Indexed OCR Text

Pages 81-100

- ٨١ -
ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللهِ عِِّ، فَقَالَ: «أَ نْقُضِي رَأْسَكِ وَأَمْتَشِطِي
وَأَهِ بِحِجْ، وَدَعيِ الْعُمْرَةَ، قَالَتْ: فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجِّ
أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللهِ لَ ◌ّهِ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي بَكْرِ الصَّدِّيقِ
إلى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ ، فَقالَ: (( هَذا مَكَانُ عُمْرَتِكِ، قَالَتْ:
فَطَافَ الّذِينَ أَهْلُوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ آلْمَّفَا وَالْرُوَةِ،
ثُمَّ خُلُوا مِنْهَا، ثُمَّ طَافُوا طَوافاً آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنى
◌َجْهِمْ. وأمّا الَّذِينَ أَهْلُوا بِالْحِجُ، أَوْ تَعُوا الْحَجَ والْعُمْرَةَ،
فَإِنَّمَا طَافُوا طواماً واحِداً.
هذا حديثٌ متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف ،
وعبد الله بن مسلمة ، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى ، كل عن مالك .
قال رحمه الله: في هذا الحديث دليل على أن الحائض لا يجوز لها أن
تطوف بالبيت، وهو قولُ عامة أهل العلم، واختلفوا في قول النبي محمد كلّه
لعائشة: ((دعي العمرة)) فذهب بعضُهم إلى أن المرادَ منه اتركيها إلى
القضاء ، أمرها بفخ العمرة والخروج عنها حتى تقضي من بعدُ ، فعلى هذا
(١) ((الموطأ)) ٤١٠/١، ٤١١ في الحج : باب دخول الحائض مكة ،
والبخاري ٣٣٠/٣ في الحج: باب كيف تهل الحائض والنفساء، وفي الحيض:
باب امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض ، وباب نقض المرأة شعرها عند
غسل المحيض ، وباب كيف تهل الحائض بالحج والعمرة ، وباب التمتع
والإقران والإفراد بالحج ، وباب طواف القارن ، وباب العمرة ليلة الحصبة
وغيرها ، وباب الاعتمار بعد الحج بغير هدي ، وفي المغازي : باب حجة
الوداع ، ومسلم (١٢١١ ) في الحج : باب بيان وجوه الإحرام .
شرح السنة : ج ٧ - ٦٢

- ٨٢ -
كانت عمرتها من التنعيم قضاءً لها، والصحيحُ أنه لم يأمرها بترك العمرة
أصلاً ، وهو قولُ الشافعي رضي الله عنه، وإنما أمرها بترك أعمالها من
الطواف والسعي ، وأن تدخل الحج عليها ، فتكون قارنة . وعلى هذا
المذهب كانت عمرُتها من التنعيم تطوعاً، أعمرها رسولُ الله مؤلف تطبيباً
لنفسها ، والدليلُ عليه ما
١٨٨٨ -- أخبرنا ابن عبد القاهر، أنا عبد الغافر بن محمد ، أنا
محمد بن عيسى، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، نا مسلم بن الحجاج،
نا قتيبة بن سعيد ، نا ليث ، عن أبي الزبير
عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَقْبَلْنَا مُبِلْنَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ◌ِّهِ بِحَجٍ
مُغْرَدٍ ، وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ بِعُمْرَةٍ حَتَّى إذا كُنَّا بِسَرِفَ، عَرَكَتْ
حَتَّى إذا قَدِمْنا ، ◌ُفْنا بِالْكَعْبَةِ، وَلَصْفًا وَالمَرْوَةِ، فَأَمَرَنَ
رَسُولُ اللهِ عَِّّهِ أَنْ يَحِلَّ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، قالَ
فَقُلْنا: حِلُّ مَاذَا؟ قَالَ: ((الِحِلُّ كُمْلُهُ)) فَواقَعْنا النِّساءَ،
وَتَطَيّْنَا بِلطِيبٍ، وَلَبِسْنَا ◌ِياَبَنا، وَلَيْسَ بَيْتَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ
إِلاَّ أَرْبَعُ لَيالٍ، ثُمْ أَهْلَلْنَا يَوْمَ الْتَّرْوِيَّةِ: ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ
اللهِ عٍَّ عَلى عَائِشَةَ، فَوَجَدَها تَبْكِي، فَقَالَ: ((مَاشَأُنُك))
قَالَتْ: شَأْنِي أَنِي قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أَخْلِلْ
وَلَمْ أُطفْ بِالْبَيْتِ، وَالنَّاسُ يَذْهَبِونَ إلى الْحَجُ الآنَ، فَقَالَ:

- ٨٣ -
((إِنَّ هَذا أَمْرُ كَتَبَهُ اللهُ عَلى بَناتِ آدَمَ، فَاغْتَسِي، ثُمَّ أَهْلِ
بِالْحَجْ، فَفَعَلَتْ وَوَقَفَتِ المواقِفَ حَتَّى إذا طَهُرَتْ، طاَفَتْ
بِالكَغْبَةِ وَالصَّهَا وَالْرْوَةِ. ثُمَّ قَالَ: ((قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ
وُغْرَتِكِ جميعاً ، فَقَالَتْ: يَارَسُولَ اللهِ ، إنّي أَجِدُ فِي نَفْسِي
أنّي لَمْ أَطْفْ بِالبَيْتِ حَتَّى حَجَجْتُ، قَالَ: ((فَاذْهَبْ بِهِا
يَأَعَبْدَ الرَّحْمنِ، فَأَعْمِرْها مِنَ الْتَّنْعِيمِ، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ (١).
هذا حديث صحيحٌ .(٢) وفي الحديث دليلٌ على أن القارن يكفيه طوافٌ
واحد بعد الوقوف بعرفة، يُروى ذلك عن ابن عمر أنه أراد الحج عام
نزل الحجاجُ بابن الزبير ، فقيل له : إنَّا نخافُ أن يصدُوك، فقال :
إذاً أصنعُ كما صنع رسولُ الله ◌ََِِّّ، إني أشْهِدُ كم أني قد أوجبتُ عمرة،
ثم خرج حتى إذا كان بظاهِرِ البيداء، قال: أشْهِدُكم أني قد أوجبتُ
حجاً مع ممرتي ، فطاف طوافاً واحداً وسعياً واحداً حتى حلَّ منها جميعاً (٣).
(١) بالمهملتين وموحدة بوزن ضربة ، والمراد بها ليلة المبيت بالمحصب ،
وهي ليلة النفر الأخير ، لأنها آخر أيام الرمي .
(٢) هو في ((صحيح مسلم)) (١٢١٣) في الحج: باب بيان وجوه
الإحرام .
(٣) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٣٦٠/١ في الحج: باب ما جاء فيمن
أحصر بعدو ، والبخاري ٣٩٥/٣، ٣٩٦ في الحج : باب طواف القارن ،
وباب من اشترى هديه من الطريق، وقلدها ، وباب إذا أحصر المعتمر ،
وباب النحر قبل الحلق في الحصر ، وباب من قال : ليس على المحصر بدل ،
وفي المغازي: باب غزوة الحديبية، ومسلم (١٢٣٠) (١٨١) في الحج :
باب بيان جواز التحلل بالإحصار وجواز القران .

- ٨٤ -
وهو قولُ عطاء ، ومجاهد ، والحسن ، وطاووس أن القارن يكفيه طواف
واحد ، وإليه ذهبَ مالك والشّافعي ، وأحمد وإسحاق .
رويَ عن عطاء، عن عائشة أن النبي محوالتّ قال لها: ((طوافُك بالبيت
وبين الصفا والمروة يكفيك لحجِّك وعمرتِك(١))
وذهب قوم إلى أن القارن يطوف طوافين : أحدهما قبل الوقوف عن
العمرة ، والثاني بعده عن الحج ، وهو قولُ الشعبي ، وإليه ذهب سفيان
الثوري، وأصحابُ الرأي، وجاء في الحديث ((الطواف والسعي توٌ وإذا
استجمر فليستجمر بتوٍ)) (٢) ومعنى التو: الوتر، وقيل معنى قوله ((الطواف
والسعي توٌ)) أي كل واحد سَبعٌ ، وقيل: أراد أن الطوافَ الواجب
طوافٌ واحد، وكذلك السَّعيُ، سواءً كان المحرم مفرداً أو قارناً (٣).
(١) أخرجه أبو داود (١٨٩٧) في المناسك : باب طواف القارن ،
وإسناده قوي، وأخرجه مسلم (١٢١١) (١٣٢) بنحوه ولفظه عن عائشة
أنها أهلت بعمرة ، فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت ، فنسكت المناسك
كلها ، وقد أهلت بالحج ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يوم النفر
((يسعك طوافك لحجك وعمرتك)) فأبت ، فبعث بها مع عبد الرحمن إلى
التنعيم فاعتمرت بعد الحج . ولفظ الرواية الثانية : أنها حاضت بسرف
فتطهرت بعرفة ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ((يجزىء عنك
طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك)) .
(٢) في ((اللسان)) التو: الفرد يريد أنه يرمي الجمار في الحج فرداً
وهي سبع حصيات ، ويطوف سبعاً ، ويسعى سبعاً ، وقيل : أراد بفردية
الطواف والسعي أن الواجب منهما مرة واحدة لا تثنى ولا تكرر ، سوا:
كان المحرم قارناً أو مفرداً .
(٣) قال ابن القيم في ((تهذيب السنن)): اختلف العلماء في طواف
القارن والمتمتع على ثلاثة مذاهب . أحدها : أن على كل منهما طوافين
وسعيين ، روي ذلك عن علي وابن مسعود ، وهو قول سفيان الثوري ،
--

- ٨٥ -
قال الإمام: ويجب على المتمتع والقارن شاةٌ ، ويذبح يومَ النحو ،
فلو ذبح بعد ما أحرم بالحج ، جاز عند الشافعي ، ولو ذبح مكان الشاة بدنةً
أو بقرةً، جاز، وهو بالفضل متطوّعٌ .
فإن لم يجد الهديّ، فعليه صومُ عشرة أيام، ثلاثة أيام في الحج يصومها
بعد ما أحرم بالحج متى شاء قبل يوم النحر . ويستحب أن يصومها قبل يوم
عرفة حتى يكونَ يومَ عرفة مفطراً، ويصومُ سبعة أيامٍ إذا رجع إلى
-
وأبي حنيفة ، وأهل الكوفة ، والأوزاعي ، وإحدى الروايتين عن الإمام
أحمد .
الثاني : أن عليهما كليهما طوافاً واحداً وسعياً واحداً ، نص عليه الإمام أحمد
في رواية ابنه عبد الله ، وهو ظاهر حديث جابر .
الثالث: أن على المتمتع طوافين وسعيين ، وعلى القارن سعي واحد ، وهذا
هو المعروف عن عطاء وطاووس والحسن ، وهو مذهب مالك ، والشافعي
وظاهر مذهب أحمد .
قلت: وفي ((الموطأ)) ٤١٠/١، والبخاري ٣٩٥/٣، ومسلم (١٢١٢)
من حديث عائشة قالت : فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت ، وبين الصفا
والمروة، ثم حلوا ، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى ، وأما الذين
كانوا أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة ، فإنما طافوا طوافاً واحداً .
وأخرج البخاري ٣٤٥/٣ تعليقاً بصيغة الجزم من حديث ابن عباس أنه سئل
عن متعة الحج ، فقال : أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله
عليه وسلم في حجة الوداع ، وأهللنا ، فلما قدمنا مكة ، قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : ((إجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي))
فطفنا بالبيت والصفا والمروة، وأتينا النساء ولبسنا الثياب، وقال: (( من
قلد الهدي ، فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله))، ثم أمرنا عشية
التروية أن نهل بالحج ، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت ، وبالصفا
والمروة، فقد تم حجنا ... ووصله الإسماعيلي في ((مستخرجه)) ومن
طريقه البيهقي ٢٣/٥، وإسناده صحيح .

- ٨٦ -
٠
أهله، لقوله سبحانه: (فمن لم يجدْ فصيامُ ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم )
[ البقرة: ١٩٦ ]
وقيل: يجوز أن يصومَ السبعة بعد الفراغ من أعمال الحج (١)، وهو
المرادُ من الرجوع المذكور في الآية، والأولُ أصحُ، كما روينا عن ابن
عمر (٢) . روي عن ابن عبّاس أنه قال: وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم(٣).
وقال الشعبي : على القارن بدنةٌ، وزعم داود أنه لا شيء على القارن،
لأنه لا نص فيه ، وعامةُ أهل العلم قاسوا القاون على المتمتع .
ولا يجب دمُ المتمتع حتى يكونَ إِحرامُه بالعمرة في أشهر الحج ،
ثم يحج في ذلك العام بإحرام من جوف مكة، فإن اعتمر قبل أشهُر
الحج ، ثم حج من عامه ، فلا دم عليه . ولو اعتمر في أشهر الحج ، ثم عاد
إلى الميقات لإحرام الحج ، أو رجع إلى أهله ، ثم حج من عامه ذلك
فلا دمّ عليه، وإنما يجب دمُ التمتع والقيران على من لم يكن من حاضري
المسجد الحرام لقوله سبحانه وتعالى: ( ذلك لمنْ لمْ يَكُنْ أهلهُ حاضِيري
المسجد الحرام ) [ البقرة: ١٩٦ ]
فأما من كان من حاضري المسجد الحرام ، فقرن أو تمتع ، فلا دم عليه .
واختلفوا في حاضري المسجد الحرام ، فذهب قوم إلى أنهم أهل
(١) وهو قول الشافعي نقله الحافظ عنه .
(٢) في ((الصحيح)) من حديث ابن عمر ((قال للناس : من كان منكم
أهدى ، فإنه لا يحل .. إلى أن قال : ... فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة
أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله)).
(٣) أخرجه البخاري ٣٤٥/٣، ٣٤٦ تعليقاً، ووصله الإسماعيلي
كما تقدم في التعليق السابق .

- ٨٧ -
مكة، وهو قولُ مالك(١) وقال ابن عباس: أهل الحرم، وبه قال
طاووس . وقال قوم : من كان أهله على أقل من مسافة القصر عن الحرم
وهو قول الشافعي، وقال قومٌ : من كان أهلهُ بالميقات ، أو دونه ، وهو
قولُ أصحاب الرأي(٢).
والعبرة بالمقام لا بالمولد والمنشأ حتى إن المكي إذا كان مقيماً بالعراق
فخرج وتمتع ، فعليه دمُ التمتع، ولو أقام عراقيّ بمكة ، فلا دمّ عليه
ولو خرج المكيُّ مسافراً، فلما رجع أحرم بالعمرة من الميقات في أشهر
الحج ، ثم حجّ من عامه ، فلا دمَ عليه، لأنه من الحاضرين.
قال الإمامُ: قد اختلفت الروايةُ في إحرام النبي ◌َ ◌ّم على ما سبق
ذكره، وقد طعن جماعة" من أهل الجهل ، ونقرّ من الملحدين في أحاديث
الرسول مَثَل، وأطالوا لسانَ الجهل في أهل الرواية والنقل ، وقالوا :
لم يحجَّ النبي ◌َّ في الإسلام إلا حجة" واحدة، وكان عامةُ الصحابة فيها
معه ، ثم اختلفوا في إحرامه هذا الاختلاف الفاحش ، فروى بعضُهم أنه
١١) واختاره الطحاوي . ورجحه .
(٢) ورجح الطبري في ((جامع البيان)) ١٢/٤ قول من قال: إن
حاضري المسجد الحرام من هو حوله ممن بينه وبينه من المسافة ما لا تقصر
إليه الصلوات، وعلل لذلك بأن ((حاضر الشيء)) في كلام العرب هو الشاهد
له بنفسه ، وإذ كان ذلك كذلك ، وكان لا يستحق أن يسمى غائباً إلا من
كان مسافراً شاخصاً عن وطنه ، وكان المسافر لا يكون مسافراً إلا بشخوصه
عن وطنه إلى ما تقصر في مثله الصلاة ، وكان من لم يكن كذلك لا يستحق
اسم ((غائب)) عن وطنه ومنزله ، كان كذلك من لم يكن من المسجد الحرام
على ما تقصر إليه الصلاة غير مستحق أن يقال : هو من غير حاضريه ، إذ
كان الغائب عنه هو من وصفنا صفته .

- ٨٨ -
كان مفرِداً، وروى بعضُهم أنه كان متمتعاً ، وروى بعضُهم أنه كان
قارناً ، وأسانيدُ الكل عند أهل الرواية، ونقلة الأخبار جيادٌ صحاح ،
ثم وُجِدَ فيها هذا التناقضُ! يريدون بذلك توهين أمر الحديث ، وتصغير
شأن النقل .
قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله : وقد أنعم الشافعي رضي الله عنه
بيان هذا المعنى في كتاب ((اختلاف الأحاديث)) وجوَّد الكلام فيه.
والوجيز المختصر من جوامع ما قاله فيه : أن معلوماً في لغة العرب جوازٌ
إضافة الفعل إلى الآمر به ، كجواز إضافته إلى الفاعل له ، كقوله: بنى
فلان داراً : إذا أمر ببنائها ، وضرب الأميرُ فلاناً : إذا أمر بضربه
ورُوي أن رسولَ الله عَلِ رجم ماعزاً، وقطع سارقَ رداءٍ صفوان ،
وإنما أمر برجمه ولم يشهده ، وأمر بقطع يد السارق، ومثلُه كثير في
الكلام . وكان أصحابُ رسول الله مَو ◌ِِّ منهم المفردُ والقارنُ، والمتمتع
وكلٌ منهم يأخذ عنه أمرَ نسكه، ويصدر عن تعليمه ، فجاز أن تُضاف
كلُّهَا إِلى رسول الله مَّ على معنى أنه أمر بها، وأذِنَ فيها، وكلّ" قال
صدقاً ، وروى حقاً ، لا ينكره إلا من جهيلَ، أو عاند، والله الموفق .
قال الإمام: ومال الإمام الشافعي في كتاب ((اختلاف الحديث))
إلى التمتع وقال : ليس شيءٌ من الاختلاف أيسرَ من هذا، وإن كان
الغلطُ فيه قبيحاً من جهة أنه مباح، لأن الكتاب ، ثم السنة ، ثم مالا
أعلم فيه خلافاً يدل على أن التمتع بالعمرة إلى الحج، وإفراد الحج
والقيران واسع كله ، وقال : ومن قال : إنه أفرد الحج يشبه أن
----

- ٨٩ -
يكون قاله على مايعرف من أهل العلم الذين أدر كوادون رسول الله حاله
أن أحداً لا يكون مقيماً على الحج إلا وقد ابتدأ إحرامه بحج (١).
قال الإمام : ومما يدل على أنه كان متمتعاً أن الرواية عن ابن عمر
وعائشة متعارضة، فقد روي عنها أن النبي ◌ُ ◌ّ أفرد الحج ، وروينا
عن ابن شهاب ، عن سالم، عن ابن عمر قال: تمتع رسولُ الله عَ لضع في
حجة الوداع بالعمرة إلى الحج ، وروى ابن شهاب أيضاً عن عروة عن
عائشة، عن النبي محمد الله في تمتعه بالعمرة إلى الحج، فتمتع الناسُ معه بمثل
الذي أُخبر سالم عن ابن عمر . وروى ابن عمر عن حفصة أنها قالت :
يا رسول الله ما شأنُ الناس حدُّوا بعمرة ولم تحليلْ أنت من عمرتك !
وقال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((هذه عمرة استمتعنا
بها ، وقال سعد بن أبي وقاص في المتعة: صنعها رسول الله عراّ ،
وصنعناها معه.
قال الإمام : وما روي عن جابر أنه قال : خرجنا لا تنوي إلا الحج
لا يُنافي التمتع ، لأنَّ خروجَهُم كان لقصد الحج ، ثم منهم من قدم العمرة
ومنهم من أهل بالحج إلى أن أمره النبي عَ الله أن يجعله متعة. وقوله مح له
((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت)) لا يقطع بأنه كان محرماً
بالحج ، بل يحتمل - وهو الأشبه - أنه كان محرماً بالعمرة ، فاستحب
استدامة حكم إحرامه لمكان هديه إلى أن يحرم بالحج ويخرج منه (٢).
(١) انظر ((اختلاف الحديث)) المثبت بهامش ((الأم)) ٤٠٨/٧، ٤١٠
(٢) الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان قارناً ، كما ثبت ذلك من
حديث أنس وعمر وعائشة وغيرهم، وقد صوبه ابن القيم في ((زاد المعاد))
٣٨٢/٢، ٣٩٨، وتوسع في الرد على من قال بخلافه ، فراجعه ، فانه
نفيسي .

- ٩٠ -
واختلف أهلُ العلم في المتمتع إذا كان قد ساق الهدي، هل يستبيحُ
محظورات الإحرام بعد الفراغ من أعمال العمرة، فذهب قومٌ إلى أنه
لا يستبيحها حتى يفرغّ من الحج، وإذا أحرم بالحج يصير قارناً ، وهو
قولُ أصحاب الرأي لقول النبي ◌ُّ: لولا أني سُقت الهدي، لفعلت مثل
الذي أمرتُكم، ولكن لا يحلُّ مني حرامٌ حتى يبلغ الهديُ محِلْه)).
وذهب قوم إلى أنه يستبيحُها وقد حل بالفراغ من أعمال العمرة عنها
كمن لم يسقِ الهدي، وما فعله النبي ◌َ ◌ِّ استحبابٌ وسنة غيرُ حتم، والله
أعلم ، وهو قول الشافعي .
١٨٨٩ - أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النَّعيمي
أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، نا محمد بن يوسف ، ناسفيان
عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب
عَنْ أَبي مُوسى قَالَ: بَعَثَنِي الدَّبِيِّ عَّلَه إلى قَوْمِي بِالْيَمَنِ
فَجِئْتُ وُهُوَ بِالبَطْحَاءِ فَقَالَ: ((بِمَ أَهْلَلْتَ،؟ قُلْتُ: أَهْلَلْتُ
كَإِهِلالِ النَّيِِِّّ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ ؟، قُلْتُ:
لَا ، فَأَمَرَنِي فَطْفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ أَمَرَنِي فَأَخَلْتُ
فَأَيْتُ أَمْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِي، فَشَطْنِي أَوْ(١) غَسَلَتْ رَأْسيَ.
(١) كذا فيه بالشك، وأخرجه مسلم ( ١٢٢١) (١٥٥) من طريق
عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان بلفظ: ((وغسلت رأسي)) بواو العطف .
--*

- ٩١ -
هذا حديث صحيح(١) .
وروى شعبة عن قيس وزاد: (( ثم أهلات بالحج)
هذا الحديثُ يدل على أن المتمتّع إذا لم يكن معه هديٌ، يتحلل بعد
الفراغ من أعمال العمرة، ويستبيحُ محظورات الإحرام إلى أن يُهِلَّ بالحج ،
وأمر علياً بأن يمكُثَ على إحرامه لمكان هديه .
(١) البخاري ٣٣١/٣ في الحج: باب من أهل في زمن النبي صلى الله
عليه وسلم كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم ، وباب التمتع والإِقران
والإفراد بالحج ، وباب الذبح قبل الحلق ، وباب منى يحل المعتمر ، وفي
المغازي : باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع ، وباب
حجة الوداع .

ـابـ
لا يصبر محرما بتقليد الهدي
١٨٩٠ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله
النُّعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أبو نعيم ،
نا أفلح ، عن القاسم
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَتَلْتُ فَلَائِدَ بُدْنِ النَّيِّ عَلَهُ بِيَدِيَّ،
ثُمَّ قَّدَهَا وَأَشْعَرَها، وَأَهْدَاهَا، ◌َا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيءُ كانَ
أُحِلَّ لَهُ .
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم عن عبد إنه من مسلمة
ابن قعنب ، عن أفلح .
وروى ابن عون عن القاسم ، عن أم المؤمنين قالت : فتلتُ قلائدها
مِنْ عهنٍ كان عندي (٢).
١٨٩١ - أخبرنا أبو الحسن الشِّيرزي، أنا زاهر بن أحمد، أنا
أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مُصعب، عن مالك ، عن عبد الله بن أبي
بكر بن محمد بن عمرو بن حزم
(١) البخاري ٤٣٤/٣ و٤٣٥ في الحج : باب من أشعر وقلد بذي
الحليفة ، ثم أحرم ، وباب إشعار البدن، ومسلم ( ١٣٢١) (٣٦٢) في
الحج : باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم لمن لا يريد الذهاب بنفسه .
(٢) أخرجها البخاري ٤٣٨/٣ في الحج: باب القلائد من العهن.

- ٩٣ -
عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ أَنَّهَا أَخْبَرَّتُهُ أَنْ زِيَادَ بْنَ أَبي
سُفْيَانَ كَتَبَ إلى عَائِدَةَ أُمْ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ
يَقُولُ: مَنْ أَهْدَى هَدياً، حَرُمَ عَلَيْهِ مَايَخْرُمُ عَلى الْحَاجُ خَتَّى
يَنْحَرَ الْهَدْيَ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ،
أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَذِيٍ رَسُولِ اللهِ عَّهُ بِيَدَيَ، ثُمْ قَلَّدَمَا
رَسُولُ الهِّهِ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ
يَخْرُمْ على رَسُولِ اللهِ ◌ِِّ شَيءٌ أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ حَتَّى
نَحَرَ الهذيَ .
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف،
وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى ، كلاهما عن مالك .
قال الإمام: في هذا الحديث أنواعٌ من الفقه، منها : استحبابُ الإهداء
إلى مكة ، ومنها استحبابُ تقليد الهدي ، وذهب أكثر أهل العلم إلى
أن الغنم تُقلد كالإبل والبقر ، وهو قولُ عطاء، وبه قال الشافعي وأحمد
وإسحاق ، وقال مالك وأصحاب الرأي : لا تقلّدُ الغنم ، والأول أولى لما
(١) ((الموطأ)) ٣٤٠/١، ٣٤١ في الحج: باب ما لا يوجب الإحرام من
تقليد الهدي ، والبخاري ٤٣٥/٣ في الحج : باب من قلد القلائد بيده ، وفي
الوكالة : باب الوكالة في البدن وتعاهدها ، ومسلم ( ١٣٢١) (٣٦٩) في
الحج : باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم لمن لا يريد الذهاب بنفسه .

- ٩٤ -
١٨٩٢ - أخبرنا ابن عبد القاهر ، أنا عبد الغافر بن حمد ، نا محمد
ابن عيسى الجلودي ، نا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، عن مسلم بن الحجاج ،
نايحيى بن يحيى ، نا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْدَى رَسُولُ اللهِ بِّهِ مَرَّةً إلى
البَيْتِ غَنَمَاً فَقَلَّدَها .
هذا حديث متفق على صحته (١).
قال الشافعي : فإن كان الهديُ بدنة أو بقرة ، قلدها نعلين ، وأشعرها
وإن كانت ساة ، قلدها خُرُبَ القِرَبٍ ولا يشعرها .
ومنها أن إشعار الهدي سنة"، إن كان من الإبل، فيقلدها تم يشعرها
وهو أن يطعن في صفحة سنامها بمبضع أو حديدة حتى يسيل دمُها ،
فيكونَ ذلك علامة" أنها هديٌ ، والشعار : العلامة، ويُشعرها باركة
مستقبلة القبلة ، وقاس الشافعي البقر على الإبل في الإشعار ، وقال مالك :
تُشعرُ البقر إن كانت لها أسنمة وإلا فلا، فأما الغنم ، فانها لا تُشعرُ ،
لأن السنة لم ترد به ، ولأنها لا تحتمل الجرح لضعفها ، ولا يظهر عليها
الدم ، فتعرف به لكثرة شعرها . وقال أبو حنيفة : الإشعار بدعة ، لأنه
مُثْلة (٢)، ويقال: هو قول إبراهيم النخعي، وخالفه صاحباه، وقالا بقول
(١) هو في صحيح مسلم ( ١٣٢١ ) (٣٦٧) في الحج : باب استحباب
الهدي إلى الحرم لمن لا يريد الذهاب بنفسه ، وأخرجه البخاري ٤٣٧/٣
بنحوه .
.(٢) يجدر بالقارىء أن يطلع على ما نقله محقق كتاب ((نصب الراية))
عن الحافظ الإمام فضل الله التوربشتي شارح المصابيح بصدد هذه المسألة
٠١١٧/٣

- ٩٥ -
عامة أهل العلم: إنها سنة . والمثلة المنهي عنها أن يقطع عضواً من الحيوان
تعذيباً، وأما الإشعار ، فسبيله سبيل ما أبيح من الكي والتبزيغ والتوديج
في البهائم ، والفصد والحجامة في الآدميين، أو سبيل ما شرع في الآدميين
من الختان .
واختلفوا في موضع الإشعار ، فذهب الشافعي وأحمد إلى أنه في الشق
الأمنِ من السّنّام ، وقال مالك: في الشق الأيسر ، يُروى عن ابن عمر أن
هذا من المباح ، قال نافع : كان ابن عمر لا يُبالي في أي الثقين أُشعر ،
والأول أصح ، لما
١٨٩٣ - أخبرنا ابن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ،
أنا محمد بن عيسى الجُلُودي ، نا إبراهيم بن محمد بن سفيان، نا مسلم بن
الحجّاج ، نا محمد بن المثنى ، نا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن قتادة ،
عن أبي حسان
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَى رُسُولُ اللهِِّ الْظُّهْرَ بِذي
الْخَلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ، فَأَشْعَرَها فِي صَفْحَةٍ سَنَامِها الأَيْمَنِ،(١)
وَسَلَتَ الدَّمَ، وَقَّدَهَا نَعْلَيْنِ، ثُمَّ رَكِبَ واحِلَتَهُ، فَلَمَا اسْتَوْتْ
بِهِ عَلى آلْبَيْدَاءِ، أَهَلَّ بِالْحَجُ(٢).
(١) صفحة السنام: جانبه، والصفحة مؤنثة، فقوله: ((الأيمن))
بلفظ المذكر يتأول على أنه وصف لمعنى الصفحة لالفظها ، ويكون المراد
بالصفحة الجانب ، فكأنه قال : جانب سنامها الأيمن .
(٢) هو في صحيح مسلم (١٢٤٣) في الحج : باب تقليد الهدي وإشعاره
عند الإحرام .

- ٩٦ -
هذا حديث صحيح .
وفي الحديث دليلٌ على أن الرجل لا يصير محرماً بتقليد الهدي ، وهو قول
أكثر أهل العلم، وذهبَ قومٌ إلى أنه إذا أراد الإحرامَ، فقلّد الهديّ
وجب عليه ، وهو قول الثوري وأحمد ، وإسحاق وأصحاب الرأي ، ور ◌ُوي
عن ابن عباس أنه قال: من أهدى ، هدياً حرم عليه ما يحرم على الحاج (١)
وعن ابن ◌ُعمر أنه قال: إذا قلّد هديه، فقد أحرم(٢) وبه قال عطاء.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن حبيب بن
ثابت ، عن ابن عباس قال : من قلد أو حلل أو أشعر ، فقد أحرم .
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة: حدثنا ابن نمير، ثنا عبد الله بن عمر ، عن
نافع ، عن ابن عمر ، قال : من قلد ، فقد أحرم .
-

باب
الاغتسال لدخول مكة
١٨٩٤ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله
النُّعيمي، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، حدثني يعقوب بن
إبراهيم ، نا ابن ◌ُليّة ، أخبرنا أيّوب
عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ أَبْنُ مُمَرَ إذا دَخَلَ أَذَنَى الْحَرَمِ
أَمْسِكَ عَنِ الَّْبِيَةِ: ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي ◌ُوَى، ثُمْ يُصٍَّ بِهِ
الصُّبْحَ، وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيِّ بِّهِ كَانَ يَفْعَلُ ذِلِكَ.
هذا حديث متفق على صحته (١) وقال حمّاد عن أيوب: ثم يدخل مكة
نهاراً أخرجه مسلم عن أبي الرَّبيع الزهراني عن حماد .
قال الإمام: الاغتالُ سنّة لدخول مكة، ودخواتُها نهاراً أفضل استناناً
بفعل النبي ◌َ ◌ّ، ولو دخل ليلًا فجائز، فقد رُوي عن النبي ◌ِ ◌ِّ أنه
دخلها ليلاً عامَ اعتمر من الجعوانة (٢).
(١) البخاري ٣٤٦/٣، ٣٤٧ في الحج : باب الاغتسال عند دخول مكة ،
وباب دخول مكة ليلا ونهاراً، ومسلم ( ١٢٥٩) (٢٢٧) في الحج.
(٢) أخرجه أبو داود (١٩٩٦)، والترمذي (٩٣٥)، والنسائي
١٩٩/٥، ٢٠٠ من حديث محرش الكعبي، وحسنه الترمذي مع أن فيه
مزاحم بن أبي مزاحم لم يوثقه غير ابن حبان ، وروى سعيد بن منصور عن
إبراهيم النخعي : كانوا يستحبون أن يدخلوا مكة نهاراً ، ويخرجوا منها
ليلا ، وأخرج عن عطاء : إن شئتم فادخلوا ليلا ، إنكم لستم كرسول الله
صلى الله عليه وسلم إنه كان إماماً ، فأحب أن يدخلها نهاراً ليراه الناس .
شرح السنة : ج ٧ - ٢ ٧

إب
من أبن يدخل مكة
١٨٩٥ - أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، وأبو حامد
أحمد بن عبد الله الصّالحي، قالا : أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الجيري ،
أنا أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن معقِل الميداني ، نا محمد بن عيسى
نا محمد بن مُبيد ، نا عبيد الله ، عن نافع
عَنِ أَبْنِ مُمَرَ أَنَّ الْبِيِّ ◌ِِّ كَانَ يَدْخُلُ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ
العُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ الشَّغْلَى .
هذا حديثٌ متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن مدَّد، وأخرجه مسلم
عن محمد بن مثنى، كلاهما عن يحيى القطان ، عن مبيد الله.
١٨٩٦ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد
الله النُّعيمي، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل، نا الحميديّ
ومحمد بن المثنى، قالا: ناسفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه
◌َِّلّهِ لَّا جَاءَ إلى مَكْة، دَخَلَهَا مِنْ
عَنْ عَائِشَةَ أَنْ النّبيَّ
أَعْلَاَهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِها .
هذا حديث متفق على صحته (٢) أخرجه مسلم عن محمد بن مثنى.
(١) البخاري ٣٤٧/٣ في الحج : باب من أين يخرج من مكة ، وباب
من أين يدخل من مكة ، ومسلم (١٢٥٧ ) في الحج : باب استحباب دخول
مكة من الثنية العليا .
(٢) البخاري ٣٤٧/٣ في الحج: باب من أين يخرج من مكة ، وفي المغازي :
باب دخول النبي صلى الله عليه وسلم من أعلى مكة، ومسلم (١٢٥٨).

باب
رفع اليدين عند رؤية البيت
١٨٩٧ - أخبرنا عبد الوهّاب بن محمد الكسائي، أنا عبد العزيز بن
أحمد الخلال، نا أبو العبّاس الأصم ( ح) وأخبرنا أحمدُ بن عبد الله
الصَّالحي، ومحمد بن أحمد العارف، قالا : أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري
نا أبو العبّاس الأصم، أنا الربيعُ، أنا الشافعي ، أنا سعيد بن سالم ، عن
ابن ◌ُجريج، قال : حُدثت عن مقسم مَولى عبد الله بن الحارث
عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: تُرْفَعُ الأَيْدِي
في الصَّلاَةِ ، وإِذا رُئِيَ آلْبَيْتُ، وَعَلى الصَّفَا والْمَرْوَةِ ، وَعَشِيَّةً
عَرَفَةَ ، وَيَجَمْعٍ ، وَعِنْدَ الْجَمْرَيْنِ، وَعَلى المَيْثِ(١).
قال الإمام هذا حديث منقطع(٢) واختلف أهل العلم في رفع اليدين عند
رؤية البيت ، فذهب قوم إلى أنه تُرفع، رُوي ذلك عن ابن عمر وابن
عبّاس ، وبه قال سفيان الثوري، وابن المبارك، وأحمد وإسحاق ، وكرهه
(١) الشافعي ٣٩/٢.
(٢) وقال البيهقي في ((السنن)) ٧٢/٥، ٧٣ بعد أن ذكره من طريق
الشافعي : ورواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن الحكم ، عن
مقسم ، عن ابن عباس ، وعن نافع بن عمر مرة موقوفاً عليهما ، ومرة
مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم دون ذكر ((الميت)) قال: وابن أبي
ليلى هذا غير قوي .

- ١٠٠ -
قوم لما رُوي عن المهاجر المكي قال: سُئل جابرٌ عن الرَّجل يرى البيت
يرفع يديه؟ قال: قد حججنا مع رسول الله عَ المِ فلم يكن يفعله(١).
ورُوي عن أبي هريرة قال: أقبل رسولُ الله عز ◌ّه ، فدخل مكة ، فأقبل
إلى الحجر فاستلمه ، ثم طافَ بالبيتِ ثم أتى الصَّفا، فعلاه حتى (٢) ينظر إلى
البيت ، فرفع يديه، فجعل يذكر الله ماشاء أن يذكره ويدعو. وقال :
والأنصار تحته (٣).
(١) أخرجه أبو داود (١٨٧٠) في المناسك: باب رفع اليدين إذا رأى
البيت ، والترمذي ( ٨٥٥ ) في الحج : باب ما جاء في كراهية رفع اليدين
عند رؤية البيت ، والنسائي ٢١٢/٥ في الحج : باب ترك رفع اليدين عند
رؤية البيت . والمهاجر لم يوثقه غير ابن حبان ، وقال أبو حاتم في
((العلل)): لا أعلم أحداً روى عن المهاجر بن عكرمة غير يحيى بن أبي كثير،
والمهاجر ليس بالمشهور . وقال الخطابي : ضعف الثوري ، وابن المبارك .
وأحمد وإسحاق حديث مهاجر في رفع اليدين عند رؤية البيت ، لأن
مهاجراً عندهم مجهول .
(٢) في المطبوع من سنن أبي داود: حيث.
(٣) أخرجه أبو داود ( ١٨٧٢ ) في المناسك: باب رفع اليدين إذا رأى
البيت، وإسناده صحيح ، وأخرجه مسلم ( ١٧٨٠ ) بنحوه في الحديث
الطويل في الفتح، دون قوله ((والأنصار تحته)) قال المنذري: وفي بعض النسخ:
(( والأنصاب تحته)) بالباء الموحدة يعني الأحجار المنصوبة للصعود
على الصفا .