Indexed OCR Text

Pages 61-80

باب
الصف فى القتال والتعبئة
قَالَّ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الَّذِيْنَ يُقَاتِلُونَ
في سَبيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْ صوصٌ) [الصف: ٤]،
وَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ( وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّى}
المُؤمِنيْنَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [ آل عمران: ٢١].
٠٠
٢٧٠٤ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحيّ، أنا أحمد بن عبد الله
النَّعيميُ، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل، نا أبو نعيم ، حدثنا
عبد الرحمن بن الغسيل ، عن حمزة بن أبي أُّسيد
عَنْ أَبِيْهِ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ عَّهِ يَوْمَ بَدْرٍ حِيْنَ صَفَفْنَا
لِقُرَ يْشٍ، وَصَفُّوا لَنَا: ((إِذَا أَكْتَبُوكُمْ، فَعَلَيْكُمْ
باْنَّبْلِ (١))) .
هذا حديث صحيح .
قوله: ((أكتبوكم )) أي: قاربوكم، والكثبُ: القُربُ، يقول :
اوموهم إذا دنوا منكم، ولا ترموهم على بُعدٍ ، وقد جاء في هذا الحديث :
(((إذا أكثبوكم)) يعني: أكثروكم، فارموهم، واستبقوا تبلكم))
ويُروى ((إذا أكثبوكم فارموهم، ولا تسُلُوا السيوف حتى يَغْشوم)) (٢)
(١) البخاري ٦٨/٦ في الجهاد: باب التحريض على الرمي.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٦٦٤) ..

- ٦٢ -
والنبل : السهام العربية ، وهي نطاف ليست بطوال كسهام النّشاب،
والحسبان أصغر من النسبل، وهي التي يُرمى بها على القي الكبار في
حجار من خشب ، واحدها حُبانه .
وروي عن عبد الرحمن بن عوف قال: عبأنا النبي عَ لَّ بيدر ليلاً (١).
٢٧٠٥ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحيء، أنا أحمد بن عبد الله
النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، نا عمرو بن
خالد ، نا زهير ، نا أبو إسحاق قال :
سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يُحَدِّثُ، قَالَ: جَعَلَ النَِّيُّ عَيه
عَلَى الرَّجَالَةِ يَوْمَ أُحْدٍ، وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ
جُبَيْرٍ، فَقَالَ: إِنْ رَأَيْتُمُوَنَا تَخَطَّفْنَا الطَّيْرُ ، فَلَا تَبْرَحُوا
مَكانَكُمْ هَذَا حَتّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا
القَوْمَ وَأَوْ طَأْنَاهْ ، فَلَ تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُم، فَزَمَهُمْ
قَالَ: فَأَنا وَاللهِ رَأَيْتُ النِّسَاءَ يُسْنِدْنَ قَدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ
وَأَسْوُقُهُنَّ رَافِعَاتٍ ثِيَابُنَّ، فَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللهِ بْنِ
◌ُجُبِّيْرٍ: الغَنِيْمَةَ، أَيْ قَوْمُ الغَنِيْمَةَ، ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ فَما
تَنْتَظِرُونَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهُ بْنُ مُجَبَيْرٍ: أَنَسِيْتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ
رَسُولُ اللهِ عَهْ؟ قَالُوا: وَاللهِ لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ، فَلَنُصِيْبَنَّ مِنَ الغَنْيْمَةِ
(١) أخرجه الترمذي (١٦٧٧ ) في الجهاد: باب ما جاء في الصف
والتعبئة عند القتال وإسناده ضعيف .

- ٦٣ -
فَلَمّا أَتَوْهُمْ صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ، فَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِيْنَ، فَذَاكَ
إِذْ يَدْتُوُ الرَّسُولُ فِي أَخْرَاهْ، فَلَمْ يَبْوَ مَعَ النَّيْ رَ﴾
غْرُ اثْنِي عَشَرَ رَجُلًا، فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ، وَكَانَ النِّيُّعَاء
وَأَصْحَابُهُ أَصَابَ مِنَ اْرِكِيْنَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِيْنَ وَمِائَةٌ
سَبْعِينَ أَسِيْرَاً، وَسَبْعِينَ قَتِيْلاً، قَالَ أَبُو ◌ُفْيَان: أَفِي
القَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَنَهَامُ النَِّيُّ عَهُ أَنْ يُحِيْبُوهُ،
ثُمّ قَالَ : أَفِ القَوْمِ ابْنُ أَبِي ◌ُحَافَةَ؟ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ:
أَفي القَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى
أَصْحَا بِهِ، فَقَالَ: أَمَّا هَؤْلَاءِ، فَقَدْ قُتِلُوا، فَمَا مَلَكَ عُمَرُ
نَفْسَهُ، فَقَالَ: كَذَّبْتَ يَا عَدُوَّ اللهِ إِنَّ الَّذِي عَدَدْتَ لَّحيَاءُ
كُلُّهُمْ، وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوؤُكَ، قَالَ: يَوْمٌ بَيَوْمُ
بَدْرٍ، وَالحَرْبُ سِجَالٌ، أَنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي القَوْمِ مُثْلَةٌ لَمْ
أُمُرْ بِهَا، وَلَمْ تَسُؤْنِي، ثُمَّ أَخَذَ يَرْ تَجِزُ أَعْلُ هُبلُ، أَعْلُ هُبَلُ
فَقَالَ النَِّيُّ عَّهِ: ((أَلَا تَجِيْبُونَهُ؟) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ
مَا نَقُولُ؟ قَالَ: (( قُوُلُوا: اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ)) قَالَ : إِنَّ
لَنَا العُزَّى وَلَا ◌ُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّيِّ ◌َ: «أَلَا تَجِيْبُونَهُ؟»

- ٦٤ -
قَالُوا: يَا رَ سُولَ اللهِ مَا نَقُولُ؟ قَالَ: (( قُوُلُوا: اللهُ مَوْلَانَا
وَلَا مَوْلَى لَكُمْ(١) )).
هذا حديث صحيح .
قوله: ((تخطفنا الطير)) يقول: إن رأيتمونا وقد ولينا منهزمين
فاثبتوا أنتم ، تقول العرب: فلانٌ ساكن الطير: إذا كان وقوراً
ركيناً ، ثابت الجأش، وقد طار طير فلانٍ: إذا طاش وخفً. وقوله :
(( فلا تبرحوا)) أي: لا تفارقوا مكانكم، قال الله عز وجل: (فلن
أبرّحَ الأرض) [ يوسف: ٨٠] يريد الإقامة، وقوله سبحانه وتعالى :
( لا أبرّحُ حَتى أبلغَ مَجَمَعَ البَحرين) [ الكهف: ٦٠] أي:
لا أزال سائراً . قال الإمام : فالأول ملازمة المكان ، والثاني : ملازمة
السير، وقوله: ((وأوطأناهم)) أي : غلبناهم وقهرناهم .
وقوله: ((رأيت النساء يُسندْنَ)) معناه: يصعدنَ في الجبل،
يُقال: أسنَدَ الرجل في الجبل: إذا صعد فيه، والسّنّد : ما ارتفع من
الأرض .
وقوله: ((والحرب سجالٌ)) يريد مرة لنا ، ومرة علينا، وأصله
أن المستقيين بالسجل يكون لكل واحد منهما تسجلٌ.
٢٧٠٦ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله
النسُّعيميُ، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل، نا عمرو بن خالد ،
نا زهير ، نا أبو إسحاق قال :
(١) البخاري ١١٣/٦، ١١٤ في الجهاد: باب ما يكره من التنازع
والاختلاف في الحرب ، وفي المغازي : باب فضل من شهد بدرا ، وباب
غزوة أحد ، وباب ( إذ اتصعدون ولا تلوون على أحد). وفي تفسير سورة.
آل عمران : باب قوله ( والرسول يدعوكم في أخراكم ) .

- ٦٥ -
سَمِعْتُ البَرَاءَ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ: أَكْتُمْ فَرَرْتُمْ يَا أَبَا عَمَارَةَ
يَوْمَ حُنَيْنٍ ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ مَا وَلَى رَسُولُ اللهِ عَهِ، وَلَكِنَّهُ
خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخْفَاقُهُمْ حُسِّراً، فَأَتَوْا قَوْمَا رُمَاةً
جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَِنِي نَصْرٍ، مَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، فَرَشَقُوَهُمْ
رَشْقَا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ، فَأَقْبَلُوا هُنَالِكَ إِلَى النَّيِّ عَاءُ
وَهُوَ عَلى بَغْلَتِهِ البَيْضَاءِ، وَابْنُ عَمِّهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ
ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ، فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ، ثُمَّ قَالَ :
أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْطَّلِبْ
أَنَا النَِّيُّ لَا كَذِبْ
ثُمَّ صَفِّ أَصْحَابَهُ.
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى ، عن.
زهير بن أبي خيثمة .
قوله: ((أخفافهم))، ويُروى: أَخِفْاُؤْم هي جمع خفٍّ ، وهو
الخفيف ، والحسر: جمع حامرٍ ، وهو الذي لا سلاح له . قوله :
(( فرشقوم)) أي : رموهم .
باب
المبارزة
٢٧٠٧ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله
(١) البخاري ٧٦/٦ في الجهاد: باب من صف أصحابه عند الهزيمة،
وباب من قاد دابة غيره في الحرب ، وباب بغلة النبي صلى الله عليه وسلم
البيضاء ، وباب من قال : خذها وأنا ابن فلان ، وفي المغازي : باب قول
الله تعالى ( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ) ومسلم ( ١٧٧٦) في الجهاد
والسير : باب غزوة حنين .
شرح السنة : ١ ١ م - ٥

- ٦٦ -
النُّعيميُ، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، نا يعقوب بن
إبراهيم، نا ◌ُشيم ، أنا أبو هاشم ، عن أبي مجازٍ
عَزْ قَيْسِ بْنِ مُبَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍ يُقْسِمْ قَسَعَا
إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ: ( هُذَانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِم )
[ الحج: ١٩] نَزَلَتْ فِي الَّذِيْنَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: حمْزَةَ،
وَعَبِلِيِّ، وَعُبَيْدَةَ بُنِ الْحَارِثِ، وَعُتْبَةَ، وَشَيْبَةَ ابْنَه
رَبِيْعَةَ، وَالوَلِيْدِ بْنِ مُتْبَةَ .
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم عن عمرو بن زرارة ،
عن ◌ُشيم
ورُوي عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضْرِّب ، عن علي قال :
تقدّم ◌ُعتبة بن ربيعة، ومعه ابنه وأخوه، فنادى : من يبارز؟ فانتدب
له شبابٌ من الأنصار، فقال: من أنتم ؟ فأخبروه ، فقال : لا حاجة
لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقالَ رسولُ اللهِ ع ◌َلَّم: ((قم يا حمزة،
قم يا علي ، قم يا ◌ُبيدة بن الحارث)) فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلتُ إلى
١١: البخاري ٢٣٢/٧ في المغازي: باب قتل أبي جهل ، وفي تفسير
سورة الحج : باب (هذان خصمان اختصموا في ربهم ) ومسلم ( ٣٠٣٣)
في التفسير: باب قوله تعالى ( هذان خصمان اختصموا في ربهم ) وذكره
السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣٨٤/٤، وزاد نسبته للطبري، وسعيد بن
منصور ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن ماجة ، وابن
المنذر . وابن أبي حاتم. وابن مردويه، والبيهقي في ((الدلائل)) وثمت
أقوال أخرى في سبب نزول الآية انظرها في ((زاد المسير)) ٤١٦/٥

- ٦٧ -
منبية، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان ، فأثخن كل واحد منهما
صاحبه ، ثم ملنا على الوليد ، فقتلناه واحتملنا عبيدة (١).
قال الإمام : فيه إباحةُ المبارزة في جهاد الكفار، ولم يختلفوا في
جوازها إذا أذن الإمام، واختلفوا فيها إذا لم يكن عن إذنٍ من الإمام ،
فجوّزها جماعة، لأن الأنصاريين كانوا قد خرجوا قبل حمزة ، وعلي ،
و ◌ُبيدة من غير إذن، وإليه ذهب مالك، والشافعي ، وكرة ذلك
جماعةٌ إلا بإذن الإمام، وإليه ذهب سفيان، وأحمد، وإسحاق ،
وُكي عن الأوزاعي كلُّ واحدٍ من القولين .
وفيه دليل على أن معونة المبارز جائزة إذا ضعُفَ ، أو عجز عن
قرنه ، وبه قال الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال الأوزاعي :
لا يُعينونه، لأن المبارزة إنما تكون هكذا، فأما إذا بارز مسلم مشركاً
وشرطا أن لا يُقاتله غيره، لم يكن لإحدى الطائفتين أن يعين مبارزه
ما داما يتقاتلان، فإذا ولّى الكافر منهزماً، أو بعد ما قَتَّلَ المسلم ،
أو أثخنه ، فيجوز قتله، لأن القتال قد انقضى بينهما ، إلا أن يكون
شرط عليهم أنه آ مِنٌ حتى يرجع إلى الصف ، فليس لهم أن يتعرضوا
له إلا أن يُنخن المسلم، ويريد قتله، فعليهم استنقاذ المسلم من يده من
غير أن يقتلوا المشرك ، فإن أعان العدو مبارزهم ، كان حقاً على المسلمين
إعانة" صاحبهم ، ثم إن استعان المشرك بهم، فقد نقض أمانه ، فللمسلمين
قتل المبارز والأعوان جميعاً ، وإن لم يستعين بهم ، فيقتلون الأعوان
دون المبارز ، لأنه لم ينقُض أمانه بالاستعانة .
(١) أخرجه أبو داود (٢٦٦٥) في الجهاد: باب المبارزة، وإسناده
قوي، وأخرجه أحمد (٩٤٨). مطولا .

باب
الفرار من الزهف
قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: (إِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِيْنَ كَفَرُوا زَّحفَاً »
أَيْ: زَاحِفِيْنَ، وَهُوَ أَنْ يَزْحَفُوا إِلَيْهِمْ قَلِيْلاَ قَلِيْلاً ،
(وَمَنْ يُؤَِّمْ يَوْ مَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفَاً لِقِتَالٍ) [الأنفال: ١٥]
وَقَالَبَّ ذِكْرُهُ: (إِنْ يَكْنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ
يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) [الأنفال: ٦٥] قَوْلُهُ: (أَوْ مُتَحَيِّراً إِلى
فِئَةٍ ) أَيْ: يَصِيْرُ إِلَى حَيٍِّ فِئَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ يَسْتَنْجِدُ ◌ِهِمْ
يُقَالُ: تَخَيََّ وَتَخَوِّزَ وَانْحَازَ بَعْنَىَ وَاحِدٍ ، وَالخَيِّزُ: النَّاحِيَةُ،
يُقَالُ: فَلَنٌ مَانِعٌ ◌َِوْزَتِهِ، أَيْ: لِمَا فِي خَيِّزْهٍ ، وَالِفِئَةُ:
الفِرْقَةُ، وَجَمْعُهَا فِئَاتٌ وَفِئُونَ .
٢٧٠٨ - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، ومحمد بن أحمد العارف ،
قالا: فا أبو بكر أحمد بن الحن الخيريء، نا أبو العباس الأمم ،
( ح ) وأخبرنا عبد الوهّاب بن محمد الكسائي، أنا عبد العزيز بن أحمد
الخلال ، نا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا ابن
مُبينة ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ عَهْلِ فِي سَرِيَّةٍ،
فَلَقُوا العَدُوَّ، فَحَاصَ النَّاسُ خَيْصَةٌ، فَأَتَيْنَا المَدِيْنَةَ

- ٦٩ -
وَ قُلْنَا: يَا رَ سُولَ اللهِ نَحْنُ الفَرَّارُونَ، قَالَ: ((بَلْ أَنْتُمُ
٤ < . (١)
العَكَّارُونَ وَأَنَا فِئَتُكُمْ (١) )).
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن
أبي زياد، وقال زهير عن يزيد، قال: ((لا بل أنتم العكارون)) قال :
فدنونا فقبّلنا يده، فقال: (( أنا فئة المسلمين (٢)).
وقوله: ((فخاص)) أي: حاد عن طريقه، وعدل عن وجهه إلى
جهة أخرى. وقوله: ((أنتم العكارون)) يريد العائدون إلى القتال
والكرّرون، يُقال: عَكَوتُ على الشيء: إذا عَطفتَ عليه
وانصرفت إليه .
وقوله: ((وأنا فِيْتُكَ)) مِهْد بذلك عذرهم، وذلك أن الله سبحانه
وتعالى حرّم التولّي عن الزحف إلا متحرفاً لقتال، أو متحيزاً إلى فئة ،
وكان في ابتداء الإسلام يجب على المسلمين مصابرة العدو إذا كان بمقابلة
كل مسلم عشرة من المشركين، كما قال جلّ ذكرُهُ: (إن يكن منكم
عشرون صابرون يغليوا مائتين ) [ الأنفال: ٦٥] ثم خفف الله عنهم ،
فأوجب المصابرة إذا كان بإزاء كل مسلم مشركان فأقل ، فقال جل جلاله
وعظُمَّ كبرياؤه: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً ، فإن
يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين) [الأنفال: ٦٦] قال ابن عباس:
(١). الشافعي ١٠٧/٢، ١٠٨، وأخرجه أحمد (٥٣٨٤) وأبو داود
( ٢٦٤٧) في الجهاد: باب في التولي يوم الزحف، والترمذي ( ١٧١٦)
في الجهاد : باب ما جاء في الفرار من الزحف من حديث يزيد بن أبي زياد ،
عن عبدالرحمن بن أبي ليلى. قلت : ويزيد بن أبي زياد تكلموا فيه، وباقي
رجاله ثقات، ومع ذلك فقد حسنه الترمذي ، وصححه أحمد
محمد شاكر .
(٢) هذه الرواية لأبي داود .

- ٧٠ -
فلما خفف الله عنهم من العدد، نقّص من الصبر بقدر ما خفف عنهم (١)
وقال عبد الله بن عباس: من فرّ من ثلاثة، فلم يفرّ، ومن فرّ من
اثنين، فقد فرّ: يريد إذا فر مسلم من كافرين غيرَ متحرفٍ لقتال ،
أو متحيزاً إلى فئة ، يستحق الوعيد الذي أوعده الله سبحانه وتعالى في
قوله عزّ وجل: (ومن يُولِهِم يومئذ دُبُرَهُ إلا متحرفاً لقتال، أو
متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ) [ الأنفال: ١٦] وإن كانوا
أكثر من اثنين بإزاء كل مسلم، فلا عتب على من فردّ، ومن فر" من
اثنين ، فليس له أن يصلي بالإيماء في الفرار ، لأنه عاصٍ كقاطع
الطريق ، وهو من الكبائر . قال الحسن : ليس الفرار من الزحف من
الكبائر ، إنما كان ذلك يوم بدر . .
باب
حكم الجاسوس
٢٧٠٩ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله
النُّعيميُ، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل، نا أبو نعيم ،
نا أبو الخميس، عن إياس بن سلمة بن الأكوع
عَنْ أَبِيْهِ قَالَ: أَتَى النَِّيَّ عَّهِ عَيْنٌ مِنَ الْشْرِكِيْنَ وَهُوَ
فِي سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَا بِهِ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقَالَ:
(١) أخرجه البخاري ٢٣٤/٨ من طريق عبدالله بن المبارك، عن جرير
ابن حازم ، عن الزبير بن الخريت عن عكرمة ، عن ابن عباس .

- ٧١ -
النِّبيُّ عَِّ: ((اطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ، فَقَتَلْتُهُ فَنَفَّلَهُ (١) سَلَبَهُ.
هذا حديث متفق على صحته (٢) أخرجه مسلم من طريق عكرمة بن
عمار، عن إياس بن سلمة، وفيه: قال رسول الله مواقع: ((من قتَلَ
الرجل ؟ قالوا: ابنُ الأكوع، قال: ((له تَلبُهُ أجمعُ)).
وفيه دليل على أن من دخل دار الإسلام من أهل الحرب من غير
أمانٍ حلّ قتلُهُ ، ومن تجسْسَ للكفار من أهل الذمة ، كان ذلك منه
نقضاً للعهد، وإن فعله مسلم، فلا يحل قتله، بل يُعزّر، فإن ادَّعى
جهالة بالحال ، ولم يكن متهماً ، يُتجنفى عنه ، هذا قول الشافعي، وقال
الأوزاعي: عاقبه الإمامُ عقوبة" مُنكْلة، وغرْبه إلى بعض الآفاق،
(١) كذا في البخاري وفيه التفات من ضمير المتكلم الى الغيبة ،
والسياق يقتضي أن يقول : فنفلني ، وهي رواية أبي داود .
(٢) البخاري ١١٦/٦، ١١٧ في الجهاد : باب الحربي اذا دخل دار
الاسلام بغير امان ، ومسلم (١٧٥٤ ) في الجهاد والسير : باب استحقاق
القاتل سلب القتيل ولفظه عن سلمة الأكوع قال : غزونا مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم هوازن ، فبينا نحن نتضحى ( نتغذى) مع رسول الله
اذ جاء رجل على جمل احمر ، فأناخه ، ثم انتزع طلقاً من حقبه ، فقيد به
الجمل ، ثم تقدم يتغذى مع القوم ، وجعل ينظر وفينا ضعفة ورقة في
الظهر ، وبعضنا مشاة اذ خرج يشتد، فأتى جمله فأطلق قيده . ثم
أناخه وقعد عليه ، فأثاره ، فاشتد به الجمل فاتبعه رجل على ناقة ورقاء .
قال سلمة : وخرجت أشتد ، فكنت عند ورك الناقة ، ثم تقدمت حتى
كنت عند ورك الجمل ، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فالخته ،
فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي ، فضربت رأس الرجل ،
فندر ، ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه ، فاستقبلني رسول الله
صلى الله عليه وسلم والناس معه، فقال: ((من قتل الرجل؟)) قالوا ابن
الأكوع، قال: (( له سلبه أجمع)).

- ٧٢ -
وقال أصحاب الرأي: عاقبه، وأطال حبه ، وقال مالك: ذلك إلى
اجتهاد الإمام (١).
٢٧١٠ - أخبرنا أبو الحسن عبد الوهاب بن محمد الكسائي ، أنا
أعبد العزيز بن أحمد الخلال ، نا أبو العباس الأصم ( ح ) وأخبرنا أحمد
ابن عبد الله الصالحية، ومحمد أحمد العارف، قالا : أخبرنا أبو بكر
الجيري، نا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع، أنا الشافعي ، أنا سفيان
ابن ◌ُينة ، عن عمرو بن دينار ، عن الحسن بن محمد
عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَا يَقُولُ:
بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ◌ّهِ أَنَا وَالزُّبَيْرُ وَالِقْدَادُ، فَقَالَ: أَنْطَلِقُوا
حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخَ، فَإِنَّ ◌ِبَهَا ظَعِيْنَةً مَعَهَا كِتَابُ ،
فَخَرَ جُنَا تُعَادِي بِنَا خَيْنَا، فَإِذَا نَحْنُ بِطَعِيْنَةٍ، فَقُلْنَا:
أُخْرِجِي الكِتَابَ ، فَقَالَتْ: مَا مَعِيَ كِتَابٌ ، فَقُلْنَا لَهَا :
◌َتُخْرِ جِنَّ الكِتَابَ أَوْ لَتُلْقِنَّ الثَّيَابَ، فَأَخْرَ جَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا،
فَأَ تَيْنَا رَ سُولَ اللهِ عَلِ، فَإِذَا فِيْهِ: مِنْ حَاطِبٍ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ
إِلَى أَنَاسٍ مِنَ المُشْرِكِيْنَ يَّنْ ◌ِ بِمَكَّةَ يُخِيرُ بِبَعْضِ أَمْرِ النَّيِّ
نَظَهْلِ فَقَالَ: ((مَا هَذَا يَا حَاطِبُ ؟)) فَقَالَ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ
(١) وقال ابن وهب من المالكية: يقتل الا أن يتوب، وعن بعضهم أنه
يقتل اذا كانت عادته ذلك ، وبه قال ابن الماجشون ، وقال ابن القاسم :
يضرب لأنه لاتعرف توبته ، وبه قال سحنون ((عمدة القاري)) ٤٧/٧

- ٧٣ -
إِنِّي كُنْتُ امْرَءَاَ مُلْصَقَاً فِي قُرَّيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا ،
وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْهَاِجِرِيْنَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِها
قَرَابَاتِهِمْ، وَلَمْ يَكْنْ لِيِ بِمَكَّةَ قَرَابَةٌ ، فَأَحَبْتُ إِذْ فَاتَنِي
ذَلِكَ أَنْ أَّخِذَ عِنْدَهْ يَدَآَ وَاللهِ مَا فَعَلْتُهُ شَكّاً فِي دِيْنِي، وَلَا
رِضَىَ بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإسْلَامِ(١، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَهِ:
(((إِنَّهُ قَدْ صَدَقَ)) فَقَالَ مُمَرُ : يَا رَسُولَ اللهِ دَعْنِي أَضْرِبْ
"ُنَقَ هَذا الْنَافِقِ، فَقَالَ النَّيُّ عَهِ: ((إنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرَاً
وَمَا يُدْرِيْكَ لَعَلَّ اللهَ أَطَلَعَ عَلى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: أَعَمَلُوا
مَا شِئْتُمْ فَقْدْ غَفَرْتُ لَكُمْ، وَنَزَلَتْ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آَمَنُوا
لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ).
هذا حديث متفق على صحته (٢) أخرجه محمد عن قُتببة بن سعيد
(١) قال القرطبي في تفسيره ٥٢/١٨، ٥٣: من كثر تطلعه على
عورات المسلمين ، وينبه عليهم ، ويعرف عدوهم بأخبارهم ، لم يكن بذلك
كافرا اذا كان فعله لغرض دنيوي واعتقاده على ذلك سليم كما فعل حاطب
حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين، وإذا قلنا: لا يكون
بذلك كافرا ، فهل يقتل بذلك حداً أم لا ؟ اختلف الناس فيه ، فقال
مالك وابن القاسم وأشهب : يجتهد في ذلك الإمام ، وقال عبد الملك : اذا
كانت عادته تلك ، قتل ، لأنه جاسوس ، وقد قال مالك بقتل الجاسوس
وهو صحيح لإضراره بالمسلمين وسعيه بالفساد في الأرض ، ولعل ابن
الماجشون إنما اتخذ التكرار في هذا ، لأن حاطباً أخذ في أول فعله .
(٢) الشافعي ١٠٨/١٢، البخاري ٤٠,٠/٧، ٤٠١ في المغازي : باب

- ٧٤ -
وغيره، وأخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره ، كلٌ عن،
سفيان بن عيينة.
قال الإمام : في الحديث دليلٌ على أنه يجوز النظرُ في كتاب الغير
بغير إذنه، وإن كان سراً إذا كان فيه ريبة" وضررٌ يلحق الغير ، أما
ما روي عن ابن عباس أن رسول الله صِ المِ قال: ((من نظر في كتاب.
أخيه بغير إذنه فإنما ينظر في النار (١))) فهو في الكتاب الذي فيه أمانة ،
أو سر بين الكاتب والمكتوب إليه لا ريبة فيه ، ولا ضرر بأحدٍ من
أهل الإسلام ، فأما كتب العلم، فقد قيل : يجوز النظرُ فيه بغير إذن.
صاحبه ، لأن العلم لا يحلُّ منعه، ولا يجوز كتمانه ، وقيل : لا يجوز
لظاهر الحديث ، ولأن صاحب الشيء أولى بمنفعة ملكه، وإنما يأثم
بكتمان العلم الذي سُئل عنه ، فأما منع الكتاب عن غيره ، فلا إثم فيه .
وقوله: (( فإنما ينظر في النار)) قيل : أراد بالنظر إلى النار :
الدنوَّ منها، والصِّيّ بها، لأن النظر إلى الشيء إنما يتحقق عند الدنو.
منه . والله أعلم .
وفي حديث حاطب دليل على أن حكم المتأول في استباحة المحظور
غزوة أحد ، وباب فضل من شهد بدرا ، وفي الجهاد : باب الجاسوس ،
وباب اذا اضطر الرجل الى النظر في شعور أهل الذمة ، والمؤمنات اذا
عصين الله وتجريدهن ، وفي تفسير سورة الممتحنة في فاتحتها ، وفي
الاستئذان : باب من نظر في كتاب من يحذر من المسلمين ليستبين
أمره ، وفي استتابة المرتدين : باب ما جاء في المتأولين ، وأخرجه مسلم
( ٢٤٩٤) في فضائل الصحابة : باب من فضائل أهل بدر .
(١) أخرجه أبو داود (١٤٨٥) في الصلاة: باب الدعاء، وإسناده
ضعيف .

- ٧٥ -
خلاف حكم المتعمّد لاستحلاله من غير تأويل ، وأن من تعاطى شيئاً من
المحظور ، ثم ادّعى له تأويلًا محتملًا ، لا يقبل منه ، وإن من تجسس
للكفار ، ثم ادّعى تأويلا وجهالة يُتجافى عنه.
وفيه جواز النظر إلى ما ينكشف من النساء لإقامة حدّ ، أو إقامة
شهادة في إثبات حقٍّ إلى ما أشبه ذلك من الأمور . وفيه دليل على أن
من كفّرّ مسلماً ، أو نفقه على التأويل ، وكان من أهل الاجتهاد
لا يعاقب، فإن النبي مَ ◌ِّ لم يعنّف عمر بن الخطاب على قوله: ((دعني
أضرب عنق هذا المنافق)) بعد ما صَدّقه الرسول ◌ِّ فيما ادعاه ، لأن
معمر لم يقل ذلك على سبيل العدوان، إذ كان ذلك الصنيعُ من حاطب
شبيهاً بأفعال المنافقين، إلا أن النبي ◌ََّ قد أخبر أن الله قد غفر له
ذلك وعفا عنه ، فؤال عنه اسم النفاق .
بابـ
الأسير بقيد والحكم فيه
قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (فَخُذُوُهُمْ وَاحْصُرُوُهُمْ)
[التوبة: ٥] قَوْلُهُ: ((فَخُذُوهُمْ، أَي: اثْسِرُوُهُمْ،
وَيُقَالُ لِلأَسِيْرِ: الْأْخِيَذُ ، وَأَحْصُرُوُهُمْ، أَيْ : أحدِسُوُهُمْ،
وَالَحَصِيْرُ: السِّجْنُ الَّذِي يُحْبَسُ فِيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلهُ سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى: (وَجَعَلْنَا جَهَّمَ لِلْكَافِرِيْنَ حَصْراً) [الاسراء: ٨]
وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلِّ: (وَأْقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْ صَدٍ) [ التوبة ٥]

- ٧٦ -
أَيْ: عَلَى كُلِّ طريْقٍ، أَيْ: كُونُوا لَهُمْ رَ صَداً، لِتَأْخِذُوهُمْ
مِنْ أَيِّ وَجْهٍ تَوَّجَّهُوا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ( إِنَّ
رَبَّكَ كَبِالْمِرْ صَادٍ) [ الفجر: ١٤] أَيْ: بِالطَّريقِ
الَّذِي مَمَرُّكَ عَلَيْهِ، وَقِيْلَ: يَرُْصُدُ كُلِّ إِنْسَانٍ حَتَّى يُجَازِيَهُ
بِعَمَلِهِ ، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ( حَتَّى إذا أَثْخَنْتُمُوُهُمْ فَشُدُّوا
الوَثَاقَ) [ محمد: ٤] قِيَلَ: الإِثْخَانُ: المبَاَلَغَةُ في الحَرْبِ،
وَقِيْلَ : القَهْرُ وَالقَتْلُ، وَقِيْلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ( حَتَّى يُتْخِنَ
فِي الأرْضِ ) أَيْ: حَتَّى يُكْثِرَ القَتْلَ، وَالإِيقَاعَ بِالْعَدُوِّ ،
وَقِيْلَ: حَتَّى يَتَمَكَّنَ فِي الْأَرْضِ ..
٢٧١١ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد
الله النعيميء، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، نا محمد
ابن بشار ، نا غُندَر ، نا شعبة ، عن محمد بن زياد
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّيِّ مَِّ قَالَ: ((عَجِبَ اللهُ مِنْ
قَوْمِ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فِي السَّلَّاسِلِ (١) )).
هذا حديث صحيح، وقيل في قوله: ((عَجِبَ اللهُ)) معناه:
(١) البخاري ١٠١/٦ في الجهاد: باب الأسارى في السلاسل، وقد
أخرجه أبو داود (٢٦٧٧) من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن زياد بلفظ
((يقادون الى الجنة بالسلاسل)).

- ٧٧ -
الرضى وكذلك الفرح والاستبشار الوارد في صفات الله عزّ وجل معناه :
الرضى، وقرىء: (بل عجبتُ ويَسخرون) [الصافات: ١٢] بضم التاء (١).
قيل: ((قل فيه ، مضمر، وقيل: معناه جازيتهم على عجبهم، وذلك أن اله
سبحانه وتعالى أخبر عنهم في غير موضع بالعجب من الحق ، فقال :
(وعجِيبُوا أن جاءهم منذوٌ منهم) وقال: (قالوا إن هذا لشيء ◌ُجاب)
[ ص: ٥] وهذا كقوله سبحانه وتعالى: (الله يستهزىء بهم)
[ البقرة: ١٥] أي: يجازيهم على استهزائهم، وقال: ( فيسخرون منهم
سخر الله منهم ) [ التوبة: ٧٩] أي: جازاهم على سخريتهم ، وقد
يكون العجب بمعنى وقوع ذلك العمل عند الله عظيماً ، فيكون معنى قوله :
( بل عجبت ) أي : عظم عندي فعلهم .
قال الإمام : فيه دليل على جواز الاستيثاق من الأسير الكافر
بالرَّباط، والغُلِّ والقيد إذا خيف انفلاتْه، ولم يؤمن شراء، ومن وقع
في الأمر من نساء أهل الحرب وذراريم ، صاروا أرقاء ، وكانوا من
جملة الغنائم ، فأما الرجال العاقلون البالغون منهم إذا وقعوا في الأمر ،
فالإمام فيهم بالخيار ، إن شاء قتلهم من غير أن يمثل بهم ، وإن شاء
١- ترقّهُم، وإن شاء مَنْ عليهم، وإن شاء فأداهم بالمال، أو بأسرى
المسلمين ، وإن وقف به الرأيُ فيهم، حبسهم إلى أن يرى فهم رأيه ،
(١) هي قراءة ابن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وأبي
عبد الرحمن السلمي وعكرمة وقتادة وأبي مجلز والنخعي وطلحة بن مصر ف
والأعمش وابن أبي ليلى وحمزة والكسائي في آخرين، وقرأ ابن كثير ونافع
وعاصم وأبو عمرو وابن عامر (بل عجبت) بفتح التاء انظر ((زاد المسير))
٤٩/٧ ٠

- ٧٨ -
قال اله سبحانه وتعالى: ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم) [البقرة: ١٩١ ]
أي : وجدتوهم ، وقال الله تعالى: ( فإما تثقفنْهم في الحربِ فشرِّد
بهم مَنْ خلفهم ) [ الأنفال: ٥٧] أي: افعل بهم فعلًا من العقوبة
تخيف من وراءهم من أعدائك فتشردهم وتفرقهم . ومن أشْكل بلوغه.
منهم ، كُشف عن عورته، فإن أنبت ، ◌ُجُعِل في البالغين، ومن لم يُنبئت
ففي الذرية ، وروي عن عبد الملك بن عميرٍ ، عن عطية القرظي ، قال :
عرضنا على النبي ◌َفى يوم قريظة، فكان من أنبتَ قَتِلَ، ومن لم
يُنبت خليّ سبيلُهُ، فكنت ممن لم ينبت، فخليّ سبيلي (١).
قال الشافعي: أَمَرَ رسول الله بَلَم أهل بدرٍ، فقتل عقبة بن
أبي معيط، والنضر بن الحارث، ومَنّ على أبي عزَّة الجمعي على أن
لا يُقاتله، فأخفره وقاتله يوم أحد، فدعا أن لا يفلت، فما أسرّ غيره،
ثم أمير ثمامة بن أثالٍ الحنفي فمنّ عليه، فأسلم وحَسُنَ إسلامه ، وفادى
رجلًا برجلين .
وروي عن ابن مسعود أن رسول الله وعلى لما أراد قتل عقبة بن
أبي معيطٍ فقال: من الصبية؟ قال: ((النار (٢))).
(١) أخرجه أبو داود (٤٤٠٤) في الحدود : باب في الغلام يصيب
الحد ، والترمذي (١٥٨٤) في السير: باب ما جاء في النزول على الحكم،
والنسائي ١٥٥/٦ في الطلاق: باب متى يقع طلاق الصبي ، وابن ماجة
(٢٥٤١) في الحدود : باب من لا يجب عليه الحد ، وإسناده حسن ، وقد
صرح عبدالملك بن عمير بالتحديث في رواية أبي داود وابن ماجة ، وقال
الترمذي : حديث حسن صحيح .
(٢) أخرجه أبو داود (٢٦٨٦) وإِسناده حسن.

- ٧٩ -
وذهب إلى ما ذكرنا من التخيير بين القتل ، والمن ، والفداء ،
،والاسترقاق أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ◌ِ ◌ٍّ ، وأهل العلم بعدهم ،
وهو قول الشافعي، والثوري، وأحمد ، وإسحاق ، وذهب قوم إلى
أنه لا يجوز الفداء والمن ، وهو قول الأوزاعي ، وأصحاب الرأي .
حكي عن الأوزاعي قال : بلغني أن هذه الآية منسوخة قوله : ( فإما
مَنّاً بَعدُ وإما فداء) نسخها قوله سبحانه وتعالى: (واقتلوهم حيث
ثقفتموهم (١) ) .
وذهب قوم إلى أن المنّ كان خاصاً للنبي عَ لَل دون غيره، وهذا
لا يصح، لأن قوله عزّ وجل: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضربّ
الرَّقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدُوا الوثاق) [ محمد: ٤] عام
وخطابٌ لجميع الأمة لا تخصيص فيه ، وحكي عن مالك أنه جوز المفاداة
بالرجال ، ولم يجوِّز بالمال .
باب
المن والفراء
قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى: ( فَإِمَّا مَنَّ بَعْدُ وَإِمّا فِدَاءٌ حَتى
تَضَعَ الَحَرْبُ أَوْزَارَهَا) [ محمد: ٤] أَيْ: سِلَاَحَهَا، وَأَصْلُ
الوزْرِ: مَا يَحْمِلُهُ الإِنسَانُ، وَسُمّيَ السَّلَاحُ أَوْزَارَاً، لِأَنْهُ
(١) بل الصحيح أن الآية محكمة، وإن الأسير اذا وقع في يد الإمام
فهو مخير إن شاء من عليه، وإن شاء فاداه، وإن شاء قتله، أي ذلك
رأى فيه مصلحة المسلمين فعل. انظر ((زاد المسير)) ٣٩٩/٣.

- ٨٠ -
يُحْمَلُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ( يَحْمِلُونَ أَوْزَارُهُمْ) أَيْ:
ثِقَلَ ذُنُوبِهِمْ.
وَقَالَ سَعِيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (حَتَّى إِذَا
أَثْخَنْتُمُوُهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءَ )
[ محمد: ٤] قَالَ: لَا يُفَادَى أَسِيْرُهُمْ، وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِمْ
حَتَّى يُثْخِنَ فِيهِمُ الْقَتْلُ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :
(
( حَتّى تَضَعَ الَحَرْبُ أَوْزَارَهَا ) خُرُوجُ عِيْسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ
٢٧١٢ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحيث، أما أحمد بن عبد الله.
النّعيمي،، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل، نا عبد الله بن.
يوسف ، نا الليث ، نا سعيد بن أبي سعيد
سَمِعَ أَبَا هُرَ يْرَةَ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ◌َِهِ خَيْلاَ قِبَلَ نَجْدٍ ،
فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيْفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ ،
فَرَ بَطُوهُ فِي سَارِبَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ السِّيُّ عَليه
(١) قال المصنف رحمه الله في تفسيره ٤٩٧/٧، ٤٩٨: ومعنى الآية:
أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يدخل أهل الملل كلها في الإسلام ،
ويكون الدين كله الله ، فلا يكون بعده جهاد ولا قتال ، وذلك عند نزول.
عيسى بن مريم عليه السلام، وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم
(( الجهاد ماض منذ أن بعثني الله الى أن يقاتل آخر أمتي الدجال)) وقال
الكلبي : حتى يسلموا أو يسالموا ، وقال الفراء : حتى لا يبقى إلا مسلم
أو مسالم .