Indexed OCR Text

Pages 21-40

- ٢١ -
والتبيعُ: العجلُ ما دام يتبع الأم إلى تمام السنة ، والمأخوذ في
الزكاة : الذي أتى عليه حول، والمُسِنَّةُ : التي أتى عليها حولان ،
وطعنت في الثالثة ، وهي ننيّة، لأنها "تجذعُ في السنة الثانية، وتُثني
في الثالثة .
أما الغنم ، فلا شيء فيها حتى تبلغ أربعين ، فإذا بلغتها ، ففيها ساة
جَذَعَةٌ من الضأن، أو ثنيَّة من المعز، وفي مائة وإحدى وعشرين
مشاتان، وفي مائتين وسْاةٍ ثلاثُ شياه، وفي أربعمائة أربعُ شياه ، ثم
في كل مائة ساةٌ .
وقال مالك : تجوز الجذعَةُ من الضأن والمعز جميعاً، وقال أبو حنيفة:
لا يجوز منهما إلا الثنية .
قال عمر بن الخطاب لساعيهِ : اعتدَّ عليهم بالسخلة التي يروحُ بها
الراعي على يده، ولا تأخُذْها ، ولا تأخذِ الأكولة، ولا الرُّبّى، ولا
الماخِضَ ، ولا فحلَ الغنم، وخذ الجذعة والثنيةَ، وذلك عَدْلٌ بين غذاء
المال وخياره (١) .
والرُّبى: التي يتبعها ولدها، فهي تُرِّبِي ولدها، والماخضُ : الحامل ،
والأكولةُ: السمينة تُعدُ للذبح، والغذاءُ: صغار السخل جمع غذي.
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٢٦٥/١ في الزكاة: باب ماجاء فيما
يعتد به من السخل في الصدقة من حديث ثور بن يزيد عن ابن لعبد الله
ابن سفيان الثقفي عن جده سفيان أن عمر بن الخطاب ، وأخرجه الشافعي
٢٣٠/١ بنحوه من طريق بشر بن عاصم عن أبيه أن عمر ... وأخرجهابن
حزم من طريق أيوب عن عكرمة بن خالد الثقة الثبت عن سفيان ، ورواه
أبو عبيد في ((الأموال)) (١٠٤٩) مختصرا من طريق الأوزاعي عن سالم بن
عبد الله المحاربي أن عمر بعث مصدقا ...

باب
لا زكاة في العبد والفرس
١٥٧٣ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق
الهاشمي ، أنا أبو مُصعب ، عن مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن
سليمان بن يسار ، عن عراك بن مالك
عن أبي هريرةَ أَنَّ الَّيِّ نِِّ قال: ((لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِم في
عَبْدِهِ وَلا فَرَسِه صَدَقَةٌ )) (١)
١٥٧٤ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا عبد الرحمن بن أبي شريح ،
أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، نا علي بن الجعد ،
أنا شعبة، عن عبد الله بن دينار ، عن سليمان بن يسار ، عن عراك
ابن مالك
مَّ الْمُ قَالَ: ((لَيْسَ على الْمُسْلِمِ
عَن أَبي هُرَيرة ، عَن النّسِي
فِي فَرَسِهِ وَلاَ فِي تَمْلُوكِهِ صَدَقَهُ )) .
هذا حديث متفق على صحته (٢) أخرجه محمد عن آدم، عن شعبة،
وأخرجه مسلم ، عن يحيى بن يحيى ، عن مالك ، كلاهما عن عبد الله بن دينار .
(١) (الموطأ)) ٢٧٧/١ في الزكاة: باب ماجاء في صدقة الرقيق والخيل)
والعسل .
(٢) البخاري ٢٥٨/٣ في الزكاة: باب ليس على المسلم في فرسه
وغلامه صدقة ، ومسلم (٩٨٢) في الزكاة : باب لا زكاة على المسلم في عبده
وفرسه ، وأخرجه أصحاب السنن وابن حبان ، وعبد الرزاق (٦٨٧٨).
---------

- ٢٣ -
ويُروى عن أبي هريرة عن النبي ◌ِّهِ ((ليسَ في العبد صدقةٌ إِلا
صدقةُ الفِطر)) (١).
وهذا قولُ أكثر أهل العلم قالوا : لا زكاة في الخيل ، ولا في العبد
إلا أن تكون للتجارة ، فتجب في قيمتها زكاةُ التجارة، يُروى ذلك عن
عمر ، وبه قال سعيد بن المسيِّب، وعمرُ بن عبد العزير ، وإليه ذهب
مالك والشافعي وغيرم (٢) .
وقال حمّاد بن أبي سليمان : في الخيل صدقة ، وقال أبو حنيفة :
تجب الزكاة في الإناث منها في كل فرس دينارٌ: وإن سْئت قَوِّمتها ،
فجعلت في كل مائتي درهم خمسة دراهم (٣).
(١) هذه الرواية في صحيح مسلم (٩٨٢) (١٠).
(٢) منهم الإمام أحمد وأبو يوسف ومحمد صاحبا الإمام أبي حنيفة.
(٣) جاء في (رد المحتار)) ٢٥/٢ نقلا عن ((المحيط)). وقال الإمام:
إن كانت سائمة للدر والنسل ذكورا وإناثاً ، وحال عليها الحول ، وجب
فيها الزكاة غير أنها إن كانت من أفراس العرب ، خير بين أن يدفع عن
كل واحدة ديناراً ، وبين أن يقومها ويعطي عن كل مائتي درهم خمسة
دراهم ، وإن كانت من أفراس غيرهم ، قومها لا غير ، وإن كانت ذكوراً
أو إناثاً، فروايتان أشهرهما عدم الوجوب. وفي ((فتح القدير)) للكمال بن
الهمام : الراجح في الذكور عدمه ، وفي الإناث الوجوب . قلت : واستدل
أبو حنيفة ومن وافقه بما أخرج الطحاوي ٣١٠/١ من حديث مالك عن
الزهري أن السائب بن يزيد أخبره قال : رأيت أبي يقوم الخيل ويدفع
صدقتها إلى عمر بن الخطاب ، وأخرجه الدار قطني أيضاً ، واسماعيل بن
إسحاق القاضي ، وأبو عمر في ((التمهيد)) وأخرجه ابن أبي شيبة ٢٦/٤ عن
محمد بن بكر ، عن ابن جريج قال : أخبرني عبد الله بن حسين أن ابن
شهاب أخبره أن السائب ابن أخت النمر أخبره أنه كان يأتي عمر بن
الخطاب بصدقات الخيل . وقال أبو عمر: الخبر في صدقة الخيل عن عمر

- ٢٤ -
١٥٧٥ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق
الهاشمي ، أنا أبو مُصعب ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح
عَنْ أَبِي ◌ُرِيرةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قال: ((الْخَيْلُ لِرجلٍ
أَجْرٌ ، وَلِرَّجُلِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّا الَّذِي هِيَ له
أجرٌ، فَوَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيل الله، فَأَطالَ لَا فِي مَرْجٍ أَوْ
رَوْضَةٍ، فَا أصابَتْ في ◌ِيلِهَا ذَلِكَ مِنَ المَرْجِ والْرَّوضَةِ، كَانَتْ له
حَسََّاتٌ، فلو أَنَّهَا قَطَعَنْ طِيْلَهَا ذَلِكَ، فاستَنَّنْ شَرَفَـاً أَو
شرَفَيْنِ، كَانَتْ آثارُهَا وَأَرْوَاتُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، ولو أَنَّهَا مَرَّتْ
بَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ حَسَنَّاتٍ ،
رضي الله عنه صحيح من حديث الزهري ، عن السائب بن يزيد . وصححه
أيضاً الحافظ في ((الدراية)) وروى عبد الرزاق (٦٨٨٩) والبيهقي ١١٩/٤
عن ابن جريج ، أخبرني عمرو بن دينار أن يحيى بن يعلى أخبره أنه سمع يعلى
ابن أمية يقول : ابتاع عبدالرحمن بن أمية أخو يعلى بن أمية من رجل من
أهل اليمن فرسا أنثى بمائة قلوص ، فندم البائع فلحق بعمر ، فقال :
غصبني يعلى وأخوه فرسا لي ، فكتب إلى يعلى : أن الحق بي ، فأتاه
وأخبره الخبر ، فقال : إن الخيل لتبلغ هذا عندكم ؟! ما علمت فرساً بلغ
هذا قبل هذا، قال عمر : فنأخذ من أربعين شاة شاة ، ولا نأخذ من
الخيل شيئاً ! خذ من كل فرس ديناراً ، فضرب على الخيل ديناراً ديناراً.
وروى محمد بن الحسن في ((الآثار)) ص ٤٧ أخبرنا أبو حنيفة ، عن حماد
إبن أبي سليمان ، عن ابراهيم النخعي أنه قال : في الخيل السائمة التي
يطلب نسلها إن شئت في كل فرس ديناراً وعشرة دراهم ، وإن شئت
القيمة ، فيكون في كل مائتي درهم خمسة دراهم في كل فرس ذكر
أو أنثى .

- ٢٥ -
فَهِيَ لِذِكَ أَجْرٌ ، ورَجُلْ رَبَطَها تَغَنِّيّاً وَتَعَفْقَاً ، ولم يَنْسَ
حَقَّ اللّهِ فِي رِقَابِهَا ولا ظُهُورِ هَا، فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرْ، ورَجُلْ
رَبَطَهَا فَخْراً وَرِياءٍ وَنِواءَ لأَهلِ الإِسْلامِ، فهي على ذَلِكَ وِزِرْ ».
وُئِلَ رَسُولُ اللهِنَّهِ عَنِ الْحُمُرِ، فَقَالَ: « مَا أُنْزِلَ
عَليَّ فيها شيُّ إِلا هَذِهِ الآيَةُ الجَامِعَةُ آلَادَةُ (َنْ يَعْمَلْ مِشْقَالَ
ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّآَ يَرَهُ ).
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد ، عن عبد الله بن يوسف
عن مالك ، وأخرجه مسلم عن ◌ُسويد بن سعيد، عن حفص بن ميسرة ،
كلاهما عن زيد بن أسلم .
قوله : أطال لها في مرج ، أي: شدَّها في طولها ، وهو حبل
طويل يُشدُ أحدٌ طرفيه في آخيةٍ أو وقِدٍ، ويُعلّقّ يدُ الفرس في
(١) ((الموطأ)) ٤٤٤/٢، ٤٤٥ في الجهاد : باب الترغيب في الجهاد ،
والبخاري ٤٩،٤٨/٦ في الجهاد : باب الخيل لثلاثة ، وقول الله عز وجل
(والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق مالا تعلمون) ، وفي
الشرب : باب شرب الناس والدواب من الأنهار ، وفي الأنبياء : باب سؤال
المشركين أن يريهم النبي صلى الله عليه وسلم آية ، وفي تفسير سورة إذا
زلزلت الأرض زلزالها ، وفي الاعتصام : باب الأحكام التي تعرف بالدلائل
ومسلم ( ٩٨٧ ) في الزكاة : باب إثم مانع الزكاة .

- ٢٦ -
الطرف الآخر لتدور فيه، ولا يعير (١) فيذهب على وجهه . وقوله :
(((في طِيلها)» لغة في الطول.(٢)
وقوله: ((فاستنَّت)): هو أن تمرح في الطِّوْلِ، يقال: سنّ
الفرسُ، واستنَّ: إذا لجَّ في عَدوهِ مقبلًا ومدبراً ، وفرس سنين ،
وذلك من النشاط . وقال أبو عبيد: الامتنان أن ◌ُحضر وليس
عليه فارسٌ .
وقوله: ((تغنّاً وتعفُّقاً)) أي: طالباً بِنتاجها الغينى والعيفَّة.
وقوله: ((نواء" لأهل الإسلام)، أي: مُعاداة، يقال: ناواهُ
مناوأة ونواءً بالهمز وغير الهمز : إذا عاداه .
وقوله: ((في الحُمُر هذه الآية الجامعة الفاذَّةُ)) (٣) سمَّاها جامعة
لاشتمال اسم الخير على جميع أنواع الطاعات فرائضِها ونوافلها، سمًاما فاذَّة
(١) يقال: عار الفرس: إذا ذهب على وجهه، وتباعد من صاحبه.
(٢) قال طرفة بن العبد :
تَعَمْرْكَ إِنَّ أَلموْتَ مَاَ أُخْطَأ الفَتى
لَكَالطَولِ المُرْخِى وَثِنْياهُ بِالَبدِ
(٣) قال الحافظ في ((الفتح)) ٤٩/٦: فيه تحقيق لإثبات العمل
بظواهر العموم ، وأنها ملزمة حتى يدل دليل التخصيص ، وفيه إشارة
إلى الفرق بين الحكم الخاص المنصوص والعام الظاهر ، وأن الظاهر دون
المنصوص في الدلالة .

- ٢٧ -
خلوها عن بيان ما تحتها ، وتفصيل أنواعها ، والفذة : الواحد الفرد ،
يقال : فذّ الرجلُ عن أصحابه: إذا سُذَّ عنهم، وبقي فرداً.
قوله: ((خيراً يره)) يعني: يرى جزاء ما عمل لا عين عمله (١).
(١) قال ابن التين ، فيما نقله عنه الحافظ: والمراد أن الآية دلت
على أن من عمل في اقتناء الحمير طاعة رأى ثواب ذلك ، وإن عمل معصية
رأى عقاب ذلك . فلما بين صلى الله عليه وسلم حكم اقتناء الخيل ، وأحوال
مقتنيها ، وسئل عن الحمر ، أشار إلى أن حكمها وحكم الخيل وحكم
غيرها مندرج في العموم الذي يستفاد من الآية .

باب
المستفار لا زكاة فيه حتى بحول عليه الحول
١٥٧٦ - أخبرنا أبو عثمان الضّي ، أنا أبو محمد الجرّاحي، نا أبو العباس
المحبوبي ، نا أبو عيسى ، نا يحيى بن موسى ، نا هارون بن صالح
الطّعي، نا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه
عَنِ ابنِ مُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ عَظِلّهِهِ مَنِ اسْتَفَادَ مَالاً،
فَلَا زَكَاةَ عَلِيْهِ حَتَّى يَحُولَ عَلِيْهِ الْحَوْلُ ،(١).
(١) الترمذي (٦٣١) في الزكاة: باب ماجاء لازكاة على المال المستفاد
حتى يحول عليه الحول ، وأخرجه الدار قطني في ((سننه)) ص ١٩٨، وعبد
الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف ، وصحح وقفه الترمذي كما نقله المؤلف
عنه والدار قطني ، والبيهقي وابن الجوزي . وفي الباب عن علي أخرجه
أبو داود في ((سننه (١٥٧٣) في الزكاة : باب زكاة السائمة من طريق
أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي مر فوعاً ((إن
كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم ... ) قال
الزيلعي : وفيه عاصم والحارث ، فعاصم وثقه ابن المديني وابن معين
والنسائي ، وتكلم فيه ابن حبان وابن عدي ، فالحديث حسن ، وقال
النووي رحمه الله في ((الخلاصة)): وهو حديث صحيح أو حسن ، وقال
الحافظ في ((التلخيص)) ١٥٦/٢: لا بأس بإسناده، والآثار تعضده فيصلح
للحجة . قلت : وفي الباب عن أنس عند الدار قطني ص ١٩٩ وفيه حسان
بن سياه وهو ضعيف، وعن عائشة عند ابن ماجة (١٧٩٢) ، وأبي عبيد
في ((الأموال)) ص ٤١٣ وفيه حارثة بن أبي الرجال وهو ضعيف.

- ٢٩ -
ورواه نافع عن ابن عمر موقوفاً عليه وهو الأصح .
وقد رُوي عن غير واحد من أصحاب النبي ◌ِّ أن لا زكاة في
المستفاد حتى يجولَ عليه الحولُ يُروى ذلك عن أبي بكر ، وعلي ، وابن
عمر ، وعائشة ، وبه قال عطاء وإبراهيم النخعي ، وعمر بن عبد العزيز ،
وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق .
وقال بعض أهل العلم : إن استفاد مالاً (١) "زكاتياً، وعنده من
جنسه نصاب، يُضمُّ إليه المستفاد في الحول ، فإذا تم حول ما عنده تجب
الزكاة في الكل ، يُروى ذلك عن ابن عباس ، وبه قال الحسن البصريُ ،
والزّعريّ، وهو قولُ الثوري، ومالك ، وأصحاب الرأي أما إذا تم
النصاب بالمستفاد ، فلا زكاة فيها حتى يحول عليه الحولُ مِن يوم أفاد .
واتفقوا على أن النِّتَاجَ ◌ُضمّ إلى الأصل في الحول ، وكذلك حول
الربح يبتني على حول الأصل في زكاة التجارة ، فإذا تمّ حول الأصل
فعليه أن يُزِكِّيَ عن الكل .
وفي الحديث دليلٌ على أن النصاب إذا انتقص في خلال الحول انقطع
الحول ، فإذا تمَّ بعد ذلك يُستأنف الحول ، وبه قال الشافعي ، وذهب
أصحابُ الرأي إلى أنه لا ينقطع الحول ، والنصابُ شرط في طرفي الحول ،
وعند مالك في الناض٣(٢) يشترط النصاب في آخر الحول حتى لو ملك ديناراً
(١) بهبة أو إرث .
(٢) وهو الذهب والفضة قال في ((النهاية)) ناض المال: هو ما كان
ذهباً أو فضة، عيناً وورقاً ، وقد نض المال ينض : إذا تحول نقداً بعد
أن كان متاعاً .

- ٣٠ -
فصار في آخر الحول عشرين تجبُ عليه الزكاةُ ، كما في زكاة التجارة.
قلت : زكاة التجارة تجب في القيمة ، ولا يمكن ضبطئها في جميع الحول
فرُوُعيّ آخر الحول فيها .
وفيه دليل على أنه إذا بادل ماله في أثناء الحول بمال آخر من جنه ،
أو غير جنسه ، ينقطع الحول ، ويُبتدأ الحولُ على ما اشتراه من يوم
الشراء، وهو قول الأكثرين ، وقال مالك : إن بادل بجنسه لا ينقطعُ
الحول ، أما إن بادل النقد بالنقد، فعند الأكثرين لا ينقطع الحول ، وعند
الشافعي ينقطع .
ومن ورث مالاً ، فلا يبتني حولُ الوارث على حول المورِثِ ، بل
يستأنفُ الحول من يوم ورثه، فإذا تمّ ، أخرج الزكاة .

باب
تعجيل الصدقة
١٥٧٧ - أخبرنا أبو عثمان الضّي، أنا أبو محمد الجرَّاحي، نا أبو العباس
المحبوبي ، نا أبو عيسى، نا عبد الله بن عبد الرحمن ، نا سعيد بن
منصور، نا إسماعيل بن زكريا ، عن الحجاج بن دينار ، عن الحكم بن
مُتبة، عن ◌ُُجيّة بن عديّ
عَنْ عَلى (١) أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ رَسُولَ اللهٍِّ فِي تَعْجِيلِ
صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ ، فَرَّخَصَ لَهُ فِي ذَلِكَ (٣).
(١) في (أ) و(ج) و (د) و (ق) عدي وهو خطأ.
(٢) حديث حسن كما قال المؤلف رحمه الله ، وهو في ((سنن
الترمذي)) (٦٧٩) في الزكاة : باب ماجاء في تعجيل الزكاة ، وأخرجه أبو
داود (١٦٢٤)، وأحمد ١٠٤/١، وابن ماجة (١٧٩٥)، والدار قطني ص
٢١٢، ٢١٣، والبيهقي ١١١/٤ من حديث الحجاج بن دينار، عن الحكم
ابن عتيبة ، عن حجية، عن علي، وحجية بن عدي قال في ((التقريب)):
صدوق يخطىء ، وقال أبو داود : روى هذا الحديث هشيم عن منصور
ابن زاذان ، عن الحكم ، عن الحسن بن مسلم عن النبي صلى الله عليه
وسلم ، وحديث هشيم أصح . يريد أن هذه الرواية المرسلة أصح من
المتصلة ، وقال الدار قطني : اختلفوا على الحكم في اسناده ، والصحيح
عن الحسن بن مسلم مرسل . وفي الدار قطني ص ٢١٣ من طريق موسى.
ابن طلحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنا كنا احتجنا ، فتعجلنا
من العباس صدقة ماله سنتين . وهذا مرسل ، ورواه الدار قطني أيضاً
موصولا يذكر طلحة فيه ، وإسناد المرسل أصح ، وفي الدار قطني ص٢١٣

- ٣٢ -
هذا حديث حسن .
واختلف أهل العلم في تعجيل الزكاة قبل تمام الحول ، فذهب أكثرهم
إلى جوازه ، وهو قول الزهري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق ،
وأصحاب الرأي ، وقال الثوري : أحِبُ أن لا تُعجّل، وذهب قوم إلى
أنه لا يجوز التعجيل، ويُعيدُ لو عجّل، وهو قول الحسن، ومذهبُ
مالك ، واتفقوا على أنه لا يجوز إخراجها قبل كمال النصاب ، ولا يجوز تعجيل
صدقة عامين عند الأكثرين .
١٥٧٨ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النُّعيمي،
أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، أنا أبو اليمان ، أنا مُشعيب ،
نا أبو الزناد ، عن الأعرج
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أُمَرَ رَسُولُ اللهِ بِّهِ بِالصَّدَقَةِ ، فَقِيلَ:
مَنْعَ ابنُ جِيلٍ ، وخالِدُ بنُ الوَليدِ، وعَبَّاسُ بنُ عَبدٍ
أيضاً من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمر ساعياً
فأتى العباس فأغلظ له ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال :
« العباس قد أسلفنا زكاة ماله العام والعام المقبل)) وفي إسناده
ضعف ، وأخرج أيضاً هو والطبراني من حديث أبي رافع نحو هذا وإسناده
ضعيف أيضاً ، ومن حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم
تعجل من العباس صدقته سنتين ، وفي إسناده محمد بن ذكوان وهو
ضعيف: قال الحافظ في ((الفتح)) ٢٦٤/٣ بعد أن ذكر ما تقدم: وليس
ثبوت هذه القصة في تعجيل صدقة العباس ببعيد في النظر بمجموع هذه
الطرق .

- ٣٣ -
الْطَلِبِ، فَقَالَ الْتَّيِّ نَّهِ: مَا يَنْقِمُ (١) ابنُ جميلٍ إلّ أَنَّهُ كَانَ
فَقِيراً فَأَعْنَاهُ اللهُ ورَسُولُهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ ، فَإِنَّكَم تَظْلِمُونَ خالِدِاً
قَدِ اخْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ، وَأَعْتُدَهُ في سَبِيلِ اللهِ، وأَمَّا الْعَبَّاسُ
ابنُ عَبد الْمُطَلِبٍ عَمْ رَسُولِ اللهِّهِ، فَهِي عَلَيْهِ صَدَقَةٌ ،
وَمثلُها مَعَها)).
هذا حديث متفق على صحته (٢) أخرجه مسلم عن زهير بن حرب ، عن
علي بن حفص ، عن ورقاء ، عن أبي الزناد ، وقال :
بعث رسولُ الله ◌ِ الله عمر على الصدقة، وقال: ((قد احتبس
أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباسُ فهي عليَّ، ومثلها معها ))
ثم قال: ((يا عمرُ أما شعرت أن عمّ الرجلِ صنوُ أبيه)).
قوله: ((وأعتده)) يُروى بالتاء، والأعتُدُ: جمع العتاد، وكذلك
الأعتادُ، وهو ما أعدَّه الرجل من السلاح والدواب والآلة للحرب .
(١) بكسر القاف، أي: ما ينكر أو يكره، وقوله: ((فأغناه الله
ورسوله)) إنما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه ، لأنه كان سبباً
لدخوله في الإسلام ، فأصبح غنياً بعد فقره بما أفاء الله على رسوله ،
وأباح لأمته من الغنائم ، وهذا السياق من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم ،
لأنه إذا لم يكن له عذر إلا ما ذكر من أن الله أغناه ، فلا عذر له ، وفيه
التعريض بكفران النعم ، وتقريع بسوء الصنيع في مقابلة الإحسان .
(٢) البخاري ٢٦٢/٣، ٢٦٣ في الزكاة، باب قول الله تعالى (وفي
الرقاب والغارمين وفي سبيل الله ) ومسلم ( ٩٨٣ ) في الزكاة : باب في تقديم
الزكاة ومنعها .
شرح السنة ج٦ - ٣٢

- ٣٤ -
ثم له تأويلان، أحدهما : أن هذه الآلات كانت عنده التجارة، فطلبوا
منه زكاة التجارة، فأخبر النبي ◌َّ أنه قد جعلها ◌ُحُبُساً في سبيل الله»
فلا زكاة عليه فيها . وفيه دليل على وجوب زكاة التجارة ، وجواز
وقف المنقول .
والتأويل الثاني: أنه اعتذر لخالد يقول : إن خالداً لما حبّس أدراعه
تبرُّعاً وهو غير واجب عليه، فكيف يُظنُّ به أنه يمنع الزكاة الواجبة عليه.
وقيل في تأويله: إنه اختبَ له ما حبّهُ بما عليه من الصدقةِ،
لأن أحد أصناف المستحقين للصدقة هم المجاهدون . وفيه على هذا الوجه
دليلٌ على جواز أخذ القيم في الزكوات بدلاً عن الأعيان ، وعلى جواز
وضع الصدقة في صنف واحد .
وقوله: ((صنوُ أبيه)) أي : أصلهما واحد ، ومنه قوله سبحانه
وتعالى ( صنوانٌ وغيرُ صنوانٍ) [ الرعد: ٤] وهي جمع صنو،
ومعناه : أن يكون الأصل واحداً، وفيه النخلتانِ والثلاثُ والأربعُ،
ويحكى عن ابن الأعرابي أنه قال: الصِّنْوُ: المِثْلُ ، أراد مثل أبيه .
وقوله في صدقة العبّاس: ((فهي عليه صدقة)) (١) فإن هذه اللفظة
"قَلَّ المتابعونَ لِشُعيب فيها، لأن العبّاس من صليبةٍ بني هاشم لا تحِلُ
(١) قال الحافظ : كذا في رواية شعيب، ولم يقل: ورقاء ولا
موسى بن عقبة ((صدقة)) . ووجه رواية شعيب بأن النبي صلى الله عليه
وسلم الزمه بتضعيف صدقته ، ليكون أرفع لقدره ، وأنبه لذكره ، وأنفى
للذم عنه ، فالمعنى : فهي صدقة ثابتة عليه سيصدق بها ، ويضيف إليها
مثلها كرماً .
--

- ٣٥ -
له الصدقة*، فكيف يستأثرهُ بها، وروى غيره ((هي عليّ ومثلُها معها))(١)
وتأوّله أبو عبيد قال: لعلّه أخْرما عليه عامين لحاجة بالعباس إليها، كما
رُوي أنَّ عمر أخْر الصدقة عام الرّمادة، فلمَّا أحيا الناسُ في العام
المقبل ، أخذ منهم صدقة عامين .
قوله : أحيا النّاسُ ، أي: صاروا في الحيا وهو الخصبُ.
وأما رواية مَنْ روى أنه قال: ((هي عليّ ومثلها معها)، فله
تأويلان، أحدهما: أنه كان قد تسلّفَ منه صدقة سنتين ، فصارت ديناً
عليه ، وفيه دليل على جواز تعجيل الصدقة قبل تحلّها ، وجوَّز بعضهم
تعجيل صدقة عامين لظاهر هذا الحديث .
والآخر : أن يكون قد قبض منه صدقة ذلك العام الذي شكاه
فيه العامل ، وتُعجِّل صدقة عام ثان، فقال: هي عليّ، أي. الصدفة
التي قد خلت"، وأنت تطالبه بها مع مثلها من صدقة عام لم يجلّ ،
فيكون قد أخذ صدقة أحد العامين بعد محلها ، واستعجل صدقة
العام المقبل .
(١) وهي رواية مسلم قال الحافظ : ودلت هذه الرواية على أنه
صلى الله عليه وسلم التزم بإخراج ذلك عنه ، وفيه تنبيه على سبب ذلك
وهو قوله: ((إن العم صنو الأب)) تفضيلا له وتشريفاً، ويحتمل أن يكون تحمل
عنه بها ، فيستفاد منه أن الزكاة تتعلق بالذمة كما هو أحد قولي الشافعي
قلت: وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد كما في ((المغني)) ٦٧٩/٢ .

اب
زكاة الثمار وفرصها (١).
قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعالى: (وَآتُوا حَقْهُ يَوْمَ حَصَادِهِ:
[الأنعام: ١٤١] قَالَ مَالِكْ: سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ
الزّكاةُ (٢).
(١) الخرص ، بفتح الخاء ، وحكي كسرها ، وبسكون الراء : حزر
ما على النخل من الرطب تمراً ، وحكى الترمذي عن بعض أهل العلم أن
تفسيره أن الثمار إذا أدركت من الرطب والعنب مما تجب فيه الزكاة،
بعث السلطان خارصاً ينظر فيقول : يخرج من هذا كذا وكذا زبيباً وكذا
تمراً فيحصيه ، وينظر مبلغ العشر فيثبته عليهم، ويخلي بينهم وبين الثمار،
فإذا جاء وقت الجذاذ أخذ منهم العشر . وفائدة الخرص التوسعة على
أرباب الثمار في التناول منها ، والبيع من زهوها ، وإيثار الأهل
والجيران والفقراء ، لأن في منعهم تضييقاً . وقال ابن المنذر : أجمع من
يحفظ عنه العلم أن المخروص إذا أصابته جائحة قبل الجذاذ فلا ضمان .
(٢) ((الموطأ)) ٢٧٣/١ في الزكاة: باب زكاة الحبوب والزيتون، وهو
مروي عن أنس بن مالك وابن عباس وسعيد بن المسيب ، والحسن ،
وطاوس وجابر بن زيد ، ومحمد بن الحنفية وقتادة في آخرين ، وقال
عطاء ومجاهد : إنه حق غير الزكاة فرض يوم الحصاد ، وهو إطعام من
حضر ، وترك ما سقط من الزرع والثمر . وقال القاضي أبو بكر بن
العربي رحمه الله في ((عارضة الأحوذي)) ١٣٣/٣ ملخصاً ما أورده في كتابه
((أحكام القرآن)) ٧٤٦/٢، ٧٥٤ في تفسير قوله تعالى (وهو الذي أنشأ
جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفاً أكله والزيتون
والرمان ) إلى قوله (وآتوا حقه يوم حصاده) : فامتن الله على خلقه في إنبات
الأرض ، ثم قال لهم : كلوا مما أنعمت به عليكم ، وآتوا حقه إذا جمعتموه
بأيديكم ، وآويتموه إلى رحالكم ، فكما خلقه نعمة ، ومكن منه نعمة ،أوجب
فيه الحق ، قال مالك : الحق هاهنا : الزكاة ، وصدق ، ومن قال
غير هذا ، فقدوهم ، وتعين حمل هذا على عمومه إلا ما خصه دليل يصح

- ٣٧ -
١٥٧٩ - أخبرنا عبد الوهّاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز بن أحمد
الخلاّل ، نا أبو العباس الأصم"، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا عبد الله
ابن نافع ، عن محمد بن صالح النّار ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن
المسبّب
عَنْ عَتَّابٍ بِنِ أَسِيدٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ فِظِلِّ قَالَ : في زكاةٍ
الْكَرْمِ (( يُخْرَصُ كما يُخْرَصُ النَّخْلُ، ثم يُؤْدَّى زَكَاتُهُ زَبِيَباً كما
يُؤْدَّى زكاةُ الْنَّخْلِ تَمْراً، (١)
وبإسناده أن رسول الله عَلَمٍ كان يبعثُ من يخرُصُ على الناس.
کرومهم وثمارم .
تخصيصه هنالك حسب ما ذكرناه ، وحققناه هناك . فأما من حمله على
عمومه ، فاستثنى الحطب والقصب والحشيش ، فلا يقال : إنه تخصيص،
لأنه قال : (كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقّه يوم حصاده) فإنما أوجب
إيتاء الحق فيما يؤكل ، وإلى هذا النحو أشار حماد ، وعليه دار من
قال : ماله ثمرة باقية ، ولكنه خصه بالمقتات بإشارة قوله : (يوم حصاده)
وكأنه أشار بيوم الحصاد الى يوم يرفع الى الجرين .
(١) الشافعي ٢٣١/١، ٢٣٢، وأخرجه أبو داود (١٦٠٣) في الزكاة :
باب في خرص العنب، والترمذي (٦٤٤) في الزكاة : باب ما جاء في
الخرص ، وابن ماجة (١٨١٩) في الزكاة : باب خرص النخل والعنب ،
والبيهقي ١٢٢/٤، ومداره على سعيد بن المسيب عن عتاب ، وقد قال
أبو داود : لم يسمع منه ، وقال ابن قانع : لم يدركه ، وقال المنذري :
انقطاعه ظاهر ، لأن مولد سعيد في خلافة عمر ، ومات عتاب يوم مات
أبو بكر ونحوه لابن عبد البر ، لكن قال النووي : هذا الحديث وإن كان
مرسلاً ، لكنه اعتضد بقول الأئمة . وأخرجه عبد الرزاق (٧٢١٤) عن
ابن شهاب ، عن عتاب بإسقاط سعيد بن المسيب .

- ٣٨ -
أخبرنا أبو عثمان الضبي، أنا أبو محمد الجراحي، نا أبو العباس
المحبوبي، نا أبو عيسى، نا أبو عمروٍ مُسلم بن عمروٍ الحذّاء، أنا
عبد الله بن نافع بهذا الإسناد الحديثين جميعاً .
هذا حديث حسن والعملُ عليه عند أكثر أهل العلم ، وبه يقول
مالك والشافعي، وأحمد وإسحاق: إنه "تخزصُ الثمارُ على أربابها، فبعد بدوٌ
الصلاح في العنب والرّطب بعث الإمام خاصاً يخرُصُ عليهم ، ويقول: تحصل
من هذا الرطب كذا من التمر ، ومن هذا العنب كذا من الزّبيب ،
فَيُحصي على أرباب الأموال، ثم يُخلِِّ بينهم وبينها يصنعون بها ما شاؤوا،
ثم يأخذ منهم العُشر بعدما أدرك وجف"، فإن ادَّعى ربء المال
نقصاناً عما خرصَ ، فالقول قوله .
وُُكي عن الشعبي أنه قال : الخرص بدعة ، وأنكر أصحابُ الرأي
الخرصَ، وقال بعضهم: إنما كان مُيخرصُ ذلك تخويفاً للأكترة ، لئلا
يخونوا، فأما أن يلزم به حكم، فلا، لأنه ظنٌّ وتخمين، والأول
أولى، لأن النبي ◌ِّهِ عَمِلَ به (١)، والصحابة من بعده، وعامة العلماء
على تجويزه .
وقولهم : هو ظٌ وتخمين . ليس كذلك ، بل هو اجتهاد في معرفة
مقدار الثمر ، كالكيل والوزن وإن كان بعضه أحصرّ من بعض ، فهو
كتقويم المتلفات، والحكم بالاجتهاد. وإنما يُسن الخرص في النخيل
والأعناب دون الحبوب ، لأن الحبوب لا تؤكل رطبة، وثمر التخيل
والأعراب تؤكل رطبة ، فتُتلفُ حقوق المساكين .
(١) ثبت ذلك في ((الصحيحين)) من حديث أبي حميد الساعدي.

- ٣٩ -
وقد رُوي عن سهيل بن أبي تحثمةَ أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم كان يقول: ((إذا خَرَصْتُم، فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم
"تدعوا الثلث"، "قدعوا الربع)) (١) قال أبو داود: الخارصُ يَدع الثلث
لِلخرقة (٢)، وكذا قال يحيى القطان، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن
الثلث والربع متروك لهم عن مُرضٍ المال توسعة" عليهم ، فقد يكون
منها السُّقاطة، وينتابها الطير، ويخترِفُها الناس للأكل. وكان عمر
ابن الخطاب يَأمُر الخرّاص بذلك، وبه قال أحمد وإسحاق.
وذهب بعضهم إلى أنه لا يتركُ لهم شيئاً شائعاً، بل يُفرد لهم تخلات
معدودة" قد علم مقدار مرها بالخرص
قال رحمه الله : اتفق أهلُ العلم على وجوب العُشر في النخيل
والكروم ، وفيما يُقتاتُ من الحبوب مما يزوعهُ الآدميُّون، واختلفوا فيما
سواها من الثمار والزروع ، فذهب الشافعي ، وابنُ أبي ليلى إلى أنه
لا مُشر في شيء منها ، وكذلك قال مالك: لا يجب في شيء من الفواكه
والبقول ، وقال أبو حنيفة : يجب العُشر في جميعها ، وذهب الشافعي
في القديم إلى إيجاب العُشر في الزيتون، وبه قال الزهري ، وهو قول
(١) أخرجه أبو داود (١٦٠٥) في الزكاة : باب في الخرص ، والترمذي
(٦٤٣) في الزكاة : باب ماجاء في الخرص ، والنسائي٤٢/٥ في الزكاة :
باب كم يترك الخارص . وفي إسناده عبد الرحمن بن مسعود بن نیار
الراوي عن سهل بن أبي حثمة وهو مجهول .
(٢) بالخاء المعجمة والراء المفتوحتين : جمع خارف ، وهو الذي
يجتني الثمرة ويقطعها .

- ٤٠ -
مالك والأوزاعي ، والثوري ، وأصحاب الرأي .
واختلفوا في كيفية الأخذ، فقال مالك والأوزاعيّ : يؤخذ بعد
العصر من الزيت إذا بلغ زيتونه خمسة أوسق ، وقال أصحاب الرأي :
يؤخذ من ثمره .
أما الخضراواتُ، فلا عشر فيها عند أكثر العلماء ، وقال أبو حنيفة :
يجب فيها العُشْرُ إلا الحطبَ والحشيشَ والقصب" الفارسي، وخالفه
صاحباه، فلم يُوجبا فيه العُشْر".
ورُوي عن موسى بن طلحة قال : عندنا كتاب معاذ بن جبل عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه إنما أمرهُ أن يأخذ الصدقة من الحنطة
والشعير والزبيب والتمر (١).
(١) أخرجه الحاكم ٤٠١/١، وأبو عبيد في ((الأموال)) (١٣٧٤)
والدار قطني ص ٢٠١، والبيهقي ١٢٨/٤، وموسى بن طلحة لم يلق معاذاً
كما قاله غير واحد من الحفاظ، فهو منقطع. وأخرج الدار قطني ص٢٠١،
والحاكم ٤٠١/١، والبيهقي ١٢٥/٤ من حديث أبي حذيفة النهدي عن
سفيان الثوري ، عن طلحة بن يحيى ، عن أبي برزة ، عن أبي موسى ومعاذ
ابن جبل حين بعثهمارسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن يعلمان
الناس أمر دينهم ((لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير والحنطة
والزبيب والتمر)) وقال الحاكم : إسناده صحيح ووافقه الذهبي ، مع
أن أبا حذيفة النهدي واسمه موسى بن مسعود ضعفه غير واحد لسوء
حفظه وطلحة بن يحيى مختلف فيه ، وثقه ابن معين وغيره ، وقال يحيى
القطان : لم يكن بالقوي ، وقال ابن معين أيضاً : مابه بأس ، وقال
البخاري : منكر الحديث ، وقال أبو زرعة : صالح الحديث ، وقال ابن
معين في رواية والنسائي: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في ((الثقات))
وقال : كان يخطىء ، وقال يعقوب بن أبي شيبة : لا بأس به في حديثه
لين، وقال الساجي: صدوق لم يكن بالقوي ((تهذيب التهذيب)) و
((ميزان الاعتدال)) ورواه يحيى بن آدم في ((الخراج)» (٥٣٧) من حديث