Indexed OCR Text

Pages 161-180

- ١٦١ -
يَّا مِنْ بَعْدِهِ، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ
غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ شَيْئاً)).
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم(١) عن محمد بن مثنى ، عن محمد بن
جعفر ، عن شعبة .
قوله: ((مجتابي النِّمار)) أي: لابسي الأزُر من صوف مخطِّطة،
يقال : اجتاب فلان ثوباً: إذا لبسه، والنار : جمع النّميرة وكل شمة
مخططة من مآزر الأعراب ، فهي تمرة، وقال الفُني: النمرة: بردة
تلبسها الإمامُ، وجمعها نمرات ونمار .
قوله: ((يتصدق الرجل)) أي: ليتصدق . لفظه لفظ الخبر، ومعناه
الأمر، كقوله ( تؤْمِنُونَ باللهِ ورسوله) [الصف: ١١] أي: آمنوا.
(١) (١٠١٧) في الزكاة :: باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة
أو كلمة طيبة، وأنها حجاب من النار، وأخرجه النسائي ٧٥/٥، ٧٧ في
الزكاة : باب التحريض على الصدقة .
شرح السنة - ج ٦ - ١١٢

باب
ثواب المنحة
١٦٦٢ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله
النُّعيمي، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، نا أبو اليمان، أنا
شعيب، نا أبو الزّناد ، عن عبد الرحمن
عَنْ أَبِي ◌ُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِلَّهِ قَالَ: «نِعْمَ الصُّدَقَّةُ
الْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، وَالشَّةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، تَغْدُو بِإِنَاءِ وَتَرُوحُ
بآخَرَ )).
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم عن زهير بن حرب ،
عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد بمعناه، وزاد ((إن أجرها لعظيمٌ)).
اللّقْحة : الناقة ذاتُ اللبن، والجمع لِقاح، والصَّفيُّ: الغزيرُ.
١٦٦٣ - أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أبو منصور السِّمعاني ، نا
أبو جعفر الرَّياني، نا مُحميد بن زنجويّة، نا النضر بن مُشميل ، أنا شعبة ،
نا طلحة بن مصرِّف ، أخبرني عبد الرحمن بن عوسجة
عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ الَِّيُّ فِلَّه مَنْ مَنَحَ مِنْحَةً وَرِقَاً،
(١) البخاري ٦٣/١٠ في الأشربة: باب شرب اللبن ، وفي الهبة: باب
فضل المنيحة ، ومسلم ( ١٠١٩ ) في الزكاة : باب فضل المنيحة .

- ١٦٣ -
أَوْ مَنَحَ مِنْحَةً وَرِقٍ، أَوْ هَدَى زُقَاقاً، أُوْ سَقَى لَبْناً، كانّ
لَهُ عَدْلُ رَقَبَةٍ أَوْ نَسَمَةٍ (١).
هذا حديث حن صحيح .
قوله: ((هدى زقاقاً)) أراد هداية الطريق ، وقيل : أراد من
قَدِّى بالتشديد ، أي : أهدى وتصدق بزقاق من النخل ، وهي
السَّكة منها .
١٦٦٤ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أبو منصور السّمعاني ،
نا أبو جعفر الرّياني، نا حميد بن زنجويّة ، نا محمد بن يوسف ، نا
الأوزاعي ، عن حسان بن عطية، قال : سمعت أبا كبشة السّولي قال :
سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله
تَ﴾« أَرْبَعُونَ حَسَنَةَ، أَعْلَاَهَا مِنْحَةُ الْعَثْزِ، مَا مِنْهُنْ حَسَنَةٌ
يَخْتَظْهَا عَبْدٌ رَجَاءَ نَّوَابِهَا، وَتَصْدِيقِ مَوْعُودِهَا إِلاَّ آنَهُ اللهُ
بِهَا الْجَنَّةَ.
هذا حديث صحيح أخرجه محمد(٢) عن مدَّد، عن عيسى بن يونس،
(١) إسناده صحيح، وأخرجه أحمد ٢٨٥/٤ و٢٩٦ و٣٠٠ و٣٠٤).
والترمذي ( ١٩٥٨) في البر والصلة : باب ماجاء في المنحة ، وصححه ابن
حبان ( ٨٦١ )، وله شاهد من حديث النعمان بن بشير عند أحمد
٢٧٢/٤ ، وسنده حسن .
(٢) هو في ((صحيحه) ١٨٠/٥ في الهبة : باب فضل المنيحة، وليس.
لأبي كبشة ، ولا الراوي عنه حسان بن عطية في البخاري سوى هذا الحديث
وآخر في أحاديث الأنبياء .

- ١٦٤ -
عن الأوزاعي ، وقال : قال حسان :
فعددنا مادون منيحة العنز من ردّ السلام، وتشميت العاطس، وإماطة
الأذى عن الطريق ونحوه، فما استطعنا أن نبلُغ خمس عشرة خصلة .
المنحة : أن تمنح الرجلُ أخاه ناقة أو ساة حتى يحتلبها عاماً أو أقل
أو أكثر فينتفع بدرِّها، ثم يردّها فجائز، كعاريّة المتاع لينتفع به المستعير
حدة، ثم يردّها، وكذلك الإفقارُ، وهو أن يُعطيّ الرجل دابته ليركها
ما أحب ، ثم يردها .
ومنحة الورقِ: أن يُعطيهُ هبة أو صيلة، وقال أحمد بن حنبل :
منحة الورق : هو القرض ، والمنحة قد تكون صلة على طريق الملك ،
وقد تكون عاريّةٌ، كما جاء في الحديث ((من كانت له أرضُ فليزرمها
أو ليمنحها أخاه»(١).
(١) متفق عليه من حديث جابر .

بإب
فضل سقي الماء واثم منه
١٦٦٥ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله
النّعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، حدثني إسحاق ،
نا خالد، نا خالد (١)، عن عكرمة
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رُسُولَ اللهِ نَ ◌ّهِ جَاءَ إِلَى السَّقَايَةِ
فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا فَضْلُ أَذْهَبْ إِلَى أُمّكَ ، فَأْت
رَسُولَ اللهِ لَ ◌ّ بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِها، فَقَالَ: ((أَسْقِي))
قَالَ: يَارَسُولَ اللهِ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ، قَالَ: ((أَسْقِني،
فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمْ أَتَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ : أ،
فَقَالَ: (( أَعَمَلُوا فَإِنَكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ، مُمَّ قَالَ: لَوْلًا
أَنْ تُغْلَبُوا، لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضْعَ الْحَبْلَ عَلَى هَذِهِ، (٢) يَعْنِي عَانِقَهُ
وَأَشَارَ إِلَى عَاتقِهِ .
(١) خالد الأول : هو خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد
الطحان ، والثاني : هو خالد بن مهران البصري الحذاء .
(٢) قالوا في معناه: لولا أن تقع لكم الغلبة بأن يجب عليكم ذلك بسبب.
فعلي . وقيل : معناه : لولا أن يغلبكم الولاة عليها حرصاً على حيازة
هذه المكرمة . قال الحافظ: والذي يظهر أن معناه : لولا أن يغلبكم

- ١٦٦ -
هذا حديث صحيح (١).
وفيه دليل أن النبي ◌ِّعِ لم تحرُمْ عليه الصدقة التي سبيلها المعروف
كالمياه في السقايات ، واللبن يشربُها الواردةُ عند ورود الإبل .
وفي قوله ((لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه)) دليل على أن
ظاهر" أفعاله الشرعية على الوجوب، فرغبهم في الفعل بما استحبّه وتمنَّاه،
وترك الفعل تشفقاً أن يتخذ سنة (٢)
١٦٦٦ - أخبرنا عبدُ الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله
النُّعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، فا محمد بن إسماعيل ، فا الحسن بن الصَّباح ،
نا إسحاق الأزرق ، نا عوف ، عن الحسن وابن سيرين
عَنْ أَبِي ◌ُرَيْرَةَ، عنْ رَسُولِ اللهِ ◌ّهِ قَال: غُفِرَ لِامْرَأَةٍ
مُؤْمِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسٍ رَكِيَ (٣) ◌َثُ، قَال: كادَ يَقْتُلُهُ
الناس على هذا العمل إذا رأوني قد عملته ، لرغبتهم في الاقتداء بي ،
فيغلبو كم بالمكاثرة ، لفعلت ، ويؤيد هذا ما أخرجه مسلم في «صحيحه» ٢/
٨٩٣ (١٢١٨ ) من حديث جابر: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بني عبد
المطلب وهم يسقون على زمزم، فقال: ((انزعوا بني عبد المطلب ، فلولا
أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم)».
(١) البخاري ٣٩٣/٣ في الحج : باب سقاية الحاج .
(٣) هذا الاستدلال للخطابي نقله المؤلف عنه ، وكذا الحافظ في
« الفتح » ٣٩٣/٣، وتعقبه بقوله : وفيه نظر .
(٣) بفتح الراء وكسر الكاف، وتشديد الياء: البئر.

- ١٦٧ -
الْعَطَشُ، فَتَزَعَتْ خُفْهَا، فَأَوثَقَتْهُ بخمارَهَا، فَتَزَعَتِ لَهُ مِنَ الماء ،
فَغْفِرَ لَا بِذَلِكَ ».
هذا حديث متفقٌ على صحته (١) أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي
تشية ، عن أبي خالدٍ الأحمر ، عن هشام ، عن محمد ، عن أبي هريرة.
١٦٦٧ - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أبو الحسين بن بشران ،
أنا إسماعيل بن محمد الصّفار ، نا أحمد بن منصور الرَّمادي، نا عبد الرزاق ،
أنا مَعمر ، عن الزهري ، عن عروة
عَنْ سُرَاقَةَ بنِ مَالِكِ بنِ جُعْثُمٍ أَنّهُ جَاءَ إلى النَّيْ فِيهِ فِي
وَجَعِهِ، فَقَال: أَرْأَ يْتَ الضَّالَّ تَرِدُ عَلى حَوْضٍ إبلي هَلْ لِي أَجْرْ
إِن سَقَيْتُها؟ قال: « نَعَمْ في الكَبِدِ الْحَرَّى أَجْرٌ (٢).
(١) البخاري ٢٥٦/٦ في بدء الخلق: باب إذا وقع الذباب في شراب
أحدكم فليغمسه ، وفي الأنبياء : باب ماذكر عن بني اسرائيل ، ومسلم
(٢٢٤٥) في السلام : باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها .
(٢)، رجاله ثقات إلا أنه منقطع عروة لم يدرك سراقة، وهو في
(«المصنف» (١٩٦٩٢) و((المسند)) ١٧٥/٤، وأخرجه أحمد وابن ماجة
(٣٦٨٦ ) من طريق ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن
مالك بن جعشم ، عن أبيه ، عن جده سراقة بن جعشم ورجاله ثقات .
ويشهد له حديث أبي هريرة وفيه : قالوا : يارسول الله وإن لنا في هذه
البهائم لاجرا؟ فقال: ((في كل كبد رطبة أجر)) أخرجه البخاري ٣١/٥،

- ١٦٨ -
١٦٦٨ -- أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق
الهاشمي، أنا ، أبر مُصعب ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهٍِّ قال: (( لَا مُمِنَعُ فَضْلُ
الماءِ لِيُمْعَ بِهِ الكَلَأُ،.
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف ،
وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى ، كلاهما ◌َن مَالك.
قال رحمه الله : هَذا في الرجل بحفِرِ بثراً في أرضٍ مواتٍ ،
فيملِكُها وما حولها وبقُربها مواتٌ فيه كلأ، فإن بَذلَ صاحبُ البشر
فضلَ مائه أمكن الناسُ رَعيه، وإن منع لم يُمكنهمْ فيكون في منعه
الماء عنهم منعُ الكلأ . وإلى هذا المعنى ذهب مالك والأوزاعي، والليثُ
ابن سعدٍ ، والشافعي ، والنّهيُّ عندهم على التحريم.
وذَهبَ قومٌ إلى أنه ليس على التحريم ، لكنه من باب المعروف
٣٢، ومسلم (٢٢٤٤) . وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن
رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: إني أنزع في حوضي
حتى إذا ملأته لأهلي ورد علي البعير لغيري ، فسقيته ، فهل لي في ذلك
من أجر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((في كل ذات كبد حرى
أُجْر)) أخرجه أحمد ٢٢٢/٢ وسنده حسن، فالحديث صحيح .
(١) ((الموطأ)) ٧٤٤/٢ في الأقضية: باب القضاء في المياه، والبخاري
٣٤/٥ في المزارعة : باب من قال : إن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى ،
وفي الحيل: باب مايكره من الاحتيال في البيوع، ولا يمنع فضل الماء
٦ لميمنع به الكلأ، ومسلم: (١٥٦٦) في المساقاة: باب تحريم بيع فضل الماء
"الذي يكون بالفلاة.

- ١٦٩ -
لأنه ملكُه ، فلا تحلّ إلا بطيبةٍ نفسه، كسائر أمواله، وكما لا يجب عليه
سقيُ زرع غيره من فضل ماته لا يجب سقيُ ماشيته.
وذهب قوم إلى أنه لا يجوزُ له منعُ فضل الماء ، ولكن له طلبُ
القيمة، كما يجب عليه إطعامُ المضطرِّ، وله طلب القيمة، والاولُ أصح
أنه يجب بذله مجاناً، لما روي عن جابر قال: نهى رسولُ اللهِ عَلحمه عن
بيع فضلِ الماء (١) وليس كالطعام وغيره من الأموال، لأنه منقطعُ المادة
غيرُ مستنظفٍ، والماء مستخلٌِ ما دام في منبعه حتى لو جمع الماء في
حوض ، أو خزنه في إناء ، فله مَنعُه من غيره كالطعام . ولا يجب سقي
زرع الغير ، لأنه ليس له من الحرمة ما للحيوان بدليل أن إطعام الحيوان
عند تحقق الاضطرار واجبٌ ، ولا يجب سقي الزرع (٢). وهذا في الفضل
عن حاجته، وحاجة عياله وماشيته وزرعه ، فإن لم يَفضُل عن حاجته لا يجب
أن يجود على الغير به .
١٦٦٩ - أخبرنا الامام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، نا السيد أبو الحسن
محمد بن الحسين بن داود العلوي ، أنا أبو نصر محمد بن حمدوية بن سهل
(١) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (١٥٦٥) وفيه عنعنة ابن
جريج ، وأبي الزبير ، لكن يشهد له حديث أبي هريرة عند مسلم أيضا
(١٥٦٦) (٣٨) مرفوعا ((لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ)) وأخرج
ابن حبان في ((صحيحه)) (١١٤٢) من رواية أبي سعيد مولى بني
غفار عن أبي هريرة مرفوعاً (( لا تمنعوا فضل الماء، ولا تمنعوا الكلأ،
فيهزل المال ، وتجوع العيال )» وأخرج ابن ماجة ( ٢٤٧٣) من طريق
سفيان، عن أبي الزناد ، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعاً ((ثلاثة
لا يمنعن: الماء والكلأ والنار)) وإسناده صحيح.
(٢) وهو الصحيح عند الشافعية ، وبه قال الحنفية، وألحق الإمام
مالك الزرع بالماشية .

- ١٧٠ -
المروزي ، نا محمود بن آدم المروزي ، نا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن
دينار ، عن أبي صالح
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أُرَاهُ عَنِ النَّيِِّ قَالَ: (( ثلاثَةٌ لا يُكَلْمُهُمُ
اللهُ، ولا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمْ: رَجُلْ حَلَفَ على
يَيْنٍ عَلَى مَالٍ مُسْلِمٍ، فَاقْتَطَعَهُ، وَرَجُلْ حَلَفَ على يَيْنٍ بَعْدَ
صَلاَةِ العَصْرِ إِنَّهُ أَفْعَى(١) بِسِلْعَتِهِ أَكْثَرَ ما أعْطَى، وَهُوَ كَاذِبٌ
ورَّجُلْ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى يَقُولُ: آلْيَوْمَ
أُمنَعُكَ فَضْلٍ، كما مَنَعْتَ فَضْلَ مَالَمْ تَعَمَلْ يَدَاكَ.
هذا حديث صحيح أخرجه محمد(٢) عن عبد الله بن محمدٍ ، عن سفيان،
وجعلَ اليمين بعد العصرِ في اقتطاع المال، فقال: ((ورجلٌ حلف على يمين
كاذبةٍ بعد العصر ليقتطعَ بها مالَ رجل مسلم » .
(١) بفتح الهمزة والطاء على البناء للفاعل، والضمير للحالف، وكذا
«أعطى)) الثانية، وضبطهما بعضهم بضم الهمزة ، وكسر الطاء على
البناء للمجهول ، والأول أرجح .
(٢) هو في ((صحيحه)) ٣٣/٥، وأخرجه أيضاً بنحوه في عدة
مواضع من ((صحيحه)): في الشرب : باب إثم من منع ابن السبيل ،
وفي الشهادات : باب اليمين بعد العصر ، وفي الأحكام : باب من بايع رجلا
لا يبايعه إلا للدنيا ، وفي التوحيد : باب قول الله تعالى (وجوه يومئذ
ناضرة إلى ربها ناظرة) وأخرجه مسلم أيضاً (١٠٨) في الإيمان : باب
بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية .

- ١٧١ -
١٦٧٠ - أخبرنا الإمام أبو علي الحسينُ بن محمد القاضي، نا أبو الطيب سهل بن
محمد بن سليمان، نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأموي، أنا محمد بن
عبد الله بن عبد الحكم ، أنا أنس بن عياض ، عن هشام بن عروة ،
عن أبيه
عَنْ أَبِي ◌ُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِّهِ قَالَ: عُذْبَتِ امْرَأَةٌ
في مِرَّةٍ أَمْسَكَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ مِنَ الجُوعِ، فَلَمْ تَكُنْ تُطْعِمُهَا
وَلاَ تُرْسِلْهَا، فَتَأْكُلَ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ .
هذا حديث متفق على صحته(١) أخرجاه من طرق عن أبي هريرة، وابن
عمر. وخشاشُ الأرض: هو هوامُها بفتح الخاء، والحِشاشُ بالكسر :
العود الذي يُجعل في أنف البعير ما كان منه في العظم، والعِرانُ ما كان
في اللحم، والبُرةُ في المنخرِ ويقال، البرةُ: حلقةٌ من صُفُرٍ تجعلُ في
((أنف البعير، فإن كان من شعرٍ، فهي خِزام".
(١) البخاري ٢٥٤/٦ في بدء الخلق : باب إذا وقع الذباب في إناء
أحدكم ، وفي الشرب : باب فضل سقي الماء ، وفي الأنبياء : باب ما ذكر
عن بني اسرائيل، ومسلم (٢٢٤٢ ) في السلام : باب تحريم تعذيب
الهرة ، وفي البر والصلة : باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها من الحيوان
الذي لا يؤذي .

باب
فضل صدقة الصحيح الشجع
قَالَ اللهُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (يَا أَيْهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا يِما
وَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ) [ البقرة: ٢٥٤]
الآية(١) وَقَالَ ( وَأَنْفِقُوا بِمَا رَزَ قْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِي أَحْدَ كُمُ
الَوْتُ)[ المنافقون: ١٠) الآية. قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (وَآتَى
المَلَ عَلى حُبِهِ) [ البقرة: ١٧٧] قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ :
وَأَنْتَ حَرِيصٌ شَحِيحٌ، فَأْمُلُ الْغِنَى، وَتَخْشَى الْفَقْرَ.
١٦٧١ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحيُ، أنا أحمد بن عبد الله
النُّعيمي، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد اسماعيل ، نا موسى بن إسماعيل ، نا
عبد الواحد ، نا عمارةُ بن القعقاع ، نا أبو زرعة
نَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلْ إِلَى النَّيْ فِّهِ، فَقَالَ: يَارَسُولَ
اللّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْراً؟ قَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ(٢)
(١) معنى الآية : التحذير من التسويف بالانفاق استبعادا لحلول
الأجل ، واشتغالا بطول الأمل ، والترغيب في المبادرة بالصدقة قبل هجوم
المنية ، وفوات الأمنية .
(٢) يعني لم يدخل في مرض مخوف ، قال الخطابي : وفيه أن
المرض يقصر يد المالك عن بعض ملكه ، وأن سخاوته بالمال في مرضه لا تمحو
عنه سمة البخل ، فلذلك شرط صحة البدن في الشح بالمال ، لأنه في الحالتين
يجد للمال وقعاً في قلبه لما يأمله من البقاء ، فيحذر معه الفقر .

- ١٧٣ -
شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلَاتْهِلْ حَتَّى إِذَا بَغَتِ الْخَلْقُومَ
قُلْتَ: لِقُلاَنٍ كَذَا، ولِفُلانٍ كَذا، وَقَدْ كَانَ لِغُلاَنٍ ».
هذا حديث متفق على صحته(١) أخرجه مسلم عن أبي كاملٍ الجحدري
عن عبد الواحد
وقوله: ((إذا بلغت الحلقوم)) يريد النفس وإن لم يتقدم لها ذكر.
وقوله : لفلانٍ كذا . كناية عن الموصى له . وقوله: قد كان لفلانٍ
كناية عن الوارث .
وفي الحديث دليل على أن الموصي منوعٌ من الإضرار في الوصية.
لتعلق حق الورثة بماله، لقوله: ((وقد كان لفلان)) وأنه إذا أضرّ
كان الورثة رد الضرر، وهو ما زاد على الثلث. وروي عن أبي الدرداء
قال سمعتُ رسول الله موافقة يقول ((مثل الذي يعتق عند الموت كمثل الذي
بيدي إذا شبع)) (٢).
(١) البخاري ٢٢٦/٣ في الزكاة: باب فضل صدقة الشحيح: الصحيح
وفي الوصايا : باب الصدقة عند الموت ، ومسلم (١٠٣٢) ( ٩٣) في الزكاة :
باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح .
(٢) أخرجه الترمذي (٢١٢٤) في الوصايا: باب ماجاء في الرجل
يتصدق أو يعتق عند الموت ، وصححه ابن حبان (١٢١٩ ) ، وحسنه
الحافظ في ((الفتح)) ٢٨٠/٥. وأخرج أبو داود (٢٨٦٦) في الوصايا:
باب ما جاء في كراهية الإضرار في الوصية ، وابن حبان ( ٨٢١ ) من
حديث أبي سعيد مرفوعاً (( لأن يتصدق الرجل في حياته وصحته بدرهم
خير له من أن يتصدق بمئة درهم عند موته )) وفي سنده شرحبيل بن سعد
الانصاري، قال المنذري: لا يحتج بحديثه، وأورده الحافظ في ((الفتح))
٢٨٠/٥ وسكت عنه .

حق السائل
قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (وَالَّذِينَ في أَمْوَ الِهِمْ حَقُّ مَعْلُومُ
لِلسَّائِلِ وَالمَخْرُومِ) [ المعارج: ٢٤، ٢٥] وَالمحرُومُ: المنُوع
الرِّزْقِ، وَأَصْل التّحرِيمِ: الْمَنْعُ، ◌ُقَال: حَرَّمَهُ عَطَاءَهُ، أَي :
مَنَعَهُ، وَالرَّجْلُ مَخْرَمْ لِلْمَرْأَةِ، أَي: تَنُوع مِنْ نِكاحِها .
وقالَ اللهُ سُبْحَانَه وتَعَالى (فَقُلْ لَمْ قَوْلاً مَيْسُوراً )
[ الإسراء: ٢٨] أي: لا ◌َجَفَاءَ(١) فِيهِ.
١٦٧٢ - أخبرنا أبو عثمان الضبيّ، أنا أبو محمد الجرّاحي، نا أبو
العباس المحبوبي ، نا أبو عيسى ، نا قتيبة ، نا الليث ، عن سعيد بن
أبي سعيد ، عن عبد الرحمن بن ◌ُجيدٍ
عَنْ جُدَّتِهِ أُمْ يُحَيْدٍ - وَكَانتْ يَمْنْ بَايَعَ رَسُولَ الله
◌ٍَّ -ِ أَنَّا قَالَتْ: يَارَسُولَ اللهِ، إِنَّ الِسْكِينَ لَيَقُومُ
عَلىَ بَبِي، فَمَا أَجِدُ لَهُ شَيْئاً أُعْطِهِ إِيَّهُ فَقَالَ لَمَا رَسُولُ اللهِ
(١) في (١ ) لا خفاء فيه وهو تصحيف .

- ١٧٥ -
صَ لّ: (( إنْ كَمْ تَجِدِي شَيْئاً تُعْطِينَهُ إِيَّهُ إلاَّ ظِلْفاً مُخْرَقاً
فَادْفَعِيهِ إلَيْهِ فِي يَدِهِ(١) ..
قال أبو عيسى : هذا حديث صحيح .
١٦٧٣ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو
اسحاق الهاشمي، أنا أبومُصعب وعن مالك، عن زيد بن أسلم ، عن ابن ◌ُيجيد (٢)
الأنصاري ،
عَنْ جَدَّتِهِ أَنَّ رَسولَ الله ◌ِِّ قَالَ: « رُدُوا السَّائل
،(٣) .
وَلَوْ بظلْف ◌ُخْرَّق
(١) الترمذي (٦٦٥) في الزكاة: باب ماجاء في حق السائل، وأخرجه
أبو داود (١٦٦٧ ) في الزكاة : باب حق السائل والنسائي ٨٢/٥ في الزكاة :
باب رد السائل، وأحمد ٣٨٢/٦، وسنده قوي ، وصححه ابن حبان
(٨٢٤) والحاكم، ٤١٧/١، ووافقه الذهبي.
(٢) قال الحافظ في ((تعجيل المنفعة)): اتفق رواة الموطأ على إبهامه
إلا يحيى بن بكير ، فقال : عن محمد بن بجيد ، وبه جزم ابن البرقي فيما
حكاه أبو القاسم الجوهري في مسند ((الموطأ)). ووقع في ((أطراف المزي))
أن النسائي أخرجه من وجهين عن مالك ، عن زيد ، عن عبد الرحمن بن
بجيد، ولم يترجم في ((التهذيب)) لمحمد، بل جزم في مبهماته بأن اسمه
عبد الرحمن ، وليس ذلك بجيد ، لأن النسائي رواه غير مسمى كأكثر رواة
الموطأ ، ومستند من سماه عبد الرحمن ما في السنن الثلاثة عن الليث ، عن
سعيد المقبري، عن عبد الرحمن بن بجيد ، عن جدته ... ولا يلزم من
كون شيخ سعيد المقبري عبد الرحمن أن لا يكون شيخ زيد بن أسلم فيه
آخر اسمه محمد .
(٣) (( الموطأ)) ٩٢٣/٢ في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: باب
النهي عن الأكل بالشمال .
:

- ١٧٦ -
قوله: ((ودوا السائل)) لم يرد به رد الحرمان، بل أراد أنه يرده
بشيء يعطيه وإن قل ، فهو كقوله: سلم عليّ، فرددت عليه ، أي أجبته
وروي عن حسين بن علي قال: رسول الله مؤلفى ((للسائل حق
وإن جاء على فرس(١) )).
وروي عن عبد الله بن عمر قال: رسول الله عَ لَّمَ ((من استعاذكم
بالله فأعيذوه ، ومن سألكم بالله، فأعطوه ، ومن دعاكم ، فأجيبوه ،
ومن أتى إليكم معروفاً فكافئوه ، فإن لم تجدوا ، فادعوا له حتى تعلموا
أن قد كافأتموه)) .(٢)
وروي عن جابر قال: قال رسول الله بَ لَّم (( لا تسأل بوجه الله
إلا الجنة(٣))).
(١) أخرجه أحمد ( ١٧٣٠ ) وأبو داود ( ٦٦٥+).، وفي سنده يعلى
بن أبي يحيى لم يوثقه غير ابن حبان ، ومع ذلك فقد جود إسناده الحافظان
العراقي والسخاوي وغيرهما. وانظر ذيل ((القول المسدد)) ٦٨، ٧٠ فقد
بسط القول في الكلام عليه .
(٢) أخرجه البخاري في ((الأدب المفيد)) (٢١٦)، وأبو داود
( ١٦٧٢) في الزكاة: باب عطية من سأل بالله، والنسائي ٨٢/٥ في الزكاة
باب من سأل بالله عزوجل ، واسناده صحيح، وصححه ابن حبان (٢٠٧١)
والحاكم ٤١٢/١، ووافقه الذهبي، وأخرجه أحمد ٦٨/٢ و٩٩ وزاد
فيه: ((ومن استجار بالله فأجيروه)).
(٣) أخرجه أبو داود ( ١٦٧١ ) في الزكاة : باب كراهية المسألة
بوجه الله الا الجنة بلفظ (( لا يسأل)) وفيه سليمان بن قرم بن معاذ
التميمي وقد تفرد به وهو سيء الحفظ كما قال الحافظ في ((التقريب)).

- ١٧٧ -
قال الحسن: إن الله ليبقلي أهل البيت بالسائل ما هو من الإنس ، ولا
من الجن ، ولقد أدركتُ أقواماً يعزمون على أهاليهم أن لا يردوا سائلاً.
وقال حماد بن سلمة: كانوا يستحبون أن يسكتوا عن السائل حتى يفرغ .
وعن ثابت قال : كانت عائشة إذا بعثت بالصدقة إلى أهل البيت
تقول للسائل : احفظ علي ما يقولون ، فيجيء ، فيقول: قالوا كذا ، فترد
عليهم مثلَ ما قالوا ، فقيل لها: يا أُمَّ المؤمنين قبعتين إليهم بالصدقة ، وتدعين
لهم بهذا الدعاء ؟! فقالت : إن مادعوا به لي أفضل من صدقتي ، فأكافئهم بما
قالوا حتى تخلص لي صدقتي .
شرح السنة ج٦ - م١٢

ب
غير الصدقة عن ظهر يغنى
قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُوَةً إِلَى
عُنُقِكَ) [الإسراء: ٢٩] الآية. قَوْلُه ( فَتَقْعُدَ مَلُوماً حْسُوراً)
أُي: لاَ تُشْرِفْ، فَتَبْقَى عْصُوراً مُنْقَطِعاً عَنِ الْفَقَةِ وَانْصَرُّفِ.
وَقَالَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَلَى ( وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ
الْعَفْوَ) [البقرة: ٢١٩] أي : الْفَضْلَ الَّذِي يَسْهُلُ إِعْطَاؤُهُ،
أَي: تُعْطُونَ عَفْوَ أَمْوَالِكُم، فَتَصَدَّقُونَ بِمَا فَضَلَ مِنْ
أَقْوَاتِكم، وَأَقْوَاتِ عِيَالِكُم .
١٦٧٤ - أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أخبرنا أبو طاهر
محمد بن محمش الزيادي ، أنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفصٍ التاجر،
نا إبراهيم بن عبد الله بن عمر بن بكير بن الحارث الكوفي ، أنا وكيع ،
عن الأعمش عن أبي صالح
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ((خَيْرُ الصَّدَقَّةِ
مَا كَانَ عَنْ ظَهْرٍ غِنَّىَ، وَلَيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الشُّغْلَى، وَابدأ
يَمِنْ تَعُولُ ،.

- ١٧٩ -
١٦٧٥ - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصّالحي، أنا أبو بكر أحمد بن
الحسن الخيري، أنا حاجب بن أحمد الطُّوسي ، نا محمد بن يحيى ، نا
يزيد بن هارون ، نا محمد بن عمرو، عن أبى سلمة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَِّ «إِنَّمَا الصَّدَقَةِ
عَنْ ظَهْرِ غِنَّىَ، وَأَلَيْدُ العُليا خيرٍ مِنِ السعلى، وَأَبْدَأْ بِمَنْ
تَعُولُ )) .
هذا حديث متفق على صحته (١)، أخرجه محمد من طريق أبي هريرة
وأخرجه مسلم من رواية حكيم بن حزام . .
قوله: ((خيرُ الصدقة ما كان عن ظهر غنى)) أي: غنيّ يعتمده،
ويستظهرُ به على النوائب التي تنوبُه، كما قال في رواية أخرى عن أبي
هريرة، عن النبي ◌َّ أنه قال ((إن خير" الصدقة ما ترك غنى"))(٣٣
يعني خير ما تصدقتَ به الفضلُ عن قوت عيالك وكفايتهم .
قال ابن عباس في قوله عزّ وجلّ (يسألونك ماذا ينفقون قُلِ العفوَ).
أي: ما فضلَ من أهلك (٣)
(١) البخاري ٢٣٤/٣، ٢٣٥ في الزكاة : باب لا صدقة إلا عن ظهر
غنى ، وفي النفقات : باب وجوب النفقة على الأهل والعيال ، ومسلم
(١٠٣٤) في الزكاة : باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى.
(٢) أخرجها أبو داود (١٦٧٦ ) في الزكاة : باب الرجل يخرج من
ماله ، وإسنادها صحيح، وفي البخاري ٤٣٩/٩ ((أفضل الصدقة ما
ترك غنى)) .
(٣) ذكره الطبري في ((جامع البيان)) ٣٣٧/٤، وروى عطية
عن ابن عباس : ماتطيب به أنفسهم من قليل أو كثير ، وقال الحسن وعطاء

- ١٨٠ -
وقيل في قوله (( خيرُ الصَّدقة ما ترك غنى)) أي: ما أغنيتَ به من
أعطيت عن المسألة، يريد إجزالَ العطاء والإكثار منه، والأول أولى.
قال رحمه اله : وقد رُوي في الرخصة في الخروج عن المال عن أبي
حريرة أنه قال: يارسولَ الله أيّ الصدقةِ أفضلُ؟ قال: ((جُهد المقِلِ))(١).
وروى عمرُ رضي الله عنه قال: أمرنا رسولُ الله عَ لَّم أن نتصدق" ،
فجئتُ بنصيٍّ مالي، فقال رسولُ اللهِ مَ ((ما أبقيت" لأهلك ؟)) قلت:
مثله، قال: وأتى أبو بكر بكلّ ما عنده، فقال له رسولُ الله
(((ما أبقيت لأهلك))؟ قال: أبقيتُ لهم الله ورسوله، قلتُ: لا أسابقُك
إلى شيء أبداً (٢) ..
وسعيد بن جبير : هو القصد بين الاسراف والإقتار ، وقال مجاهد :
هو الصدقة المفروضة ، وأولى هذه الأقوال عند ابن جرير بالصواب قول
من قال. معنى ((العفو)) : الفضل من مال الرجل عن نفسه وأهله في
مؤونتهم مالا لهم منه ، وذلك هو الفضل الذي تظاهرت به الأخبار عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاذن في الصدقة ، وصدقته في وجوه البر.
(١) أخرجه أبو داود (١٦٧٧). في الزكاة، والحاكم ٤١٤/١، وصححه
وله شاهد من حديث عبدالله بن حبشي عند أحمد ٤١٢،٤١١/٣، وأبي داود
(١٤٤٩) في الصلاة: باب طول القيام، والنسائي ٥٨/٥ في الزكاة : باب
جهد المقل ، وإسناده صحيح ، وأخرج النسائي من حديث أبي هريرة
مرفوعاً ((سبق درهم مائة ألف درهم)) قالوا: وكيف؟ قال : كان لرجل
درهمان تصدق بأحدهما ، وانطلق رجل إلى عرض ماله ، فأخذ منه مائة
الف درهم فتصدق بها)) وإسناده حسن، وصححه ابن حبان ( ٨٣٨)
والحاكم ٤١٦/١، ووافقه الذهبي، وقوله ((جهد)) هو بضم الجيم
وفتحها : الوسع والطاقة ، وقيل بالضم : الوسع والطاقة ، وبالفتح :
المشقة .
(٢) أخرجه أبو داود (١٦٧٨) في الزكاة، والترمذي ( ٣٦٧٦) في
المناقب ، وسنده حسن، وصححه الترمذي، والحاكم ٤١٤/١ ، ووافقه
الذهبي .