ هَذْيَهُ حَتَّى اغْتَمَرَ عَاماً قَابِلاً . - ٢٨٥ - هذا حديث صحيح (١). ١٩٩٨ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النُّعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، نا محمود ، حدثنا عبد الرَّزاق، أنا معمر، عن الزهري ، عن مُروة عَنِ الْمِسْوَرِ أَنَّ رَسُولَ اللهِِّ نَخَرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلِقَ وَأَمْرَ أَصْحَابَهُ بِذلِكَ (٣). هذا حديث صحيح . قال الإمام : اتفقَ أهلُ العلم على أن المحرم إذا أحصِرَ عن الحج بعدو أنّه يتعلل، وعليه هديٌ، وهو دمُ شاةٍ يذبحه حيث أحصِير ، ثم يحلق، كما فعل رسولُ الله ◌َ لقِ عام الحديبية، ولا يجعل التّحدُل لمن معه هديّ حتى يذتجه ، ومن جعل الحلق نُسكاً ، فحتى يحلقَ . والهدايا كلّها يختصُ ذبحُها بالحرم، إلا ◌َديّ المُحصر، فإنَّ محِلّ ذبحه حيث ◌ُيحصرُ عند أكثر أهل العلم ، وقال أصحابُ الرَّأي: دمُ الإحصار لا يُراق أيضاً إلا في الحرم ، فيُقيم المُحصر على إحرامِهِ، فيبعث بالهدي إلى مكّة ويُواعدُ من يذبحهُ بها، فإن كان ذلك الوقت ، حلَّ. واختلف القولُ في المحصر إذا لم يجد هدياً، أحدُ القولين: لا بدل" له والهديُ في ذمته إلى أن يجدّ ، والثاني: له بدل، فعلى هذا اختلف القول فيه ، ففي قولٍ: عليه صومُ المتمتّع ، وفي قول : هو على الترتيب والتعديل ، كفدية الطيب واللبس . (١) البخاري ٦/٤ في الحج: باب إذا أحصر المعتمر .. (٢) البخاري ٨/٤ في الحج: باب النحر قبل الحلق في الحصر. - ٢٨٨ - وذهب قوم إلى أنّ له التّحللَ ، وهو قولُ عطاء وعُروة والنخعي ، وإليه ذهب سفيان الثوريُ، وأصحابُ الرأي ، واحتجوا بما رُوي عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله مح مّله (( من كُسير أو عَرجَ، فقد حلّ، وعليه الحجُّ من قابل)) قال عكرمة: فسألتُابن عبّاس وأبا هريرة، فقالا: صدق (١) ويحتج بهذا الحديث من يرى القضاء على المحصر ، وضعف بعضهُم هذا الحديث لما ثبت عن ابن عبّاس أنه قال: لاحصر إلا حصر العدو (٢) وتأوّله بعضهم على أنه إنما يحلّ بالكسر والعرج إذا كان قد شرط ذلك في عقد الإحرام على معنى حديث ضباعة بنت الزُبير ، رُوي عن عكرمة، عن ابن عباس أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت النبي مؤلف، فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج أَشْتَرِطُ ؟ قال: نعم، قالت: فكيف أقول ؟ قال: قولي: لبيك اللهم لبيك، ومحلي من الأرض حيث حبستني (٣). ٢٠٠٠ - أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل، نا مُبيد بن إسماعيل، نا أبو أسامة ، نا هشام ، عن أبيه (١) أخرجه أبو داود ( ١٨٦٢ ) في المناسك : باب الإحصار ، والترمذي (٩٤٠) في الحج : باب ما جاء في الذي يهل بالحج فيكسر أو يعرج، والنسائي ١٩٨/٥ في الحج : باب فيمن أحصر بعدو ، وابن ماجة (٣٧٧٨) في المناسك : باب المحصر ، وقال الترمذي : حديث حسن وسكت عنه أبو داود والمنذري وصححه ابن خزيمة والحاكم ٤٨٢/١، ٤٨٣. (٢) أخرجه الشافعي ٧٨/٢ وإسناده صحيح . (٣) أخرجه أبو داود ( ١٧٧٦ ) ومسلم (١٢٠٨) في الحج : باب جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه . - ٢٨٩ - عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِعَلَّهِ عَلىِ ضُبَاعَةً بِذْتِ الْزُّبَيْرِ فَقَالَ لَهَا: لَعَلَّكَ أَرَدْتِ الْحَيَّ؟ قَالَتْ: وَاللهِ مَا أَجِدُفي إِلاَّ وَجِعَةَ، فَقَالَ لَهَا: م ◌ُحُجِّي وَأَشْتَرِطِي، وَقُولِي: الْهُمّ مَلِّ حَيْثُ حَسْتَنِي ، وَكَانَتْ تَحْتَ الِقْدادِ بنِ الأَسْوَدِ . هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم عن أبي كريب محمد ابن العلاء ، عن أبي أسامة . واختلف أهلُ العلم في الاشتراط في الحج ، فذهب بعضُهم إلى الرخصة فيه، وقال: إذا أحرمَ ، وشرط أن يخرُجُ بعُدرِ كذا، ينعقد إحرامُه وله الخروجُ بالعذر الذي سمى ، لظاهر الحديث، وهو قولُ أحمد وإسحاق وأحدُ قولي الشافعي. وهؤلاء يقولون: لا يُباح التحلسُّلُ بعذر سوى حصرٍ العدو من غير شرط ، لأن التحلل لو كان مباحاً من غير شرط لما كانت تحتاج ضُباعةُ إلى الشرط. وذهب جماعة" إلى أن إحرامه مُنْعقدٌ، ولا يُباح له التّحللُ بالشرط، كمن أحرم مطلقاً، وجعلوا ذلك رخصة خاصة لضباعة، كما أذن النبي عر ◌ّ لأصحابه في رفض الحج وليس ذلك لغيرهم . وفي الحديث دليلٌّ على أن المحصر يحلُّ حيث يُحبس ، من حلٍ أو حرم لقوله : محلي حيث حبستني . (١) البخاري ١١٤/٩ في النكاح: باب الأكفاء في الدين . ومسلم ( ١٢٠٧) في الحج : باب جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه . شرح السنة : ج ٧ - ٢ ١٩ باب فوت الحج ٢٠٠١ - أخبرنا أبو الحن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو بكر محمد بن سهل بن عبد الله القُهُستاني المعروف بأبي تراب ، نا عبد الرحمن بن بشر ، نا سفيان بن عيينة، عن سفيان بن سعيد ، عن بكير ابن عطاء عَنْ عَبْدِ الرَّحَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيِلِيْ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَ يَقُولُ: ((الْحَجْ عَرَفَاتْ، مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلْعَ الْفَجْرُ، فَقَدْ أَدْرَكَ . أَيَّامُ مِنَى ثَلاثٌ، مَنْ تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنٍ، فَلا إِنْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأْخَّرَ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) (١). قال سفيان بن عيينة: قلتُ لسفيان الثوري: ليس عندكم حديثٌ أشرفُ من هذا . قال أبو عيسى : هذا حديث صحيح حسن لا نعرفه إلا من حديث بكير بن عطاء . (١) وأخرجه أحمد ٣٣٥/٤، وأبو داود (١٩٤٩) في المناسك: باب من لم يدرك عرفة، والترمذي ( ٨٨٩ ) في الحج : باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج و ( ٢٩٧٩ ) في تفسير سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ) . والنسائي ٢٥٦/٥ في الحج : باب فرض الوقوف بعرفة ، وابن ماجة (٣٠١٥) في المناسك: باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع . وإسناده صحيح ، وصححه ابن حبان ( ١٠٠٩) والحاكم ٤٦٤/١ . - ٢٩١ - قوله: ((الحج عرفاتٌ )) يريد مُعظمَ الحج هو الوقوفُ بعرفة، لأن الحج لا يفوت بفوات غيره . وقال مالك عن نافع: إن عبد الله بن عمر كان يقول: من لم يقف بعرفة من ليلة المزدلفة ، فأتاه قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحجّ، ومثله عن عروة بن الزبير (١). قال الإمام : اتفق أهلُ العلم على أن الحاجَ إذا فاته الوقوفُ بعرفة في وقته ، فقد فاته الحجُ ، ووقتُه ما بين الزوال من يوم عرفة إلى أن يطلع الفجرُ من يوم النّحر ، فمن فاته الوقوفُ في هذا الوقت ، يجب عليه التّحلل بعمل العُمرة من غير أن يكون ذلك محسوباً عن العُمرة ، وعليه قضاءُ الحج من قابل، وعليه دمُ شاة، فإن لم يجد، يصوم ثلاثةَ أيام في الحج في القضاء ، وسبعة" إذا رجع كالمتمتع. ٢٠٠٢ - أخبرنا أبو الحسن الشَّيرزيُ، أنا زاهر بن أحمد، أنا أُبر إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن نافع عَنْ سُلَيْنَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ هَبَّارَ بْنَ الأَسْوَدِ جَاءَ يَوْمَ الْنَّحْرِ وُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْحَرُ هَدْيَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيْرَ الْمُؤْمِنين أَخْطَأْنَا الْعِدَّةَ كُنَّا نَظُنُّ أَنْ هَذا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إذهب إلى مَكَّةَ، فَطُفْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ بِالبَيْتِ، وَأَسْعَوْا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمُرْوَةِ، وَأَنْحَرُوا مَدياً إِنْ كانَ مَعَكُمْ، ثُمَّ (١) ((الموطأ)) ٣٩٠/١ في الحج: باب وقوف من فاته الحج بعرفة، وإسنادهما صحيح . - ٢٩٢ - أَخْلقوا أَوْ قَصْرُوا، ثُمَّ أَرْجِعُوا، فَإِنْ كانَ عَامُ قَابِلٍ، فَحْجُوا وَأَهْدُوا، فَنْ لَمْ يَجِدْ ، فَصِيامُ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ فِي الْحَجُ، وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعَ (١) . ورُوي عن عمر أنه قال لأبي أيوب الأنصاري وقد فاته الحجُ: إصنع كما يصنع المعتمرُ ، ثمّ قد حللتَ، فإذا أدركك الحجُ من قابل ، فاحجُجْ واهدِ ما استيسر من الهدي (٢) . ومن لم يقف بعرفة حتى غربتِ الشَّمسُ من يوم عرفة، فوقف ليلاً كان مُدرِ كاً للحج ، ولا دمَ عليه عند عامة أهل العلم ، وذهب بعض أصحاب مالك إلى أنه قد فاته الحجّ ، وقال الحسن : عليه بدنة وحجُّه تام . ومن فاته المبيتُ بالمزدلفة، والوقوفُ بها، فعليه دمٌ، وحجُه تام عند أكثر أهل العلم ، وُحُكي عن علقمة والشَّعبي والنخعي أن من فاته جمعٌ ولم يقف به، فقد فاته الحج، ويجعل إحرامه 'عمرة، وممن تابعهم على ذلك أبو عبد الرَّحمن الشَّافعي، وإليه ذهب محمد بن إسحاق بن خُزيمة، لقوله سبحانه وتعالى: (فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) [ البقرة: ١٩٨] والأمرُ على الوجوب. (١) هو في ((الموطأ)) ٣٨٣/١ في الحج: باب هدي من فاته الحج. قال الحافظ في ((التلخيص)) ٢٩٢/٢ وصورته منقطع ، لكن رواه ابراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن سليمان بن يسار ، عن هبار ابن الأسود أنه حدثه فذكره موصولاً أخرجه البيهقي ١٧٥/٥ وروى البيهقي عن الأسود بن يزيد قال : سألت عمر فذكره كما تقدم . (٢) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٣٨٣/١ ورجال إسناده ثقات. قال الحافظ : لكن صورته منقطع لأن سليمان وإن أدرك أبا أيوب لكنه لم يدرك زمن القصة ، ولم ينقل أن أبا أيوب أخبره بها ، لكنه على مذهب ابن عبد البر موصول . ـاب حرم مسكة قَالَ اللهُ ◌ُسُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنَاً) [آل عمران: ٩٧ ]، وَقَال عَزْ وَجَلَّ: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَأَبَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً) [البقرة: ١٢٥]. وقَوْلُهُ: (مَثَابَةٌ) أَيْ: مَعَاداً يَصْدُرُونَ عَنْهُ، وَيَتُوبُونَ إلَيْهِ، أَيْ: يَرْجِعُونَ. وَقَالَ اللهُبْحَانَهُ وَتَعَلَى: (لاَ أَقْسِمُ بِهَذَا الْبَدِ وَأَنْتَ حِلُّ بِهِذَا الْبَدِ) [ البلد: ١ - ٢] يَعْني: مَكَّةَ. لَيْسَ عَلَيْكَ مَا عَلى النَّاسِ مِنَ الإِثْمِ فِيهِ، وَقِيلَ: أَرادَ أَنْهُ أُحِلَتْ لَهُ سَاعَةٌ مِنَ النّهارِ . وَقَالَ اللهُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ( وَ هَذَا الْبَدِ الأَمِينِ) [التين: ٣] يَعْنِي مَكَّةَ كَانَ آمِناً قَبلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ نَِّ لاَ يُغَارُ عَلى أَهْلِها كمَا كَانَتِ الْعَرَبُ يُغِيرُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ. وَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (إِنْ أَوْلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بَيَكَّةَ مُبَارَكاً) [آل عمران: ٩٦]. يُقالُ: بَكَّةُ: مَكَانُ آلْبَيْت وَمَكَّهُ سَائِرُ الْبَلَدِ، قِيلَ: مُحْيَتْ بَكَّةَ، لأنَّ النَّاسَ يَبْكُونَ ◌ُهُنَاكَ ، أَيْ: يَدَفَعُ بَعْضُهُم بَعْضاً في الطَّوافِ، وَقِيلَ: مَكَّةُ وَبَكَّةُ شَيءٌ واحِدٌ، وَآلْباء تُبْدَلُ مِن الِيمِ - ٢٩٤ - وَقَالَ اللهُ مُسُبْحَانَهُ وَتَعالَى: (وَطَهُرْ بَيْتِيَ لِلْطَّ ◌ِفِينَ وَآلْقَائِينَ) [الحج: ٢٦] أَيْ: اُلْصَلِّيْنَ. وَقَوْلُهُ عَزْ وَجَلَّ: (جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيامَاً لِلنَّاسِ ) [المائدة: ٩٧] أَيْ: صَلاَحاً وَمَعاشاً لأَمْنِ النَّاسِ بِهِ . ٢٠٠٣ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النُّعيمي ، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، نا علي بن عبد اله حدَّثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن طاووس عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رُسُولُ اللهِلهِّ يَوْمَ فَتْحٍ مَكَّةَ: (( لاَ مِجْرَةً وَلكِنْ جِهَادُ وَنِيَّةٌ، وَإِذا أَسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا». وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: (( إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ الْسَّواتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِرْمَةِ اللهِ إلى يَوْمٍ الْقِيَامَةِ ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيْهِ ◌ِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لي إلاَّ ساعَةً مِنْ نَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلاَ يُنْفَرُ صَيْدُهُ، وَلاَ يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّ مَنْ عَرَّفَهَا، وَلاَ يُخْتَلَى خَلَاَهُ ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ إلاَّ الإِذْخِرَ، فَإِنْهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِيُيُوتِهِمْ؟ قَالَ: ((إلاَّ الإذْخِرَ)). - ٢٩٥ - هذا حديث متفق على صحته (١)، أخرجه مسلم عن إسحاق الحنظلي عن جرير . وقوله: ((لا هجرة)) يريد بها الهجرة من مكة إلى المدينة ، فإنها ارتفعت يوم الفتح، لأنَّ مكّة صارت يوم الفتح دارَ الإسلام ، وكانت الهجرة عنها واجبة" قبل ذلك، لكونها مساكنَ أهل الشرك، وكلُّ من أسلم اليومَ في بلدة من بلاد أهل الشرك ، فإنه يُؤمر بمفارقتها ، والهجرةِ عنها إلى دار الإسلام، وهو معنى قوله عليه السلام : ((لا تنقطعُ الهِجرةُ حتى تنقطعَ التوبة (٢))) ويُروى ((انقطعتِ الهجرةُ إلا من ثلاث: جهادٍ أو نيةٍ أو حشرٍ ))(٣). (١) البخاري ٢٠٢/٦، ٢٠٣ في الجهاد: باب إثم الغادر للبر والفاجر . وباب لا هجرة بعد الفتح . وباب فضل الجهاد ، وفي الحج : باب فضل الحرم . وباب لا يحل القتال بمكة ، ومسلم ( ١٣٥٣) في الحج : باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها ، إلا لمنشد على الدوام . (٢) أخرجه أحمد ٩٩/٤ . وأبو داود (٢٤٧٩) في الجهاد : باب في الهجرة هل انقطعت من حديث معاوية . وفي سنده أبو هند البجلي وهو مجهول . وأخرج أحمد ١٩٢/١ عن ابن السعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل)) فقال معاوية وعبد الرحمن بن عوف ، وعبد الله بن عمرو بن العاص: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن الهجرة خصلتان إحداهما أن تهجر السيئات ، والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله . ولا تنقطع الهجرة ماتقبلت التوبة ، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب ، فإذا طلعت طبع " على كل قلب بما فيه وكفي الناس العمل)) وإسناده حسن . (٣) ذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٢٥٠/٥ عن غزية بن الحارث بلفظ : ((لا هجرة بعد الفتح انما هي ثلاث: الجهاد والنية والحشر)) وقال: رواه الطبراني كله بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح. - ٢٩٦ - أراد : انقطعت الهجرةُ، وتركُ الأوطان إلا في ثلاث: جهادٍ في سبيل الله، أونيّةٍ يُفارقِ بها الرجلُ الفسق والفجور" إذا لم يقدر على تغييره ، أو جلاءٍ يُصيب النّاس، فيخرجون من ديارهم. قاله القُنييُ. وذكر الخطابي على قوله: ((لا هجرة بعد الفتح)) قال : كانت الهجرةُ على مَعنيين: أحدهما : أن الآحاد من القبائل كانوا إذا أسلموا وهم بين ظهراني قومهم ، فُتِنوا وأوذوا، فأمروا بالهجرة ، ليزول عنهم ذلك . والآخر : أنَّ أهل الدين بالمدينة كانوا في قلةٍ وضعفٍ ، فكان الواجب على من أسلم من الأعراب أن يُهاجروا إليهم، لِيتقوَّوا بهم، فلما فُتحت مكّة، استغنوا عن ذلك، إذ كان معظمُ الخوف على المسلمين منهم ، فقيل لهم : أقيموا في أوطانكم على نيّة الجهاد ، فإن فرضه غيرُ منقطع مدى الدّهر، وكونوا مستعدين له لتنفروا إذا استنفرتم . قولهُ: ((ولم يجلَّ لي إلا ساعة من نهارٍ)) أراد به ساعة" الفتح أبيحت له إراقةُ الدّم فيها دون الصيد، وقطع الشجر، وسائر ما حرم على الناس منها . ويستدلُ بهذا من يذهبُ إلى أن مكة فتحت عنوة لا ◌ُلحاً وهو قولُ الأوزاعي وأصحابٍ الرأي . وتأوّلَه غيرُهم على معنى أنه أبيح له أن يدخلها من غير إحرام ، لأنه عليه السلام دخلها وعليه عمامةٌ سوداء (١). (١) أخرجه مسلم في صحيحه ( ١٣٥٨) في الحج : باب جواز دخول مكة بغير إجرام من حديث جابر بلفظ : دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام. قال الحافظ: وزعم الحاكم في ((الإكليل)» أن بين حديث أنس في المغفر ( وهو في الصحيح وسيذكره المصنف بباب دخول - ٢٩٧ - وقوله : ((لا يُعضد شوكُه، أي: لا يُقطع ، وأراد به ما لا يُؤذي منه ، فأما المُؤذي من الشوك كالعوسج ، فلا بأس بقطعه ، كالحيوان المؤدي لا بأس بقتله(١). وفي رواية أبي هريرة: ((لا يُعضَدُ سْجُرها، ولا يُنفوُ صِدُها، ولا يحلُّ لقَطَتُها إلا لِمُنْشد)). والعضد: القطعُ، وظاهر الحديث يوجب تحريمَ قطع أشجار الحرم على العموم ، سواء في ذلك ما غرسه الآدميُون ، أو نبتَ من غير غرسٍ، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وفيه قولٌ آخر : مكة ) وبين حديث جابر في العمامة السوداء معارضة . وتعقبوه باحتمال أن يكون أول دخوله كان على رأسه المغفر ، ثم أزاله ولبس العمامة بعد ذلك فحكى كل منهما ما رآه ، ويؤيده أن في حديث عمرو بن حريث أنه خطب الناس ، وعليه عمامة سوداء أخرجه مسلم أيضاً وكانت الخطبة عند باب الكعبة وذلك بعد تمام الدخول ، وهذا الجمع لعياض . والتأويل الذي ذكره المصنف نقله الحافظ في ((الفتح)) ٥٣/٤ عن الطحاوي ونصه: زعم الطحاوي أن دليل ذلك ( أي كون دخول مكة بغير إحرام من خصائص النبي ) قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي شريح وغيره أنها لم تحل له إلا ساعة من نهار ، وأن المراد بذلك جواز دخولها له بغير إحرام لا تحريم القتل والقتال فيها ، لأنهم أجمعوا على أن المشركين لو غلبوا والعياذ بالله تعالى على مكة ، حل للمسلمين قتالهم وقتلهم فيها . وقد عكس استدلاله النووي فقال : في الحديث دلالة على أن مكة تبقى دار إسلام إلى يوم القيامة . (١) رده الجمهور ، وصححه المتولي من الشافعية ، وأجابوا بأن القياس المذكور في مقابلة النص فلا يعتد به حتى ولو لم يرد نص على تحريم الشوك ، لكان في تحريم قطع الشجر دليل على تحريم قطع الشوك ، لأن غالب شجر الحرم كذلك ، ولقيام الفارق أيضاً ، فإن الحيوان المؤذي يقصد بالأذى بخلاف الشوك . - ٢٩٨ - ان النهي مصروفٌ إلى ما نبت من غير غرس- آدمي، ولم تجر العادةُ بإنباته كالأراك والطرفاء والغضى ونحوها . فأما ما جرت العادة بانباته ، كالفواكه والخلاف والعرعر، والصّنوبَر ونحوها ، فلا بأس بقطعها ، كما أن المحرم ممنوع عن قتل الصيد غيرُ منوع عن ذبح النّعم والحيوانات الإنسية. وإذا قطع شيئاً من شجر الحرم، فعليه الجزاءُ عند أكثر العلماء ، وإن كان القاطعُ حلالاً، وهو قولُ ابن الزبير وعطاء ، واليه ذهب الشافعي . فعليه في الشجرة الكبيرة بقرة"، وفي الصغيرة شاة"، يتخير فيها بين أن يذبحها فيتصدقَ بلحمها على مساكين الحرم ، وبين أن يُقومها دراهم ، والدراهم طعاماً ، فيتصدّق به على مساكين الحرم . أو يصومَ عن كل مُدَ يوماً كما في جزاء الصيد . وقال مالك : لا يُضمن شجر الحرم ، وهو قول داود . أما إذا قطع غصناً من شجر الحرم ، فإن كان مما يستخلف ، فلا شيء عليه وإن كان مما لا يَستخلف ، فعليه قيمتُهُ، فيصرفها إلى الطعام ، فيتصدق به أو يصوم . قوله: ((ولا يُنُفر صيدهُ)) معناه: لا يتعرّض له بالاصطياد ، ولا يُهاج، فإن أصاب شيئاً من صيد الحرم ، فعليه ما على المحرم يُصيب الصيد رُوي عن عمرو بن دينارٍ أن غُلاماً من قريش قتل حمامة" من حمام مكة فأمر ابنُ عباسٍ أن يُقدى عنه بشاةٍ . وقال أبو حنيفة: لا مدخل للصوم في جزاء صيد الحرم. قوله: ((ولا يلتقِط لقطته إلا من عرَّفها)) ويُروى ((ولا يحلّ لقطتُها إلا لمنشد)) أي : المعرَّف، فالمنشدُ: المُعرِّف، والناسد : الطالب - ٢٩٩ - مُمِّي ناشداً لرفعه صوته بالطلب، والنشيدُ : رفعٌ الصوت، ومنه إنشاد الشِّعر ، وهو رفعُ الصوت به . واختلف أهلُ العلم في لقطة الحرم ، فذهب قوم إلى أنه ليس لواجدها غيرُ التعريف أبداً، ولا يملكها بحال ، ولا يستنفقُها ، ولا يتصدق بها حتى يظفر بصاحبها بخلاف لقطة سائر البقاع ، وإلى هذا ذهب عبد الرحمن بن مهدي، وهو أظهر قولي الشافعي . وروي عن عبد الرحمن بن عثمان التيميِ أن رسول الله عَلِّ نهى عن لقطة الحاج (١). وذهب الأكثرون إلى أنه لا فرق بين لقطة الحرم والحيل ، وقالوا : معنى قوله: (( إلا من عرفها)) يعني: كما يعرفها في سائر البقاع حولاً كاملاً حتى لا يتوهم متوهم أنه إذا نادى عليها وقتَ الموسم، فلم يظهر مالكُها ، جاز له تملُّكُها . وقوله: ((ولا يختلى خلاه)) فالخلى: الرَّطب من النبات ، فلا يجوز قطعُ حشيش الحرم، ولا قطعُهُ رطباً إن كان لا يستخلف إلا الإدخر لإذن صاحب الشرع فيه ، فإن قطع شيئاً سواه ، فعليه الجزاء وهو قيمته يصرُفْها إلى الطعام ، فيتصدق به أو يصوم ، وجوّز الشافعي الرّعي فيه ، ولم يُجوّز أبو حنيفة الرعي، كالاحتشاش . ويجوز قطع الحشيش للدواء على أظهر وجهي أصحاب الشافعي ، كما يجوز قطع الإذخر للبيوت والقبور ، ولا بأس بقطع الحشيش اليابس والشجر اليابس كالصيد الميت يقُدُّ . (١) أخرجه أحمد ٤٩٩/٣ ومسلم (١٧٢٤) في اللقطة: باب في لقطة الحاج . - ٣٠٠ - وفي بعض الرّوايات ((ولا يختلى شوكُها)) وأكثر العلماء على إباحة الشوك إذا كان صلباً لا يرعاه الإبل كالخطب، فأمّا مادقّ منه حتى يرعاه الإبل ، فهو الذي يتناوله الحديثُ. ويُكره على مذهب الشافعي نقلُ مُتراب الحرم، وإخراجُ الحجارة عنه لتعدمُّق حُرمة الحرم بها ، ولا يُكره نقلُ ماء زمزم للتّبرك ، فقد رُوي عن عائشة أنها كانت تحمل من ماء زمزم ، وتُخبرُ أنّ رسول الله عَلِّ كان يحمله ◌ُ(١). وقال العبّاس في زمزم: لستُ أحِلُّها لمغتسل وهي الشاربٍ حِلّ ويلٌ. فالحِل الحلال، والبلُ: المباح بلغةٍ حمير . ٢٠٠٤ - أخبرنا عبد الوهّاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، نا أبو العباس الأصم ( ح) وأخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصَّالحي ، وأبو الفضل محمد بن أحمد العارف قالا: أنا أبو بكر أحمد ابن الحسن الحيري ، نا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك، عن ابن أبي ذئبٍ ، عن سعيد المقبري عَنْ أَبِي شُرَيْحِ الْكَعْبِيْ أَنْ رَّسُولَ اللهِ عِلّهِ قَالَ: إِنْ اللّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، وَلَمْ يُحَرِّمُهَا النَّاسُ، فَلاَ يَحِلُّ ◌ِمَنْ كَانَ (١) أخرجه الترمذي (٩٦٣) في أواخر كتاب الحج ، والبيهقي ٢٠٢/٥، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) ١٧٣/١/٢ من حديث خلاد بن يزيد الجعفي ، عن زهير بن معاوية ، ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، وزاد البخاري : في الأداوي والقرب ، وكان يصب على المرضى ويسقيهم ، وإسناده حسن ، وقال الترمذي : حديث حسن . وله شاهد عند البيهقي من حديث جابر بسند قوي يتقوى به . - ٣٠١ - يُؤْمِنُ بِاللهِ وَآلْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَماً ، وَلاَ يَعْضِدَ بِها شَجَراً، فَإِنِ أَرْتَخَصَ أَحَدٌ، فَقَالَ: أُحِلَّتْ لِرَسُولِ اللهِ عِلّه فَإِنَّ اللهَ أَحْلَّهَا لِي، وَلَمْ يُحِلَّهَا لِلنَّاسِ، وَإنَما أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنَ النّارِ، ثُمَّ هِيَ حَرَامٌ كَحْرْمَتِها بِالأَمْسِ، ثُمَّ أَنْتُمْ يَا خُزَاعَةُ قَدْ قَهُمْ هَذا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ، وَأَنَا وَاللهِ عَاقِلُهُ مَنْ فَتَلَ بَعْدَهُ قَتِيلاً ، فَأَهْهُ بَيْنَ خِيَرَ تَيْنِ إنْ أَحْبُوا قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ». هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجاه جميعاً عن قتيبة ، عن الليث ، عن سعيد المقبري، وليس فيه ذكرُ قتيل خزاعة ، وأخرجاه من رواية أبي هريرة، وفيها ذكرُ قتيل خزاة وفي روايته من الزيادة : فقام أبو شاهِ رجلٌ من أهل اليمن، فقال: ((اكتبوا لي يا رسولَ الله ، فقال رسول الله عَلمِ: اكتبوا لأبي شاءٍ)) يُريد هذه الخطبة (٢). (١) الشافعي (٧٦٩) بترتيب السندي، والبخاري ٣٥/٤، ٣٩، في الحج : باب لا يعضد شجر الحرم ، وفي العلم : باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب ، وفي المغازي : باب منزل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ، ومسلم ( ١٣٥٤ ) في الحج : باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها . (٢) البخاري ١٨٣/١، ١٨٤ في العلم: باب كتابة العلم، وفي اللقطة: باب كيف تعرف لقطة أهل مكة ، وفي الديات : باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، ومسلم ( ١٣٥٥ ) . ۔ باب دخول مكة بلا احرام ٢٠٠٦ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا أبو علي زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصّمد الهاشمي السَّامَري، أنا أبو مُصعب عن مالك ، عن ابن شهاب عَنْ أَنْسِ بْنِ مَالِكِ أَنَّ رُولَ الهِِّ دَخَلَ مَكَّةٌ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْغَفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ، جَاءَ رُجُلٌ، فَقالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِبْنُ خَطلٍ مُتَعَلَّقْ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عٍَِّّ: (( أَقْتُلُوهُ)). قَالَ أَبْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ عَّهِ يَوْمَئِذٍ مُخْرِماً. هذا حديث متفق على صحته (١) ، أخرجه محمد عن يحيى بن قزعة ، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى وغيره ، عن مالك . ٢٠٠٧ - أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أبو محمد عبد الرَّحمن بن أبي شريح، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي'، نا علي بن الجعدِ ، أنا حماد بن سلمة ، عن أبي الزبير (١) ((الموطأ)) ٤٢٣/١ في الحج: باب جامع الحج ، والبخاري ١٣/٨ في المغازي : باب أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح . وفي الحج : باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام ، وفي الجهاد : باب قتل الأسير وقتل الصبر ، وفي اللباس : باب المغفر ، ومسلم (١٣٥٧) في الحج : باب جواز دخول مكة بغير إحرام وقوله : قال ابن شهاب ... هذه رواية أبي مصعب ، أما رواية يحيى ، ففيها أنه قول مالك .