Indexed OCR Text

Pages 181-200

وَكَانَ يُقَالُ لأَّبِي عِصْمَةَ هَذَا: نُوحُ الجَامِعُ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: جَمَعَ
كُلَّ شَيْءٍ إِلَّ الصِّدْقَ.
السَّادِسُ: قَصْدُ الوَاضِعِ الإِغْرَابَ لأَجْلِ الاشْتِهَارِ .
* فَائِدَةٌ:
قَالَ فِي (التَّدْرِيبِ): وَرَدَ فِي فَضَائِلِ السُّوَرِ مُفَرَّقَةً أَحَادِيثُ: بَعْضُهَا
صَحِيحٌ، وَبَعْضُهَا حَسَنٌ، وَبَعْضُهَا ضَعِيفٌ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ.
ثُمَّ قَالَ: وَتَفْسِيرُ الحَافِظِ عِمَادِ الدِّينِ ابْنِ كَثِيرٍ أَجَلُّ مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ
فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَ غَالِبَ مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ؛ وَإِنْ فَاتَهُ
أَشْيَاءُ، وَقَدْ جَمَعْتُ فِي ذَلِكَ كِتَاباً لَطِيفاً سَمَّيْتُهُ: (خَمَائِلَ الزُّهَرِ فِي
فَضَائِلِ السُّوَرِ).
وَاعْلَمْ أَنَّ السُّوَرَ الَّتِي صَحَّتِ الأَحَادِيثُ فِي فَضْلِهَا: الفَاتِحَةُ،
وَالزَّهْرَاوَانِ، وَالأَنْعَامُ، وَالسَّبْعُ الطُّوَلُ مُجْمَلاً، وَالكَهْفُ، وَيس،
وَالدُّخَانُ، وَالمُلْكُ، وَالزَّلْزَلَةُ، وَالنَّصْرُ، وَالكَافِرُونَ، وَالإِخْلاَصُ،
وَالْمُعَوِّذَتَانِ، وَمَا عَدَاهَا لَمْ يَصِحَّ فِيهَا شَيْءٌ اهـ.
أَقُولُ: هَذَا الحُكْمُ بِاعْتِبَارِ الغَالِبِ.
حُكْمُ الوَضْعِ:
الوَضْعُ بِأَنْوَاعِهِ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ.
وَقَدْ خَالَفَتِ الكَرَّامِيَّةُ فِي ذَلِكَ - وَهُمْ قَوْمٌ مِنَ المُبْتَدِعَةِ يُنْسَبُونَ إِلَى
مُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامِ المُتَكَلِّمِ . فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَبَاحُوا وَضْعَ الأَحَادِيثِ لِلتَّرْغِيبِ
١٨٠

فِي الطَّاعَةِ وَالتَّرْهِيبِ مِنَ المَعْصِيَةِ، دُونَ مَا يَتَعَلّقُّ بِهِ حُكْمٌ مِنَ الثَّوَابِ
13
وَالِعِقَابِ، وَتَأَوَّلُوا حَدِيثَ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ
النَّارِ)) فَقَالُوا: إِنَّمَا تَكْذِبُ لَهُ لاَ عَلَيْهِ(١).
وَلاَ شَكَّ أَنَّ هَذَا خَطَأُ مِنْ فَاعِلِهِ، نَشَأَ عَنْ جَهْلٍ، فَإِنَّ التَّزْهِيبَ
وَالتَّرْغِيبَ مِنْ جُمْلَةِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَقَدِ اتَّفَقَ جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ تَعَمُّدَ الكَذِبِ عَلَى النَّبِيِّ
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنَ الكَبَائِرِ، لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْوَعِيدِ
الشَّدِيدِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا: ((مَنْ كَذَبَ
عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأُ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)).
وَبَالَغَ أَبُو مُحَمَّدِ الجُوَنِيُّ فَكَفَّرَ فِي تَعَمُّدِ الكَذِبِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى
الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَأَبَاحَ دَمَهُ.
وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُكَفَّرُ إِلاَّ إِنِ اسْتَخَلَّهُ، وَإِنَّمَا يُفَسَّقُ وَتُرَّدُّ
رِوَايَاتُهُ كُلُّهَا وَيَبْطُلُ الاخْتِجَاجُ بِجَمِيعِهَا.
أَحْكَامُ المَوْضُوعِ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ المَوْضُوعَ سَاقِطَ
الاعْتِبَارِ بِكُلِّ اغْتِبَارٍ، لأَنَّهُ كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ.
حُكْمُ رِوَايَةِ المَوْضُوعِ: تَخْرُمُ رِوَايَتُهُ مَعَ العِلْمِ بِوَضْعِهِ فِي أَيِّ
(١) وَاسْتَدَلُّوا أَيْضاً بِمَا رُوِيَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الحَدِيثِ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً
لِيُضِلَّ بِهِ النَّاسَ))، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ اتَّفَقَ الحُقَّاظُ عَلَى بُطْلَانِهَا، وَعَلَى فَرَضِ
صِحَتِهَا فَهِيَ لِلتَّأْكِيدِ.
١٨١

مَعْنَى كَانَ، سَوَاءٌ الأَحْكَامُ، وَالقَصَصُ، وَالتَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ وَغَيْرُ
ذَلِكَ، إِلاَّ أَنْ يَقْرِنَهُ بِبَيَانِ وَضْعِهِ، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: ((مَنْ حَدَّثَ عَنِّي
بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِيْنَ)).
وَأَمَّا الَّذِي يَجْهَلُ وَضْعَهُ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِذَا رَوَاهُ؛ وَإِنْ كَانَ مُقَصِّراً فِي
البَحْثِ عَنْهُ.
وَرِوَايَةُ العَالِمِ بِوَضْعِهِ لَهُ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ فَإِنَّ هَذَا عَمَلٌ مُتَابٌ عَلَيْهِ.
كُتُبُ المَوْضُوعَاتِ:
صَنَّفَ العُلَمَاءُ كُباً كَثِيرَةً فِي بَيَانِ الأَحَادِيثِ المَوضُوعَةِ، وَنَحْنُ
نَذْكُرُ مِنْهَا مَا هُوَ مَشْهُورٌ وَمَوْجُودٌ:
١ - كِتَابُ (المَوْضُوعَاتُ الكُبْرَى) لابْنِ الجَوْزِيِّ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَّ
وَلَمْ يَتَرَيَّتْ، بَلْ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ هَذَا مِنَ الأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ وَالحِسَانِ
عَدَداً كَثِيراً عَلَى أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ، حَتَّى نَسَبَهُ العُلَمَاءُ لِلْوَهْمِ.
وَقَدْ أََّ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ كِتَاباً سَمَّاهُ: (القَوْلُ المُسَدَّدُ فِي الذَّبِّ
عَنْ مُسْتَدِ أَحْمَدَ) أَوْرَدَ فِيهِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ حَدِيثاً مِنْ أَحَادِيثِ (المُسْنَدِ)
ذَكَرَهَا ابْنُ الجَوْزِيِّ فِي (المَوْضُوعَاتِ).
وَأَلَّفَ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ كِتَاباً سَمَّاهُ: (القَوْلُ الحَسَنُ فِي الذّبِّ عَنِ
السُّنَنِ) ذَكَرَ فِيهِ بِضْعَةً وَعِشْرِينَ حَدِيثاً وَمِئَّةَ حَدِيثٍ أَوْرَدَهَا ابْنُ الجَوْزِيِّ
في (المَوْضُوعَاتِ) وَبَعْضُهَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَبَعْضُهَا فِي سُنَنِ
التِّرْمِذِيِّ، وَمِنْهَا فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ، وَمِنْهَا فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ، وَمِنْهَا فِي
١٨٢

مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ، وَمِنْهَا فِي (المُسْتَدْرَكِ) لِلْحَاكِمِ، وَمِنْهَا فِي كِتَابِ
(الأَنْوَاعِ وَالتَّقَاسِيمِ) لابْنِ حِبَّنَ.
وَأَعْجَبُّ شَيْءٍ أَنَّ ابْنَ الجَوْزِيِّ قَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِ (المَوْضُوعَاتِ)
حَدِيثاً رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي (صَحِيحِهِ).
وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ فِي كِتَابِ المَوْضُوعَاتِ لابْنِ
الجَوْزِيِّ، عَلَى شَيْءٍ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالوَضْعِ وَهُوَ فِي أَحَدِ الصَّحِيحَيْنِ غَيْرَ
حَدِيثِ مُسْلِمٍ: (إِنْ طَالَتْ بِكَ مُّدَّةٌ أَوْشَكَ أَنْ تَرَى قَوْماً يَغْدُونَ فِي سَخَطِ
الله، وَيَرُوحُونَ فِي لَعْنَتِهِ، فِي أَيْدِيهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ)) قَالَ: وَإِنَّهَا لَغَفْلَةٌ
شَدِيدَةٌ مِنِ ابْنِ الجَوْزِيِّ.
٢- (تَذْكِرَةُ المَوْضُوعَاتِ) لِلْحَافِظِ أَبِيِ الفَضْلِ المَقْدِسِيِّ.
٣- (المَقَاصِدُ الحَسَنَةُ) لِلْحَافِظِ السَّخَاوِيِّ - وَعِنْدِي نُسْخَةٌ
مَخْطُوطَةٌ ..
٤- (تَمْسِيزُ الطَّيِّبِ مِنَ الخَبِيثِ) لابْنِ الدَّيْبَعِ الشَّيَانِيِّ.
٥- (اللآلِءُ المَصْنُوعَةُ فِى الأَحَادِيثِ المَوْضُوعَةِ) لِلْحَافِظِ السُّيُوطِيِّ،
وَهُوَ تَلْخِيصُ (المَوْضُوعَاتِ الكُبْرَى) لابْنِ الجَوْزِيِّ، مَعَ بَيَانِ مَا وَهِمَ
فِيهِ فَحَكَمَ بِوَضْعِهِ مَعَ أَنَّهُ صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ أَوْ ضَعِيفٌ غَيْرُ مَوْضُوعٍ.
٦ - (تَذْكِرَةُ المَوْضُوعَاتِ) لِلْعَلَّمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرِ بْنِ عَلِيِّ الهِنْدِيِّ
الفَتَِّيِّ، وَفِي ذَيْلِهَا (قَانُونُ المَوْضُوعَاتِ وَالضُّعَفَاءُ) لِلْعَلَّمَةِ المَذْكُورِ.
٧ - مَوْضُوعَاتُ الشَّيْخِ عَلِيِّ القَارِي الكُبْرَى وَالصُّغْرَى.
١٨٣

٨- (اللُّؤْلُؤُ المَرْصُوعُ) لأَّبِي المَحَاسِنِ القَاوُقْجِيِّ الحَسَنِيِّ المَشِيشِيِّ.
٩- المَوْضُوعَاتُ لِلصَّغَانِيِّ.
١٠- (أَسْنَى المَطَالِ) لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّيِِّ دَرْوِيشٍ؛ الشَّهِيرِ
بِالحُوتِ.
١١- وَثَمَّةَ كِتَابٌ جَامِعٌ لِمَا اشْتَهَرَ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ، وَهُوَ كِتَابُ
(كَثْفُ الخَفَاءِ وَمُزِيلُ الإِلْبَاسِ) لِلْعَلَّمَةِ العَجْلُونِيِّ، وَهُوَ كِتَابٌ فَيِّمٌ،
يُبَيِّنُ فِيهِ مَا اشْتَهَرَ عَلَى الأَلْسِنَةِ، مِمَّا هُوَ صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ أَوْ ضَعِيفٌ أَوْ
مَوْضُوعٌ، مَعَ البَحْثِ وَالتَّحْقِيقِ.
١٨٤

مُخْتَلِفُ الحدِيثِ
تَعْرِيفُهُ: اخْتِلاَفُ الحَدِيثِ هُوَ: أَنْ يُوجَدَ حَدِيثَانِ مُتَضَادَّانِ فِي
المَعْنَى بِحَسَبِ الظَّاهِرِ .
حُكْمُهُ: أَمَّا الحُكْمُ فِي ذَلِكَ فَهُوَ أَنْ يُنْظَرَ فِي ذَلِكَ:
١- فَإِنْ أَمْكَنَ الجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ صَحِيحٍ فَلاَ يُعْدَلُ عَنْهُمَا، بَلْ
يُعْمَلُ بِهِمَا مَعاً، وَذَلِكَ كَحَدِيثِ: ((لاَ عَدْوَى)) مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ((فَرَّ مِنَ المَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ) وَرُوِيَا مِنْ حَدِيثٍ وَاحِدٍ.
وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ هَذِهِ الأَمْرَاضَ لَا تُعْدِي بِطَيْعِهَا، وَلَكِنَّ الله
تَعَالَى جَعَلَ مُخَالَطَةَ المَرِيضِ لِلصَّحِيحِ سَبَّباً لإِعْدَائِهِ مَرَضَهُ، وَقَدْ يَتَخَلَّفُ
ذَلِكَ كَمَا فِي سَائِرِ الأَسْبَابِ، فَإِنَّهَا تُؤَثِّرُ بِقُدْرَةِ الله تَعَالَى إِنْ سَبَقَتْ
مَشِيئَةُ الله تَعَالَى فِي ذَلِكَ، وَإِلَّ فَلاَ تَأْثِيرَ لَهَا مِنْ ذَاتِهَا.
وَهُنَاكَ وُجُوهٌ أُخْرَى مِنَ الجَمْعِ.
وَهَذَا مِثَالٌ فِي الأَحْكَامِ الكَوْنِيَّةِ.
وَمِثَلُ ذَلِكَ فِي الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ حَدِيثُ: ((إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلََّيْنٍ لَمْ
يَحْمِلْ خَبَثاً)) مَعَ حَدِيثِ: ((خَلَقَ الله المَاءَ طَهُوراً لاَ يُتَجِّسُهُ إِلَّ مَا غَيَّرَ
طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ)).
فَالحَدِيثُ الأَوَّلُ: ظَاهِرُهُ طَهَارَةُ القُلَّتَيْنِ تَغَيَّرَ المَاءُ أَمْ لاَ ، وَالثَّانِي:
١٨٥
٠١

ظَاهِرُهُ طَهَارَةُ غَيْرِ المُتَغَيِِّ؛ سَوَاءٌ كَانَ قُلَّتَيْنِ أَمْ أَقَلَّ، فَخُصَّ عُمُومُ كُلِّ
مِنْهُمَا بِالآخَرِ، كَمَا فِي (التَّدْرِیبِ).
٢ - وَأَمَّا إِذَا كَانَ الحَدِيثَانِ المُتَعَارِضَانِ لاَ يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنْ
عَلِمْنَا أَنَّ أَحَدَهُمَا نَاسِخٌ لِلِآخَرِ بِوَجْهِ مِنَ الْوُجُوهِ الدَّالَّةِ عَلَى النَّسْخِ:
أَخَذْنَا بِالنَّاسِخِ.
٣- وَإِنْ لَمْ يَثْبُتِ النَّسْخُ أَخَذْنَا بِالأَرْجَحِ مِنْهُمَا.
وَوُجُوهُ التَّرْجِيحِ مُتَعَدِّدَةٌ كَثِيرَةٌ مُفَصَّلَةٌ فِي كُتُبِ الأُصُولِ وَغَيْرِهَا،
وَقَدْ ذَكَرَ الحَازِمِيُّ فِي كِتَابِهِ (الاعْتِبَارِ) خَمْسِينَ وَجْهاً، وَأَوْصَلَهَا العِرَاقِيُّ
إِلَى مِئَّةٍ وَعَشَرَة وُجُوهِ، وَقَدْ لِخَّصَهَا السُّيُوطِيُّ فَرَدَّهَا إِلَى سَبْعَةِ أَقْسَامِ،
وَكُلُّ قِسْمٍ يَشْتَمِلُ عَلَى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ:
الأَوَّلُ: التَّرْجِيحُ بِحَالِ الرَّاوِي: مِنْ كَثْرَةِ الرُّوَاةِ، أَوْ عُلُوِّ السَّنَدِ، أَوْ
فِقْهِ الرَّاوِي ، أَوْ تَحْوِ ذَلِكَ.
الثَّانِي: التَّرْجِيحُ بِالتَّحَمُّلِ: كَتَرْجِيحِ التَّحَمُّلِ تَحْدِيثاً عَلَى العَرْضِ،
وَالعَرْضِ عَلَى الكِتَابَةِ أَوِ المُنَاوَلَّةِ أَوِ الوِجَادَةِ.
الثَّالِثُ: التَّرْجِيحُ بِكَيْفِيَّةِ الرِّوَايَةِ: كَتَرْجِيحِ المَحْكِيِّ بِلَفْظِهِ عَلَى
المَحْكِيِّ بِمَعْنَاهُ، وَمَا ذُكِرَ فِيهِ سَبَبُ وُرُودِهِ عَلَىَ مَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ ذَلِكَ.
لِدِلاَلَةِ الأَوَّلِ عَلَى اهْتِمَامِ الرَّاوِي.
الَّابِعُ: التَّرْجِيُ بِوَقْتِ الوُرُودِ: كَتَرْجِيحِ المَدَنِيِّ عَلَى المَكِّيِّ.
الخَامِسُ: التَّرْجِيحُ بِلَفْظِ الخَبَرِ: كَتَرْجِيحِ الخَاصِّ عَلَى العَامِّ،
وَالمُطْلَقِ عَلَى مَا وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ، وَالحَقِيقَةِ عَلَى المَجَازِ.
١٨٦

السَّادِسُ: التَّرْجِيحُ بِالحُكْمِ: كَتَرْجِيحِ الدَّالِّ عَلَى النَّحْرِيمِ عَلَى
الدَّالِّ عَلَى الإِبَاحَةِ .
السَّابِعُ: التَّرْجِيحُ بِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ: كَتَرْجِيحِ مَا وَافَقَهُ ظَاهِرُ القُرْآنِ أَوْ
حَدِیثٌ آخرُ.
٤- وَإِذَا تَعَذَّرَ تَرْجِيحُ أَحَدِ الحَدِيثَيْنِ بِوَجْهِ مَا وَجَبَ التَّوَقُ فِيهِمَا.
أَهَمِّيَتُهُ: مَعْرِفَةُ هَذَا الفَنِّ مِنْ أَهَمِّ أَنْوَاعِ عُومِ الحَدِيثِ، الَّتِي
يَجِبُ عَلَى العَالِمِ مَعْرِفَتُّهَا، وَإِنَّمَا يَعْتَنِي بِهِ الأَئِمَّةُ الجَامِعُونَ بَيْنَ الحَدِيثِ
وَالفِقْهِ وَالأُصُولِ، وَالغَوَّاصُونَ عَلَى اسْتِبَاطِ المَعَانِي الدَّقِيقَةِ.
أَهَمُّ مُؤَلَفَاتِهِ: وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ الله عَنْهُ،
حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ.
ثُمَّ صَنَّفَ ابْنُ قُتَيْبَةَ كِتَاباً سَمَّهُ: (تَأْوِيلَ مُخْتَلِفِ الحَدِيثِ)، فَتَّى
بِأَشْيَاءَ حَسَنَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِقَصَرِ بَاعِهِ فِيهَا .
ثُمَّ صَنََّ ابْنُ جَرِيرٍ فِي ذَلِكَ.
وَصَنَّفَ الطَّحَاوِي كِتَابَهُ (مُشْكِلَ الآثَارِ) وَهُوَ كِتَابٌ عَظِيمُ الفَائِدَةِ
يَحْتَوِي عَلَى عِدَّةٍ أَجْزَاءَ، أَتَّى فِيهِ بِمَا يَشْفِي العَلِيلَ وَيَرْوِي الغَلِيلَ.
وَكَانَ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ كَلاَمَاً فِي هَذَا الفَنِّ، حَتَّى قَالَ:
لَيْسَ ثَمَّ حَدِيثَانِ مُتَعَارِضَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ وَمَنْ وَجَدَ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ
فَلْيَأْتِي لِأُؤَلِّفُ بَيْنَهُمَا.
١٨٧

النَّاسِخُ وَالَتْسُوعُ
تَعْرِيفُ النَّسْخِ: هُوَ رَفْعُ الشَّارِعِ حُكْماً مِنْهُ مُتَقَدِّماً، بِحُكْمٍ مِنْهُ مُتَأَخِّرٍ.
وَالمُرَادُ بِرَفْعِ الحُكْمِ: قَطْعُ تَعَلَّقِهِ عَنِ الْمُكَلَّفِينَ.
وَاحْتُرِزَ بِالحُكْمِ عَنِ الإِبَاحَةِ الأَصْلِيَّةِ، فَإِنَّ رَفْعَهَا لاَ يُسَمَّى نَسْخاً.
مِثَالُ ذَلِكَ: مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ مَرْفُوعاً: ((كُنْثُ
نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا)».
بِمَاذَا يُعْرَفُ النَّسْخُ؟ يُعْرَفُ النَّسْخُ بِوُجُوهٍ:
١ - بِتَنْصِيصِ الشَّارِع عَلَيْهِ، كَحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ: ((كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ
لُحُومِ الأَضَاحِي فَوْقَ ثَلاَثَ لَيَالٍ، لِبَتَسِعَ ذُو الطَّوْلِ عَلَى مَنْ لاَ طَوْلَ لَهُ،
فَكُلُواَ مَا بَدَا لَكُمْ، وَأَطْعِمُوا، وَادَّخِرُوا)).
وَحِدِيثِ: ((كُنْتُ نَهَيْئُكُمْ عَنِ الأَشْرِيَةِ إِلَّ فِي ظُرُوفِ الأُدَمِ،
فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ، غَيْرَ أَنْ لاَ تَشْرَبُوا مُسْكِراً)).
٢ - بِجَزْمِ الصَّحَابِيِّ بِالمُتَأَخِّرِ، كَقَوْلِ جَابِرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ: (كَانَ
آخِرُ الأَمْرَيْنِ مِنَ النَّبِيِّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ تَرْكَ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ
النَّارُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
فَأَمَّا قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: هَذَا نَاسِخٌ لِهَذَا فَلَمْ يَقْبَلْهُ كَثِيرٌ مِنَ الأُصُولِيِّينَ
لأَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى نَوْعِ مِنَ الاجْتِهَادِ وَقَدْ يُخْطِئُ فِيهِ، أَمَّا جَزْمُهُ بِتَأَخّرٍ نَصِّ
فَهُوَ نَاقِلٌ، وَهُوَ ثِقَةٌ مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ.
١٨٨

قَالَ العِرَاقِيُّ: وَإِطْلاَقُ أَهْلِ الحَدِيثِ أَوْضَحُ وَأَشْهَرُ - أَيْ: سَوَاءٌ
جَزَمَ بِالتََّثُرِ أَوْ حَكَمَ بِالنَّسْخِ . لأَنَّ النَّسْخَ لاَ يُصَارُ إِلَيْهِ بِالاجْتِهَادِ
وَالرَّأْىِ، إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ، وَالصَّحَابَةُ أَوْرَعُ مِنْ أَنْ
يَحْكُمَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٌّ بِتَسْخٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفَ تَأَثُرَ
النَّاسِخِ عَنْهُ اهـ.
٣ - مَا عُرِفَ نَسْخُهُ بِالتَّارِيخِ، كَحَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ الله
عَنْهُ مَرْفُوعاً: ((أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُوُ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما
(أَنَّ النَِّيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ) أَخْرَجَهُ
مُسْلِمٌ.
فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا إِنَّمَا صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرٌِ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ سَنَةً عَشْرٍ، وَفِي بَعْضِ طُرُقٍ
حَدِيْثِ شَدَّادٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ زَمَنَ الفَتْحِ سَنَ ثَمَانٍ(١).
٤ - مَا عُرِفَ نَسْخُهُ بِدَلاَلَةِ الإِجْمَاعِ.
قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَالمِثَالُ الصَّحِيحُ لِذَلِكَ، مَا رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ، مِنْ
(١) وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ ذَلِكَ: مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ
وَسَلَّمَ مَرَّ بِجَعْفَرَ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه وَقَدِ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ فَقَالَ: «أَقْطَرَ
هَذَا)) ثُمَّ رَخَّصَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ فِي الحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ.
وَكَانَ النَِّيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ، رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ كُلَّهُمْ
١٨٩

حَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: (كُنَّا إِذَا حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَكُنَّا تُلَبِّي عَنِ النِّسَاءِ وَنَرْمِي عَنِ الصِّبْيَانِ)، قَالَ التِّرْمِذِيُّ:
أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ أَنَّ المَرْأَةَ لاَ يُلَبِّي عَنْهَا غَيْرُهَا.
: أَهَمِّيَّةُ مَعْرِفَتِهِ: إِنَّ مَعْرِفَةَ نَاسِخِ الحَدِيثِ مِنْ مَنْسُوخِهِ مِنْ أَهَمِّ
أَنْوَاعِ العُلُومِ وَأَدَقِّهَا وَأَصْعِهَا.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَعْيَا الفُقَهَاءَ وَأَعْجَزَهُمْ أَنْ يَعْرِفُوا نَاسِخَ الحَدِيثِ مِنْ
مَنْسُوخِهِ.
وَقَدْ كَانَ لِلشَّافِعِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ الَيَدُ الطّولَى فِي ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ
الإِمَامُ أَحْمَدُ لابْنٍ وَارَهْ - وَقَدْ قَدِمَ مِنْ مِصْرَ -: كَبْتَ كُبَ الشَّافِعِيِّ؟
قَالَ: لاَ .
قَالَ: فَرَّطْتَ، مَا عَلِمْنَا المُجْمَلَ مِنَ المُفَسَّرِ، وَلاَ نَاسِخَ الحَدِيثِ
مِنْ مَنْسُوخِهِ حَتَّى جَالَسْنَا الشَّافِعِيَّ.
وَقَدْ أَسْنَدَ الحَازِمِيُّ عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَاصِّ فَقَالَ:
تَعْرِفُ النَّاسِخَ مِنَ المَنْسُوخِ؟ فَقَالَ: لَا .
فَقَالَ لَهُ: هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ.
وَأَسْنَدَ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ: إِنَّمَا
يُفْتِي مَنْ عَرَفَ النَّاسِخَ مِنَ المَنْسُوخِ.
قَالُوا: وَمَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: عُمَرُ رَضِيَ الله عَنْهُ.
وَلِذَلِكَ كَانَ الْبَحْثُ فِي فَنِّ النَّاسِخِ وَالمَنْسُوخِ وَالتَّوَسُّعُ فِيهِ؛ هُوَ
١٩٠

بِأُصُولِ الفِقْهِ أَشْبَهُ، كَمَا أَوْضَحَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُ، لأَنَّ الفَقِيةَ هُوَ الَّذِي
يَسْتَنِطُ الأَحْكَامَ مِنَ الأَحَادِيثِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّمَكُّنِ مِنْ هَذَا الْفَنِّ، وَأَمَّا
المُحَدِّثُ فَوَظِيفَتُهُ أَنْ يَنْقُلَ وَيَرْوِيَ مَا سَمِعَ مِنَ الأَحَادِيثِ كَمَا سَمِعَ،
فَإِنْ تَصَدَّى لِمَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ وَكَمَالٌ.
٠
١٩١

مَعْرِفَةُ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَمَنْ تُرَدُّ
يُقْبَلُ خَبَرُ الثَّقَةِ فِي دِينِهِ وَرِوَايَتِهِ وَهُوَ: العَدْلُ الضَّابِطُ.
وَالعَدْلُ: هُوَ المُسْلِمُ الْبَالِغُ العَاقِلُ السَّالِمُ مِنَ الفِسْقِ: بِارْتِكَابٍ
كَبِيرَةٍ أَوْ إِصْرَارٍ عَلَى صَغِيرَةٍ، وَالسَّالِمُ مِنْ خَوَارِمِ المُرُوءَةِ.
وَالْمُرُوءَةُ: هِيَ تَعَاطِي المَرْءِ مَا يُسْتَحْسَنُ، وَتَجَنُُّهُ مَا يُسْتَرْذَلُ،
كَالأَكْلِ مَاشِياً وَالبَوْلِ فِي الطَّرِيقِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ .
وَأَمَّا الضَّبْطُ: فَهُوَ إِثْقَانُ الرَّاوِي مَا يَرْوِيِهِ، وَذَلِكَ بَأَنْ يَكُونَ مُتَقِّظاً
غَيْرَ مُغَفَّلٍ، حَافِظاً لِمَا يَرْوِبِهِ إِنْ كَانَ يَرْوِي مِنْ حِفْظِهِ، ضَابِطاً لِكِتَابِهِ إِنْ
كَانَ يَرْوِي مِنَ الكِتَابِ، عَالِماً بِمَعْنَى مَا يَرْوِيهِ؛ وَبِمَا يُحِيلُ المَعْنَى عَنِ
المُرَادِ إِنْ كَانَ يَرْوِي بِالمَعْنَی.
وَتَثْبُتُّ عَدَالَةُ الرَّاوِي: بِالشُّهْرَةِ فِي الخَيْرِ وَالثَّنَاءِ الجَمِيلِ، كَالأَئِمَّةِ
الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، أَوْ بِتَعْدِيلِ الأَئِمَّةِ، أَوْ تَعْدِيلِ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ، أَوْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَيَثْبُتُ الضَّبْطُ: بِمُوَافَقَةِ النَّقَاتِ المُتْقِنِينَ، وَلاَ تَضُرُّ المُخَالَفَةُ
النَّادِرَةُ، فَإِنْ كَثُرَتْ رُدَّتْ رِوَايَتُهُ لِعَدَمٍ ضَبْطِهِ.
حُكْمُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَهْلِ البدَعِ:
تُرَدُّ رِوَايَةُ المُتْتَدِعِ إِنْ كَانَتْ بِدْعَتُهُ مُكَفِّرَةً، بِأَنْ أَنْكَرَ أَمْراً مِنَ الشَّرْعِ
مَعْلُوماً مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، أَوِ اعْتَقَدَ عَكْسَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ، كَالمُجَسِّمَةِ
وَالقَائِلِينَ بِعَدَمِ العِلْمِ الإِلْهِيِّ بِالجُزْئِيَّاتِ ..
١٩٢

وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ بِدْعَتُهُ لاَ تُوجِبُ الكُفْرَ فَإِنْ كَانَ يَسْتَحِلُّ الكَذِبَ تُرَدُّ
أَيْضاً.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ لاَ يَسْتَحِلُّ الكَذِبَ فَتُعْبَلُ رِوَايَتُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً،
لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ دَاعِيَةً فَإِنَّ تَزْبِينَ بِدْعَتِهِ يَحْمِلُهُ عَلَى تَحْرِيفِ رِوَايَتِهِ.
وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ هَذَا التَّفْصِيلَ، وَقَالَ: هُوَ الأَظْهَرُ الأَعْدَلُ، وَقَوْلُ
الكَثِيرِ أَوِ الأَكْثَرِ .
وَقَيَّدَ الحَافِظُ أَبُو إِسْحَاقَ الجُوْزْ جَانِيُّ القَوْلَ بِقَبُولِ رِوَايَةٍ غَيْرِ
الدَّاعِيَّةِ بِمَا إِذَا لَمْ يَرْوِ مَا يُقَوِّي بِدْعَتَهُ.
قَالَ ابْنُ حَجٍَ: وَمَا قَالَهُ مُتَّجَةٌ، لأَنَّ العِلَّةَ الَّتِي رُدَّتْ بِهَا رِوَايَةُ
الدَّاعِيَّةِ وَارِدَةٌ فِيهِ أَيْضاً.
· مَرَاتِبُ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ:
قَدْ أَوْضَحَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي كِتَابِهِ (تَقْرِيبِ التَّهْذِيبِ) مَرَائِبَ
الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ، فَجَعَلَهَا اثْنَيْ عَشْرَةَ مَرْتَةً:
١- الصَّحَابَةُ رَضِيَ الله عَنْهُمْ.
٢- مَنْ أُكِّدَ مَدْحُهُ بِأَفْعَلَ، كَ أَوْنَقُ النَّاسِ، أَوْ يَتَكْرَارِ الصِّفَةِ لَفْظاً:
"كـ ثِقَةٌ ثِقَةٌ، أَوْ مَعْنَى: كـ ثِقَةٌ حَافِظٌ.
٣- مَنْ أُفْرِدَ بِصِفَةٍ: كَ ثِقَةٌ، أَوْ مُنْفِرٌ، أَوْ ثَبْتُ، أَوْ عَدْلٌ.
٤- مَنْ قَصُرَ عَمَّنْ قَبْلَهُ قَلِيلاً: كـ صَدُوقٌ، أَوْ لاَ بَأْسَ بِهِ، أَوْ لَيْسَ بِهِ
بأُسٌ.
١٩٣

٥- مَنْ قَصُرَ عَنِ الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ، وَيُشَارُ إِلَيْهِ: بِ صَدُوقٌ سَيِّءُ
الحِفْظِ، أَوْ صَدُوقٌ يَهِمُ، أَوْ لَهُ أَوْهَامٌ، أَوْ يُخْطِئُ، أَوْ تَغَيَّرَ بِآخِرِهِ.
وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَنْ رُمِيَ بِنَوْعٍ مِنَ الِدْعَةِ: كَالتَّشَبُّعِ وَالقَدَرِ وَالإِرْجَاءِ.
٦ - مَنْ لَيْسَ لَهُ مِنَ الحَدِيثِ إِلاَّ القَلِيلُ، وَلَمْ يَتْبُتْ فِيهِ مَا يُتْرَكُ
حَدِيثُهُ لأَجْلِهِ، وَيُشَارُ إِلَيْهِ بِلَفْظِ: مَقْبُولٌ حَيْثُ يُتَابَعُ؛ وَإِلَّا: فَلَيِّنُ الحَدِيثِ.
٧- مَنْ رَوَى عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ وَلَمْ يُوَثَّقْ، وَيُشَارُ إِلَيْهِ بِلَفْظِ:
مَسْتُورٌ، أَوْ مَجْهُولُ الحَالِ .
٨- مَنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ تَوْثِيقٌ لِمُعْتَبَرٍ، وَجَاءَ فِيهِ تَضْعِيفٌ وَلَوْ لَمْ
يُفَسَّرْ، وَإِلَيْهِ الإِشَارَةُ بِلَفْظِ: ضَعِيفٌ.
٩- مَنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَلَمْ يُؤَثَّقْ، وَيُشَارُ إِلَيْهِ بِلَفْظِ:
مَجْهُولُ العَيْنِ - أَيْ: لاَ يُعْرَفُ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ ..
١٠- مَنْ لَمْ يُؤَثَّقِ البَنَّةَ، وَضُعِّفَ مَعَ ذَلِكَ بِقَادِحٍ، وَيُشَارُ إِلَيْهِ:
بـ مَتْرُوٌ، أَوْ مَتْرُوكُ الحَدِيثِ، أَوْ وَاهِي الحَدِيثِ، أَوْ سَاقِطٌ.
١١ - مَنِ اتّهِمَ بِالكَذِبِ، وَيُقَالُ فِيهِ: مُتَّهَمٌّ، وَمُتَّهَمٌ بِالكَذِبِ - أَيُّ:
مُتَّهَمُّ بِتَعَمُّدِ الكَذِبِ؛ بِأَنْ يَكْذِبَ فِي الحَدِيثِ لاَ عَلَى وَجْهِ التَّعَمُّدِ
وَالتَّقَصُّدِ، وَلَكِنْ يَكْثُرُ مِنْهُ حَتَّى يُتَّهَمَ بِتَعَمُّدِهِ ..
١٢ - مَنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الكَذِبِ أَوِ الوَضْعِ، كَقَوْلِهِمْ: كَذَّابٌ، أَوْ
وَضَّاعٌ ، أَوْ مَا أَكْذَبَهُ.
١٩٤

فَمَنْ كَانَ مِنَ المَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ: فَحَدِيثُهُ مَقْبُولٌ وَغَالِبُهُ فِي
الصَّحِیحَیْنِ.
وَمَنْ كَانَ فِي الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ: فَهُوَ مَقْبُولٌ أَيْضاً، وَقَبُولُهُ فِي المَرْتَبَةِ
الثَّانِيَةِ، وَهُوَ مَا يُحَسِّنُ التِّرْمِذِيُّ، وَيَسْكُتُّ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ.
وَمَنْ كَانَ فِي الخَامِسَةِ وَالسَّادِسَةِ: فَإِنْ تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ وَتَقَوَّى بِمُتَابِعِ
أَوْ شَاهِدٍ فَحَسَنٌ لِغَيْرِهِ، وَإِلاَّ فَمَرْدُودٌ.
وَمَا كَانَ مِنَ السَّابِعَةِ إِلَى آخِرِ المَرَاتِبِ: فَضَعِيفٌ عَلَى اخْتِلاَفِ
دَرَجَاتِ الضَّعْفِ.
* عِبَارَاتٌ خَاصَّةٌ لِبَعْضِ المُحَدِّثِينَ:
١- قَدْ يُطْلِقُ الْبُخَارِيُّ كَلِمَاتٍ وَيُرِيدُ بِهَا مَعْنَى خَاصّاً، كَقَوْلِهِ فِي
الرَّجُلِ: سَكَنُوا عَنْهُ أَوْ فِيهِ نَظَرٌ، يَغْنِي: أَنَّهُ مَتْرُوكُ الحَدِيثِ، وَأَنَّهُ فِي
أَدْنَى المَنَازِلِ ، وَلَكِنَّ الْبُخَارِيَّ لَطِيفُ العِبَارَةِ فِي الَّجْرِيحِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ فَإِنَّهُ يُرِيدُ بِهِ الكَذَّابِينَ، كَمَا
نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ القَطّانِ حَيْثُ قَالَ: قَالَ البُخَارِيُّ: كُلَّ مَنْ قُلْتُ عَنْهُ: مُنْكَرُ
الحَدِيثِ فَلاَ تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ.
٢ - قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: إِذَا قُلْتُ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ فَهُوَ ثِقَةٌ.
٣- قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: أَخْبَرَنِي مَنْ لاَ أَنَّهِمُ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَخْبَرَنِي النَّقَةُ ،
خِلاَفاً لِلذَّهَبِيِّ حَيْثُ يَقُولُ: إِنَّهُ نَفْيٌ لِلتُّهْمَةِ فَقَطْ، وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ
لإِنْقَانِهِ، وَلَا لَأَنَّهُ حُجَّةٌ.
١٩٥

٤- قَوْلُ المُحَدِّثِ: أَخْبَرَنِي الثَّقَةُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَهُ لَا
يُكْتَفَى بِهِ فِي التَّعْدِيلِ، لأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ عِنْدَهُ ثِقَةً وَلَكِنْ لَوْ سَمَّاهُ لَجَرَّحَهُ غَيْرُهُ.
وَقِيلَ: يُكْتَفَى بِذَلِكَ كَمَا لَوْ سَمَّاهُ. فَإِنْ كَانَ القَائِلُ مُجْتَهِداً كَأَحَدِ
الأَئِمَّةِ مَثَلاً كَفَى فِي حَقِّ مُوَافِيهِ مِنْ أَهْلِ المَذْهَبِ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ.
مَتَّى يُقْبَلُ الجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ:
اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ هَلْ يُقْبَلاَنِ مُبْهَمَيْنِ - أَيْ: مِنْ
غَيْرِ ذِكْرٍ أَسْبَابِهِمَا - أَوْ لاَ؟.
١- فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى عَدَمٍ قَبُولِ ذَلِكَ بِدُونِ بَيَانِ السَّبَبِ فِي كُلِّ
20
مِنْهُمَا .
٢ - وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ ذِكْرَ السَّبَبِ فِي التَّعْدِيلِ دُونَ الجَرْحِ.
٣- وَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَ التَّعْدِيلَ مُبْهَماً، وَشَرَطَ فِي الجَرْحِ بَيَانَ السَّبَبِ
مُفَصَّلاً. وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ الصَّلاَحِ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا.
٤ - وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يُقْبَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا مُبْهَماً، إِذَا كَانَ الجَارِحُ
وَالْمُعَدِّلُ عَالِماً بِأَسْبَابِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، بَصِيراً مَرْضِيّاً فِي اعْتِقَادِهِ
وَأَفْعَالِهِ.
قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَهُوَ اخْتِيَارُ القَاضِي أَبِيْ بَكْرٍ ، وَنَقَلَهُ عَنِ الجُمْهُورِ .
٥- وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّ مَنْ جُرِحَ مُجْمَلاً وَقَدْ وَثَّقَهُ أَحَدُ أَئِمَّةِ
الحَدِيثِ: لَمْ يُقْبَلِ الجَرْعُ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّ مُفَسَّراً، لأَنَّهُ ثَبَتْ ثِقَتُهُ فَلاَ
تُسْلَبُ عَنْهُ إِلَّا بِأَمْرٍ جَلِيٍّ، وَأَمَّا إِذَا خَلاَ عَنِ التَّعْدِيلِ قُبِلَ الجَرْحُ فِيهِ غَيْرَ
١٩٦

مُفَسَّرٍ إِذَا صَدَرَ مِنْ عَارِفٍ، لأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعَدَّلْ فَهُوَ فِي حَيِّزِ المَجْهُولِ،
وَإِعْمَالُ قَوْلِ الجَارِحِ أَوْلَى مِنْ إِمْمَالِهِ.
* تَعَارُضُ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ:
وَأَمَّا إِذَا اجْتَمَعَ فِي الرَّاوِي جَرٌْ مُفَسَّرٌ وَتَعْدِيلٌ: فَالجَرْحُ مُقَدَّمٌ؛
وَلَوْ زَادَ عَدَدُ المُعَدِّلِينَ.
قَالَ السُّيُوطِيُّ: هَذَا هُوَ الأَصَحُّ عِنْدَ الفُقَهَاءِ وَالأُصُولِيِّينَ؛ وَنَقَلَهُ
الخَطِيبُ عَنْ جُمْهُورِ العُلَمَاءِ، لأَنَّ مَعَ الجَارِحِ زِيَادَةً لَمْ يَطَِّعْ عَلَيْهَا
المُعَدِّلُ، وَلأَنَّهُ مُصَدِّقٌ لِلْمُعَدِّلِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ ظَاهِرِ حَالِهِ، إِلاَّ أَنَّهُ
يُخْبِرُ عَنْ أَمْرٍ بَاطِنٍ خَفِيَ عَلَيْهِ.
وَقَيَّدَ الفُقَهَاءُ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَقُلِ المُعَدِّلُ: عَرَفْتُ السَّبَبَ الَّذِي ذَكَرَهُ
الجَارِحُ وَلَكِنَّهُ تَابَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ حِينَيَّذٍ يُقَدَّمُ المُعَدِّلُ.
وَقِيلَ: إِنْ زَادَ المُعَدِّلُونَ قُدِّمَ التَّعْدِيلُ.
هَذَا حُكْمُ التَّعَارُضِ بَيْنَ قَوْلَيْنِ لِعَالِمَيْنِ.
أَمَّا إِذَا تَعَارَضَ قَوْلاَنِ مِنْ عَالِمٍ وَاحِدٍ - كَمَا وَقَعَ مِنِ ابْنِ مَعِينٍ وَابْنِ
حِبَّنَ - فَالعَمَلُ عَلَى آخِرِ القَوْلَيْنِ إِنْ عُلِمَ ذَلِكَ؛ وَإِلَّ فَالتََّقُّفُ.
* مَا وَرَدَ مِنَ الطَّعْنِ عَلَى بَعْضِ الأَئِمَّةِ:
قَدْ يَرِدُ عَلَى لِسَانِ بَعْضِ العُلَّمَاءِ الطَّعْنُ فِي بَعْضِ الأَئِمَّةِ، أَوْ رُوَاةٍ
الحَدِيثِ الَّذِينَ هُمْ مَوْطِنُ ثِقَةٍ وَعَدَالَةٍ وَحُسْنٍ قَبُولٍ، وَذَلِكَ عَلَى وُجُوهٍ
وَأَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةِ الأَسْبَابِ:
١٩٧

قَدْ يَكُونُ السََّبُ فِي طَعْنِ بَعْضِ الأَئِمَّةِ نَاشِئاً عَنْ عَصَبِيَّةٍ مَذْهَبِيَّةٍ،
أَوِ اخْتِلاَفَاتِ اجْتِهَادِيَّةٍ ، أَوْ قَدْ يَكُونُ عَنْ مُنَافَسَاتٍ دُنْيَوِيَّةٍ .
فَهَذِهِ الطُّعُونُ لاَ يُعْبَأُ بِهَا مَا دَامَ المَطْعُونُ مَعْرُوفً بِالعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ ،
وَالصَّلاَحِ وَالنُّقَى.
قَالَ العَلَّمَةُ السُّبْكِيُّ فِي (الطََّقَاتِ الكُبْرَى): ١٨٧/١ تَحْتَ عُنْوَانِ
قَاعِدَةٌ فِي الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ: إِنَّ مَنْ تَبَتَتْ إِمَامَتُهُ وَعَدَالَّهُ، وَكَثُر مَادِحُوهُ
وَمُزَكُّوهُ، وَنَدَرَ جَارِحُ، وَكَانَتْ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى سَبَبِ جَرْحِهِ: مِنْ
تَعَصُّبٍ مَذْهَبِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنَّا لاَ تَلْتَفِتُّ إِلَى الجَرْحِ فِيهِ، وَنَعْمَلُ فِيهِ
بِالعَدَالَةِ ، وَإِلاَّ فَلَوْ فَتَحْنَا هَذَا الْبَابَ وَأَخَذْنَا بِتَقْدِيمِ الجَرْحِ عَلَى إِطْلاَقِهِ:
لَمَا سَلِمَ لَنَا أَحَدٌ مِنَ الأَئِمَّةِ، إِذْ مَا مِنْ إِمَامٍ إِلاَّ وَقَدْ طَعَنَ فِيهِ طَاعِنُونَ
وَهَلَكَ فِيهِ هَالِكُونَ.
وَقَدْ عَقَدَ الحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ العِلْمِ بَاباً فِي حُكْمٍ قَوْلِ
العُلَمَاءِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضِ ، بَدَأْ فِيهِ بِحَدِيثِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ الله عَنْهُ مَرْفُوعاً:
((دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ ... )) الحَدِيثَ.
وَرَوَى بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: (اسْتَمِعُوا
عِلْمَ العُلَمَاءِ وَلَا تُصَدِّقُوا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمْ
أَشَدُّ تَغَايُراً مِنَ النُّيُوسِ فِي زُرُوِهَا).
وَعَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: يُؤْخَذُ بِقَوْلِ العُلَمَاءِ وَالْقُرَّاءِ فِي كُلِّ شَيْءٍ
إِلَّا قَوْلَ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ .
١٩٨

ثُمَّ قَالَ العَلَّمَةُ السُّبْكِيُّ بَعْدَ نُقُولٍ جَمَّةٍ: قَدْ عَرَّفْنَاكَ أَوَّلاً أَنَّ
الجَارِحَ لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ الجَرْحُ وَإِن فَسَّرَهُ - فِي حَقِّ مَنْ غَلَبَتْ طَاعَتُهُ عَلَى
مَعَاصِيهِ، وَمَادِحُوهُ عَلَى ذَامِّيهِ، وَمُزَكَّوهُ عَلَى جَارِحِيهِ - إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ
قَرِينَةٌ يَشْهَدُ العَقْلُ بِأَنَّ مِثْلَهَا حَامِلٌ عَلَى الوَقِيعَةِ فِي الّذِي جَرَحَهُ: مِنْ
تَعَضُّبِ مَذْهَبِيٍّ، أَوْ مُنَافَسَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ؛ كَمَا يَكُونُ مِنَ النُّظَرَاءِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
فَقُولُ مَثَلاً: لاَ يُلْتَفَتُ إِلَى كَلاَمِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فِي مَالِكٍ، وَابْنِ
مَعِينٍ فِي الشَّافِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ فِي أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ، لأَنَّ هَؤُلاءِ أَئِمَّةُ
مَشْهُورُونَ، صَارَ الجَارِعُ لَهُمْ كَالآتِي بِخَبَرٍ غَرِيبٍ، لَوْ صَحَّ لَتَوَقَّرَتِ
الدَّوَاعِي عَلَى تَقْلِهِ، وَكَانَ القَطْعُ قَائِماً عَلَى كَذِهِ.
وَمِمَّا يَنْبُغِي أَنْ يُتَفَّقَّدَ عِنْدَ الجَرْحِ حَالُ العَقَائِدِ وَاخْتِلاَفُهَا، بِالنِّسْبَةِ
إِلَى الجَارِحِ وَالمَجْرُوحِ، فَرُبَّمَا خَالَفَ الجَارِعُ المَجْرُوحَ فِي العَقِيدَةِ
فَجَرَحَهُ لِذَلِكَ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الرَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ المُزَكُّونَ بُرَآءَ
مِنَ الشَّحْنَاءِ وَالعَصَبِيَّةِ فِي المَذْهَبِ، خَوْفاً مِنْ أَنْ يَحْمِلَهُمْ ذَلِكَ عَلَى
جَرْحٍ عَدْلٍ، أَوْ تَزْكِيَةِ فَاسِقٍ - وَقَدْ وَقَعُ هَذَا لِكَثِيرٍ مِنَ الأَئِمَّةِ.
وَقَدْ أَشَارَ شَيْخُ الإِسْلاَمِ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي كِتَابِهِ
(الاقْتِرَاحُ) إِلَى هَذَا وَقَالَ: أَعْرَاضُ المُسْلِمِينَ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ،
وَقَ عَلَى شَفِيرِهَا طَائِفَتَانِ مِنَ النَّاسِ: المُحَدِّثُونَ وَالحُكَّامُ.
قَالَ العَلَّمَةُ السُّبْكِيُّ: وَمِنْ أَمْئِلَةِ مَا قَدَّمْنَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ فِي البُخَارِيِّ:
تَرَكَهُ أَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَةِ اللَّفْظِ، فَيَالله وَالمُسْلِمِينَ!
١٩٩